«عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الاستقامة في الكتاب والسنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          أخذ الأب لمال الابن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          ربط الترتيب الزمني بين موقف الحشر والشفاعة لأهل الموقف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          الناسخ والمنسوخ - أبو جعفر محمد بن إسماعيل النحاس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 29 - عددالزوار : 2892 )           »          ادخلوها بسلام آمنين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          الآخرة وأثرها في إصلاح النفس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          الإعجاز الرباني في الجسد الإنساني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          قصة يوسف والهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          وقفة بيانية مع سورة قريش (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          هل يمكن الوصول إلى ترجمة فائقة لمعاني القرآن؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 08-04-2026, 12:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,678
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قول الله تعالى:

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ... ﴾



تفسير قول الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 133 - 136].

قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾.

نهى عز وجل المؤمنين في الآيات السابقة عن أكل الربا، وأمرهم بتقواه عز وجل واتقاء النار، وطاعته عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم، ورتَّب على ذلك الفلاح والرحمة، ثم أتبع ذلك بأمرهم بالمسارعة إلى مغفرته وجنته الواسعة التي أعدها للمتقين، وهذا أشبه بالبيان والتأكيد؛ لقوله: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران: 132].

قوله: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر: «سارعوا» بدون عطف، وقرأ الباقون بالعطف: ﴿ وَسَارِعُوا ﴾، فهو معطوف على «أطيعوا»، أو على «اتَّقوا».

والمسارعة: المسابقة والمنافسة؛ كما قال تعالى: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: 21]، وقال تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ [الواقعة: 10 - 12]، وقال تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: 148]، وقال تعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26].

والمسارعة: مفاعلة كالمغالبة، أي: ليسبق بعضكم بعضًا، أي: تنافسوا أيكم يسبق الآخر إلى مغفرة ربكم وجنته الواسعة، وفي هذا أمر بالمسارعة والمنافسة، وهو أيضًا مبالغة في طلب الإسراع، وفي ذلك كله ما لا يَخفى من الإغراء والترغيب في المسارعة إلى مغفرة الرب وجنته.

﴿ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾: المغفرة: ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته؛ أي: وسارعوا إلى طلب ونيل مغفرة من ربكم بالاستغفار والتوبة من الذنوب، وبالأعمال الصالحة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114]، وقال تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ [النساء: 31].

وفي الحديث: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»[1].

وفي تنكير وتنوين «مغفرة» ووصفها بقوله: ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ تعظيم لها؛ لأنها من الرب الخالق المالك المدبر- سبحانه - المربي عبادَه بجميع النعم الظاهرة والباطنة.

﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾: معطوف على «مغفرة»، أي: وسارعوا إلى جنة عرضها السموات والأرض.

والجنة هي الدار التي أعدها الله لعباده المؤمنين وأوليائه المتقين، فيها من ألوان النعيم ما لا يَقدِر قدرَه إلا الربُّ العظيم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]، فيها كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أُذن سمِعت، ولا خطر على قلب بشر»[2].

أي: وسارعوا إلى جنة من ربكم عرضها السموات والأرض بالأعمال الصالحة.

وبحصول مغفرة الرب - عز وجل - يزول المكروه والمرهوب، وبدخول جنته يحصل المحبوب والمطلوب- نسأل الله من فضله.

﴿ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾: الجملة في محل جر صفة لـ«جنة»، أي: عرضها كعرض السماوات والأرض؛ كما قال تعالى في سورة الحديد: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحديد: 21].

والعرض يطلق على ما يقابل الطول وليس مرادًا هنا، ويطلق على الاتساع، وهو المراد هنا، والشيء العريض هو الواسع في العرض بخلاف الطويل غير العريض، فهو ضيق، ولهذا ذكر هنا عرض الجنة للدلالة على سَعتها، وكما قيل:
كأن بلاد الله وهي عريضة
على الخائف المذعور كِفَّةُ حابِلِ[3]




وأيضًا: فإن الجنة مقببة مستديرة، والشيء المقبب المستدير عرضه كطوله.

والجنة قبة تحت العرش؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، أُراه فوقه عرش الرحمن، ومنه تُفجَّر أنهار الجنة»[4].

قال ابن كثير[5]: «وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ تنبيهًا على اتساع طولها، وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح» وذكر حديث: «إذا سألتم الله الجنة...».

وفي هذا الحديث دلالة على أن الجنة فوق السماوات تحت العرش في أعلى عليين، كما أن النار تحت الأرض في أسفل سافلين.

﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الجملة في محل جر صفة ثانية لـ«جنة».

﴿ أُعِدَّتْ ﴾: بُني الفعل لما لم يُسمَّ فاعله؛ ليوافق قوله في النار: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 131]، ولأن المعد لها معلوم وهو الله - عز وجل - كما قال تعالى: ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 89].

ومعنى ﴿ أُعِدَّتْ ﴾: هيِّئت وجهِّزت؛ أي: أعدها الله - عز وجل - وجهزها ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الذين اتقوا الله - عز وجل - واتَّخذوا وقايةً من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وبالإيمان ظاهرًا وباطنًا؛ كما قال تعالى في آية سورة الحديد: ﴿ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [الحديد: 21].

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

أمَر عز وجل في الآية السابقة بالمسارعة إلى مغفرته وجنته التي أعدها للمتقين، ثم نوَّه ببعض صفاتهم، فقال: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ الآية.

قوله: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ ﴾: اسم موصول في محل جر صفة «للمتقين».

وبدأ بذكر وصفهم بالإنفاق في السراء والضراء، ليقابل - والله أعلم - ما نهى عنه قبل هذا في قوله: ﴿ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾ [آل عمران: 130]؛ لأن الإنفاق ضد أكل الربا، فالإنفاق مأمورٌ به ومحمود، وأكل الربا منهي عنه ومذموم.

ولأن المال شريك الحياة وعزيز على النفس، فإنفاقه دليل صدق وقوة الإيمان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «والصدقة برهان»[6].

والإنفاق: إخراج المال وبذله، والمراد به هنا الإنفاق في سبيل الخير ابتغاءَ مَرضاة الله تعالى من النفقات الواجبة؛ كالزكاة والإنفاق على الأهل، ونحو ذلك، والنفقات المستحبة من الصدقات والهَدية، ونحو ذلك.

ولم يذكر مفعول ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾؛ ليعم كل ما ينفق ويبذل من نقودٍ وأعيانٍ ومنافعَ، وغير ذلك، كما لم يذكر المنفق فيه؛ ليعم جميع مجالات الإنفاق، واجبة كانت أو مستحبة.

﴿ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾؛ أي: في حال السراء والضراء، والسراء: ما يسر، أي: في حال الرخاء والسعة واليسر، ونحو ذلك، و«الضراء»: ما يضر، أي: في حال الشدة والضيق والعسر، ونحو ذلك.

فهم ينفقون في الحالين، فليسوا ينفقون في السراء فقط، ويمسكون في الضراء، بل ينفقون حتى في الضراء، فلا يَمنَعهم ضيقُ الحال من الإنفاق قدرَ وُسعهم؛ كما قال تعالى: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7].

وإذا كانوا ينفقون في السراء والضراء، فهم ينفقون في جميع الأحوال والأوقات؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 274]، والإنفاق في الضراء أشدُّ وأصعب، وعليه المحك، فهو أدلُّ على حقيقة التقوى.

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾: معطوف على ما قبله، وهذه هي الصفة الثانية من صفات المتقين. و«الكاظمين»: جمع «كاظم»، و«الكظم» معناه: الكتم والإمساك مع شدة الألم والتأثر.

وفي الحديث: «إذا تثاءَب أحدكم فليَكظِم ما استطاع»[7]؛ أي: أن يمنع فتح فمه ما استطاع مع شدة ذلك.

والغيظ: الحنق وشدة الغضب الموجب للانتقام بالقول، والفعل بالطبيعة البشرية، فالكاظم الذي امتلأ قلبه غيظًا وغضبًا وحبسَه؛ قال تعالى: ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 84]؛ أي: ممتلئ قلبه حزنًا، وقال تعالى عن يونس - عليه السلام -: ﴿ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ [القلم: 48]؛ أي: ممتلئ قلبه غمًّا وهمًّا؛ أي: والذين يكتمون ويخفون ويمسكون غيظهم وغضبَهم، فإذا اغتاظوا وثاروا، واشتد غضبهم، حبَسوا غيظهم ومنعوه، ولم يَحمِلْهم على الانتقام أو التشفِّي بقول أو فعل، وهذا من أشد ما يكون على النفس؛ وذلك لأن أقوى القوى تأثيرًا في النفس القوة الغاضبة، تشتهي إظهار الغضب والتنفس بما في داخل النفس من الغضب، فإذا استطاع الإنسان إمساك مظاهرها مع الامتلاء منها، دلَّ ذلك على عزيمة في النفس وقهرًا لإرادة الشهوة، وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة، وهو القوة حقًّا، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»[8].

وقال صلى الله عليه وسلم: «فما تَعدون الصُّرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا تصرعه الرجال، قال: ليس بذلك، ولكنه الذي يَملِك نفسه عند الغضب»[9].

وكظمُ الغيظ من أعظم الصفات؛ لأن الغضب إذا اشتدَّ قد يوقع الإنسان فيما لا تُحمَد عُقباه من الأفعال؛ كالقتل وإتلاف المال، وربما قتَل نفسه بأي وسيلة كانت.

ومن الأقوال كالطلاق والسب والشتم، وربما التلفظ بالكفر؛ نسأل الله السلامة والعافية.

وقد رُوي أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، قل لي قولًا، وأقلِل لعلي أَعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب، فأعاد عليه، حتى أعاد عليه مرارًا، كل ذلك يقول: لا تغضب»[10].
وفي رواية عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل: يا رسول الله، أوصني، قال: «لا تغضب»، قال الرجل: ففكرتُ حين قال صلى الله عليه وسلم ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله[11].

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما مِن جُرعة أحبُّ إلى الله مِن جُرعةِ غيظٍ يَكظِمُها عبدٌ، ما كظمها عبدٌ لله إلا ملأ جوفَه إيمانًا»[12].

وعن معاذ بن أنس عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق، حتى يُخيِّره من أي الحور شاء»[13].

وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا غضِب أحدُكم وهو قائم فليجلِس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليَضطجع»[14].

ولهذا فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الغضبان الذي اشتدَّ به الغضب لا عبرة بأقواله ولا بإقراراته؛ من طلاقٍ أو قذفٍ أو عتقٍ أو بيعٍ أو شراءٍ، أو غير ذلك.

﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾: هذه هي الصفة الثالثة من صفات المتقين، فترقوا من كظم الغيظ، إلى العفو عن الناس.

﴿ وَالْعَافِينَ ﴾: جمع «عاف»، والعفو: ترك المؤاخذة على الذنب، أو التسامح عن الحق أو بعضه؛ أي: الذين إذا أساء إليهم أحدٌ من الناس بقولٍ أو فعلٍ، لم يقابلوا إساءته بالانتقام، بل يعفون عنه، ولا يكون في قلوبهم أيةُ مَوجدة عليه، كما يعفون ويتسامحون عن بعض حقهم أو كله، كل ذلك طلبًا للأجر من الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40].

فيتبعون كظمَ الغيظ بالعفو عمن أساء إليهم من الناس، وفي هذا تتويج وتكميل لكظمهم الغيظ؛ لأن العفو منزلة أعلى وأجل من الكظم؛ لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة، والتجاوز كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ [الشورى: 37]، وقال تعالى: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى: 43].

ويعفون ويتسامحون عن بعض حقهم أو كله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 237].

و«العفو»: صفة عظيمة، ومنزلة رفيعة، ولو لم يكن إلا أنه من أعظم صفات الرب عز وجل، وبخاصة إذا كان العفو عند المقدرة، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ [النساء: 149].

أما إذا كان العفو عن عجز عن الانتقام، فهذا لا يُحمَد ولا يُمدَح صاحبه، بل يذم؛ لأنه عفو العاجز؛ كما قال الشاعر يذم قومه:
لكن قومي وإن كانوا ذوي حسبٍ
ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظُلْم أهل الظلم مغفرةً
ومن إساءة أهل السوء إحسانَا
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا
شنوا الإغارة فرسانًا وركبانَا[15]


وفي قوله: ﴿ عن الناس ﴾: دلالة على أن العفو مشروع ما أمكن عن الناس جميعًا من المؤمنين، وغيرهم ما لم يكن غير المؤمن محاربًا، وهذا فيما هو من حقوق الخلق، أما ما كان من حق الله تعالى، فلا يجوز العفو عنه؛ لأنه ليس لأحدٍ من الخلق أن يعفو عن حق الله تعالى، أو يُسقطه.

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: أثنى الله - عز وجل - على المتقين بالصفات المذكورة، وهي الإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ والعفو عن الناس، ثم أتبعها بقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: في إشارة واضحة إلى أن عملهم هذا من الإحسان، وأن هذه الصفات الثلاث كلها من الإحسان.

فيكون في الآية وصفهم بأربع صفات: الإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والإحسان، أي: إنهم محسنون، فهم محسنون بالإنفاق وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، وهم محسنون أيضًا باتباع كظم الغيظ، والعفو عمن أساء إليهم بالإحسان إليه، وهذه درجة عظيمة أعلى من الكظم والعفو، وأعم منهما وأجل؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت: 34، 35]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقَصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله»[16].
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,394.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,393.21 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.12%)]