إطلالة على مشارف السبع المثاني (4) {مالك يوم الدين} - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         نصائح وضوابط إصلاحية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 76 - عددالزوار : 56930 )           »          موارد البؤس والتسخط! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          لن يضيعنا! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          المأسور من أسره هواه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 6 )           »          ذكر يقوي بدنك فلا تحتاج إلى خادم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          أين أنا في القرآن؟ {فيه ذكركم} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          فضل العفو والصفح من القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5177 - عددالزوار : 2486876 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 10-02-2026, 05:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,897
الدولة : Egypt
افتراضي إطلالة على مشارف السبع المثاني (4) {مالك يوم الدين}

إطلالة على مشارف السبع المثاني (4)

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾

وضاح سيف الجبزي

﴿ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، والحمد لله الذي شهدت بربوبيته جميع مخلوقاته، وأقرَّت بألوهيته جميعُ مصنوعاته، شهدت بأنه الله الذي لا إله إلا هو بما أودعها من عجائب صنعته، وبدائع آياته، وسبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، الذي لا فوز إلا في طاعته، ولا عزَّ إلا في التذلُّل لعظمته، ولا غنى إلا في الافتقار إلى رحمته، ولا هدى إلا في الاستهداء بنوره، ولا حياة إلا في رضاه، ولا نعيم إلا في قربه، ولا صلاح للقلب ولا فلاح إلا في الإخلاص له وتوحيد حبِّه.

وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، وأمينُه على وحيِه، وحُجتُه في أرضه، سليلُ أكرمِ نبعة، وقريعُ أشرفِ بقعة، أخرج أُمته من الظلمات إلى النور، وأفاء عليهم الظلَّ بعد الحرور، آخرُ الأنبياء في الدنيا عصرًا، وأولهم يوم الدين ذكرًا، أرجحُهم عند الله ميزانًا، وأوضحُهم حجةً وبرهانًا، تفخر بذكره المنابر والمنائر، وتشرُف بالصلاة عليه النوادي والمحاضر.
تَجلَّى للحياةِ فكان نورًا
بدينٍ طاهرٍ أهدى البَشَائِرْ
وسارَ لِيملأَ الكونَ انشراحًا
وفي توجيهه طُهْرُ الضمَائِرْ
عليه صلاةُ ربيَ مَا تَنادتْ
إلى التكبيرِ أصداءُ المنائِرْ


فاللهم أرضِه صلاةً وتسليمًا، وأوله تشريفًا وتكريمًا، وزده محبةً وتعظيمًا، وبعد:
فلا تزال إطلالتُنا على مشارف السبع المثاني، نلمح شموس أنوارها، ونرقب تفتُّق أزهارها، ونتلمس قطرات أندائها، ونستنشق عبير إسدائها، لتغمرَنا- بإذن الله- بركاتُها، وتعمَّنا- بحول الله- خيراتُها، ووقفةُ اليوم يا قوم، مع قول رب العالمين: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]، وهي آية التمجيد والتعظيم للملك الجليل- جل جلاله-، كما في الحديث: وإذا قال العبد: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ قال الله: «مَجَّدَنِي عَبْدِي، وقال مرّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي»[1].

ومعنى: «مَجَّدنِي»: شرَّفني وعظَّمني[2]، والتحميد: الثناء بجميل الفِعال، والتمجيد: الثناء بصفات الجلال، والمجد: العظمة ونهاية الشرف[3].

ومعنى: «فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي»: صرف أمره إليَّ، وتبرَّأ من نفسه لي[4].

عباد الله، وقد جاءت هذه الآية: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ بعد ذِكر ربوبيته ورحمته جل جلاله؛ لبيان أنه رب العالمين في الدارين، وكما أن حمده ورحمته يقتضيان الفضل، فإن ربوبيته وملكه يقتضيان العدل، وأن مقتضى حمده وربوبيته ورحمته وملكه أن يوفي كل نفس ما عملت، ﴿ وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الجاثية: 22].

أيها المسلمون، ولعل مجيء هذه الآية: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ بعد قوله: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾؛ أنه لمّا اتَّصف- تعالى- بالرحمة؛ انبسط العبد، وغلب عليه الرجاء، فنبَّه بصفة الملِك أو المالك؛ ليكون من عمله على وجَل، وأن لعمله يومًا تظهر له فيه ثمرته من خيرٍ وشرٍّ[5].

وإذا كان قوله- جلَّ جلالُه-: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ قد أشرق على القلوب بالنور الذي بدَّد غياهب ظلمات اليأس والقنوط، فإنَّ قوله- عمَّ نوالُه-: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ذكَّر النفوس بما ينتظرها، ودعاها إلى هداها، وحذَّرها مِن رَداها؛ لتعود إلى ساحة الرضوان، وتدرك مساحة الغفران، وتتوب قبل فوات الأوان، ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ [الحشر: 18].

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، والمالِك، هو المتصرِّف في الأعيان المملوكة على أي وجه كان[6]، والله- عز وجل- مالك الأشياء كلِّها، ومُصرِّفها على إرادته، لا يمتنع عليه منها شيء[7]، وهو جل جلاله المنفرد في تصريف شؤون ذلك اليوم، دون شُبْهة مشارك أو منازع.

﴿ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، والمَلِك: هو المتصرف بالأمر والنهيفي المأمورين[8]، وهو مأخوذ من «المُلْك» بضم الميم؛ كقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾[البقرة: 107]؛ أي: «ألم تعلم أن الله له السلطان القاهر، والاستيلاء الباهر، المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهما إيجادًا وإعدامًا، وأمرًا ونهيًا، حسبما تقتضيه مشيئته، لا معارض لأمره، ولا مُعقِّب لحكمه»[9]، ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾ [الفرقان: 2]، ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ﴾[فاطر: 13]، ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾ [الملك: 1]، «فمَلِكُ ذلك الزمان هو صاحب المُلك الذي لا يشِذُّ شيء عن الدخول تحت ملكه، وهو الذي لا ينتهي مُلكُه ولا ينقضي»[10].

عباد الله، إن حقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع، والإكرام والإهانة، والإثابة والعقوبة، والغضب والرضا، والتولية والعزل، وإعزاز مَن يليق به العز، وإذلال من يليق به الذُّل، قال الله: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26]، وقال: ﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [الرحمن: 29]، فهو المتصرف في الممالك كلِّها وحده، تصرّف ملكٍ قادر قاهر عادل، رحيم تام الملك، لا ينازعه في ملكه منازع، ولا يعارضه فيه معارض[11].

يقول صلى الله عليه وسلم: «لَا مَالِكَ إِلَّا اللهُ»، وفي رواية: «لَا مَلِكَ إِلَّا اللهُ»[12]، وقال: «لا مُلْكَ إِلَّا للهِ»[13].
الملك لله الذي عنت الوجو
ه له وذلَّت عنده الأربابُ
متفرِّد بالملك والسلطان قد
خسر الذين تجاذبوه وخابوا
دعهم وزعم الملك يوم غرورهم
فسيعلمون غدًا مَن الكذَّابُ؟


﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، «والدِّين: الجزاءُ في الخير والشرِّ، كما تدين تُدان»[14]، ويومُ الدِّين: يوم الحساب والمكافأة والجزاء على الأعمال[15]، يوم يُدان الناس بأعمالهم[16]، ويلقى فيه كل عامل عمله، ويوفَّى جزاءه[17]، كما قال سبحانه: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ ﴾ [النور: 25]؛ أي: يوفيهم جزاء أعمالهم[18]، وقال تعالى: ﴿ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ [الواقعة: 86] يعني: غير مجزيِّين بأعمالكم ولا مُحاسبين[19]، وذكر الله عن الكفار أنهم يقولون: ﴿ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ [الصافات: 53]؛ أي: مجزيُّون محاسبون[20]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ﴾ [الذاريات: 6]؛ أي: إنَّ الجزاء على الأعمال لَواقعٌ[21].

وفي هذا تذكير المكلَّفين بما ينتظرهم من الجزاء على أعمالهم؛ رجاء أن تستقيم أحوالهم[22].

عباد الله، وإجراء هذه الأوصاف على الله تعالى، من كونه: موجدًا للعالمين، ربًّا لهم، منعمًا عليهم بالنعم كلها، ظاهرها وباطنها، عاجلها وآجلها، مالكًا لأمورهم يوم الثواب والعقاب؛ للدلالة على أنه الحقيق بالحمد، لا أحد أحق به منه، بل لا يستحقه على الحقيقة سواه[23].

أيها المؤمنون، وإنما خصَّ يوم الدين بالذِّكر- مع كونه مالكًا للأيام كلها- كما قال: ﴿ فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾ [المؤمنون: 116]، وقال: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾ [الإسراء: 111]؛ لأن الأملاك يومئذٍ زائلة، فلا مُلك ولا أمر إلَّا له، ولئِن كانوا في الدنيا مُنازِعِين في المُلك؛ فإنَّ ذلك اليوم لا ينازعه في مُلكه أحد، وكلُّهم خضعوا له، كما قال تعالى: ﴿ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ﴾ [الأنعام: 73]، وقال: ﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الحج: 56]، وقال: ﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ ﴾ [الفرقان: 26]، وقال: ﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ﴾ فأجاب جميع الخلق: ﴿ لِلهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ﴾[غافر: 16][24].

عباد الله، ومن لطائف إيثار لفظ (الدِّين) على سواه، في قوله- تبارك اسمه-: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾؛ أي: الجزاء؛ للإشعار بأنه معاملةُ العامل بما يعادل أعماله المجزيّ عليها في الخير والشر، وذلك العدل الخاص، قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾[غَافِر: 17]، فلذلك لم يقل: (مَلِكِ يَومِ الحِسَابِ)، فوصْفُه بأنه مَلِكُ يوم العدل الصِّرفِ وصفٌ له بأشرف معنى المُلك؛ فإن الملوك تتخلَّد محامدهم بمقدار تفاضلهم في إقامة العدل، وقد كان العربُ يتفاخرون بذلك، كما قال النابغة يمدح الملك عمرو بن الحارث الغسَّاني- ملك الشام-:
وكم جزانا بِأَيدٍ غيرِ ظالمةٍ
عُرْفًا بِعُرْفٍ وإنكارًا بإنكارِ




وقال الحارث بن حِلِّزَة يمدح الملك عمرو بن هند اللخمي- ملك الحيرة-:
مَلِكٌ مُقسِطٌ وأفضلُ مَن يم
شي ومِن دون ما لديه القضاءُ[25]




معاشر المؤمنين، إن يومَ الدِّين هو يوم استيفاء الحقوق، وتحقُّق الجزاء التام، وإقامة العدل الكامل المطلق، قال الله: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47].

عباد الله، إنَّ الاعتقاد بيوم الدين كليةٌ من كُلِّيات العقيدة، وهذه الآية تُمثِّلُ الكليةَ الضخمةَ العميقةَ التأثير في الحياة البشرية كلها، فالاعتقاد بالآخرة كليةٌ ذات قيمة في تعليق أنظار البشر وقلوبِهم بعالم آخرَ بعد عالم الأرض؛ فلا تستبدّ بهم ضرورات الأرض، ولا يستبدّ بهم القلق على تحقيق جزاء سعيهم في عمرهم القصير المحدود، وعندئذٍ يملكون العمل لوجه الله، وانتظار الجزاء حيث يقدِّره الله؛ ومن ثم فإن هذه الكلية تعد مَفرِقَ الطريق بين العبودية للنزوات والرغائب، والطلاقة الإنسانية اللائقة ببني الإنسان، بين الخضوع لتصورات الأرض وقيمها وموازينها والتعلُّق بالقيم الرَّبانية والاستعلاء على منطق الجاهلية، مَفرِقَ الطريق بين الإنسانية في حقيقتها العليا التي أرادها الله لعباده، والصور المشوهة المنحرفة التي لم يقدَّر لها الكمال.

وما تستقيم الحياة البشرية على منهج الله الرفيع ما لم تتحقق هذه الكلية في تصوُّر البشر، وما لم تطمئنَّ قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير، وما لم يثق الفرد المحدود العمر بأن له حياةً أخرى تستحقُّ أن يجاهد لها، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمدًا على العوض الذي يلقاه فيها.
حصادُك يومًا ما زرعتَ وإنَّما
يُدانُ الفتى يومًا كما هو دائِنُ
واعلم يقينًا أنَّ مُلكك زائلٌ
واعلم بأنَّ كما تَدينُ تُدانُ


وفي الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ»[26].

ومعنى قوله: «مَنْ دَانَ نَفْسَهُ»؛ أي: حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة[27].

وقيل: «مَنْ دَانَ نَفْسَهُ»؛ أي: أذلَّهَا واستعبدها[28].

فيا عبدالله، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديَّان لا يموت، اعمل ما شئت فكما تدين تدان[29].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281].

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين، من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله وهو بالحمد جدير، أحمده- سبحانه- تنزه عن الشبيه والنظير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أنَّ سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى أصحابه ذوي القدر العلي والمقام الكبير، والتابعين ومَنْ تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّم التسليم الكثير، وبعد:
فيا معاشر المؤمنين، ويا أبناء الطين، إنه يومُ الدِّين، وما أدراكم ما يومُ الدين! ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [النحل: 111].

يومَ لا ينفعُ فيه إلا الدِّين، ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [المؤمنون: 102].

إنه يوم قيام الناس من قبورهم، وقيامِ الأشهاد من الرسل والأنبياء والصالحين والملائكة، وقيامِ العدل الحقيقي، وإدانةِ الخلائقِ ومجازاتِهم على أعمالهم، ﴿ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: 27-29].

وقد سمَّاه الله تعالى: يومَ الفصل؛ يوم يفصل الرحمن بين الخلائق، وسمَّاه يوم التغابن؛ لِكثرة المغبونين يومئذٍ، وسمَّاه يوم الجمع؛ لأنه يجمع فيه الأوَّلين والآخرين في صعيد واحد، يُسمعُهم الدَّاعي، ويُنفِذهم البصر، وسمَّاه يومَ التَّلاق؛ لأنه يَلقى فيه العَبدُ ربَّه، ويلقى فيه العاملُ عملَه، ويلتَقي فيه الأوَّلون بالآخِرين، ويلتقي فيه أهل السماوات والأرضين، وسمَّاه يوم التنادِ؛ لتنادي العباد بعضِهِم بعضًا، ولِمُناداة الله- عزَّ وجلَّ- عبادَه فيه، وسمَّاه يوم الحسرة؛ لشدة تحسُّر العباد، وتندُّمهم، وسمَّاه يوم الخروج؛ لخروج العباد من قبورهم، وسمَّاه يوم القيامة؛ لأنه فيه قيام الخلائق من القبور، وغير ذلك من الأسماء، قال الله تعالى: ﴿ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ [النساء: 87]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ﴾ [التغابن: 9]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾ [المائدة: 109]، وقال: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ﴾ [الكهف: 99]، وقال: ﴿ وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 47]، وقال: ﴿ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ﴾ [غافر: 15-16]، وقال:﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الدخان: 40]، وقال: ﴿ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ﴾ [المرسلات: 38]، وقال: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ﴾ [الفرقان: 25]، وقال: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ [القصص: 62]، ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 65]، ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ﴾ [فصلت: 47]، وقال: ﴿ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [مريم: 39]، وقال: ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ﴾ [ق: 42]، وقال: ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ [المعارج: 43]، وقال: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ﴾ [النبأ: 38][30].

إنه يوم عظيم الهول، شديد الكرب، يوم تعلن النتائج على رؤوس الأشهاد: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾ [آل عمران: 30]، ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ [آل عمران: 106]، ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [هود: 105]، ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [إبراهيم: 48]، ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ﴾ [طه: 102]، ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ [غافر: 52]، ﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ﴾ [الدخان: 41]، ﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى ﴾ [النازعات: 35]، ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلهِ ﴾ [الانفطار: 17-19].

في الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: «يَطْوِي اللهُ- عَزَّ وَجَلَّ- السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ»؟[31]



اللهم يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، نسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم عائذون بك من شر ما أعطيتنا، وشر ما منعتنا، اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

اللهم ثبِّتْنا على دينك، واستعملنا في طاعتك، وتوفَّنا على مرضاتك.

[1] رواه مسلم (395).

[2] النهاية لابن الأثير (4/ 298).

[3] شرح النووي على مسلم (4/ 104- 194).

[4] مشارق الأنوار للقاضي عياض (2/ 164).

[5] البحر المحيط لأبي حيان (1/ 40).

[6] تفسير الراغب الأصفهاني (1/ 56).

[7] تفسير القرطبي (1/ 142).

[8] تفسير الراغب (1/ 56).

[9] تفسير أبي السعود (1/ 143).

[10] التحرير والتنوير (1/ 177).

[11] طريق الهجرتين لابن القيم (1/ 123).

[12] رواه مسلم (2143).

[13] رواه أحمد (10384)، وقال الأرناؤوط: صحيح. ينظر: صحيح الجامع (988).

[14] صحيح البخاري (6/ 16).

[15] التفسير المنير، وهبة الزحيلي (1/ 56).

[16] تفسير الطبري (22/ 374).

[17] تفسير المنار (1/ 46).

[18] تفسير السمرقندي (2/ 505).

[19] تفسير الطبري (1/ 157).

[20] تفسير البغوي (4/ 32).

[21] الوجيز للواحدي (1/ 1027).

[22] تفسير المنار (1/ 45).

[23] تفسير البيضاوي (1/ 28).

[24] ينظر: تفسير السمرقندي (1/ 17)، تفسير البغوي (1/ 53).

[25] التحرير والتنوير (1/ 177).

[26] رواه أحمد (17123)، والترمذي (2459) وحسنه، والحاكم (7639) وصححه، وأقره الذهبي.

[27] سنن الترمذي (2459).

[28] حاشية السندي على سنن ابن ماجه (2/ 565).

[29] مصنف عبد الرزاق (21183)، جامع معمر بن راشد (20262)، شعب الإيمان، للبيهقي (1/ 143)، الكامل في الضعفاء، لابن عدي (6/ 158).

[30] ينظر: معارج القبول للحكمي (2/ 814-815)، القيامة الكبرى للأشقر (12-19).

[31] رواه مسلم (2788).






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 107.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 106.20 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.60%)]