|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
لسان الصدق وأثره الباقي بين الناس د. أحمد بن حمد البوعلي الخطبة الأولى الحمد لله العظيم في ملكه، الحكيم في أمره، الذي جعل للإنسان حياتين؛ حياةً يعيشها بين الناس، وحياةً أخرى تظل ذكرًا خالدًا بعد موته، نحمده سبحانه على ما أولانا من نعمه، ونشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي رفعه الله ذكرًا، وجعل له لسان صدق في العالمين، أما بعد:أيها المؤمنون، إن أعمار الناس قصيرة، وسنواتهم تمضي، والدنيا لا تبقي على أحد، غير أن الله بلطفه وعدله ورحمته جعل للعبد بابًا ثالثًا من الحياة، يبقى فيه ذكره، وتجري به حسناته، ويسطع به أثره وإن واراه التراب؛ ذلك هو الذكر الحسن، ولسان الصدق نعمة رفيعة، لا ينالها إلا أصحاب الأعمال الصادقة، والقلوب المخلصة، والنفوس العاملة بما يرضي الله. ولسان الصدق ليس كلمة تقال، ولا مدحًا يُلقى؛ بل هو أثر عظيم يتفضل الله به على عباده الصالحين، فيجعل لهم محبة بين الناس، وثناءً حسنًا يتردد في الألسنة جيلًا بعد جيل، وثقة وذكرًا لا يُشترى بمال، ولا يُنال بحيلة، ولا يُكتسب بسمعة مصطنعة. عباد الله، من طبيعة الإنسان أنه يحب الذكر الحسن، ويميل إلى المدح والثناء، مع أنه مخلوق فقير، لم يكن شيئًا مذكورًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ [الإنسان: 1]. والكلمة الطيبة تبقي في النفس حلاوة، كما أن الكلمة السيئة تترك مرارة لا تُنسى، ولا يكاد أحد من الناس يستغني عن الثناء، ولو بقي له في الدنيا يوم واحد لتَمَنَّى فيه كلمة تُسعد قلبه. يقول الله تعالى عن دعاء الخليل عليه السلام: ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ [الشعراء: 84]، قال المفسرون: أي ثناءً حسنًا يبقى في الأمم إلى يوم القيامة. قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين ﴾ [آل عمران: 67]، وقال عز وجل: ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 68]. ومن أعظم الدلائل على رفعة مقامه أن ذكره يقترن بذكر نبينا صلى الله عليه وسلم في الصلاة على النبي، وفي أعلى المقامات والمنابر. وقد جعل الله للخليل وذريته لسان صدق، فقال تعالى: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الصافات: 108 - 110]. والذكر الجميل للخليل وذريته هو من الحسنات التي أثابهم الله بها في الدنيا؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [العنكبوت: 27]. ولم يسأل إبراهيم عليه السلام ذكرًا ممتدًّا لمال أو جاه أو سلطان؛ وإنما سأله بدين الله، وإخلاص العبادة، وإقامة التوحيد؛ ولهذا أمر الله نبيه باتباع ملة إبراهيم، فقال: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 123]. وقد أفاض الله على ذريته من بعده الثناء الحسن؛ كما قال عز وجل: ﴿ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ﴾ [ص: 45 - 47]. فهذا يدل على أن بقاء الذكر الحسن عطية ربانية لا تنال إلا بطاعة الله، فجعل الله ذكره باقيًا في الأمم؛ وهو دليل على أن الثناء الحسن ثمرة صلاح واصطفاء. وقال أيضًا في القبول العام وإنه علامة رضاه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [مريم: 96]، فالقبول بين الناس ليس صدفة؛ بل علامة على صلاح السريرة. عباد الله، وقد بالغ بعض الشعراء في مدح الناس طلبًا للأعطيات، والتقرب إلى أصحاب الجاه، حتى وضعوا منازل للناس بالكذب، ورفعوا أقوامًا بغير حقيقة، وربما خلعوا على البشر صفات لا تليق إلا بربِّ العالمين، وكثير مما يمدح به الناس يندثر باندثار أهله؛ لأنه بلا صدق ولا عمل. أما الذكر الحسن الذي يبقى، فهو ما كان مبنيًّا على صدق العمل، وإخلاص النية، وبذل الخير؛ ولهذا سأل الخليل عليه السلام ربَّه بقلب مخلص، فقال: ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ [الشعراء: 84]. ومن كمال هذه النعمة أن الله قال: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾ [مريم: 50]، فالثناء الجميل على الصالحين هو جزاء من الله لعباده الصادقين. ويتبقى لأتباع الرسل من لسان الصدق بقدر صدق إيمانهم، وإخلاص نياتهم، وخدمتهم لدين الله، والعمل بميراث الأنبياء من العلم والتعليم، فخدمة العلم وتعليمه من أعظم ما يبقي الذكر الطيب، ويحفظ أثر الإنسان بعد رحيله. اللهم طهر قلوبنا، وأصلح أعمالنا، واجعل لنا لسان صدق في الآخرين؛ إنك سميع مجيب. الخطبة الثانية الحمد لله، أما بعد:أيها المسلمون، فإن من كمال عدل الله أنه يجزي المحسن بإحسانه، ولو كان كافرًا، فيعطيه من ثواب الدنيا ما يناسب إخلاصه فيما أحسن، وإن كان لا نصيب له في الآخرة. وقد دل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا»[1]. ومن صور الجزاء الدنيوي للكافر، بقاء الذكر الطيب على بعض أعماله، كما بقي ذكر حاتم الطائي بكرمه، وابن جدعان بصلة رحمه، وكما بقي ذكر بعض العلماء والمخترعين لما قدموه للناس من نفع. لكن المؤمن يعمل ابتغاء وجه الله، فإذا أثني عليه صدقًا لم يضره ذلك، قال الإمام مالك رحمه الله: "لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحًا إذا قصد به وجه الله"[2]. وقد وعد الله المؤمنين بالقبول بينهم، فقال سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [مريم: 96]؛ أي: محبة في قلوب عباده. والذكر الحسن حياة ثانية، فكم من رجل مات وبقيت آثاره! والميزان في ذلك هو السريرة، قال ابن الجوزي رحمه الله: "رأيت من يكثر العبادة، والقلوب تنبو عنه، ورأيت من ليس له كبير عمل، والقلوب تتهافت على محبته، فعلمت أن الأمر سريرة"[3]. فاللهم أصلح بواطننا، وتقبل أعمالنا، وبارك في علمنا وتعليمنا، واجعل لنا ذكرًا حسنًا بعد موتنا، ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴾ [الطارق: 9، 10]. [1] رواه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إذا هم العبد بحسنة، حديث رقم 2808، عن أنس بن مالك رضي الله عنه. [2] ذكره ابن عبدالبر في التمهيد (21/ 263). [3] صيد الخاطر (ص 143).
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |