التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :        

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 13-02-2026, 01:12 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,678
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 551 الى صـــ 570
الحلقة (330)






٩١ - باب الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
١٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي. وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللهِ مِنَ الحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا؟ [مسلم: ١٢٢٠ - فتح: ٣/ ٥١٥]

١٦٦٥ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ: كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلاَّ الحُمْسَ -وَالحُمْسُ: قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ- وَكَانَتِ الحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ، يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا، وَتُعْطِي المَرْأَةُ المَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا، فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الحُمْسُ طَافَ بِالبَيْتِ عُرْيَانًا، وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَيُفِيضُ الحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُمْسِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قَالَ: كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ، فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ. [٤٥٢٠ - مسلم: ١٢١٩ - فتح: ٣/ ٥١٥]
ذكر فيه حديث مُحَمَّدٍ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي، وفي لفظ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هذا والله مِنَ الحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا؟
هذا الحديث زاد فيه الإسماعيلي في «صحيحه» والبرقاني فيما ذكره الحميدي. قَالَ سفيان: -يعني قريشًا- وكانت تسمى الحمس، وكانت قريش لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من
الحرم، وكان سائر الناس يقفون بعرفة، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ


حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قَالَ سفيان: الأحمس: الشديد في دينه (١). زاد أبو نعيم في «مستخرجه»: وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إن عظمتم غير حرمكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم، وقيل: كانت قريش تتكبر أن تقف مع الناس.
ولابن إسحاق: حَدَّثَني عبد الله بن أبي بكر، عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن عمه نافع، عن أبيه جبير قَالَ: رأيتُ النبي - ﷺ - قائمًا مع الناس قبل أن ينزل عليه الوحي توفيقًا من الله تعالى له (٢). وهذا يزيل شبهة من زعم أن رؤية جبير كانت بعد النبوة.
قَالَ ابن التين: وروي هذا الحديث، عن سفيان، عن عمرو، عن محمد، عن أبيه -مثل ما في البخاري- قَالَ فيه: رأيته - ﷺ - قائمًا مع الناس قبل أن يبعث. فمن ها هنا قَالَ بعضهم: إنه - ﷺ - حج في الجاهلية (٣)، أما بعد الهجرة فواحدة، وأحاطت قريش به.
ثم ذكر البخاري من حديث هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ: كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلَّا الحُمْسَ- وَالحُمْسُ: قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ .. الحديث، وفي آخره قالت عائشة: إِنَّ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُمْسِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] قَالَ: كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ، فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ.

---------------
(١) «الجمع بين الصحيحين» للحميدي ٣/ ٣٦٨ وقول سفيان رواه مسندًا، البيهقي في «سننه» ٥/ ١١٤، كتاب: الحج، باب: الوقوف بعرفة.
(٢) «سيرة ابن إسحاق» ص ٧٦.
(٣) ورد بهامش النسخة «م» ما نصه: قوله هذا هو الحج الأكبر يحمد له يكون الإشارة إلى يوم النحر ويؤيده رواية أبي داود عن ابن عمر أنه جعله وهو يوم النحر من الحمد له فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر، قال: «هذا يوم الحج الأكبر» وإليه ذهب مالك، ويحمد له يكون إشارة أي يوم النحر الذي حج فيه النبي - ﷺ -.



وقد اختلف المفسرون في هذِه الآية:
فقال الضحاك: يريد إبراهيم - عليه السلام - (١). ويؤيده ما أخرجه الترمذي وحسنه، عن يزيد بن سفيان قَالَ: كنا وقوفًا مكانًا بعيدًا من الموقف فأتانا ابن مربع فقال: أتى رسول الله - ﷺ - إليكم يقول لكم: «كونوا عَلَى مشاعركم، فإنكم عَلَى إرث من إرث إبراهيم» (٢).
وروي عن الضحاك أنه الإمام (٣)، وقيل: آدم (٤)، وقد قرئ: (الناسي) (٥) وقيل: سائر الناس.
قَالَ ابن التين: وهو الصحيح بدليل حديث جبير (غير الحمس) وهم قريش، ومن ولدت من غيرها، وقيل: قريش ومن ولدت وأحلافها، وقيل: قريش ومن ولدت من قريش وكنانة وجديلة قيس، وكانوا إذا أنكحوا امرأة منهم غريبًا اشترطوا عليه أن ولدها عَلَى دينهم، ودخل في هذا الاسم من غير قريش ثقيف وليث بن بكر وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة.
وقوله: (وَالحُمْسُ: قُرَيْش وَمَا وَلَدَتْ) قَالَ الداودي: يعني من مسه

-------------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٣٠٥ (٣٨٤٥)، وابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ٢/ ٣٥٤ (١٨٦١).
(٢) «سنن الترمذي» (٨٨٣) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٥٨٦).
(٣) رواه ابن أبي حاتم ٢/ ٣٥٤ (١٨٦٢).
(٤) قاله الزهري، كذا ذكره البغوي في «معالم التنزيل» ١/ ٢٣١، وابن الجوزي في «زاد المسير» ١/ ٢١٤.
(٥) هي قراءة سعيد بن جبير، وهي شاذة. قال ابن خالويه: يعني: آدم عُهد إليه فنسي.
اهـ «مختصر شواذ القرآن» ص ٢٠.



ولادة قريش من نسل البنات، والأحمس والحمس: الشديد، وتحامس القوم تحامسًا وحماسًا: تنادوا واقتتلوا، والأحمس: المشدد عَلَى نفسه في الدين، والحماسة: الشدة في كل شيء، ذكره ابن سيده (١)، وتحامس عنيِّ: من غلط العامة، وحمس بالكسر، وأحمس: بين الحمس، وقيل: والحمسة: الحرمة، ذكره ابن فارس (٢).
قال الحربي عن بعضهم: سموا حمسًا بالكعبة؛ لأنها حمساء، وحجرها أبيض يضرب إلى السواد، وذكره الهروي.
قَالَ ابن إسحاق: وكانت قريش -لا أدري بعد الفيل أو قبله- ابتدعت أمر الحمس رأيًا رأوه، فتركوا الوقوف عَلَى عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، نحن الحمس، والحمس أهل الحرم، قالوا: ولا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط، ولا يسلوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتًا من شعر، ولا يستظلوا -إن استظلوا- إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا، ثم قالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من (الحل إلى الحرم) (٣) إذا جاءوا حجاجًا أو عمارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس، ومما أحدثوه أن لا يطوفوا بالبيت عراة، ولا يطوفوا بين الصفا والمروة، وما سواهم من العرب يقال لهم: الحلة، كانوا إذا حجوا طافوا بالبيت عراة ورموا ثيابهم التي قدموا فيها، وقالوا: نكرم البيت أن نطوف به في ثيابنا التي جرحنا بها الآثام، فما طرحوا من

-------------
(١) «المحكم» ٣/ ١٥٧.
(٢) «مجمل اللغة» ١/ ٢٥١.
(٣) في الأصل: (الحلال الحرم).



ثوب لم يمسه أحد (١). وسُمَّي النسيء واللقاء والحريم، ذكره الكلبي.
وقال السهيلي: كانوا ذهبوا في ذَلِكَ مذهب الترهب والتأله، وكانت نساؤهم لا ينسجن الشعر ولا الوبر (٢)، وكذا قَالَ المهلب: إنما كان وقوف قريش -وهم الحمس- عند المشعر الحرام من أجل أنها كانت عزتها في الجاهلية- بالحرم وسكناها فيه، ويقولون: نحن جيران الله، فكانوا لا يرون الخروج عنه إلى الحل عند وقوفهم في الحج، ويقولون: نحن لا نفارق عزنا وما حرم الله به أموالنا ودماءنا،
وكانت طوائف العرب تقف في موقف إبراهيم من عرفة، وكان وقوف النبي - ﷺ - وطوائف العرب بعرفة ليدعوهم إلى الإسلام وما افترض الله تعالى عليه من تبليغ الدعوة وإفشاء الرسالة، وأمر الناس كلهم بالإفاضة من حيث أفاض الناس من عرفة، وقيل: كانت قريش تستكبر أن تقف مع الناس، وكذلك جبير، وقال: ما شأنه وقف في الحل؟ وانظر كيف أنكر جبير ذَلِكَ، وقد حج قبله عتَّاب سنة ثمان وأبو بكر سنة تسع (٣)، فإما أن يكونا وقفا بجمع عَلَى ما كانت قريش تفعل، أو لم يكن جبير شهد معهما الموسم، قاله ابن التين. وإنما كان ذَلِكَ في الجاهلية كما سلف، وجبير أسلم عام الفتح (٤).

---------
(١) «سيرة ابن إسحاق» ص ٨٠ - ٨١.
(٢) «الروض الأنف» ١/ ٢٢٩.
(٣) انظر: «السيرة النبوية» لابن هشام ٤/ ١٤٩، ٢٠١.
(٤) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ١/ ٣٠٣ (٣١٥)، «أسد الغابة» ١/ ٣٢٣ (٦٩٨)، «الإصابة» ١/ ٢٢٥ (١٠٩١).
وورد في هامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «التجريد»: أسلم هو بعد الحديبية، انتهى. =



وقال الخطابي: قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] في ضمنه الأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة والانتشار إنما يكون عن اجتماع قبله بها (١).
وكذا قَالَ ابن بطال: في الآية دليل أنه قد أمرهم بوقوف عرفة قبل إفاضتهم منها، غير أنا لم نجده، ذكر لنا ابتداء ذَلِكَ الوقوف، وبينه الشارع كما سيأتي.
فإن قلت: ثم يفيض (المهملة) (٢): وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، ثم قَالَ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] وإنما الإفاضة من عرفات قبل المجيء إلى المشعر الحرام فالجواب أن (ثم) بمعنى الواو، والمختار أنها عَلَى بابها، والمعنى: ثم آمركم بالإفاضة من عرفات من حيث أفاض الناس، وفيه معنى التوكيد؛ لأنهم أمروا بالذكر عند المشعر الحرام إذا أفاضوا من عرفات، ثم أكد عليهم الإفاضة من حيث أفاض الناس لا من حيث كانت قريش تفيض.
وزعم الطحاوي أن ظاهر الآية: فإذا أفضتم من عرفات، وقوله: ﴿مِنْ حَيثُ أفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، والإفاضة الأولى من عرفات، والثانية من المشعر الحرام؛ لأنه قَالَ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، إلى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أفَاضَ

-----------
= والحديبية سنة ست، وفي تهذيب النووي: أسلم عام خيبر، انتهى.
وخيبر سنة سبع، قال النووي: وقيل: أسلم عام الفتح، انتهى.
والفتح في السنة الثامنة في رمضان.
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٨٧.
(٢) كذا في الأصل ولعلها: (المهلة).



النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] غير أنا وجدنا قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] في معنى: وأفيضوا، وتجعل ثم في موضع الواو كما قَالَ تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ ثم قَالَ: ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ﴾ [يونس: ٤٦] عَلَى معنى: والله شهيد (١).
واختلفوا إذا دفع من عرفة قبل الغروب ولم يقف بها ليلًا، فذهب مالك إلى أن الاعتماد في الوقوف بعرفة عَلَى الليل من ليلة النحر والنهار من يوم عرفة تبع، فإن وقف جزءًا من النهار وحده ودفع قبل الغروب لم يجزئه، وإن وقف جزءًا من الليل أي جزء كان قبل طلوع الفجر من يوم النحر أجزأه؛ وأخذ في ذَلِكَ مما رواه عن نافع، عن ابن عمر أنه قَالَ: من لم يقف بعرفة ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج (٢). وعن عروة بن الزبير مثله (٣)، ورفعه ابن عمر مرة: «من فاته عرفات بليل فقد فاته الحج» (٤). وعن عطاء يرفعه «من أدرك عرنة بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج» وعن عمرو بن شعيب رفعه قَالَ: «من أجاز بطن عرفة قبل أن تغيب الشمس فلا حج له» (٥).

---------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٤٤.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٥٢٠ (١٣٤٣) كتاب: المناسك، باب: وقوف من فاته الحج بعرفة، «عيون المجالس» ٢/ ٨٢٢، ٨٢٣.
(٣) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٥٢٠ - ٥٢١ (١٣٤٤).
(٤) رواه ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٣٩٣، والدارقطني في «سننه» ٢/ ٢٤١ كتاب: الحج، باب: المواقيت، وابن حزم في «حجة الوداع» ص ٤٧٥ (٥٤٠).
قال الزيلعي في «نصب الراية» ٣/ ١٤٥: فيه رحمة بن مصعب، قال الدارقطني: ضعيف، وقد تفرد به، ورواه ابن عدي في «الكامل» وأعله بمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وضعفه جماعة اهـ.
(٥) رواه ابن وهب كما في «التمهيد» ٢٤/ ٤١٩.



وعن معمر عن رجل عن سعيد بن جبير رفعه: «إنا لا ندفع حَتَّى تغرب الشمس» (١) يعني: من عرفات. ضعفها كلها ابن حزم (٢).
وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري: الاعتماد عَلَى النهار من يوم عرفة من وقت الزوال، والليل كله تبع (٣).
وحديث عروة بن مضرس الطائي مرفوعًا: «من أدرك معنا هذِه الصلاة وأتى عرفات قبل ذَلِكَ ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه»، رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم (٤).
وفيها من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي أنه - ﷺ - قَالَ: «الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح فقد أدرك حجة». وصححه ابن حبان والحاكم (٥).

----------
(١) ذكره ابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٢٣ من طريق عبد الرزاق.
(٢) «المحلى» ٧/ ١٢٣.
(٣) انظر: «المبسوط» ٤/ ٥٥، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٢٦، «روضة الطالبين» ٣/ ٩٧.
(٤) «سنن أبي داود» (١٩٥٠) كتاب: المناسك، باب: من لم يدرك عرفه، «سنن الترمذي» (٨٩١) كتاب: الحج، باب: ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، «سنن النسائي» ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤ كتاب: مناسك الحج، فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، «سنن ابن ماجه» (٣٠١٦) كتاب: المناسك، باب: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، «صحيح ابن حبان» ٩/ ١٦٢ (٣٨٥١) كتاب: الحج، باب: الوقوف بعرفة والمزدلفة والدفع منها، «المستدرك» ١/ ٤٦٣ وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط أئمة الحديث وهي قاعدة من قواعد الإسلام، وقد أمسك عن إخراجه الشيخان على أصلهما أن عروة بن مضرس لم يحدث عنه غير عامر الشعبي، وقد وجدنا عروة بن الزبير بن العوام حدث عنه، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٠٦٦).
(٥) أبو داود (١٩٤٩)، الترمذي (٨٨٩ - ٨٩٠، ٢٩٧٥)، النسائي ٥/ ٢٥٦، ٢٦٤ - ٢٦٥، ابن ماجه (٣٠١٥). =



قالوا: فإن وقف جزءًا من النهار أجزأه، وإن وقف جزءًا من الليل أجزأه، إلا إنهم يقولون: إن وقف جزءًا من النهار بعد الزوال دون الليل كان عليه دم، والأظهر عند الشافعي: لا دم عليه، وإن وقف جزءًا من الليل دون النهار لم يجب عليه دم، أخذوا بحديث عروة بن مضرس إلا في إيجاب الدم لمن وقف نهارًا ودون الليل، وتفريقهم في وقت النهار بين بعد الزوال وقبله، فإنه من حين طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر؛ تمسكًا بحديث عروة بن مضرس السالف، فسوى بين أجزاء الليل وأجزاء النهار.
قال ابن قدامة: وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي (١).
وقال ابن جريج: عليه بدنة. وقال الحسن بن أبي الحسن: عليه هدي من الإبل، فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهارًا فوقف حَتَّى غربت فلا دم عليه، وبه قَالَ مالك والشافعي. وقال الكوفيون وأبو ثور:
عليه دم (٢).

---------------
= وهو حديث مشهور -كما قال النووي في «شرح مسلم» ٩/ ١١٦ - صححه ابن حبان ٩/ ٢٠٣ (٣٨٩٢)، والحاكم ١/ ٤٦٣ - ٤٦٤ و٢/ ٢٧٨ - كما ذكر المصنف- وصححه أيضًا ابن خزيمة ٤/ ٢٥٧ (٢٨٢٢)، وابن الجارود ٢/ ٩٢ (٤٦٨)، وعبد الحق الإشبيلي في «أحكامه» ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥، والنووي -قدس الله روحه- في «المجموع» ٨/ ١٢٤، ١٢٩، والحافظ ابن كثير -طيب الله ثراه- في «التفسير» ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤، وفي «الإرشاد» ١/ ٣٣٨، والمصنف -رحمه الله في «البدر المنير» ٦/ ٢٣٠ والألباني في «الإرواء» (١٠٦٤)، وفي «صحيح أبي داود» (١٧٠٣).
(١) انظر: «المغني» ٥/ ٢٧٣.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٢٧، «روضة الطالبين» ٣/ ٩٧، «المغني» ٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤.



والذي يظهر من المذاهب مذهب أحمد أنه يدخل إلا بالزوال، ومضي خطبتين وأربع ركعات اتباعًا للدليل القولي والفعلي.
وأجاب ابن القصار عن حديث عروة فقال: نحن نعلم أنه - ﷺ - وقف وقفة واحدة جمع فيها بين الليل والنهار، فصار معناه من ليل ونهار، واستفدنا من فعله أن المقصود آخر النهار، وهو الوقت الذي وقته، وعقلنا بذلك أن المراد جزء من النهار مع جزء من الليل؛ لأنه لم يقتصر عَلَى جزء من النهار دون الليل، ولو تجرد هذا من فعله لجاز أن يكون (أو) بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] معناه: وكفورًا. فإن قيل: فأنتم لا توجبون الجمع بين الليل والنهار في الوقوف. قيل: لما قَالَ: «فقد تم حجه» علمنا أن التمام نقيض الكمال والفضل فيجمع فيه بين السنة والفرض، فالسنة الوقوف بالنهار، والفرض هو الليل؛ لأنه هو انتهاء الوقوف، فهو الوقت المقصود، وهو أخص به من النهار؛ لأنه لو انفرد وقوفه في هذا الجزء لأجزأه بالإجماع، ولو وقف هذا القدر من النهار لكان فيه خلاف، ووجب عليه الدم، فكيف يكون النهار أخص من الليل؟!
فائدة: سُميت عرفة؛ لأن الله تعالى بعث جبريل إلى إبراهيم فحج به، فلما أتى عرفة قَالَ: قد عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذَلِكَ (١)، أو لأن جبريل يقول لإبراهيم: هذا موضع كذا وهذا موضع كذا، فيقول: قد عرفت قد عرفت. وقيل غير ذَلِكَ (٢).

----------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٩٨ (٣٧٩٧) من قول علي بن أبي طالب، وكذا عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٤٠٢ لعبد الرزاق وابن جرير.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٩٨ (٣٧٩٨) من قول ابن عباس، وكذا عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٤٠١ لوكيع وابن جرير وابن المنذر.



٩٢ - باب السَّيْرِ إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ
١٦٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا جَالِسٌ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ العَنَقِ. [قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ]: فَجْوَةٌ: مُتَّسَعٌ، وَالجَمِيعُ فَجَوَاتٌ وَفِجَاءٌ، وَكَذَلِكَ رَكْوَةٌ وَرِكَاءٌ. مَنَاصٌ: لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ. [٢٩٩٩، ٤٤١٣ - مسلم: ١٢٨٦ - فتح: ٣/ ٥١٨]
ذكر فيه عن أسامة أنه سُئِلَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ العَنَقِ.
فَجْوَةٌ: مُتَّسَعٌ، وَالجَمعُ فَجَوَاتٌ وَفِجَاءٌ، وَكَذَلِكَ رَكْوَةٌ وَرِكَاءٌ. مَنَاصٌ: لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ.
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والأربعة خلا الترمذي (١) ويأتي في الجهاد والمغازي (٢). والعنق -بفتح العين المهملة والنون- سير فوق المشي، أو أدنى المشي، أو أوله، أو المشي السريع الذي يتحرك فيه عنق البعير، أو سير سهل دون الإسراع، أقوال متقاربة.
والفجوة -بفتح الفاء، وحكي ضمها-: الفرجة المتسعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٧]، وقيل: ما اتسع منها وانخفض،

--------------
(١) مسلم (١٢٨٦)، أبو داود (١٩٢٣)، النسائي ٥/ ٢٥٨، ابن ماجه (٣٠١٧).
(٢) سيأتي برقم (٢٩٩٩) كتاب: الجهاد، باب: السرعة في السير، و(٤٤١٣) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع.



حكاه ابن سيده (١).
والنص: أرفع السير، ومنه قيل لمنصة العروس: منصة؛ لارتفاعها، فإذا ارتفع عن ذَلِكَ وصار إلى العدو فهو الخبب، فإذا ارتفع عن ذَلِكَ فهو الوضع والإيضاع. وقال أبو عبيد: النص أصله منتهى الأشياء وغايتها ومبلغ أقصاها (٢)، ومنه حديث علي: إذا بلغ النساء نص الحقاق فالعصبة أولى (٣). ونص الحقاق: غاية البلوغ.
وقال ابن المبارك: هو بلوغ العقل. وقال ابن أبي خالد في كتابه «الاحتفال»: النص والنصيص: السير، أن تسار الدابة، والبعير سيرًا شديدًا حَتَّى يستخرج أقصى ما عنده، والحاصل أنهما ضربان من السير.
إذا تقرر ذَلِكَ: فتعجيل الدفع من عرفة إنما هو لضيق الوقت؛ لأنهم إنما يدفعون من عرفة إلى المزدلفة عند سقوط الشمس، ومن عرفة إلى مزدلفة نحو ثلاثة أميال، وعليهم أن يجمعوا المغرب والعشاء بالمزدلفة، وذلك سببها، فتعجلوا السير لاستعجال الصلاة.
قَالَ الطبري: وبهذا قَالَ العلماء في صفة سيره - ﷺ - من عرفة إلى المزدلفة ومنها إلى منى (٤)، وبذلك عمل السلف. قَالَ الأسود: شهدتُ مع عمر الإفاضتين جميعًا، لا يزيد عَلَى العنق، لم يوضع في واحدة منهما. وكان ابن عمر سيره العنق. وعن ابن عباس مثله. وقال آخرون: الإفاضة من عرفات وجمع إيضاع دون العنق.

-------------
(١) «المحكم» ٧/ ٣٩٠.
(٢) «غريب الحديث» ٢/ ١٤٢.
(٣) رواه البيهقي في «سننه» ٧/ ١٢١ كتاب: النكاح، باب: ما جاء في إنكاح اليتيمة، وانظر: «الإرواء» (١٨٤٧).
(٤) «تفسير الطبري» ١٢٥/ ٦٧٠.



وروى معرور قَالَ: رأيت عمر بن الخطاب رجلًا أصلع عَلَى بعير يقول: يا أيها الناس أوضعوا فإنا وجدنا الإفاضة للإيضاع (١).
وروي عن الصديق: أنه وقف عَلَى قُزَح وقال: أيها الناس أصبحوا أصبحوا، ثم دفع كأني انظر إلى فخذه قد انكشف مما يخرش بعيره بمحجنه (٢). ومعنى يخرش بعيره: يخدشه بالمحجن، ومنه تخارش السنانير والكلاب.
قَالَ الطبري: والصواب في صفة السير في الإفاضتين جميعًا ما صحت به الآثار أنه كان يسير العنق إلا في وادي محسر، فإنه يوضع فيه، ولو أوضع أحد في الموضع الذي ينبغي أن يعنق فيه أو عكس لم يلزمه شيء؛ لإجماع الجميع عَلَى ذَلِكَ، غير أنه يكون مخطئًا سبيل الصواب، وما ذكره من تفسير ﴿فَجَوةٍ﴾ و﴿مَنَاصٍ﴾ هو كذلك في بعض النسخ. وقال ابن التين: فجوة: متسع لا أحد فيه.
فرع: قررنا أن السنة الإسراع، وإنما يميل عن بعضه لمانع زحام أو غيره، وأما ما رُوِي عنه - ﷺ - أنه أمر بالسكينة والوقار (٣)، فمعناه: لا تخرجوا من حدهما بالزجر والإيضاع. وأما سرعة لا تخرج عن حد الوقار فغير ممنوع بل هو سنة.

------------
(١) ذكره ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ٢٥٦ قال: قال وكيع: عن شعبة، عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي، عن المعرور بن سويد، فذكره.
(٢) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٢٧١٠)، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٣٧ (١٣٨٨١) كتاب: الحج، من قال: المزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر، والطبري في «تفسيره» ٢/ ٣٠٢ (٣٨٣٢)، والبيهقي ٥/ ١٢٥ كتاب: الحج، باب: الدفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس.
(٣) انظر ما سيأتي برقم (١٦٧١).



فائدة:
سُميت حجة الوداع؛ لأنه - ﷺ - ودع الناس فيها، وقال: «لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» (١).
وغلط من كره تسميتها بذلك، وقد سلف، وتسمى البلاغ أيضًا؛ لأنه قَالَ فيها: «هل بلغت؟» (٢) وحجة الإسلام؛ لأنها التي حج فيها بأهل الإسلام، ليس فيها مشرك.

--------
(١) قطعة من حديث رواه أبو يعلى ٤/ ١١١ (٢١٤٧)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٨/ ٣١٠، وابن عدي في «الكامل» ١/ ٣٠٥، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٥/ ٤٤٨، والمزي في «تهذيب الكمال» ٩/ ١٢٢، من حديث جابر، والحديث رواه مسلم (١٢٩٧) بلفظ: «لعلي لا أحج بعد حجتي هذِه».
(٢) سلف برقم (١٠٥) كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ورواه مسلم (١٦٧٩) كتاب: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال.



٩٣ - باب النُّزُولِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَجَمْعٍ
١٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ مَالَ إِلَى الشِّعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». [انظر: ١٣٩ - مسلم: ١٢٨٠ - فتح: ٣/ ٥١٩]

١٦٦٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ يَمُرُّ بِالشِّعْبِ الذِي أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَيَدْخُلُ فَيَنْتَفِضُ وَيَتَوَضَّأُ، وَلَا يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّيَ بِجَمْعٍ.

١٦٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الشِّعْبَ الأَيْسَرَ الذِي دُونَ المُزْدَلِفَةِ أَنَاخَ فَبَالَ ثُمَّ جَاءَ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ رَدِفَ الفَضْلُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَدَاةَ جَمْعٍ. [انظر: ١٣٩ - مسلم: ١٢٨٠ - فتح: ٣/ ٥١٩]

١٦٧٠ - قَالَ كُرَيْبٌ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ الفَضْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ. [انظر: ١٥٤٤ - مسلم: ١٢٨١ - فتح: ٣/ ٥١٩]
فيه أسامة (١): أن النبي - ﷺ - حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ مَالَ إِلَى الشعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ .. الحديث.

-----------
(١) فوقها في الأصل: أي حديث أسامة.


وفيه نافع (١): كَانَ ابن عُمَرَ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْع، غَيْرَ أَنَّهُ يَمُرُّ بِالشِّعْبِ الذِي أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَيَدْخُلُ فَيَنْتَفِضُ وَيتَوَضَّأُ، وَلَا يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّيَ بِجَمْعٍ.
وفيه أسامة (٢): مثل الأول وزيادة عن الفضل: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ.
وحديث أسامة في مسلم (د. ت) (٣)، وقصة ابن عمر من أفراد البخاري.
والشِّعْب: الطريق في الجبل، بكسر الشين وفتحها: الجمع بين الشيئين، ونزوله الشعب إنما كان لأجل إزالة الحاجة، وليس ذَلِكَ من سنته، وهو مباح لمن أراد امتثال أفعاله، ويدير ناقته حيثما أدار ناقته، ويقتفي آثاره وحركاته، وليس ذَلِكَ بلازم إلا فيما تعلق منها بالشريعة.
قَالَ عكرمة: الشِّعْب: الذي كانت الأمراء تنزله، اتخذه رسول الله - ﷺ - مبالًا، واتخذتموه مصلى (٤).
وقوله: (فَبَالَ ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الوَضُوءَ، فتوضأ وضوءًا خفيفًا، فقلتُ: الصلاة، قَالَ: (الصلاة) (٥) أمامك» فركب حَتَّى أتى المزدلفة، فصلى) ظاهره الوضوء الشرعي لا الاستنجاء، وقال عيسى بن دينار: إنه استنجاء لا وضوء، قال: وفيه دليل أن الاستنجاء يسمى وضوءًا،

------------
(١) فوقها في الأصل: أي حديث نافع.
(٢) فوقها في الأصل: أي حديث أسامة.
(٣) «صحيح مسلم» (١٢٨٠) كتاب: الحج، باب: استحباب إدامة الحاج التلبية، وأبو داود (١٩٢١)، ولم أجده في الترمذي.
(٤) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٥/ ٤٥ (٢٨١١).
(٥) ساقطة من الأصل.



ودليل ذَلِكَ قوله فيما سيأتي: (ولم يسبغ الوضوء) (١)، ولذلك قَالَ له أسامة: الصلاة، فذكره لما رأى من تركه الاستعداد لها في الوضوء.
وقيل معنى: (ولم يسبغ (الوضوء) (٢) أي: لم يبالغ فيه مبالغته إذا أراد به الصلاة، وقد سلف ذَلِكَ في الحديث في الطهارة في باب: إسباغ الوضوء أيضًا (٣).
وقوله: («الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»). مقتضاه أنه ليس بوقتها، أو أن ذَلِكَ ليس بموضعها أو هما، ومقتضاه أن موضعها المزدلفة.
وبه احتج مالك لذلك، أو تؤوّل عَلَى أن الصلاة الفاضلة أمامك.
ومن صلى قبل أن يأتيها دون عذر، فقال ابن حبيب: يعيد متى ما علم بمنزل المصلي قبل الزوال لقوله: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» وبه قَالَ أبو حنيفة.
وقال جابر بن عبد الله: لا صلاة إلا بجمع (٤)، وإليه ذهب محمد والثوري.
وقال مالك: لا يصليان إلا بها إلا من عذر به أو بدابته، قَالَ: فإن صلاهما بعذر لم يجمع بينهما حَتَّى يغيب الشفق.
وقال أشهب: بئس ما صنعه، ولا يعيد إلا أن يصليها قبل مغيب الشفق فيعيد العشاء وحدها أبدًا، وبه قَالَ الشافعي، ونصره القاضي أبو الحسن، واحتج عليه بأن ذَلِكَ -أعني: الجمع- سنة، فلم يكن شرطًا في صحتها، وإنما كان عَلَى معنى الاستحباب، كالجمع بعرفة.

------------
(١) سيأتي قريبًا برقم (١٦٧٢).
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) سلف برقم (١٩٣).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٥١ (١٤٠٢٢).



ومن أسرع وأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق. قَالَ ابن حبيب: لا يُصلي حَتَّى يغيب الشفق. ووجهه قوله: «الصَّلاةُ أَمَامَكَ» ثم صلاها بمزدلفة بعد مغيب الشفق (١).
وقال أشهب: يجمع حينئذٍ، وإن قضاهما قبل المغيب. وهو خلاف ما في «المدونة» وجمع هي: المزدلفة والمشعر الحرام.
وعند الفقهاء: أن المشعر جبل في آخر المزدلفة يُقال له: قُزح، سمي جمعًا؛ لأنها محل الجمع، أو لاجتماع آدم وحواء.
وقوله: (فَيَنْتَفِضُ) هو كناية عن البول. وقال الداودي: يعني يتنظف فيصير كالفضة. قَالَ: ويحتمل أنه يكون يتنصل مما به من ثقل ذَلِكَ، قَالَ: وقوله: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» ولم يسم موضعها.
فيه: تأخير البيان ما لم تدعُ الحاجة إليه.
وفيه: فضل أسامة وخصوصه بالشارع. والوضوء بفتح الواو عَلَى الأشهر، وقوله: (وُضُوءًا خَفِيفًا). هو بضم الواو وفتحها.
وقوله: (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رمى جمرة العقبة) سلف الكلام فيه.
ومعنى قوله: (رَدِفْتُ): صوت له رديفًا، وكذلك: (ردف الفضل رسول الله).
قَالَ ابن التين: وضبط في بعض الكتب: (ردف الفضلَ)، بنصب اللام وضم اللام من (رسولُ الله - ﷺ -) وليس بصحيح؛ لأنه إنما يقال: أردف فلانًا: إذا جعله خلفه، كذلك فسره في حديث أسامة، والغرض أنه - ﷺ - أردفهما به، وردِف بكسر الدال، يقال: ردفه وردف له: إذا جاء بعده أو تبعه.

----------
(١) «المنتقى» ٣/ ٣٩.


فائدة:
سميت جمرة؛ لأنها حجارة مجتمعة، وكل شيء مجتمع فهو عند العرب جمرة وجمار، ومنه قولهم: أجمر السلطان جيشه في الثغر، بمعنى: جمعهم فيه، ومنه قيل لأحياء من العرب تجمعت: جمار وجمرات، ومنه قيل للمرأة إذا أمرت أن تجمع شعرها بعضه إلى بعض: أجمري شعرك.


٩٤ - باب أَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالسَّكِينَةِ عِنْدَ الإِفَاضَةِ، وَإِشَارَتِهِ إِلَيْهِمْ بِالسَّوْطِ
١٦٧١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو -مَوْلَى المُطَّلِبِ- أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -مَوْلَى وَالِبَةَ الكُوفِيُّ- حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ». أَوْضَعُوا: أَسْرَعُوا. ﴿خِلَالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] مِنَ التَّخَلُّلِ: بَيْنَكُمْ، ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا﴾: [الكهف: ٣٣]: بَيْنَهُمَا. [فتح: ٣/ ٥٢٢]
ذكر فيه حديث ابن عباس: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالايضَاعِ». (أَوْضَعُوا: أَسْرَعُوا. ﴿خِلَلَكُم﴾ [التوبة: ٤٧] مِنَ التَّخَلُّلِ: بَيْنَكُمْ، ﴿وَفَجَّرنَا خِلَلَهُمَا﴾: ﴿الكهف: ٣٣﴾ بَيْنَهُمَا) (١).
هذا الحديث من أفراده.
قَالَ الداودي: السكينة في المشي هي السرعة ليس بالإبطاء ولا بالاشتداد ولا بالخبب، واحتج بالحديث السالف: فإذا وجد فجوةً نصَّ، والنص فوق العَنَق، كما سلف (٢).
وقوله: («فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ») أوضعوا إبلهم: أسرعوا بها، والإيضاع: العدو السريع، يقال: وضع البعير و(أوضع) (٣): ركبه، ذكره

------------
(١) من الأصل وعليها (لا .. إلى).
(٢) برقم (١٦٦٦).
(٣) كذا في الأصل، وفي (ج): واضعه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الرقية الشرعية


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية

[حجم الصفحة الأصلي: 1,881.02 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,879.30 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.09%)]