التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         سلسلة دول الإسلام في أعالي البحار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          المرأة والأسرة --------- متجدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 152 - عددالزوار : 109584 )           »          شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 28 - عددالزوار : 25056 )           »          أعمال اليوم الثاني عشر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          حكم الإشهاد على الطلاق والرجعة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          وقفات مع عشر ذي الحجة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 7 - عددالزوار : 4949 )           »          أعمال يوم العيد وما بعده (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          الحديث الثامن والثلاثون: استحباب إدخال السرور على المسلمين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          ثمرات اتصاف المسلم بالرحمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          من فضائل حسن الخلق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 1361 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 30-04-2026, 07:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,090
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 291 الى صـــ 310
الحلقة (441)



وحديث نافع أَنَّ ابن عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ رسول الله - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوَيةَ، ثُمَّ حُدَّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارعِ، فَذَهَبَ ابن عُمَرَ إِلَى رَافِعٍ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ كِرَاءِ المَزَارعِ. فَقَالَ ابن عُمَرَ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمَا عَلَى الأَرْبِعَاءِ وَبِشَيءٍ مِنَ التِّبْنِ.
وحديث ابن عمر: كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّ الأَرْضَ تُكْرى. ثُمّ خَشِيَ عَبْدُ اللهِ أَنْ يَكُونَ رسول الله - ﷺ - قدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ.
الشرح:
هذِه الأحاديث أخرجها كلها مسلم (١) وقد سلف الكلام عليها، وتعليق الربيع بن نافع أسنده مسلم أيضًا فقال: حدثنا حسن الحلواني، ثنا أبو توبة. فذكره (٢). وقوله: (رافقًا) أي: ذا رفق، كقوله: ناصب: أي: ذو نصب، وقد يكون بمعنى: مرفق كما ذكره ابن التين.

-----------
(١) حديث رافع بن خديج عن عمه أخرجه مسلم (١٥٤٧/ ١٢٢، ١٥٤٨/ ١٤٤) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض.
- وحديث عطاء عن جابر أخرجه مسلم (١٥٣٦/ ٨٩) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض.
- وحديث ابن عباس أخرجه مسلم (١٥٥٠/ ١٢٠) كتاب: البيوع، باب: الأرض تمنح.
- وحديث ابن عمر أخرجه مسلم أيضًا (١٥٤٧) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض.
(٢) مسلم (١٥٤٤) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض.



وفي الحديث: «من باع بالدراهم سلط الله عليه تالفًا» أي: متلفًا (١).
و(المحاقل): المزارع كما سلف. و(الربيع): الساقية. قاله الخطابي (٢). وقال ابن فارس: هو النهر (٣). وقال الجوهري: الجدول (٤)، وقيل: النهر الصغير، و(الأربعاء): جمع ربيع، وهو النهر الصغير.
قال الداودي: قد تبين أنَّ النهي عن الكراء بالربع مما يخرج منها؛ لأنه مجهول. قال: وذكر التبن والشعير معه فصار مجهولًا ومعلومًا فلا يجوز. وكأن الداودي حمل النهي على أنه جزء من الأرض، والصحيح أنَّ معناه: أنَّ ما جاءت به الساقية وهو الربيع، فهو خاص لرب الأرض، وفي بعض الروايات: على الربيع والأوسق، وهو نحو قول الداودي.

----------
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما وجدته عند أحمد ٤/ ٤٤٥ بلفظ «من باع عقدة مال سلط الله عليها تالفًا يتلفها» والبخاري في «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٣٧، وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١١٠: رواه أحمد وفيه: رجل لم يسم، ورواه الطحاوي في «المشكل» ٤/ ١٩٦ (٢٤٩٥) بلفظ: «ما من عبد يبيع تالف إلا سلط الله عليه تالفًا» وكذا رواه الطبراني في «الكبير» ١٨/ ٢٢٢ (٥٥٥) وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١١٠: رواه الطبراني في «الكبير» وفيه: بشير بن شريح وهو ضعيف.
وعن معقل بن يسار يرفعه بلفظ: «أيما رجل باع عقدة من غير حاجة بعث الله له تالفًا».
وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١١١: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه: جماعة لم أعرفهم، منهم عبد الله بن يعلى الليثي، وضعف الألباني الروايتين في «الضعيفة» (٤٥٧٧) «ضعيف الجامع» (٥٢٠٠).
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٥٧.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٥٨، «المجمل» ١/ ٤١٥ مادة: (ريع).
(٤) «الصحاح» ٣/ ١٢١٢.



وقوله: «أزرعوها» أي: امنحوها من يزرعها لنفسه، يقال: أزرعته أرضًا إذا جعلتها له مزرعة.
وأرعيته: جعلت له مرعى، وأسقيته بئرًا: جعلت له سقياها.
وحديث جابر: «فليزرعها أو ليمنحها فإن أبي فليمسك أرضه»، قد بينه بقوله: (كانوا يزرعونها بالثلث والربع والماذيانات)، فانتهى ابن عمر عن ذلك، وخشي أن يكون حدث ما لم يعلم.
واحتج من جوَّز المزارعة بحديث ابن عمر في معاملته - عليه السلام - مع أهل خيبر بالشطر.
واحتج من منع بحديث رافع عن عمه، وبحديث جابر، وبترك ابن عمر إجارة الأرض من أجل ما جاء في ذلك، وقد سلف واضحًا.
وذكرنا ثم اختلاف العلماء في كرائها بالطعام، فعند الأئمة -خلافًا لمالك-: جوازه، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو ثور، وروي عن النخعي وعكرمة وسعيد بن جبير (١).

------------
(١) انظر: «المبسوط» ٢/ ٣٨ - ٣٩، «المدونة» ٣/ ٤٧٠، «الأم» ٣/ ٢٤٠، «المغني» ٧/ ٥٧٠.


١٩ - باب كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَمْثَلَ مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ أَنْ تَسْتَأْجِرُوا الأَرْضَ البَيْضَاءَ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ.
٢٣٤٦، ٢٣٤٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمَّايَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ. وَقَالَ اللَّيْثُ وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الفَهْمِ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ المُخَاطَرَةِ. [انظر: ٢٣٣٩ - مسلم: ١٥٤٧، ١٥٤٨ - فتح: ٥/ ٢٥]
ثم ساق حديث رافع بن خديج: حَدَّثَنِي عَمَّايَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الارْضَ عَلَى عَهْدِ رسول الله - ﷺ - بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ أَوْ بِشَيءٍ يَسْتَثْييهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِرَافِع: فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ فَقَالَ رَافِع بن خديج: لَيْسَ بِهَا بًاسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: من ها هنا. وَقَالَ اللَّيْثُ: أُرَاهُ وَكَانَ الذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الفَهْمِ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ المُخَاطَرَةِ.
انفرد البخاري بزيادة كلام الليث إلى آخره.
وأثر ابن عباس رواه وكيع في «مصنفه» عن سفيان، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:


إنَّ أمثل ما أنتم صانعون أنْ تستاجروا الأرض البيضاء بالذهب
والفضة (١).
وفي «مصنف ابن أبي شيبة»: حُكي جواز ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وسالم، وعروة، والزهري، وإبراهيم، وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، وذكر حديث رافع مرفوعًا في جواز ذلك (٢).
وفي حديث سعيد (بن يزيد) (٣): وأمرنا النبي - ﷺ - أن نكريها بالذهب والورق (٤).
وعمَّا رافع ستعلمهما في غزاة بدر.
وأمَّا حكم الباب: وهو كراء الأرض بالذهب والفضة فإجماع إلَّا من شذَّ كما أسلفته، قال ابن المنذر: أجمع الصحابة على جوازه (٥)، وذهب ربيعة إلى أنَّ الأرض لا يجوز أنْ تكرى بغيره.
وقال طاوس: لا تكرى بالذهب ولا بالفضة، وتكرى بالثلث والربع.

---------
(١) هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» عن وكيع به ٤/ ٤٩٤ (٢٢٤٢٩).
(٢) روى ابن أبي شيبة هذِه الآثار والحديث في «المصنف» ٤/ ٤٩٣ - ٤٩٤.
(٣) كذا في الأصل والصواب ابن المسيب كما في تخريج الحديث عند أحمد وغيره وسيأتي ذكره في التخريج التالي.
(٤) رواه أبو داود (٣٣٩١)، والنسائي ٧/ ٤١، وأحمد ١/ ١٧٦، ١٨٢ والبزار ٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩ (١٠٨١)، وابن حبان في «صحيحه» ١١/ ٦١٢ (٥٢٠١) كلهم من طريق محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص به، وقال الحافظ في «الفتح» ٥/ ٢٥: رجاله ثقات إلا أن محمد بن عكرمة المخزومي لم يرو عنه إلا إبراهيم بن سعد.
(٥) انظر: «الإجماع» ص ١٤٣، و«الإشراف» ٢/ ٧٣.



وقال الحسن البصري: لا يجوز أن تكرى الأرض بشيء لا بذهب ولا فضة (١) ولا غيرهما، حجته حديث رافع عن النهي عن كرائها مطلقًا، وقال: إذا استؤجرت وحرث فيها لعله أنْ يحترق زرعه فيردها وقد زادت بحرثه لها، فينتفع رب الأرض بتلك الزيادة دون المستأجر. وليس بشيء لأنَّ سائر البيوع لا تخلو من شيء من الغرر، والسلامة منها أكثر، ولو روعي في البيوع ما يجوز أن يحدث لم يصح بيع، ولا وجه لأجل خشية ما يحدث، وقد ثبت عن رافع في هذا الباب أنَّ كراء الأرض بالنقدين جائز، وذلك مضاف إلى رسول الله - ﷺ -، وهو خاص يقضي على العام، الذي فيه النهي عن كري الأرض بغير استثناء ذهب ولا فضة، والزائد من الأخبار أولى أنْ يؤخذ به، لئلا تتعارض الأخبار ويسقط شيء منها.
وقال الخطابي: لا خلاف في الصحة إذا كان نقدًا (٢).

-----------
(١) هذان الأثران رواهما ابن حزم في «المحلى» ٨/ ٢١٣ عن ابن أبي شيبة بسنده عنهما.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٥٨.



٢٠ - باب
٢٣٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ. قَالَ: فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الجِبَالِ، فَيَقُولُ اللهُ: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ». فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: وَاللهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ -. [٧٥١٩ - فتح: ٥/ ٢٧]
ذكر فيه حديث أبي هريرة أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ. قَالَ: فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الجِبَالِ، فَيَقُولُ اللهُ تعالى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ». فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: وَاللهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ -.
أخرجه أبو يعلى في «مسنده» موقوفًا، وفيه: «فبذر حبه» (١).
والحديث دال أنَّ كل ما اشتهي في الجنة من أعمال الدنيا ولذاتها فممكن فيها؛ لقوله تعالى ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] والطرف بفتح الطاء وإسكان الراء هو امتداد لَحْظِ الإنسان حيث أدرك، وقيل: طرف العين: حركتها، أي: تحرك أجفانها.

------------
(١) لم أقف عليه.


و(البادية) (١) وفي رواية: (البدو) وهما بغير همز؛ لأنَّه من: بدا الرجل يبدو إذا خرج إلى البادية فنزلها، والاسم البداوة بفتح الباء وكسرها هذا هو المشهور، وحكي بدأ بالهمز يبدؤ وهو قليل.
وفيه: من لزم طريقة أو حالة من الخير أو الشر أنه يجوز وصفه بها، ولا حرج على واصفه بالشر إن لزم طريقته.
وفيه: ما جبل الله نفوس بني آدم عليه من الاستكثار والرغبة في متاع الدنيا؛ لأنَّ الله تعالى أغنى أهل الجنة عن نصب الدنيا وتعبها فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤].
وقوله: («دونك يا ابن آدم») فيه فضل القناعة والاقتصار على البلغة، وذم الشَّرَهِ والرغبة.

-----------
(١) ورد بهامش الأصل: هذا كلام صاحبا «المطالع» ورقمه.


٢١ - باب مَا جَاءَ فِي الغَرْسِ
٢٣٤٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا كُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ سِلْقٍ لَنَا كُنَّا نَغْرِسُهُ فِي أَرْبِعَائِنَا فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ -لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ -، فَإِذَا صَلَّيْنَا الجُمُعَةَ زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا، فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةَ. [انظر: ٩٣٨ - مسلم: ٨٥٩ - فتح: ٥/ ٢٧]

٢٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ. وَاللهُ المَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ. وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمًا: «لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا». فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا، حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَاللهِ لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] [انظر: ١١٨ - مسلم: ٢٤٩٢ - فتح: ٥/ ٢٨]
ذكر حديث سهل بن سعد: قَالَ: لنَفْرَح يَوْم الجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوز تَأْخُذُ مِنْ أصُولِ سِلْقٍ .. الحديث.
وحديث أبي هريرة: قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ. والله المَوْعِدُ .. إلى آخره.


تقدَّما: الأول في الصلاة (١)، والثاني في البيع (٢). و(الموعد): بفتح الميم، أي: حسيب من يقول، وهناك يعلم صدقي ويجازيني.
وفيه: عمل الصحابة في الحرث والزرع بأيديهم وخدمة ذلك بأنفسهم، ألا ترى قول أبي هريرة: وإنَّ إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكذلك المرأة العجوز كانت تغرس السلق لرسول الله وأصحابه، ففي هذا أنَّ الامتهان في طلب المعاش للرجال والنساء من فعل الصالحين، وأنه لا عار فيه ولا نقيصة على أهل الفضل.
وفيه: إجابة المرأة الصالحة إلى الطعام.
وفيه: دليل على التهجير بالجمعة والمبادرة إليها عند أول الزوال.
وإنما كانوا يشتغلون بالغسل ومراعاة التهجير عن قائلتهم المعروفة في سائر الأيام، فلا يجدون السبيل إليها إلَّا بعد الصلاة، لا أنهم كانوا يصلونها قبل الزوال كما ظن بعضهم وخالف قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (٣).

---------
(١) سلف برقم (٩٣٨) باب: قول الله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾.
(٢) سلف في البيع برقم (٢٠٤٧) باب: ما جاء في قول الله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ وقد سلف قبل في العلم برقم (١١٨) باب: حفظ العلم.
(٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٩٠ بتصرف.



٤٢
كتاب المساقاة


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٤٢ - كتاب المساقاة
باب فِي الشُّرْبِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. [الواقعة: ٦٨ - ٧٠].
الأُجَاجُ: المُرُّ، المُزْنُ: السَّحَابُ. [فتح: ٥/ ٢٩]
الشرح:
(الشرب) بكسر الشين: النصيب والحظ من الماء، قاله ابن التين؛ قال: ومنْ ضبطه بضم الشين (١) أراد المصدر، وسبقه إلى ذلك أبو المعالي في «المنتهى» فقال: الشرب بالكسر: النصيب والحظ من
الماء، يقال: كم شرب أرضك، وفي المثل: آخرها شربًا أقلها شربًا (٢).

-----------
(١) ورد بهامش الأصل: والضم والكسر في «المطالع»، ونقل الضم الأصيلي.
(٢) انظر: «جمهرة الأمثال» ١/ ٨١، «مجمع الأمثال» ص ٤٣.



وأصله في سقي الماء لأنَّ آخر الإبل ترد وقد نزف الحوض، وقد سمع الكسائي عن العرب أقلها شربًا على الوجوه الثلاثة: يعني: الفتح، والضم، والكسر، قال: وسمعهم أيضًا يقولون: أعذب الله شربكم بالكسر، أي: ماءكم، وقيل: الشرب أيضًا وقت الشرب، وعن أبي عبيدة: الشرب بالفتح المصدر وبالضم والكسر (١) يقال: شرب يشرب شربًا.
بالحركات الثلاثة، وقرئ: (فشاربون شرب الهيم) بالوجوه الثلاث (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
قال قتادة: مخلوق من الماء (٣)، فإنْ قلت: قد رأينا مخلوقًا من الماء غير حي. قلت: أجاب عنه قطرب أنه لم يقل: لم يخلق من الماء إلَّا حيًّا، وقيل: معناه أنَّ كل حيوان أرضي لا يعيش إلَّا بالماء، وقال الربيع بن أنس: من الماء، أي: من النطفة (٤).
قال ابن بطال: أراد به حياة جميع الحيوان الذي يعيش في الماء. قال: ومن قرأ: ﴿حَيًّا﴾ (٥) يدخل فيه الحيوان والجماد؛ لأنَّ الزرع والشجر لهما موت، إذا جفت ويبست، وحياتها: خضرتها ونضرتها.

---------
(١) «مجاز القرآن» ٢/ ٨٩.
(٢) ذكره العكبري في «التبيان» ص ٧٣٨.
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ٢١.
(٤) رواه الربيع عن أبي العالية كما عند مجاهد في «تفسيره» ١/ ٤٠٩.
(٥) ذكرها ابن الجوزي في «زاد المسير» ٥/ ٣٤٨ وقال: قرأ بها ابن أبي عبلة، ومعاذ القارئ، وحميد بن قيس.



والمزن: السحاب (١) كما سلف قاله مجاهد وقتادة (٢)، والقطعة منها: مزنة، ويقال للهلال: ابن مزنة. و(الأجاج): المرّ كذا فسره البخاري، وهو قول أبي عبيدة (٣)، وفي بعض النسخ بدله: الملح، وقال ابن سيده: الأجاج: الملح، وقيل: الشديد المرارة، وقيل: الشديد الحرارة (٤)، وقال ابن فارس: هو الملح، ويقال: الحار (٥).
عدَّد الله تعالى على عباده نعمه في خلقه لهم الماء عذبًا يتلذذون بشربه وتنمو به ثمارهم، ولو شاء لجعله مالحًا فلا يشربون منه ولا ينتفعون به في زروعهم وثمارهم ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠]
أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٩١.
(٢) «تفسير مجاهد» ٢/ ٦٥١، ورواهما الطبري في «تفسيره» ١١/ ٦٥٥.
(٣) ذكر نحوه في «مجاز القرآن» ٢/ ٧٧.
(٤) «المحكم» ٧/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٥) «مقاييس اللغة» ص ٢٦ (أجَّ).



١ - باب فِي الشُّرْبِ، وَمَنْ رَأَى (١) صَدَقَةَ المَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً، مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ
(فراتًا: عذبًا، ثجَّاجًا: منصبًا) (٢) وَقَالَ عُثْمَانُ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ المُسْلِمِينَ». فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ.

٢٣٥١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ القَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ؟». قَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. [٢٣٦٦، ٢٤٥١، ٢٦٠٢، ٢٦٠٥، ٥٦٢٠ - مسلم: ٢٠٣٠ - فتح: ٥/ ٢٩]

٢٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَاةٌ دَاجِنٌ وَهْيَ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَشِيبَ لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنَ البِئْرِ التِي فِي دَارِ أَنَسٍ، فَأَعْطَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - القَدَحَ

---------
(١) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ في ابن بطال: باب من رأى إلى آخره، انتهى وكذا في نسختي أنا.
(٢) كذا في الأصل، وعلم عليها (لا .. إلى).
قلت: وقوله: (ثجَّاجًا منصبًا) من رواية أبي ذر، وقوله: (فراتًا: عذبًا) من رواية المستملي؛ كلاهما في الباب السابق، كذا في هامش اليونينية ٣/ ١٠٩. وهذِه العلامة أشار ابن الصلاح رحمه الله إلى أنها تحسن لما يصح في رواية ويسقط في أخرى، النوع الخامس والعشرون، من «المقدمة».
قلت: وكذا شرحه هنا المصنف وكان حقه الباب السابق أن يشرحه في السابق. والله أعلم.



فَشَرِبَ مِنْهُ، حَتَّى إِذَا نَزَعَ القَدَحَ مِنْ فِيهِ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ عُمَرُ، وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَعْرَابِيَّ: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدَكَ. فَأَعْطَاهُ الأَعْرَابِيَّ الذِي عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: «الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ». [٢٥٧١، ٥٦١٢، ٥٦١٩ - مسلم: ٢٠٢٩ - فتح: ٥/ ٣٠]
ثم ساق حديث أبي حازم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ القَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِي الأَشْيَاخَ؟». قَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللهِ. فَأعْطَاهُ إِياهُ.
وحديث أنس أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَاةٌ دَاجِنٌ وَهْيَ فِي دَارِ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ، وَشِيبَ لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنَ البِئْرِ التِي فِي دَارِ أَنَسٍ، فَأَعْطَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - القَدَحَ فَشَرِبَ وشرب معه، حَتَّى إِذَا نَزَعَ القَدَحَ مِنْ فِيهِ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ عُمَرُ، وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَعْرَابِيَّ: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدَكَ. فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ الذِي
عَلَى يَمِينِهِ، ثُمّ قَالَ: «الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ».
الشرح:
قوله: (فراتًا: عذبًا)، يُقال: ماءٌ فرات ومياه فرات، وقوله: (ثجاجًا) صبَّابًا، وقال مجاهد: منصبًا (١) كما ذكره في الأصل، وقيل: متدفقًا، وقيل: سيالًا، وهو متقارب.
والماء في الحقيقة منصب أو مصبوب.
وتعليق عثمان أسنده في باب: إذا وقف أرضًا أو بئرًا واشترط لنفسه مثل دِلَاء المسلمين فقال:

----------
(١) «تفسير مجاهد» ٢/ ٧١٩ - ٧٢٠.


وقال عبدان (١): أخبرني أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن: أنَّ عثمان حين حوصر أشرف عليهم فقال: أنشدكم ولا أنشد إلَّا أصحاب النبي - ﷺ -، ألستم تعلمون أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من حفر بئر رومة فله الجنة» فحفرتها، الحديث (٢).
وأسنده الإسماعيلي بلفظه من حديث أحمد بن سنان والقاسم بن محمد: ثنا عبدان عبد الله بن عثمان به. وأبو نعيم من حديث القاسم المروزي، ثنا عبدان فذكره، ولعل المراد بالحفر الشراء. وفي الترمذي من حديث أبي عبد الرحمن السُلمي: لما حصر عثمان، الحديث: أذكركم بالله، هل تعلمون أن رومة لم يكن يشرب منها أحد إلَّا بثمن فابتعتها فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا: اللهم نعم. ثم قال: حسن صحيح غريب (٣).
ثم رواه من حديث ثمامة بن حزن القشيري: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألَّباكم علي؟ فجيء بهما، كأنهما جملان أو كأنهما حماران، فقال: أنشدكم بالله والإِسلام، هل تعلمون أنَّ رسول الله - ﷺ - قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة؟ فقال: «من يشتريها فيجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟». فاشتريتها من صلب مالي .. الحديث. ثم قال: حسن، وقد رُوي من غير وجه عن عثمان (٤).

----------
(١) ورد بهامش الأصل: هذا محمول على أنه حدث به في المذاكرة وأخذ من هذِه العبارة، (قال لي) ويسميه قوم تعليقًا.
(٢) سيأتي برقم (٢٧٧٨) كتاب: الوصايا.
(٣) «سنن الترمذي» (٣٦٩٩).
(٤) الترمذي (٣٧٠٣).



ورواه النسائي من طرق أيضًا بلفظ: «من يشتري بئر رومة؟» (١).
قال ابن بطال: ورواه معتمر، عن أبي نضرة عن أبي سعيد -مولى ابن أسد- عنه (٢).
وزعم الكلبي أنه كان قبل أن يشتريها عثمان يُشترى منها كل قربة بدرهم.
وزعم الإسماعيلي أنَّ البخاري بوَّب: دلوه فيها كدِلاء المسلمين (٣)، قال: ولم يذكر فيه حديثًا وكذا قاله ابن المنير (٤)، وقد علمت أنَّه مذكور هنا.
قال ابن التين: وفي رواية أخرى: «وله الجنة» وقد أسلفتها لك، ثم نقل عن الشيخ أبي الحسن: أنَّ أصل آبار الصدقة التي تبنى في الطريق للمشقة فكل بئر للصدقة، فإنما دلوه مع دلاء المسلمين.
وأمَّا ابن بطال فذكره في الباب قبله أيضًا.
وقال: بئر رومة كانت ليهودي، وكان يقفل عليها بقفل ويغيب، فيأتي المسلمون ليشربوا منها الماء فلا يجدونه حاضرًا فيرجعون بغير ماء، فشكا المسلمون ذلك، فقال - ﷺ - من يشتريها ويبيحها للمسلمين،

----------
(١) النسائي ٦/ ٢٣٤ - ٢٣٧ وقال الألباني في «الإرواء» (١٥٩٤) حسن. وقد علقه البخاري بصيغة الجزم.
(٢) «شرح ابن بطال» ٨/ ٢٠٣.
قلت: هكذا ذكره عن ابن بطال فقال عن معتمر ووقع في المطبوع منه: معمر بن سليمان عن أبي نضرة وهو خطأ؛ لأن معتمرًا إنما رواه عن أبيه -سليمان التيمي- عن أبي نضرة كما عند ابن خزيمة في «صحيحه» ٤/ ١٢٢ (٢٤٩٣) وابن حبان في «صحيحه» ١٥/ ٣٥٧.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني الباب الآتي في الوقف.
(٤) «المتواري» ص ٢٦٤. وليس فيه ما ذكره المصنف.



ويكون نصيبه فيها كنصيب أحدهم وله الجنة فاشتراها عثمان.
قال: وهو حجة لمالك ومن وافقه أنه لا بأس ببيع الآبار والعيون في الحضر إذا احتفرها لنفسه لا للصدقة، فلا بأس ببيع مائها، وكره بيع ما حفر من الآبار في الصحراء من غير أنْ يحرِّمه (١). وقوله: «فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين» يعني: يوقفها ويكون حظه منها كحظ غيره من غير مزية، وظاهره أنَّ له الانتفاع إذا شرطه، قال: ولا شك أنَّه إذا جعلها للسقاة أنَّ له الشرب إن لم يشرطه، لدخوله في جملتهم، بخلاف العقار، فلابد في الانتفاع به من الشرط، أنْ يكون نصيبه فيه كنصيب أحد المسلمين، وإلَّا فلا ينتفع به؛ لأنه أخرجه لله فلا رجوع فيه، قال: والفرق بين البئر والعقار: أنَّ سائر الغلات تنقطع في أوقات ما، وإذا أخذ منها المحبس فقد حرم ذلك الشيء أهل الحاجة، وانفرد به وماء الآبار لا ينقطع أبدًا لأنها نابعة، فلا يحرم أحدًا من أهل الحاجة ما أخذ منها محبسها، وسيأتي ما يجوز انتفاع المحبس به من حبسه في الوقف في باب: هل ينتفع الواقف (بوقفه) (٢).
وحديث سهل بن سعد، روى (أبو حازم) (٣) هذا الحديث عن أبيه؛ فقال فيه: وعن يساره أبو بكر، وذكر أبي بكر فيه عندهم خطأ وإنما هو محفوظ من حديث الزهري (٤).

--------
(١) انظر «المدونة» ٣/ ٢٨٩.
(٢) في الأصل: بنفسه والمثبت هو الصواب، وانظر: «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٩١ - ٤٩٣.
(٣) كذا بالأصل، وذكر ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ١٢١ أن اسمه ابن أبي حازم، حيث قال: روى ابن أبي حازم هذا الحديث عن أبيه، فقال فيه: وعن يساره أبو بكر، ثم ساق معنى حديث مالك سواء. اهـ.
(٤) قاله ابن عبد البر في «التمهد» ٢١/ ١٢١. ويقصد بحديث ابن شهاب الحديث الذي رواه مالك في «موطئه» عنه عن أنس بن مالك.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,723.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,721.59 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.10%)]