|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145] أي نؤته جزاء عمله، على ما وصف الله تعالى من تضعيف الحسنات لمن يشاء، وقيل: المراد منها عبدالله بن جبير ومن لزم المركز معه حتى قُتلوا، ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145]؛ أي نؤتيهم الثواب الأبدي جزاء لهم على ترك الانهزام، فهو تأكيد ما تقدم من إيتاء مزيد الآخرة؛ [تفسير القرطبي]. القوة والثبات والصبر صفات المؤمنين المجاهدين الصادقين في نية الجهاد: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 146 - 148]. يقول ابن كثير: "إن الله عز وجل عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أحد، وتركوا القتال أو سمعوا الصائح يصيح: إن محمدًا قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال فقال لهم: أفإن مات أو قتل أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم، وانقلبتم على أعقابكم؟ فكم من نبي قُتل بين يديه من أصحابه ﴿ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ [آل عمران: 146]؛ أي: جموع كثيرة، ﴿ فَمَا وَهَنُوا ﴾ [آل عمران: 146] بعد نبيهم، ﴿ وَمَا ضَعُفُوا ﴾ [آل عمران: 146] عن عدوهم، ﴿ وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ [آل عمران: 146] لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر، والله يحب الصابرين. ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ [آل عمران: 146] قال قتادة والربيع بن أنس: وما ضعفوا بقتل نبيهم وما استكانوا، يقول: فما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم، أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله. ﴿ وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ [آل عمران: 146]؛ أي وما ذلوا لعدوهم، قال قتادة والسدي: أي ما أصابهم ذلك حين قتل نبيهم، ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146]"؛ [انتهى، ابن كثير]. ويرى القرطبي أن الآية تشجيع المؤمنين، والأمر بالاقتداء بمن تقدم من خيار أتباع الأنبياء، أي كثير من الأنبياء قتل معه ربيون كثير، أو أن يكون المعنى: كثير من الأنبياء قتلوا فما ارتدت أممهم، وهذا يقول به قتادة وعكرمة. المؤمنون يستنصرون الله في مواقع القتال بالاستغفار والدعاء: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 147، 148]. • فالمجاهد يبقى بين الخوف من ذنوبه ورجائه من الله المغفرة. • علم المجاهد أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن التخلي منها من أسباب النصر، فكان الاستغفار والدعاء أكثر ما يشغله. • والمجاهد لا يرى نفسه قويًّا بذاته، لا يغتر لا بصبره ولا بإيمانه، ولا بعدده ولا بعدته، وإنما يلجأ إلى الله بالدعاء طالبًا منه التثبيت والنصر. فماذا كان جزاؤهم؟ ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 148]؛ أي أعطاهم ثواب الدنيا، يعني النصر والظفر على عدوهم، ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾ [آل عمران: 148] يعني الجنة. تثبيت المؤمنين بنهيهم عن طاعة الكافرين، وعدم الطمع بولايتهم لأن الله وحده هو مولى المؤمنين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 149 - 151]. لما أمر الله تعالى بالاقتداء بمن تقدم من أنصار الأنبياء، حذر أهل الإيمان الذين صدقوا الله ورسوله في وعد الله ووعيده، وأمره ونهيه من طاعة الكافرين والمنافقين؛ فإن طاعتهم تورِث الردى في الدنيا والآخرة. فقال لهم: ﴿ إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [آل عمران: 149]، يعني: الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى - فيما يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه - فتقبلوا رأيهم في ذلك، وتنتصحوهم فيما يزعمون أنهم لكم فيه ناصحون، ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ [آل عمران: 149]، يقول: يحملوكم على الردة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 149]، يقول: فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له خاسرين، يعني: هالكين، قد خسرتم أنفسكم، وضللتم عن دينكم، وذهبت دنياكم وآخرتكم؛ قاله الطبري في تفسيره. ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾ [آل عمران: 150]، فالله فقط هو مولاكم الذي يتولى نصركم وحفظكم إن أطعتموه. تجلي موالاة الله للمؤمنين في صرفه المشركين عنهم عندما هموا بالعودة بإلقاء الرعب في قلوبهم: ثم تعرض الآيات مباشرة كيف كان الله جل في علاه في معية المؤمنين عندما هم المشركون بالعودة إلى ساحة المعركة لاستئصال شأفة المسلمين، فصرفهم الله عز وجل بالرعب؛ يقول تعالى: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 151]. قال السدي وغيره: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به. وقوله ﴿ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 151] تعليل، أي كان سبب إلقاء الرعب في قلوبهم هو إشراكهم بالله ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾ [آل عمران: 151]؛ أي حجة وبيانًا، وعذرًا وبرهانًا؛ [تفسير القرطبي]. وروى العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ [آل عمران: 151] قال: قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب، فرجع إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفًا، وقد رجع، وقذف الله في قلبه الرعب))؛ [رواه ابن أبي حاتم]. لماذا انقلب النصر إلى هزيمة في أحد؟ لو عدنا أدراجنا إلى مقدمة السورة في قوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [آل عمران: 14]، لوجدنا الجواب؛ هي الدنيا وزينتها. وتحكي لنا الآيات ما حدث بالتفصيل: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152]. قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أحد وقد أُصيبوا قال بعضهم لبعض: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزلت هذه الآية؛ وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء، وكان الظفر ابتداء للمسلمين غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة، وترك بعض الرماة أيضًا مركزهم طلبًا للغنيمة؛ فكان ذلك سبب الهزيمة. روى البخاري عن البراء بن عازب قال: ((لما كان يوم أحد ولقينا المشركين، أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسًا من الرماة، وأمر عليهم عبدالله بن جبير وقال لهم: لا تبرحوا من مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا عليهم، قال: فلما التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يشتددن في الجبل، وقد رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فجعلوا يقولون: الغنيمة الغنيمة، فقال لهم عبدالله: أمهلوا أمَا عهِد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا؟ فانطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقُتل من المسلمين سبعون رجلًا، ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف علينا وهو في نشز فقال: أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه حتى قالها ثلاثًا، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاثًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب؟ ثلاثًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قُتلوا، فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه دون أن قال: كذبت يا عدو الله، قد أبقى الله لك من يخزيك به، فقال: اعلُ هبلُ، مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه فقالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني))، وفي البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: ((رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد القتال)) وفي رواية عن سعد: ((عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد))؛ يعني جبريل وميكائيل، وفي رواية أخرى: ((يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده))، وعن مجاهد قال: لم تقاتل الملائكة معهم يومئذٍ، ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر، قال البيهقي: إنما أراد مجاهد أنهم لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم حين عصوا الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به. وعن عروة بن الزبير قال: وكان الله عز وجل وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، وكان قد فعل، فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم وتركوا الرماة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ألَّا يبرحوا من منازلهم، وأرادوا الدنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، وأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ [آل عمران: 152] فصدق الله وعده وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء، وعن عمير بن إسحاق قال: لما كان يوم أحد انكشفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعد يرمي بين يديه، وفتى ينبل له، كلما ذهبت نبلة أتاه بها، قال: ارمِ أبا إسحاق، فلما فرغوا نظروا من الشاب، فلم يروه ولم يعرفوه. لكن فضل الله على المؤمنين عظيم، غفر لهم ما كان منهم وعفا عنهم: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152]؛ أي لم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، والخطاب قيل هو للجميع، وقيل: هو للرماة الذين خالفوا ما أمروا به، واختاره النحاس، وقال أكثر المفسرين: ونظير هذه الآية قوله: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ ﴾ [البقرة: 52]، ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152] بالعفو والمغفرة، وعن ابن عباس قال: ما نُصر النبي صلى الله عليه وسلم في موطن كما نصر يوم أحد، قال: وأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجل، إن الله عز وجل يقول في يوم أحد: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ - يقول ابن عباس: والحس القتل - ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152]، وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع، ثم قال: احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين، انكفأت الرماة جميعًا فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهم هكذا - وشبك أصابع يديه – والتبسوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقُتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغار، إنما كانوا تحت المهراس وصاح الشيطان: قُتل محمد، فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل حتى طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين، نعرفه بتكفئه إذا مشى، قال: ففرحنا حتى كأنا لم يصبنا ما أصابنا، قال: فرقي نحونا وهو يقول: ((اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم))، وقال كعب بن مالك: أنا كنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين، عرفته بعينيه من تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل، فأشار إليَّ أن اسكت؛ [تفسير القرطبي]. الهزيمة: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 153]. ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ [آل عمران: 153]؛ أي: في الجبل هاربين من أعدائكم، ﴿ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ﴾ [آل عمران: 153]؛ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب، ﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ [آل عمران: 153]؛ أي: وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة؛ قال السدي: لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: ((إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله))، فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم فقال: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ [آل عمران: 153]، وكذا قال ابن عباس، وقتادة والربيع، وابن زيد. فجازاكم غمًّا على غم، قال ابن عباس: الغم الأول: بسبب الهزيمة، وحين قيل: قُتل محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني: حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم ليس لهم أن يعلونا)). وقال ابن عباس، وعبدالرحمن بن عوف، والحسن، وقتادة، والسدي: ﴿ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾ [آل عمران: 153]؛ أي: على ما فاتكم من الغنيمة بعدوكم ﴿ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴾ [آل عمران: 153] من القتل والجراح، ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 153]؛ [تفسير ابن كثير]. صورة المؤمن والمنافق بعد الهزيمة: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 154]. ثم منة أخرى من الله عز وجل على المؤمنين بعد منة العفو وهي السكينة والأمنة عليهم. ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾ [آل عمران: 154]، وهذه منة الله فيما أنزل على المؤمنين من السكينة والأمنة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مستلئمو السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان؛ كما قال تعالى في سورة الأنفال، في قصة بدر: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: 11]. قال البخاري: قال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، رضي الله عنه، قال: "كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه". ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني: أهل الإيمان واليقين، والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله وينجز له مأموله، ولهذا قال: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: 154]، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم وهؤلاء هم المنافقون: معتب بن قشير وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعًا في الغنيمة وخوف المؤمنين، فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور، ويقولون الأقاويل، ومعنى ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي: حملتهم على الهم، والهم ما هممت به، يقال: أهمني الشيء؛ أي كان من همي، وأمر مهم: شديد، وأهمني الأمر: أقلقني. المنافقون يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية: وكانت هذه الطائفة يظنون أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم باطل، وأنه لا ينصَر، ﴿ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي ظن أهل الجاهلية، ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي ما لنا شيء من الأمر، أي من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرهًا، يدل عليه قوله تعالى إخبارًا عنهم: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا ﴾ [آل عمران: 154] قال الزبير: أُرسل علينا النوم ذلك اليوم، وإني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا ها هنا. وقال ابن عباس في قوله: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: 154]: يعني التكذيب بالقدر؛ وذلك أنهم تكلموا فيه، فقال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني القدر خيره وشره من الله، ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي من الشرك والكفر والتكذيب، ﴿ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ [آل عمران: 154] يظهرون لك، ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي ما قتل عشائرنا، فقيل: إن المنافقين قالوا: لو كان لنا عقل ما خرجنا إلى قتال أهل مكة، ولما قُتل رؤساؤنا، فرد الله عليهم فقال: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي لخرج، ﴿ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني في اللوح المحفوظ، ﴿ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي مصارعهم، وقيل: لو تخلفتم أيها المنافقون لبرزتم إلى موطن آخر غيره تصرعون فيه؛ حتى يبتلي الله ما في الصدور ويظهره للمؤمنين. عن ابن عباس في قوله: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني التكذيب بالقدر، وذلك أنهم تكلموا فيه، فقال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني القدر خيره وشره من الله، وفي كل ما حدث ابتلاء وتمحيص: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي يختبركم بما جرى عليكم، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر. توبة الله على المسلمين الذين هربوا إلى المدينة بعد الهزيمة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155]. ثم قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ [آل عمران: 155] عن عمر رضي الله عنه وغيره. السدي: يعني من هرب إلى المدينة في وقت الهزيمة دون من صعد الجبل، ﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾ [آل عمران: 155]؛ أي: ببعض ذنوبهم السالفة، كما قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة، الحسنة بعدها، وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها، ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ [آل عمران: 155]؛ أي: عما كان منهم من الفرار ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155]؛ أي: يغفر الذنب ويحلم عن خلقه، ويتجاوز عنهم. يتبع بإذن الله.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |