|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الأمانة في سورة البقرة عبدالحميد قعباب 1- مقدمة: جاء عن سورة البقرة عدة أقوال من أهل العلم والتفسير. منها أنها تثبت سمو هذا الدين على ما سبقه وتبين لأتباعه شرائعه وإصلاح مجتمعهم؛ (ابن عاشور، 1984، ص 203). ومنها أنها تبسط موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة وتبني جماعتها وتُعِدُّها لحمل أمانة الدعوة والخلافة عوضًا عنهم. ومنها ربط الإماتة والإحياء بالتقوى من خلال القصص الواردة في السورة، وأن التقوى هي جوهر العبادة، وأن سلوك بني إسرائيل سلسلة لا انقطاع لها من الإفساد على امتداد التاريخ؛ (العبيدي والطوبجي، 2013، ص 200-210). ومنها ذكر موانع وأسباب الهداية؛ (النشمي، موقع صيد الفوائد) وإبراز مظاهر الرحمة في حفظ الضرورات الخمس؛ (بافرج، 2016، ص 356-419)، وغيرها... يهدف هذا المقال إلى بناء فهم للسورة على أساس انتظام تكرُّر بعض الكلمات فيها وعلاقاتها ببعضها وما قد يفيده ذلك في فهم السورة واستخراج محور لها. فالمتأمل في السورة يشده بصفة خاصة تكرر كلمات ثلاث وردت فيها في صيغ مختلفة، وهي: الهدى والتقوى والعهد أو الميثاق. سنتخذ هذه الكلمات كخيط ناظم للسورة وسنتطرق إلى معانيها وإلى علاقاتها ببعضها، وسنتبين أنها تحيل إلى كلمة انفردت بها سورة الأحزاب وهي الأمانة. من خلال الروابط بين مفاهيم الهدى والتقوى والعهد والأمانة سنتمكن من بناء أداة نسميها دائرة الأمانة تمكننا من وضع محور واحد للسورة رغم تعدُّد سياقاتها؛ وهو بيان رعاية الناس للأمانة في كل زمان ومكان. 2- دائرة الأمانة: احتوت السورة على خمسة سياقات: سياق دعوة الناس لعبادة الله، وسياق ذكر آدم عليه السلام، وسياق ذكر بني إسرائيل، وسياق ذكر إبراهيم عليه السلام، وسياق ذكر المؤمنين الذين شهدوا نزول القرآن. وقد وردت عناصر الخيط الناظم للسورة خلالها (الهدى والتقوى والعهد أو الميثاق) في صيغ مختلفة بحسب السياق الذي وردت. ولعل اعتبار جذر كل كلمة في العد يبين مدى تكرر الكلمة في السورة[1]. الهدى: أول ورود لكلمة الهدى في السورة هو في الآية الأولى منها وتشير في موضعها إلى معنيين: • الأول أن الهدى على معنى آخر سورة الفاتحة يجده طالبه في الكتاب؛ إذ إن الجزء من الآية إلى حد هذه الكلمة يمثل جملة تامة تام معناها. • الثاني أن بقية الآية متعلق بكلمة هدى؛ أي: إن المنتفعين بالهدى هم المتقون. اختار ابن عاشور (ابن عاشور، 1984، ص 26) لكلمتي الهدى والتقوى في الآية معناهما اللغوي. فالقرآن من شأنه الإيصال إلى المطالب الخيرية؛ إذ هو يدل عليها وعلى طريق الوصول إليها وهو ما يعرف بهدى الدلالة (أو الدلالة العامة). غير أن كثيرًا من الآيات يفهم منها للهدى معنى آخر اصطلح عليه العلماء بهدى التوفيق (أو الهداية الخاصة) ويذكر في القرآن بعبارة "هدى الله" وهو الوصول فعلًا إلى المطالب الخيرية عن طريق الانتفاع بهدى الدلالة الموجود في الكتاب. من ذلك مثلًا: ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 5] ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 120]. وقد وردت بهذه العبارة ثلاث مرات في سورة الأنعام، ومرتين في سورة البقرة، ومرة في كل من سورة آل عمران والنحل والزمر. أما هدى الدلالة فموكل إلى الرسل الذين يبلغون رسالة الله للعباد. وأما هدى التوفيق ففضل من الله سبحانه يختص به من سار على هدى الدلالة. أما من رغب عنها فيضل الطريق كمن هو في الظلمات ليس بخارج منها. التقوى: التقوى لغةً هو دفع شيء عن شيء بغيره (ابن فارس، ص 131) وهو أيضًا اتخاذ الوقاية (الجرجاني، 1983، ص 65). فالمتقون كما يختاره ابن عاشور هم الذين تجرَّدوا عن المكابرة، ونزهوا أنفسهم عن حضيض التقليد للمضلين؛ (ابن عاشور، 1984، ص 226). تعددت تعريفات التقوى عند العلماء لتعدُّد سياقات ورودها في القرآن، وسنستعيض عن ذكرها بما ورد عن عبدالله بن مسعود في تفسير الآية 102 من سورة آل عمران ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102] قال: أن يُطاع، فلا يُعصى، ويُذكر، فلا ينسى، وأن يُشكر، فلا يُكفر؛ (الحنبلي، 1997، ص 401) وقول عبدالله بن عباس: المتقون الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء منه؛ (الحنبلي، 2001، ص 361). ولعل الآية 177 من سورة البقرة ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]، والآية 33 من سورة الزمر ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [الزمر: 33]، قد فصَّلتا واجملتا معنى التقوى؛ إذ جمعت الأولى عناصر الإيمان والإسلام، والثانية علقته بالتوحيد والعبادة فيتبيَّن من الآيتين أن التقوى هي الدين كله كما ذكره عبدالله بن عبده العواضي؛ (العواضي، 2018، ص 99). ويذكر الإمام النووي في "قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: التقوى ها هنا وَيُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ.... أَنَّ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ لَا يَحْصُلُ بِهَا التَّقْوَى؛ وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِمَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ مِنْ عَظَمَةِ الله تعالى وخشيته ومراقبته"؛ (النووي، 1392 هـ، ص 121). فالتقوى عمل من أعمال القلوب. ويقول ابن تيمية: إن "القلب هو الأصل فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد؛ ألا وهي القلب". وقال أبو هريرة: القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده؛ (ابن تيمية، 2004، ص 187). يمكن بذلك القول بأن التقوى نوعان: فطري وكسبي. • أما الفطري فهو فيما يذكره ابن تيمية "أن ليس من شرط هذا التقي المؤمن أن يكون كان من المتقين المؤمنين قبل سماع القرآن، فإن هذا أولًا ممتنع؛ إذ لا يكون مؤمنًا متقيًا من لم يسمع شيئًا من القرآن. وثانيًا: أن الشرط يجب أن يقارن المشروط، لا يجب أن يتقدمه تقدمًا زمنيًّا؛ كاستقبال القبلة في الصلاة... وثالثًا: أن... لا بد مع الفاعل من القابل؛ إذ الكلام لا يؤثر فيمن لا يكون قابلًا له..."؛ (ابن تيمية، 2004، ص 15). وهذا يلتقي مع ما ذكره البقاعي في قوله: "ولما كان ذلك- أي الانتفاع بما في الكتاب- يستلزم الهدى، قال: (هدى) وخص المنتفعين؛ لأن الألد لا دواء له، والمتعنت لا يرده شيء، فقال: (للمتقين)؛ أي: الذين جبلوا في أصل الخلقة على التقوى؛ فأفهم ذلك أن غيرهم لا يهتدي به بل يرتاب"؛ (البقاعي، 1969، ص 81). فالقابلية عند ابن تيمية والجبلة عند البقاعي ما هي إلا الفطرة المذكورة في الآية 30 من سورة الروم ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30]. وقد أشار ابن القيم في الفوائد في قاعدة الانتفاع بالقرآن أن تأثير الكتاب (القرآن المجيد) يتم للقلب الحي الذي توفَّر فيه شرط الإصغاء، وانتفى عنه مانع الاشتغال، فيحصل له الأثر وهو الانتفاع؛ (ابن قيم الجوزية، 1973، ص 3). وقد "ذَكر النَّبيُّ فيما يروي عن ربِّه تبارك وتعالى أنه قال: إني خلقتُ عبادي حُنفاءَ وأنهم أتتْهم الشياطينُ فاجتالتْهم عن دينِهم، وحرَّمتْ عليهم ما أحللْتُ لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنزِلْ به سلطانًا"[2]، وَأما قَوْله- صلى الله عليه وسلم -: "خلقت عبادي حنفاء"، فَهُوَ- وَالله أعلم- إِشَارَة إلى الْمعرفَة الغريزية الَّتِي هِيَ مركبة فيهم. قَالَ (إسماعيل الأصبهاني صاحب الحجة): "وَقد ذكر بعض أهل الْعلم أَن الْفطْرَة هَا هُنَا هِيَ الْفطْرَة الغريزية الَّتِي هِيَ مَوْجُودَة فِي كل إِنْسَان. فَإِن كل أحد يرجع إلى غريزته عرف خالقه. وَذَلِكَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾، وَهَذِه الْمعرفَة هِيَ الْمعرفَة الَّتِي أخبر الله تَعَالَى بوجودها من الْكفَّار، وَذَلِكَ فِي قَوْله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [لقمان: 25]، وَقَوله تَعَالَى: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [العنكبوت: 65]، فحين ظَهرت لَهُم حَال الضَّرُورَة وانقطعوا عَن أَسبَاب الْخلق، وَلم يبْق لَهُم تعلق بِأحد ظَهرت فيهم الْمعرفَة الغريزية، إِلَّا أَنَّهَا غير نافعة. إِنَّمَا النافعة هِيَ الْمعرفَة الكسبية، فالله تَعَالَى فطر النَّاس عَلَى الْمعرفَة الغريزية، وَطلب مِنْهُم الْمعرفَة الكسبية، وعلق الثَّوَاب بهَا وَالْعِقَاب عَلَى تَركهَا"؛ (الأصبهاني، 1999، ص 41). • وأما المعنى الكسبي للتقوى فهو عمل الجوارح تجاه الرب وتجاه الخلق بما يتلقاه العبد من رسالة الهدى التي يبعث بها كل نبي إلى قومه. ولعل هذا الجانب هو الذي استأثر بتسمية التقوى لدى الكثير. والتقوى الكسبية هي مناط الثواب أو العقاب. العهد: يقول الجرجاني عن العهد بأنه حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال... ثم استعمل (أي: العهد) في الموثق الذي تلزم مراعاته (الجرجاني، 1983، ص 159). وذكر القرطبي عن الميثاق بأنه الْعَهْدُ الْمُؤَكَّدُ بِالْيَمِينِ؛ (القرطبي، 1964، ص 247). سنختار فيما يلي ترادفهما إذا ذكرا فيما بين العبد وربه. تعلق العهد في القرآن الكريم بآدم وبذريته من بعده. فخوطب به آدم عليه السلام وهو في الجنة بعدما سواه وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا به يدرك ويختار، وعلمه الأسماء كلها، وأسجد له الملائكة إلا إبليس أبى فأخبره بعداوته. وبيان هذا العهد أن يأكل هو وزوجه من كل ما في الجنة إلا شجرة واحدة وأن يتخذا الشيطان عدوًّا[3]. وأما العهد لذريته فجاء في الآية 172 من سورة الأعراف ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 172]. قال ابن عجيبة عن هذا العهد أنه الإقرار منهم بالربوبية والقيام بوظائف العبودية[4]؛ (ابن عجيبة، 1419هـ، ص 140) كما ستدعوهم رسل الله إلى ذلك. وفي كثير من الأحيان يذكر مع العهد مآل نقضه أو الوفاء به؛ كما في سورة الرعد الآية 20 وما بعدها ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴾ [الرعد: 20]، ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 23، 24]، ويكون غالبًا مقرونًا ببعض أوصاف كل فريق. الأمانة: وإن لم ترد كلمة الأمانة في السورة إلا أن علاقة الأمانة بالعهد والهدى والتقوى ستتبيَّن كما يلي. فالهدى سبب وشرط للتقوى (بمعناها الكسبي) والتقوى نتيجة للهدى كما يقول تبارك وتعالى في الآية 17 من سورة محمد: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد: 17]، فالذين فتحوا قلوبهم للهدى الذي جاء به الرسول واتَّبعوه يورثهم الله مزيدًا من الهدى ويتحوَّل ما كان عندهم من التقوى الفطرية إلى تقوى كسبية. وتكون نتيجة تقواهم أن يستجيبوا لداعي الله بالعبادة والطاعة. وذكرت سورة الأنعام للمستمعين لداعي الله صنفين: الذين اعرضوا والذين استجابوا ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إليه يُرْجَعُونَ ﴾ [الأنعام: 36]، أما الموتى فلم يتوفر لديهم شرط رغبة الانتفاع بالقرآن (أي: الهدى أو الرسالة) وكان لديهم المانع فلم يستجيبوا على عكس الذين يسمعون. وقد لاحظنا اقتران ذكر العهد بذكر الأمانة في آيتين تكررتا بنفس النص: الآية 8 من سورة المؤمنون والآية 32 من سورة المعارج في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ [المؤمنون: 8، المعارج: 32]، وجاء في الآيتين قراءتان لـ "أماناتهم"، فقرأها الجمهور بالجمع، وقرأها ابن كثير بالتوحيد، فيُفهم من هذا أمور ثلاثة: • إن الأمانات في قراءة الجمهور قد ترجع إلى الأمانات التي استودعها الله الإنسان، وأمره بحفظها، فيدخل فيها حفظ الجوارح من كل ما لا يرضي الله، وحفظ ما ائتمن عليه من حقوق الناس والعهود؛ (الشنقيطي، 1955، ص 319)؛ لأنها ستشهد له أو عليه كما تبينه عديد الآيات، وترجع أيضًا إلى ما جاء في سورة الأنفال 27: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27]، وقد جاء كذلك في هذه الآية قراءتان؛ إذ قرأها مجاهد بالتوحيد؛ (الإبياري، 1414 هـ)، فخيانة الله في الإشراك به، وعبادة الشيطان، وخيانة الرسول في عدم اتباعه، وذكر الماتريدي أن "جعل اللَّه عز وجل هذه الأمة وسطًا عدلًا بقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143]؛ فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا قد جعلكم اللَّه أمناء عدلًا وسطًا، فلا تخونوا اللَّه فيه؛ (الماتريدي، 2005، ص 183)، وقال غيره ما يعادله. • وإن الأمانة بالإفراد في قراءة ابن كثير يمكن ردها إلى كلمة الأمانة التي انفردت بها سورة الأحزاب. • وإن العهد لم يذكر في القرآن إلا مفردًا، وقد يشير إلى موضوع السياق؛ كالوصية والعقود، أو إلى كل ما أمر الله تعالى به أو نهى عنه؛ (الواحدي، 1430هـ، ص 329). من هذا يمكن الربط بين العهد والتقوى والهدى من جهة، والأمانة من جهة أخرى، ويظهر ذلك كما يلي: إن الوفاء بالعهد هو نتيجة للتقوى، وإن التقوى هي نتيجة لقبول الهدى، وإن الوفاء بالعهد يدل على رعاية الأمانة، ويؤدي إلى مزيد من الهدى، وإن المزيد من الهدى يؤدي إلى مزيد من التقوى، ومن ذلك مزيد من الوفاء والرعاية إلخ... والعكس بالعكس، فتتكون علاقة سببية دائرية بين الكلمات الثلاث، سنصطلح على تسميتها بدائرة الأمانة، فهي تجمع بين كل عوامل رعاية الأمانة أو خيانتها، ثم إن التقاء أول الدائرة بآخرها لا يكون في نفس مستوى الهداية، ولا نفس مستوى الوفاء؛ بل يتخذ شكلًا لولبيًّا؛ إما في اتجاه الارتقاء بالوفاء والتقوى والهدى والرعاية، أو بالتردي في النقض والفساد والضلال والخيانة. 3. دائرة الأمانة في سياقات السورة: سيتبين فيما يلي أن سياقات السورة رغم اختلافها فهي تستجيب لنفس منطق الفهم؛ وهو منطق دائرة الأمانة؛ أي: إن الهداية تؤدي إلى التقوى، وهذه إلى الوفاء بالعهد، وجميعها إلى رعاية الأمانة، وتتواصل في الارتقاء لبلوغ الدرجات العلى، وفي الاتجاه الآخر إن الضلال يؤدي إلى العدوان، وهذا إلى نقض العهد، وهذا إلى خيانة الأمانة، وتتواصل في التردي إلى بلوغ الدرك الأسفل. السياق الأول: دعوة الناس للعبادة: يمتد السياق الأول من أول السورة إلى الآية 28: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 29]، ونجد فيه: • دعوة لكل الناس للوفاء بعهد الله الذي عاهدهم عليه، وهم في عالم الذر أن يقرُّوا بالربوبية، ويأتوا بوظائف العبودية، ويرعوا الأمانة التي حملوها. • بشارة للراعين، ونذارة للخائنين بصنفيهم (كافرين ومنافقين). • آيات لتحدي المرتابين وإعجازهم. • بيان لسنة الله في عباده؛ إذ سيفترقون في هذه الدعوة إلى متقين وكافرين ومخادعين. ولأن الناس يولدون حنفاء، ثم تجتالهم الشياطين بعد ذلك؛ فمنهم مَن يبقى على الفطرة، ويقوده هدى الدلالة إلى هدى التوفيق، فيكون من المتقين المفلحين الذين أوفوا بعهد الله، ورعوا أمانتهم، ومنهم مَن يعرض ويستكبر، ومنهم مَن يظهر ويخفي، وكلاهما كَفَر، واشترى الضلالة بالهدى؛ فنقض العهد، وخان الأمانة فما أفلح، فيرسم هذا التسلسل دورة الأمانة التي يخضع لها كل العباد في كل زمان وفي كل مكان. السياق الثاني: رُبَّ معصية أورثت ذلًّا وانكسارًا: يمتد هذا السياق من الآية 30: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30]، إلى حدود الآية 39: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 39]، وفيه بيان لجميع الناس أصلهم الذي نُسِلوا منه: (آدم وزوجه)، وما كان منهما مع أمانتهما من حيث العبادة وطاعة الأمر والنهي؛ في الأكل والشرب، واتخاذ الشيطان عدوًّا، فأضلهما الشيطان عما نهوا عنه، ومنَّاهما بالخلد والملك، وأمرهما بالأكل من الشجرة؛ فتحقق من ذلك أمور: • ظلم الإنسان لنفسه المذكور في سورة الأحزاب؛ بغفلته ونسيانه، وجهله بأسباب ضعفه؛ ظاهرها وخفيها، وبمدى تحمله للأمانة. • سلامة أصل العبودية لآدم وزوجه بالإقرار بالذنب، وطلب المغفرة، كما ذكره التويجري: "ولما سلم لآدم أصل العبودية لم يقدح فيه الذنب، وحين علم اللطيف الخبير أن ذنب عبده لم يكن قصدًا لمخالفته، ولا قدحًا في حكمته، علمه كيف يعتذر إليه: ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 37]؛ (التويجري، 1432هـ، ص 559)، وذكر الخازن في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ [طه: 115]، "وقيل: معناه: لم نجد له عزمًا على المقام على المعصية، فيكون إلى المدح أقرب"؛ (الخازن، 1415هـ، ص 214). وقد ذكر ابن عطاء الله السكندري في حكمه: أن "معصية أورثت ذلًّا وافتقارًا خير من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا"، فكان هذا حال آدم وزوجه. • ربط أول دائرة الأمانة (الهدى) بآخرها (الرعاية أو الخيانة) بواسطة الإقرار بالذنب وبالتوبة؛ بحيث يؤدي الإبصار بعد الغفلة إلى مزيد من الهداية، وهذا إلى مزيد من التقوى، ومن ثم مزيد من الوفاء بالعهد، ورعاية الأمانة، كما ذكره الترمذي في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد: 17]، فَكلما عمل العَبْد طَاعَة فَإِنَّمَا يعملها من الاهتداء؛ فيزيده الله هدًى؛ أَي: نورًا يورثه التَّقْوَى، وَلَا تكون التَّقْوَى إِلَّا من الْخَوْف والخشية"؛ (الترمذي، 1431هـ، ص 123). • إن الإشراك بالله، واتباع الآباء فيما لم يأتِ به الأنبياء إنما هو من الشيطان، ومن النفس؛ كما قاله ابن عاشور في التحرير والتنوير: "فإن في ذلك- أي: قصة آدم- تذكيرًا لهم بالخلق الأول قبل أن توجد أصنامهم التي يزعمونها من صالحي قوم نوح ومَن بعدهم، ومنَّة على النوع؛ بتفضيل أصلهم على مخلوقات هذا العالم، وبمزيته بعلم ما لم يعلمه أهل الملأ الأعلى، وكيف نشأت عداوة الشيطان له ولنسله؛ لتهيئة نفوس السامعين لاتهام شهواتها ولمحاسبتها على دعواتها"؛ (ابن عاشور، 1984، ص 204). السياق الثالث: أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه: يمتد هذا السياق من الآية 40: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [البقرة: 40] إلى الآية 123: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ [البقرة: 123]، في إطار هذا السياق نذكر أن عذاب الاستئصال كان ساريًا في القرى والأمم التي تكذب رسلها[5]، حتى بعث الله موسى[6]، فيكون آخر مَن أهلك استئصالًا فرعون وقومه، فلم يبقَ من المهلكين إلا بعض الآثار، وبعض الأحاديث التي لا يجد فيها اللاحقون تفاصيل ما عاشه الرسل مع أقوامهم من نقض العهد والخيانة والتكذيب، فيكون وجه المناسبة من ورود قصة بني إسرائيل بعد قصة آدم عليه السلام إعلام أمة الدعوة عامة وأمة الإجابة خاصة بما كان من بني إسرائيل مع عهد ربهم ومع رسله، فقد كانت تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، فمنهم مَن قُتلوا، ومنهم مَن كذِّبوا، وما كان منهم مع مَن جاورهم أو عاشرهم بشكل مفصل يغطي كل أوجه معاملاتهم وعقائدهم الفاسدة، ما أسروا منها وما أعلنوا عبرة وتحذيرًا للاحقين من الوقوع في ما وقع فيه هؤلاء، وإنهم قوم لم تنفع معهم شدة موسى، ولا فصحة هارون شيئًا. بدأت الآيات بتذكير بني اسرائيل بنعم الله عليهم، واستمالتهم للوفاء بعهده سبحانه، وقد أخذ عليهم سابقًا، وهم في عالم الذرِّ، ثم ببعثة موسى، ثم ببعثة عيسى، وما أرسل الله بعدهم من أنبياء إلا وذكّروهم به، وهو معروض عليهم مع النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وخُتمت الآيات بتذكيرهم بنعم الله تعالى عليهم، وإنذارهم من مغبة ما يعملون.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |