|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
ذكرى الزَّمهرير د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم الحمدُ للهِ العزيزِ الغفورِ، مصرِّفِ الدهور، ومقدِّرِ الأمورِ، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له ولا نظيرَ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه إلى يوم النشورِ. أما بعدُ: فاتقوا اللهَ -عبادَ اللهِ-؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. أيها المؤمنون! في تقلُّبِ الأيامِ واختلافِ الأحوالِ عظةٌ وادِّكارٌ لأولي الألبابِ الذين يُعمِلونَ فكرَهم في تلمُّسِ حِكمِها وغايتِها؛ ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [النور: 44]؛ ليظفروا من ذلك التفكرِ بزيادةِ الأيمانِ ونموِّ العقلِ وزكائه؛ ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 190، 191]. ألا وإنَّ من مجالي التفكرِ في اختلافِ الليلِ والنهارِ التأملَ في تنوعِ أحوالِ الطقسِ بين الحرِّ والقَرِّ. والزمهريرُ من أعظمِ تلك الأحوالِ عظةً وعبرةً حين يبلغُ البردُ أشدَّه؛ فيظلُّ المؤمنُ متفكراً في عظيمِ قدرةِ اللهِ في تحويلِ الأحوالِ من ضدٍّ إلى ضدٍّ؛ ليستقرَّ في قلبِه اليقينُ بأنَّ اللهَ قديرٌ؛ لا يعجزُه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، وأنَّ الأمورَ قُلَّبٌ لا تبقى على حالٍ دائمٍ؛ يسرٌ يعقبُ شدةً، وفرجٌ يتبَعُ كرباً، وضعفٌ يلي قوةً؛ أحوالٌ متغايرةٌ تُكسبُ المؤمنَ بصيرةً تجعلُه حُرَّاً من أسْرِ اللحظةِ الحاضرةِ وضغطِ الواقعِ المنظورِ؛ إذ إنه لا يركنُ إلا إلى ربِّه، ولا يثقُ إلا بحُسنِ تدبيرِ خالقِه؛ ويسيرُ إلى مولاه في خطى الإيمانِ الواثقةِ؛ لا النعمةُ تُبطرُه؛ لشكرِه، ولا النقمةُ تُقنِّطُه؛ لصبرِه وحسنِ ظنِّه بربِّه؛ فلا ينفكُّ عنه الخيرُ أبداً، يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: " عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ "؛ رواه مسلمٌ. عبادَ اللهِ! وفي الزمهريرِ ذكرى السعيرِ -أجارنا اللهُ منها-؛ إذ هو تنفيسٌ لها من ربِّها حين اشتكتْ له؛ ليَخْرُجَ عَنْهَا بَعْضُ مَا تَضِيقُ بِهِ مِنْ أَنْفَاسِ حَرِّهَا وَزَمْهَرِيرِهَا. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ؛ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ"؛ رواه البخاريُّ ومسلمٌ. وإذا كان هذا أثرَها على بُعْدها؛ فكيف في حال قربِها ودخولِها؟! رُحماك اللهمَّ رُحماك! بذلك التذكُّرِ والتذكيرِ كان الصالحون يَعِظُون أنفسَهم؛ لتستقيمَ على طاعةِ اللهِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي النَّارِ؛ أُعَالِجُ أَغَلَالَهَا وسَعِيرَهَا، آكُلُ مِنْ زَقُّومِهَا وَأَشْرَبُ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا، فَقُلْتُ: يَا نَفْسُ، إِيشْ تَشْتَهِينَ؟ قَالَتْ: أَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا، فَأَعْمَلَ عَمَلًا أَنْجُو بِهِ مِنْ هَذَا الْعِقَابِ، وَمَثَّلْتُ نَفْسِي فِي الْجَنَّةِ؛ مَعَ حُورِهَا، وأَلْبَسُ مِنْ سُنْدُسِهَا وإِسْتَبْرَقِهَا وَحَرِيرِهَا، قُلْتُ: يَا نَفْسُ، إِيشْ تَشْتَهِينَ؟ قَالَ: فَقَالَتْ: أَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا، فَأَعْمَلَ عَمَلًا أَزْدَادُ فِيهِ مِنْ هَذَا الثَّوَابِ، قُلْتُ: فَأَنْتِ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الْأُمْنِيَةِ! وقَامَ زُبَيْدٌ الياميُّ ذَاتَ لَيْلَةٍ لِلتَّهَجُّدِ، فَعَمَدَ إِلَى مَطْهَرَةٍ لَهُ، فَغَسَلَ يَدَهُ، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي الْمَطْهَرَةِ، فَوَجَدَ الْمَاءَ فِيهَا بَارِدًا شَدِيدًا كَادَ أَنْ يَجْمُدَ، فَذَكَرَ الزَّمْهَرِيرَ، وَيَدُهُ فِي الْمَطْهَرَةِ، فَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْهَا حَتَّى أَصْبَحَ، فَجَاءَتِ الْجَارِيَةُ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْحَالِ، فَقَالَتْ: مَا شَأْنُكُ؟ لَمْ تُصَلِّ اللَّيْلَةَ كَمَا كُنْتَ تُصَلِّي؟ قَالَ: وَيْحَكِ، إِنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي هَذِهِ الْمَطْهَرَةِ فَاشْتَدَّ عَلَيَّ بَرْدُ الْمَاءِ، فَذَكَرْتُ بِهِ الزَّمْهَرِيرَ، فَوَاللَّهِ، مَا شَعَرْتُ بِشِدَّةِ بَرْدِهِ عَلَيَّ حَتَّى وَقَفْتِ عَلَيَّ، انْظُرِي لَا تُخْبِرِي بِهَذَا أَحَدًا مَا دُمْتُ حَيًّا. فَمَا عَلِمَ بِذَلِكَ أَحَدٌ، حَتَّى مَاتَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. أيها المسلمون! وشأنُ التَّطهرِ -وضوءً كان أو غُسْلاً- في الزمهريرِ عند اللهِ عظيمٌ؛ إذ جعلَه من أعظمِ أسبابِ مغفرةِ الذنوبِ ورفعةِ الدرجاتِ وسعادةِ الدنيا وحسنِ الخاتمةِ، يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: " أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ"؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ"؛ رواه مسلمٌ. وفي روايةِ أحمدَ: "وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ، وَمَاتَ بِخَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". الخطبة الثانية الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ.أما بعدُ، فاعلموا أنَّ أحسنَ الحديثِ كتابُ اللهِ... أيها المؤمنون! وفي الزمهريرِ للصادقين أخبارٌ وأسرارٌ؛ فمنهم من كان الزمهريرُ يُسبِلُ أدمعَه؛ رحمةً بالمساكينِ الذين لا يجدون ما يَقيهم سطوتَه؛ كان العالِمُ يزيدُ بنُ رباحٍ اللَّخْميُّ إِذَا دَخَلَ الشِّتَاءُ أَخَذَ فِي الْبُكَاءِ؛ رَحْمَةً لِلْفُقَرَاءِ! كيف إنِ اجتمعَ من الزمهريرِ الجوعُ والخوفُ وتسلُّطُ العدوِّ الطاغي وانعدامُ المأوى كما هو حالُ إخوتنِا في غزةَ -فرَّجَ اللهُ عنهم وأعاضهم خيراً-؟! والزمهريرُ سببٌ تجودُ به نفوسُ أهلِ الإيمانِ بالبذلِ والصدقةِ بما يدفعُ عن المسكينِ الأذى؛ وذاك مما تُرجى به النجاةُ يومَ الدينِ. رأى رجلٌ من أهلِ الشامِ في النومِ كأنَّ صفوانَ بنَ سُليمٍ أُدخلَ الجنةَ في قميصٍ كساه مسكيناً. فجاءَ المدينةَ يسألَ عن صفوانَ، فدلُّوه عليه، فقال: أخبرني عن قصةِ القميصِ، فأبى أنْ يُخبِرَه، فتَشفَّعَ عليه بأصحابِه قائلاً لهم: إني رأيتُ في النومِ كأنَّ صفوانَ أُدخلَ الجنةَ في قميصٍ كساه مسكيناً؛ فسَلوه يُخْبِرْنا عن قصتِه، فلم يَزالوا به، فقال صفوانُ: خرجتُ ذاتَ ليلةٍ إلى المسجدِ في السَّحَرِ، فإذا مسكينٌ يَرتعدُ من البرْدِ، ولم يكن لي في قميصٍ غيرُ الذي كان عليَّ؛ فكسوتُه إياه! وذكرَ ابنُ الجوزيِّ عن الوزير الصالحِ أبي شجاعٍ الرُّوذَرَاوَرِيِّ أنه عُرضتْ عليه رقعةٌ من بعضِ الصالحين يَذكرُ فيها: أنَّ امرأةً معها أربعةُ أطفالٍ أيتامٍ، وهم عُراةٌ جِياعٌ. فقال للرجلِ: امضِ الآنَ إليهم، واحملْ معك ما يُصلحُهم، ثم خلعَ أثوابَه وقال: واللهِ لا لَبِسْتُها، ولا دَفئتُ حتى تعودَ وتخبرَني أنَّك كسوتُهم وأشبعتُهم! فمضى وعاد فأخبرَه وهو يَرعدُ من البردِ، فلبسَ حينئذٍ ثيابَه. ولبرِّ الوالدِ في الزمهريرِ نبأٌ ذو عِبرةٍ. ومن أولئك البررةِ الهُذيلُ بنُ حفصةَ؛ فقد كان يَجمعُ الحطبَ في الصيفِ، فيقشِّرُه، ويأخذُ القصبَ، فيَفْلِقُه، فإذا جاء الشتاءَ جاء بالمدفئةِ، فيضعُها خلفَ أمِّه وهيَ في مُصلَّاها، ثم يقعدُ فيُوقِدُ بذلك الحطبِ المقشَّرِ وذاك القصبِ المُفلَّقِ وقوداً لا يُؤذي دخانُه؛ ليدفئَ أمَّه وهي تصلي، ويمكثُ عندها حتى تفرغَ، وكان عنده من يكفيه ذلك العملَ لو أرادَ، وكانت أمُّه تقولُ: ربَّما أردتُ أنصرفُ إليه، فأقولُ: يا بُنيَّ، ارجعْ إلى أهلِك، ثمَّ أذكرُ ما يريدُ فأَدَعَه. وللراضين بالقضاءِ في مصابِ الزمهريرِ حديثٌ ذو شجونٍ. ومن أولئك الراضين امرأةٌ من الأعرابِ حدَّثَ عنها البرقيُّ قائلاً: رأيتُ امرأةً بالباديةِ، وقد جاءَ البَرْدُ فذهبَ بزرعٍ كان لها، فجاءَ الناسُ يُعَزُّونَها، فرفعتْ طَرْفَها إلى السماءِ، وقالت: اللهمَّ أنت المأمولُ لأحسنِ الخَلَفِ، وبيدِك التعويضُ عمّا تَلَفَ، فافعلْ بنا ما أنت أهلُه؛ فإنَّ أرزاقَنا عليك، وآمالَنا مصروفةٌ إليك. قال: فلم أبرحْ، حتى جاءَ رجلٌ من الأجِلَّاءِ، فحُدِّثَ بما كان، فوَهَبَ لها خمسَمائةِ دينارٍ. وبعدُ، فهذا وحيٌ من ذكرى الزمهريرِ، ووَشْيٌ من حُلى أخبارِه؛ فتباركَ مَن قضى بحكمتِه خلْقَه وإدارتَه، وجعلَ ذِكراه عِظةً للمدَّكِرين! وفي بردِ الشتاءِ حياةُ قلبٍ ![]() إذا ما الروحُ أحْيَتْه بذكرى ![]() ![]() ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |