|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الحواس في القرآن الكريم د. بليل عبدالكريم لا يقدر أيُّ مذهب فلسفي أو فكري على إنكارِ دَوْر الحواس في العمليات المعرفيَّة، غَيْرَ أنَّ الخلاف قائم حول القيمة المعرفية، ودورها في مراحل الإدراك، فالبحثُ في الحواس من أهمِّ فصول نظرية المعرفة. الفرع الأول: مفهوم الحس والإدراك الحسِّيِّ: الحِسُّ هو الصوت الخفيُّ، وهو أول العلم المدرك بحاسته، تقول: أحسستُ بالخبر، وحسستُ الخبر: أيقنتُ به، والشيء: رأيتُه وعلِمتُه، أو سمعتُ حركته؛ قال ابن الأثير: "الإحساس العِلم بالحواس، وهي مشاعر الإنسان، كالعين، والأذن، والأنف، واللسان، واليد، وحواس الإنسان: المشاعر الخمسة، وهي: الطعم، والشم، والبصر، والسمع، واللمس". وعند الراغب الحواس والمشاعر مُترادفة، أمَّا الحاسة فهي القوة التي بها تدرك الأعراض الحسية، والإحساس هو إدراك الشيء مكتنفًا بالعوارض الغريبة، واللواحق المادية، مع حضور المادة، ونسبة خاصَّة بينها وبين المدرك، فالإحساس يكون للحواس الظاهرة، كما أنَّ الإدراك للحس المشترك أو العقل. والإحساس إن كان للحس الظاهر فهو المشاهدات، وإن كان للحس الباطن، فهو الوجدانيَّات [1]، لكن صرَّح أهلُ التحقيق على أنَّ القُوى الجسمانيَّة آلاتٌ للإحساس، وإدراك الجزئيات والمدرك هو للنفس. لم يَرِد في القرآن حول المعرفة بالحواس - كأدوات غالبًا - إلا مشاعر الأذن والعين، وحاستي السمع والبصر، أمَّا اليد واللمس، فدلالتها المعرفية كانت على أنَّها مقومة للإدراك البصري بالكتابة أو المعاينة؛ لذا نحاول قصر الدراسة حول حاستي السمع والبصر. الفرع الثاني: الأذن والسمع في القرآن الكريم: الأُذن - بضم الألف -: هي عضو السَّمع في الإنسان والحيوان، واللفظ مؤنث؛ قال تعالى: ﴿ وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179]، وقال: ﴿ وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 12]، فالأُذن هي السامعة[2]؛ لذا قيل لكل مَن صدَّق بكل خبر يسمعه: هو أُذُن. أمَّا حاسة السمع، فهي أكثر ذكْرًا في القرآن الكريم - 139 مرة - والسَّمع هو الإحساس الذي به إدراك الأصوات، فهو قوة الأذن، قد يُؤدي إلى الفهم، وربَّما لا يوصل إليه؛ ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ ﴾ [الأحقاف: 26]. وحاسة السمع لها أهمية كبيرة؛ لأنَّها تتلقى المعلومات بجزئياتِها المتغيرة؛ لذا عُبِّر عن الأذن بالإفهام، وعن فعل السماع بالسمع والطاعة. كل موضع أُثبت فيه السمع للمؤمنين في القرآن، أو نفيه عن الكافرين، أو حُثَّ على تحرِّيه، فالقصد به إلى تصور المعنى والتفكُّر فيه. والسمع أنواع هي: 1- سمع الإدراك: متعلقُه الأصوات. 2- سمع الفهم والعقل: متعلقُه المعاني، ويتعدى بنفسه؛ لأنَّ مضمونه يتعدى بنفسه، كقوله: ﴿ وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ﴾ [البقرة: 104]. 3- سمع الإجابة: يتعدَّى باللام، نحو "سمع الله لمن حمده". 4- سمع القبول والانقياد: يتعدَّى بـ (مِن)، كما يتعدى باللام، نحو: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ [المائدة: 41]، وهذا بحسب المعنى، إذا كان يقتضي القبول يتعدى بـ (مِن)، وإذا اقتضى الانقياد يتعدَّى باللام، و(السمع) لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعل الواقع بعد المفعول في موضع الحال. والسامع أعمُّ لغةً مِن المخاطَب؛ إذ الحاضر هو المخاطَب الذي يوجَّه إليه الكلام، والسامع يَعُمُّ له ولسائر الحاضرين في المجلس. والسَّمع يُعبر عنه بأنه قوة الأذن، والأذن أيضًا، وما وَقَر فيها من شيء، وهو قوة واحدة، ولها فعل واحد، ولهذا لا يَضبط الإنسان في زمان واحد كلامين، فالأذن محله، ولا اختيارَ فيه، فالصَّوت من أيِّ جانب كان يصل إليه، لا قُدرة له على تخصيص القوة بإدراك البعض دون البعض، بخلاف قوة البصر. فيُعبر عن الأذن بالسمع، من جهة التعبير عن الأداة بوظيفتها، مثله ذكر الجزء مع إرادة الكل؛ قال تعالى: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ [البقرة: 7]، "هذه طرق العلم والخير قد سُدَّت عليهم، فلا مطمعَ فيهم"، ففي الآية ومثيلاتها ذكر العضو وهو القلب، والبصر جعل عليه غشاوة؛ أي: غشاء يغطيه، فلزم أن يكون المراد العين لا قوتها؛ أي: الجارحة، فكان من تناسق الكلام أنْ يُفسر السمع على أنه الأذن، لكن ذكر السمع؛ ليوافق مفهوم الختم، وهو الطبع؛ حيث يكون للقلب وللسمع، أمَّا الأذن فتعطل بالوقر؛ ﴿ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ﴾ [الأنعام: 25]، و[الإسراء: 46]، و[الكهف: 57]، كما يوصف بالضرب؛ ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾[الكهف: 11]. ويعبر عن الفهم والطَّاعة بالسمع، وهذا هو المفهوم من دلالته المعرفيَّة؛ أي: إدراك الأصوات وفهمها، فلا يلزم إدراك الصَّوت فهم المطلوب؛ ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ﴾ [البقرة: 171]؛ فلما بيَّن تعالى عدم انقيادهم لما جاءت به الرُّسل، وردهم لذلك بالتقليد، أخبر تعالى أنَّ مثلهم - عند دعوة الدَّاعي لهم إلى الإيمان - كمثل البهائم التي ينعق لها راعيها، وليس لها عِلم بما يقول داعيها ومناديها، فهم يسمعون مُجرَّد الصوت الذي تقوم به عليهم الحجة، ولكنَّهم لا يفقهونه فقهًا ينفعهم، فلهذا كانوا صُمًّا، لا يسمعون الحقَّ سماع الفهم والقبول، عُميًا، لا ينظرون نظَر اعتبار، فكل نفي للسمع في القرآن هو نفي للاستجابة لما سمع بالطاعة والانقياد له، وكل إثبات هو بمعنى الفهم من ذلك؛ ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [الأنفال: 31]، وقوله: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾ [الأنفال: 21]؛ أي: فهمنا وهم لا يستجيبون بالعمل لموجب ما سمعوا، فإذا لم يعملوا بموجبه، فهم في حُكم مَن لَم يسمع؛ فقال تعالى عنهم: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ [الأنعام: 36]. أمَّا القول بأنَّهم لا يفهمون، فهذا فيه نظر؛ لأنَّ قيامَ الحجة لا يكون إلَّا بعد الفهم، غَيْرَ أنَّ الاقتناع لا يشترط؛ لقولهم في الآية: ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ [البقرة: 93]؛ أي: فهمنا ولم نأتمر. فخصائص السَّمع الممدوح في القرآن الكريم هي: الفهم لما يُلقى، والاستجابة للأوامر، والانتهاء عن الموانع، فإذا تخلَّف الفهم، أو الطاعة والاستجابة، كان النَّفي للسمع، وهذا في حق المؤمنين والكافرين. فالإعراضُ عن الحق هو إعراضٌ عما سُمع، فيكون في حكم الأصم؛ لذا قال عنه تعالى: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ﴾ [لقمان: 7][3]، فهو سمع لكن لم يستجب، فكان في حكم مَن لم يسمع؛ لأنَّ الغاية مِن الخطاب لم تتحقق، فاستوى وجوده بعدمه، حال مقابلته بالرَّفض والعصيان؛ ﴿ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا ﴾ [الأعراف: 198]، ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾ [فاطر: 14]؛ فالأول هو نَفْيٌ لإدراك الأصوات في حقِّ الموتى، والثاني نفيٌ للرد من طرف الموتى، فكانت النتيجة أنَّهم لا يسمعون. وتعطُّل السمع - سمع الاستجابة والهداية التوفيقيَّة - إنَّما يكون لتعطل مَحلِّ الإدراك، وهو القلب؛ لذا جُمعا في الختم في كذا آية، وأُفرد البصر بالغشاوة والغطاء، بل صرح بذلك في آية: ﴿ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾ [الأعراف: 100]؛ أي: لا يسمعون ما ينفعهم للهداية؛ بل ما يقيم عليهم الحجة فقط، فهم يفهمون ويُدركون بالسمع ما قيل؛ لكن قلوبهم لا تقتنع، وصدورهم لا تنشرح للحق، فاستوى السَّمع والصمم؛ لأنَّ الاستجابة منتفية، وإن كان الإدراكُ للأصوات، وفهم الكلام قائمًا؛ فالعمل بموجبه مُتخلف عنه، وهذا قطع للغاية مِن الخطاب بالأمر أو النَّهي؛ لذا قال تعالى لنبيِّه عن موقف الناس مِن دعوته: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ [الأنعام: 36]؛ أي: يستجيبُ لدعوتك، ويلبِّي رسالتك، وينقادُ لأمرك ونَهيك، الذين يسمعون بقلوبهم ما ينفعهم، وهم أولو الألباب والأسماع والأبصار. والمراد بالسَّماع هنا: سماع القلب والاستجابة، وإلَّا فمجرد سماع الأذن يشترك فيه البر والفاجر. فكل المكلفين قامت عليهم حُجة الله - تعالى - باستماع آياته، فلم يبقَ لهم عذر بعدم القَبول؛ إذ حقيقةُ السماع تنبيه القلب على معاني المسموع، وتحريكه عنها؛ طلبًا وهربًا، وحبًّا وبُغضًا، فهو حادٍ بكل أحد إلى وطنه ومألفه. لذا نَجد أصحاب السماع أصناف، فمنهم: 1- مَن يسمع بطبعه ونفسه وهواه، وهذا حظُّه مِن مسموعه ما وافق طبعه. 2- ومَن يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته وعقله، وهذا يفتح له مِن المسموع بحسب استعداده وقوته ومادته. 3- ومَن يسمع بالله، لا يسمع بغيره، وهذا أعلى سماعًا، وأصح مِن كل أحد. أمَّا الكلامُ عن المسموع مدحًا أو ذمًّا، فيرجع إلى إدراك صورة المسموع وحقيقته وسببه، والباعث عليه، وثَمرته وغايته، فبهذه الفصول الثلاثة يتحرَّر أمر المسموع، ويتميز النافع منه مِن الضار، والحق مِن الباطل. والمسموع على ثلاثة أضرُب في القرآن الكريم: أحدها: مسموع يُحبُّه اللهُ ويرضاه، وأمَر به عباده، وأثنى على أهله، ورَضِيَ عنهم به؛ ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ﴾ [المائدة: 83]. الثاني: مسموع يبغضه ويكرهه، ونَهى عنه، ومدح المعرضين عنه؛ ﴿ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ [النساء: 140]. الثالث: مسموع مباحٌ مأذون فيه، لا يُحبه ولا يُبغضه، ولا مدح لصاحبه ولا ذمه، فحكمه حكم سائر المباحات؛ مِن المناظر والمطعومات والملبوسات، فمَن حرَّم هذا النوع، فقد قال على الله بغير علم، ومَن جعله قربة إلى الله، فقد كذب على شرعه، وجعل مِن دينه ما ليس منه. أما الضرب الأول، فهو أساس الإيمان الذي يقوم عليه، وهو على ثلاثة أنواع: 1- سماع الإدراك: ففي قوله حكاية عن مُؤمني الجن قولهم: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ﴾ [الجن: 1-2]، فهذا سماع اتَّصل بالأذن. 2- سماع الفهم: وهو المنفي عن أهل الأعراض والغفلة؛ ﴿ فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ ﴾ [الروم: 52]، فالتخصيص هنا لِسماع الفهم والعقل، وإلَّا فالسمع العامُّ الذي تقوم به الحجة لا تخصيصَ فيه، مثل ذاك: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنفال: 23]؛ أي: لو علم فيهم قبولًا وانقيادًا، لأفهمهم فهم هداية، أمَّا فهم الإدراك، فقد حصل وأعرضوا بعده، فهُمْ سمعوا سَمع الإدراك؛ لكن لم يستجيبوا؛ لأنَّ في قلوبهم مِن دَاعي التولِّي والإعراض ما يَمنعهم عن الانتفاع بما سمعوا. 3- سماع القبول والإجابة؛ كما في الآية: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ [النور: 51]، فإن هذا سمعُ قَبول وإجابة مثمرة للطاعة، والتحقيق أنَّه متضمن للأنواع الثلاثة، فقد أخبروا بأنَّهم أدركوا المسموع وفهموه واستجابوا له. ومِن سَمْعِ القَبول قوله - تعالى -: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 47]؛ أي: قابلون مستجيبون لهم. وسماع خاصَّة الخاصة مِن المقربين هو سماع القرآن يُتلى بالاعتبارات الثَّلاثة، إدراكًا، وفهمًا، وقبولًا وإجابة، وكل سَماع في القرآن مَدَحَ اللهُ أصحابَه، وأثنى عليهم، وأمَر به أولياءه - فهو هذا السماع، سماع كلام ربِّ العالمين، وسماع المواعظ، وكلام الأنبياء والمرسلين، وهذا النَّوع هو حادي القلوب إلى جوار علَّام الغيوب، وسائق يسوق الأرواحَ إلى ديار الأفراح، ومحرك يثير ساكن العزمات إلى أعلى المقامات، وأرفع الدَّرجات، ومنادٍ يُنادي للإيمان، ودليلٌ يسير بالركب في طريق الجنان، وداعٍ يدعو القلوب بالمساء والصباح من قِبل فالقِ الإصباح: "حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح"، فلم يعدم مَن اختار هذا السماع إرشادًا لحجةٍ، وتبصرة لعبرةٍ، وتذكرة لمعرفة، وفكرًا في الآية، ودلالة على رشد، وردًّا على ضلالة، وإرشادًا من غَيٍّ، وبصيرة من عمى، وأمرًا بمصلحة، ونهيًا عن مضرة ومفسدة، وجلاء بصيرة، وحياة لقلب، وغذاء ودواء وشفاء، وعصمة ونَجاة وكشف شبهة، وإيضاح بُرهان، وتحقيق حق، وإبطال باطل. الفرع الثالث: العين والإبصار في القرآن الكريم: أ- العين: العين هي الباصرة، وتُطلق على الحدقة، وهي عبارة عن مجموع طبقات تسع، محيط بعضها ببعض، ويغطي الحدقة الجفن، وقد تُطلق العين على مجموع الغلاف وما فيه، كما يراد بها حقيقة الشيء المدركة بالعيان، أو ما يقوم مقام العيان. ما يهمنا هو العمليَّات المعرفية؛ أي: العين الجارحة؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾ [البلد: 8]، وقال:﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ﴾ [المائدة: 45]، ﴿ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ﴾ [المائدة: 83]، فمُهمة العين في القرآن هي "الرُّؤية"؛ ﴿ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ﴾ [آل عمران: 13]، و"الإبصار"؛ ﴿ وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا ﴾ [الأعراف: 179]، ﴿ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ﴾ [الأعراف: 195]، و"المشاهدة"؛ ﴿ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ﴾ [الأنبياء: 61]. وُصفت العين بأمورٍ كانت خاصَّة بها وهي الطَّمس، القِرى، المد، الازدراء، فيض الدَّمع، التغطية، الدوران، واللَّذة[4]. فالصفة الأولى في قوله - تعالى -: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ﴾ [يس: 66]، والطمس يكون بذَهاب البَصَر، والتالية: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ ﴾ [الأحزاب: 51]، ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ﴾ [طه: 131]، ﴿ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ﴾ [هود: 31]، ﴿ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾ [التوبة: 92]، ﴿ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي ﴾ [الكهف: 101]، ﴿ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ﴾ [الأحزاب: 19]، ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ﴾ [الزخرف: 71]. ب- البصر: مِن أهم عمليَّات العين: البصر، ويرادُ بما يرادفه وهو النَّظر، والرُّؤية، والمشاهدة، والملاحظة، والاطِّلاع، فالبصر هو إدراك العين، ويطلق على القوة الباصرة، وهو قوة مُرتَّبة في العصبين المجوفين، التي مِن شأنِها إدراك أشباح الصور، بانعكاس الضوء فيها؛ إذ البصر هو حاسة الرُّؤية. وَرَد في القرآن مع ما يتعلق به مِن العمليَّات في "274" موضعًا؛ ليدلَّ على العِلم القوي المضاهي لإدراك الرُّؤية، فيقال: بصر بالشيء: علِمه عن عيان، فهو بصير به. قال تعالى: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ﴾ [القلم: 5]، ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الحاقة: 38-39]، ﴿ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴾ [مريم: 42]. وبيان أنَّ العين هي أداة الإبصار في ﴿ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ﴾ [الأعراف: 195]، وفرق بين النظر والبصر؛ ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 198]؛ فالنظر هو عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي التماسًا لرؤيته، ولما كانت الرُّؤية من توابع النظر ولوازمه غالبًا، أُجْرِيَ لفظُ النظر على الرُّؤية على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب، كما ورد في حكاية عن طلب موسى؛ ﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾ [الأعراف: 143]؛ فكان الردُّ: ﴿ قَالَ لَنْ تَرَانِي ﴾ [الأعراف: 143]، والرؤية إذا أضيفت إلى الأعيان كانت بالبصر، وتطلق على المنام والوهم، فالبصر خاص بالمعاينة والمشاهدة بالعين، فلازم البصر الإدراك؛ وهذا غير الرؤيا التي قد تكون مع عدم إحاطة؛ لذا قال تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ [الأنعام: 103]، وهذا في الدُّنيا والآخرة؛ "أي: لا تُحيط به الأبصار، وإن كانت تراه وتفرحُ بالنَّظر إلى وجهه، فنفي الإدراك لا ينفي الرُّؤية، بل يثبتها بالمفهوم، فإنه إذا نفى الإدراك الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة، فلو أراد نفيها، لقال: لا تراه الأبصار، ونحو ذلك. عودًا على آية الأعراف؛ حيث فرق بين النَّظر والبصر، فالكفَّار يحدقون في النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - غير أنَّهم لا يبصرون؛ أي: لا يدركون فضله، ولا يستشعرون كرمه عليهم، ولا ينتفعون بالنظر إليه، ولا بالهدى المرسل به. نتوصل إلى أن البصر يقال للجارحة الناظرة، وللقوة التي فيها، ولقوة القلب المدركة[5]. وللبصر صفات عدة في القرآن هي: البصير من أسماء الله، وهو للأعمال الظَّاهرة لنا، يقترن كثير بالسميع والخبير، والله - تعالى - سمى نفسه بصيرًا، ووصف نفسه بأنه بصير لأعمال الناس، وورد في القرآن وصفه الرُّؤية؛ ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ [البقرة: 144]، كما وصف بالنَّظر؛ ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [يونس: 14]. ضد البصير الأعمى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾ [الرعد: 16]. الزيغ: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ [النجم: 17]؛ أي: ما مال بصره، فهي رُؤية عين، وليس من خداع البصر. الرجوع: ﴿ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ﴾ [الملك: 3]. الانقلاب: ﴿ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ [الملك: 4]، وهنا وصف بالحسرة. الحِدَّة: ﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ [ق: 22]. الشخوص: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ [إبراهيم: 42]؛ أي: لا تطرف من شدة ما ترى من الأهوال، فشخوص البصر يدُلُّ على رُؤية أمر جلل عظيم الأهمية، كما يدل على فزع وانزعاج القلب. العمى: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]. الخشوع: ﴿ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴾ [النازعات: 9]، وهذا خوف مع هيبة واحترام. السُّكْر: ﴿ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ [الحجر: 15]؛ أي: أصابها سُكر وغشاوة، فهي ترى ما ليس موجودًا. التقلب: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [الأنعام: 110]، وذاك من الحيرة والتيه؛ بسبب الشبهات. الصرف: ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف: 47]. الطبع: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ [النحل: 108]. الغض: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾ [النور: 31]. ج - النظر: والنظر هو التحديق لإدراك الصُّور، في أول مراتب الإبصار، ثم تليه الرُّؤية، وهي من لوازمه؛ ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 143]. وقد تقرَّر الشروع بطلب النظر في مواطن كثيرة، إمَّا على جهة الوجوب، وإمَّا على جهة الندب. كما تقرر النَّهي عن النظر بها، وإيجاب غضِّها، أو النَّدب إليه في مواطن كثيرة، وإباحته والعفو عنه في مواطن كثيرة[6]. واستعمال النَّظر في القرآن كان بالإرشاد إلى التأمُّل، فهو تقليبٌ للبصر مع استغراق وقت؛ إذ يُقاربه في المعنى الانتظار، فلا يكون النَّظر بسرعة بل بتمهل؛ لأنَّ الغاية من تقليب البصر وتحديق العين: الوصول إلى إدراك المنظور إليه؛ لتحصل منه الرُّؤية، وقد يراد به التأمُّل، والفحص، والمعرفة الحاصلة بعد الفحص؛ وهي الرويَّة، واستعمال النظر في البصر أكثر عند العامة، وفي البصيرة أكثر عند الخاصة. فيقال: نظرت إلى كذا، إذا مددت طرفك إليه، رأيته أم لم أره، ونظرت فيه: إذا رأيته وتدبَّرته، ونظرت له: رحمته، وإليه: رأيته، وعليه: غضب عليه، ونظره: انتظره.. وللنَّظر أحوال مُختلفة وكيفيَّات مُتنوعة نفصل منها: إذا نظر الإنسان إلى الشيء بمجامع عينه، قيل: رَمَقَهُ. فإن نظر إليه من جانب أذنه، قيل: لَحَظَهُ. فإن نظر إليه بعجلة، قيل: لَمَحَهُ. فإن رماه ببصر مع حِدَّة نظر، قيل: حَدَجَهُ بطرفه. فإن نظر إليه بشدة وحِدة، قيل: أرْشَقَهُ، رشقه، وأسَفَّ النظر إليه. فإن نظر إليه نظر المتعجب منه، والكاره له، والمبغض إياه، قيل: شَفَنَه، شفن إليه. فإن أعاره لحظ العداوة، قيل: نظر إليه شزرًا. فإن نظر إليه بعين المحبة، قيل: نظر إليه نظرة ذي "عَلَقٍ". فإن نظر إليه نظر المتثبت، قيل: توضَّحَه. فإن نظر إليه واضعًا يده على حاجبه، مستظلاًّ بها من الشمس؛ ليستبين المنظور إليه، قيل: استكَفَّه واستوضحه واستشرفه. فإنْ نشر الثوب ورفعه لينظر إلى صفاته، أو سخافته، أو يرى عوارًا إن كان به، قيل: استشفَّه. فإن نظر إلى الشيء كاللمحة، ثم خفي عنه، قيل: لاحَهُ، لَوَّحَه. فإن نظر إلى جميع ما في المكان حتى يعرفه، قيل: نفضه، نفضًا. فإن نظر في كتاب أو حساب؛ ليُهذِبه، أو ليستكشف صِحَّته، وسقمه، قيل: تصفَّحه. فإن فتح جميع عينيه لشدة النظر، قيل: حَدَّق. فإن لألأهُما، قيل: بَرَّق عينيه. فإنِ انقلبَ حملاق عينيه، قيل: حمْلَقَ. فإن غاب سوادُ عينيه من الفزع، قيل: برِق بصره. فإن فتح عينه مُفْزَعًا أو مهددًا، قيل: حَمَّجَ. فإن كسر عينيه في النظر، قيل: دَنْقَسَ، وطَرْفَشَ. فإن نظر إلى أفق الهلال لِلَيلته ليراه، قيل: تَبصَّرَه. فإن اتَّبع الشيء بصره، قيل: أثاره بصره. غير أنَّ غالب ما ورد في القرآن الكريم من اللفظ كان المراد به التأمُّل والتحري، فلم يكن المراد التوقف عند التحديق، بل التجوز إلى التفكر والتروي. الفرع الرابع: المفاضلة بين السمع والبصر في القرآن الكريم: أ- التفاضل بين السمع والبصر عند العلماء: اختلف ابن قتيبة، وابن الأنباري في السمع والبصر، أيهما أفضل؟ ففضل ابن قتيبة السمع، ووافقه طائفة من العلماء، واحتج بقوله - تعالى -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ﴾ [يونس: 42-43]؛ قال: فلما قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النَّظر إلا ذهاب البصر، كان دليلًا على أن السمع أفضل. وقال الأنباري: بهذا غلط، وكيف يكون السمع أفضل، وبالبصر يكون الإقبال والإدبار؟ والقُرب والنَّجاة، والبُعد من الهلاك، وبه جمال الوجه، وبذهابه شينه، وأجاب عمَّا ذكره ابن قتيبة بأنَّ الذي نفاه الله - تعالى - مع السمع بمنزلة الذي نفاه عن البصر؛ إذ كأنَّه أراد إبصار القلوب، ولم يُرد إبصارَ العيون، والذي يبصره القلب هو الذي يعقله؛ لأنَّها نزلت في قوم من اليهود كانوا يستمعون كلام النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيقفون على صحته ثم يكذبونه، فأنزل الله فيهم: ﴿ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ﴾ [يونس: 42]؛ أي: المعرضين، ولو كانوا لا يعقلون، ومنهم من ينظر إليك بعين نقص، ولا حجة في تقديم السمع على البصر هنا، فقد أخبر في قوله - تعالى -: ﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ﴾ [هود: 24]. واحتجَّ مفضلو السمع بأن به ينال غاية السَّعادة، من سماع كلام الله وسماع كلام رسوله، فقالوا: وبه حصلت العلوم النَّافعة، وبه يدرك الحاضر والغائب، والمحسوس والمعقول، فلا نسبة لمدرك البصر إلى مدرك السَّمع، ولهذا يكون فاقده أقلَّ علمًا من فاقد البصر، بل قد يكون فاقد البصر أحدَ العلماء الكبار، بخلاف فاقد السمع، فإنَّه لم يعهد من هذا الجنس عالم أَلْبَتَّة. لكن قال مفضِّلو البصر: أفضلُ النعيم النظر إلى الله - تعالى - وهذا يكون بالبصر،كما أنَّ ما يراه البصر لا يقبل الغلط، بخلاف ما يُسمع؛ فإنه يقع فيه الغلط والكذب والوهم، فمدرك البصر أتم وأكمل، كما أن محله أحسن وأكمل وأعظم عجائبَ من محل السمع، وذلك لشرفه وفضله. قال ابن تيمية: البصر يرى من مباشرة المرئي، والسمع لا، وإن كان يحس الأصوات، فالمقصود الأعظم به معرفة الكلام، وما يخبر به من العلم. والتحقيق أنَّ إدراكَ البصر أكمل؛ قال الأكثرون: "فليس المخبر كالمعاين"[7]، لكنَّ السمع يحصل به من العلم أكثر مما يحصل بالبصر، فالبصر أقوى وأكملُ، والسمع أعمُّ وأشمل، وهاتان الحاستان هما الأصل في العلم بالمعلومات التي يَمتاز بها الإنسان عن البهائم، ولهذا يقرن الله بينهما وبين الفؤاد. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |