|
|||||||
| رمضانيات ملف خاص بشهر رمضان المبارك / كيف نستعد / احكام / مسابقات |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
صيام الجوارح الشيخ خالد بن علي الجريش بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه والتابعين؛ أما بعد: فمرحبًا بكم أيها القراء الكرام في "نفحات رمضانية"، ومعنا موضوع بعنوان: صيام الجوارح. شهر رمضان هو شهر الخيرات والبركات، وهو شهر النفحات والرحمات، ولعل مِن أهمها ما يستفيده المسلم في تجديد إيمانه وزيادته، ومن ذلك ما يَخص جوارحه على سبيل الخصوص؛ حيث إن تلك الجوارح تتحصن من المحرَّمات، منطلقةً في هذا الشهر المبارك في ذلك التحصين والتطهير طوال الحياة بإذن الله تعالى، ولكنها إذا وقعت على محرَّم، فسَرعان ما يُنيب المؤمن ويستغفر، ويرجع عن ذلك الخطأ. وحول صيام الجوارح دونَكم تلك الوقفات اليسيرة، وهي على النحو التالي: الوقفة الأولى: إن هذا الشهر المبارك فرصة عظيمة ودُربة كبيرة، بأن يأخذ المسلم على نفسه في صيانة جوارحه؛ كالعين، والأذن، واللسان، والقدم، واليد، وغيرها، بحيث تصوم عن المحرم كما صام هو عن المفطرات، فيتزامن صيام النفس عن المفطرات، وصيام الجوارح عن المحرمات، فما أجمله من توافق حتى يسعى المسلم مثقلًا لموازينه بالحسنات والأجور، سالِمًا ومعافًى من خطيئات تلك الجوارح في ليله ونهاره، فاستثمر أخي القارئ الكريم تلك الفرصة في هذا الشهر المبارك، واجعلها انطلاقة إلى ما بعده من الزمن. الوقفة الثانية: إن كانت حقيقة الصيام هي الإمساك عن المفطرات طوال النهار - وهذا هو الصيام الحسي - فإن هناك صيامًا معنويًّا، وهو صيام الجوارح عن المعصية، فيجب أن تصوم تلك الجوارح عن المخالفات، بل إن صيام تلك الجوارح ليس خاصًّا بساعات الصيام، لكنه عام في جميع الزمان، فصيامها عما حرم الله عز وجل فرضٌ من فرائض الله، ومخالفتها تَجلب السيئات، وقد تزيل الحسنات. وتأملوا الحديث المشهور: "أتدرون مَن المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع، قال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا..." إلى أن قال: "فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طرح في النار"؛ (رواه مسلم). فصيام الجوارح دائم ومستمرٌّ، فلنَحرِص - كما نصوم عن المآكل والمشارب - أن تصوم جوارحنا عما حرم الله عز وجل. الوقفة الثالثة: إن كان عدم صيام الجوارح لا يُبطل الصيام، فإنه يأكل الحسنات التي اكتسبها المسلم من صيامه، وما أعظَمها من خسارة وندمٍ، عندما يكسب حسنات كثيرة، فيجد جوارحه يوم القيامة قد هدمتها وأعطتها فلانًا وفلانًا! فالمراقبة يجب أن تكون دقيقة في تصرُّفات جوارحنا؛ لنَسلَم وتَسلَم لنا حسناتنا، ونحن أحوجُ ما نكون إليها. الوقفة الرابعة: ثَمة ترابطٌ كبير بين الصيام الحسي والصيام المعنوي؛ فالحسي عن المفطرات، والمعنوي هو صيام الجوارح، ووجه الترابط أن الصيام المعنوي (صيام الجوارح) إذا لم ينضبط، فإنه قد يهدم الصيام الحسي - (وهو أجر الصيام) - كما في حديث المفلس السابق، فلا بد من صيام الأمرين وكلا الجانبين؛ لنسعد بما كان في موازيننا من تلك الحسنات والأجور بإذن الله عز وجل. الوقفة الخامسة: إن صيام الجوارح يحتاج إلى مجاهدة النفس في الإمساك عن النظر الحرام والكلام الحرام، وأيضًا السماع الحرام، ونحو ذلك، فثمرة تلك المجاهدة هي ثقلُ الموازين بالحسنات يوم القيامة، وتربية النفس على امتثال الأوامر الشرعية وترك النواهي؛ حيث إنه الطريق الموصل إلى رحمة الله عز وجل، وهذا لا شك أنه يحتاج إلى مخالفة ما تريده النفس وتهواه من أمور الشر ووسائله. الوقفة السادسة: إن هذا الصيام للجوارح ليس خاصًّا في هذا الشهر، بل إن حكمه عام في جميع الحياة، لكنه يشتد في الأيام والأزمنة الفاضلة، ويَعظُم أمرُه، فليكن شهرنا انطلاقة لنا في تربية أنفسنا على تحصين جوارحنا في جميع أيامنا وأشهرنا، فهذا لا شك أنه مكسب عظيم لمن وفَّقه الله عز وجل إليه. الوقفة السابعة: إن الحرص على فعل النوافل من العبادات، له علاقة وطيدة في صيام الجوارح، وهذا طبعًا يظهر من خلال الحديث القدسي وهو: "وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، وقدَّمه التي يمشي بها..." إلى آخر الحديث، فيظهر من خلال هذا الحديث القدسي حفظ السمع والبصر واليد والقدم عن الحرام، متى؟ إذا كثرت النوافل، وهذه مخرجات عظيمة لفعل النوافل والإكثار منها، إضافة إلى ما ورد أيضًا في آخر الحديث من إجابة الدعاء والإعاذة مما استعاذ منه؛ فلنحرص إخوتي القرَّاء والقارئات على الإكثار من تلك النوافل القولية والفعلية. الوقفة الثامنة: عليك بالإكثار من الدعاء بأن يحفظ الله عز وجل عليك جوارحك حال الصيام وغيره؛ كقولك مثلًا: "اللهم حصِّن جوارحي عن الحرام"، فهي دعوة عظيمة إذا استُجيبت وقُبلت، فإن الله عز وجل يطهر جوارحك كلها عن الحرام بإذن الله عز وجل، فالدعاء هو أحد السبل القويمة والعظيمة في السلامة من تلك المخالفات الشرعية. الوقفة التاسعة: لا تستقل شيئًا من تلك المخالفات في الجوارح؛ من كلام حرام أو سماعٍ أو نظر حرامٍ، ولو كان يسيرًا، فإن هذا اليسير هو الطريق للحصول على غيره، فما يبرح الإنسان إلا وقد وقَع فيما هو أعظم منه؛ فاتَّق تلك الدوائر الصغيرة من المخالفات؛ لتكون حرزًا لك من الدوائر الكبيرة. الوقفة العاشرة: إن هذه الجوارح هي تبعٌ للقلب، فإذا صلح القلب صلَحت الجوارح، فهو مَلِكُها وهي جنوده، فمتى تعلَم صلاحَ قلبك؟ إذا صلحت جوارحك، ومتى تعلَم وجود فساد في القلب؟ إذا وجدت فسادًا في الجوارح، فالجوارح تغرف تصرفاتها من القلب، ولهذا ورد في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: "ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"؛ فلنتق الله تعالى في شهرنا وغيره في صلاح جوارحنا، لعلها أن تكون شاهدة لنا يوم يقوم الأشهاد، وأيضًا لتبقى لنا حسناتنا وأجورنا في يومٍ أحوج ما نكون إليها. فيا أخي القارئ، ويا أختي القارئة الكرام، إنما تربية الجوارح تكون إذا استحضر المسلم والمسلمة نظرَ الله تبارك وتعالى إليه، واستحضر قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ [العلق: 14]، فعندما تسمع حرامًا، أو ترى حرامًا، أو تمشي إلى حرام - لا قدَّر الله - فاجعَل أمامك ونُصب عينيك تلك الآية العظيمة: ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾، فإن الله عز وجل هو الذي أعطاك تلك الجوارح، وهو الذي مكَّنك، وهو الذي يراك الآن وقد ابتلاك، فاتَّق الله تبارك وتعالى. أسأل الله عز وجل أن يحصِّن جوارحنا عن الحرام، وأن يجعَلنا من عباده المتقين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |