|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
أدب الخطاب في نداءات الأنبياء من وشيجة القربى إلى مسؤولية الرسالة عبد الرازق فالح جرار من الأساليب اللغوية المثيرة في القرآن الكريم أسلوب النداء؛ إذ يتجاوز مجرد تنبيه المنادى ولفت انتباهه بل يتجاوزه إلى أبعاد إنسانية أعمق، ولعل المتدبر نداءات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى ذويهم وأقوامهم يجد فيها مزيجًا عجيبًا بين عاطفة القربى، وواجب أداء الرسالة الإلهية، ولعل من الأمثلة التي يتوقف عندها المرء كثيرًا النداء في قصتي نوح وإبراهيم عليهما السلام؛ بما تُظهره هاتان القصتان من مشاعر جياشة تجاه ذوي القربى، وما يتطلبه من أداء الرسالة الإلهية الصارمة. أولًا: نداء التحبب والشفقة في قصة نوح عليه السلام: لم يفتر نوح عليه السلام يومًا عن دعوة أهله وقومه إلى وحدانية الله عز وجل وعبادته وحده، ولكن النتيجة كما وصفها القرآن الكريم: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]، وفي لحظة من الذهول والعظمة الإلهية انهمرت السماء وتفجرت عيون الأرض وارتفعت الأمواج كالجبال؛ هنا نوح الأب وهو ينادي ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: 42]، فقد استخدم القرآن الكريم على لسان نوح عليه السلام صيغة التصغير (بني) في نداء ابنه التي تفيد التحبب والتودد والشفقة، فلم يناده باسمه المجرد أو بوصفه أحد الكفار، بل تكاد تسمع حشرجة صوته في استدعاء لأرق أنواع الروابط الإنسانية وهو خوف الأب على ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود: 42] نداء يحمل معاني الشفقة على ولده، ويمد له جسور الأمل للنجاة بنفسه من الغرق في الدنيا والعذاب في الآخرة، فيما ينتهي النداء بحلول الفيضان بينهما؛ فرغم العاطفة الأبوية الجياشة التي أبداها نوح نحو ابنه إلا أنها لم تغنِ من الحق شيئًا؛ ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: 43]. ثانيًا: نداء إبراهيم عليه السلام لأبيه: فقد ظهر نداء إبراهيم عليه السلام لأبيه نداءً يحمل معاني التوقير والتبجيل؛ إذ يتكرر نداء ﴿يَا أَبَتِ﴾ في سورة مريم؛ فحذف ياء المتكلم فيه دلالة على المبالغة والتعظيم والمحبة، كما أن هذا الأسلوب حمل في ثناياه استعطافًا ورحمةً ومحاولةً لكسر جمود الكبرياء لدى أبيه (آزر)، وفي كل مرة يكرر فيها إبراهيم نداءه لأبيه (آزر) يظهر قدرًا كبيرًا من التلطف والرفق في ترك عبادة الأوثان واستبدالها بعبادة الله وحده: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42]، ثم انظر كيف نسب العلم لنفسه ولم ينسب الجهل لأبيه تأدبًا وتوقيرًا: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 43]، ولكن (آزر) بقي على عناده، ثم يستخدم معه نداء الناصح: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: 44]، ثم استخدم معه نداء الخوف عليه والرحمة به من عذاب الله: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: 45]، فنجد أن إبراهيم عليه السلام كرر ﴿يَا أَبَتِ﴾ أربع مرات في سورة مريم؛ فكلما طرح إبراهيم قضيةً (عبادة الأصنام، العلم الذي أوتي، اتباع الصراط، الخوف من العذاب)؛ وربما يهدف هذا التكرار إلى إلحاح إبراهيم عليه السلام على استمالة أبيه نحو الهداية والوحدانية، ويؤكد له أن الدافع هو الحب والعطف والخوف عليه من المصير المحتوم، ولم يغنِ هذا كله مع عناد (آزر). وأخيرًا: يتجلى الخطاب في قصتي نوح وإبراهيم عليهما السلام كجسر واصل بين عاطفة مرتبطة بذوي القربى، وحزم المسؤولية في تبليغ الدعوة؛ فقد كشف النداء في القصتين سمو الخطاب القرآني في تحقيق توازن دقيق بين النداء الذي يفيض رقةً ومحبةً استجابةً للرابط الأسري، وبين وقار النبوة والثبات على الدعوة والتكليف، إن هذا النموذج يبين عبقرية البلاغة القرآنية في تطويع اللغة لتلائم مقتضى الحال؛ فتكون عاطفة القرابة ممزوجةً ببوتقة الرسالة؛ لتكون الدعوة والهداية هي الغاية الأسمى والأبقى.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |