التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :        

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 09-02-2026, 05:17 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,587
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 591 الى صـــ 610
الحلقة (300)






[التوبة: ١٠٢] الآية، فأتي النبي - ﷺ - بأموالهم فأبى أن يقبلها فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١) الآية [التوبة: ١٠٣]. ومعنى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادع لهم إن دعاءك سكون وتثبيت.
فيه: الأمر بالدعاء لصاحبها، وأوجبه أهل الظاهر عملًا بالأمر وبفعل الشارع، وخالفهم جميع العلماء وأنه مستحب؛ لأنها تقع الموقع وإن لم يدع له ولم يأمر به معاذًا، ولو كان واجبًا لعلمه ولأمر به السُعاة، ولم ينقل. والمراد بأنها سكن بعد الموت وهو خاص به؛ لأن صلاته سكن لنا؛ ولأن كل حق لله أو لآدمي استوفاه الإمام لا يجب عليه الدعاء لمن استوفاه منه كالحدود والكفارات والديون،
وفيه: الصلاة على غير الأنبياء، وقد منعه مالك، والحديث حجة عليه، وكذا حديث «الموطأ»: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» (٢) ولكن هذا من باب التبع. وفيه: أن يقال: آل فلان، يريد فلانًا وآله، وذكر بعض أهل اللغة أنها لا تقال إلا للرجل العظيم كآل أبي بكر وعمر.
وقال الشافعي: الصلاة عليهم: الدعاء لهم فيستحب للإمام إذا أخذها أن يدعو لمن أخذها منه، وأحب أن يقول: أجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورًا، وبارك لك فيما أبقيت (٣). وللنسائي من حديث وائل بن حجر قال - عليه السلام - لرجل بعث بناقته -يعني في الزكاة- فذكر من حسنها: «اللهم بارك فيه وفي آله» (٤).

--------------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٦١، ٤٦٤ (١٧١٥٨)، (١٧١٧٢).
(٢) «الموطأ» ص ١٢٠.
(٣) «الأم» ٢/ ٥١.
(٤) «سنن النسائي» ٥/ ٣٠. والحديث صححه ابن خزيمة ٤/ ٢٢ - ٢٣ (٢٢٧٤)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٠٠ على شرط مسلم.



٦٥ - باب مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ العَنْبَرُ بِرِكَازٍ إنما هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ. وَقَالَ الحَسَنُ فِي العَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ: الخُمُسُ، فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الرِّكَازِ الخُمُسَ، لَيْسَ فِي الَّذِى يُصَابُ فِي المَاءِ.

١٤٩٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ». [٢٠٦٣، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٣٤، ٦٢٦١ - فتح: ٣/ ٣٦٢]
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رسول الله - ﷺ -: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا أِلَيهِ، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَدَ خَشَبَةً فنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ، فخَرجَ الرَّجُلُ الذِي كَانَ أسلَفَة، فإذَا بِالخَشَبَةِ فَأَخَدَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ».
الشرح:
أما أثر ابن عباس فأخرجه الشافعي من حديث سفيان عن عمرو بن دينار عن أذينة قال: سمعت ابن عباس، فذكره (١).

------------
(١) «مسند الشافعي» ١/ ٢٢٩ (٦٣٠).


قال البيهقي: ورواه عمرو بن دينار، عن ابن جريج (١). وأخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان بن سعيد، عن عمرو به: ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء دسره البحر. ثم رواه عن ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سأل إبراهيم بن سعد ابن عباس، عن العنبر فقال: إن كان فيه شيء ففيه الخمس، قال: وحَدَّثَنَا وكيع، عن الثوري، عن ابن طاوس، عن أبيه أن ابن عباس سئل عن العنبر فقال: إن كان فيه شيء ففيه الخمس (٢).
وقال البيهقي: ابن عباس علق القول فيه في هذِه الرواية، وقطع بأن لا زكاة فيه في الأولى، والقطع أولى (٣).
وأما أثر الحسن فأخرجه ابن أبي شيبة، عن معاذ بن معاذ، عن أشعث عنه أنه كان يقول: في العنبر الخمس. وكذلك كان يقول في اللؤلؤ (٤).
ومعنى (دسره البحر): دفعه ورمى به، قاله ابن فارس (٥).
واختلف العلماء في العنبر واللؤلؤ إذا أخرجا من البحر هل فيهما خمس أم لا؟ وكذلك المرجان ونحوه فجمهور العلماء على أنه لا شيء فيهما وأنها كسائر العروض، وبه قال أهل المدينة والكوفيون والليث والشافعي وأحمد وأبو ثور، وقال أبو يوسف: اللؤلؤ والعنبر

-------------
(١) «السنن الكبرى» ٤/ ١٤٦، وقد انقلبت العبارة هنا على المصنف -رحمه الله- فقول البيهقي: ورواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار، وهو الصواب قطعًا.
(٢) «المصنف» ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٥٩، ١٠٠٦٤، ١٠٠٦٥).
(٣) «السنن الكبرى» ٤/ ١٤٦.
(٤) «المصنف» ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٦٣).
(٥) «المجمل» ٢/ ٣٢٦.



وكل حلية تخرج من البحر فيه الخمس، وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وابن شهاب وإسحاق (١).
وحكى ابن قدامة أن ظاهر قول الخرقي واختيار أبي بكر الأول، قال: وروي نحوه عن ابن عباس، قال: وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء ومالك والثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو عبيد.
وعن أحمد رواية أخرى بالوجوب؛ لأنه خارج من معدن فأشبه الخارج من معدن البحر، قال: ويحكى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ من العنبر الخمس (٢)، وهو ما قدمناه أولا تبعًا لابن بطال (٣)، وهو ما في «المصنف» لابن أبي شيبة حَدَّثَنَا ابن عيينة، عن معمر أن عروة بن محمد كتب إلى عمر بن عبد العزيز في عنبرة زِنتها سبعمائة رطل فقال: فيها الخمس. وحَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن ليث أن عمر بن عبد العزيز خمس العنبر (٤).
حجة المانع أثر ابن عباس السالف، وروى أبو بكر، عن وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي الزبير، عن جابر قال: ليس في العنبر زكاة، إنما هو غنيمة لمن أخذه (٥). قال ابن القصار في قول الوجوب: إنه غلط؛ لأنه - عليه السلام - قال: «وفي الركاز الخمس» (٦) فدل أن

--------------
(١) «المبسوط» ٢/ ٢١٢، «المدونة» ١/ ٢٥١، «الأم» ٢/ ٣٣، «المغني» ٤/ ٢٤٤، وقول عمر رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٦٢، ١٠٠٦٣).
(٢) «المغني» ٤/ ٢٤٤.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٠.
(٤) «المصنف» ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٦١ - ١٠٠٦٢).
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٦٠)
(٦) سيأتي قريبًا برقم (١٤٩٩)، ورواه مسلم (١٧١٠).



غير الركاز لا خمس فيه، والبحر لا ينطلق عليه اسم ركاز، واللؤلؤ والعنبر متولدان من حيوان البحر فأشبه السمك والصدف (١).
واحتج غيره بأن الله تعالى قد فرض الزكاة فقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فأخذ الشارع من بعض الأموال دون بعض، فعلمنا أن الله تعالى لم يُرد جميع الأموال، فلا سبيل إلى إيجاب زكاة إلا فيما أخذه الشارع ووقف عليه أصحابه.
وقال ابن التين: وقول ابن عباس هو قول أكثر العلماء، ثم نقل عن عمر بن عبد العزيز والحسن إيجاب الخمس فيه. وقال الأوزاعي: إن وجده على ضفة (٢) النهر خمسه، وإن غاص عليها في مثل بحر الهند فلا شيء فيها خمس ولا نفل ولا غيره.
فائدة: روى الشيرازي في «ألقابه» من حديث حذيفة مرفوعًا: «لما أهبط آدم من الجنة بأرض الهند وعليه ذَلِكَ الورق الذي كان لباسه في الجنة يبس فتطاير فعبق منه شجر الهند فلقح، فهذا العود والصندل (٣) والمسك والعنبر من ذَلِكَ الورق» قيل: يا رسول الله، إنما المسك من الدواب، قال: «أجل هي دابَّة تشبه الغزال رعت من ذَلِكَ الشجر فصير الله المسك في سررها، فإذا رعت الربيع جعله الله مسكًا يتساقط، وقال لي جبريل: لا يكون إلا في ثلاث كور فقط: الهند والصين وتبت» قالوا: يا رسول الله، والعنبر إنما هي دابَّة في البحر، قال: «أجل كانت هذِه الدابَّة بأرض الهند ترعى في البر يومئذ»

--------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٠.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: في «الصحاح» بالكسر: الجانب أشهر. وفي «النهاية» الفتح والكسر.
(٣) ورد في هامشج الأصل ما نصه: الصندل شجر طيب الرائحة.



وقيل: إن العنبر ينبت في البحر بمنزلة الحشيش في البر. رواه ابن رستم عن محمد بن الحسن.
وقيل: إنه شجر تتكسر فيصيبها الموج فيلقيها إلى الساحل. وقيل: إنه جُشاء دابة. وقيل: يخرج من عين.
والصواب أنه يخرج من دابَّة بحرية صرح به ابن البيطار (١) - ينبت في قعر البحر فتأكله بعض دوابِّه فإذا امتلأت منه قذفته رجيعًا وهو في خلقه كالعظام من الخشب، وهو دسم خوار دهني يطفو على الماء، ومنه ما لونه إلى السواد.
وقال ابن سينا (٢): فيما نظن نبع عين في البحر.

--------------
(١) هو العلامة ضياء الدين عبد الله بن أحمد، الأندلس، المالقي، والبناني، ابن البيطار، مصنف كتاب «الأدوية النباتية» وما صنف في معناه مثله، كان ثقة فيما ينقله، حجة، انتهت إليه معرفة الحشائش والنبات وتحقيقه وصفته وأسمائه وأماكنه، كان لا يجارى في ذلك، وسافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم، وأخذ فن النبات عن جماعة. وكان ذكيًّا فطنًا.
توفي بدمشق سنة ست وأربعين وستمائة.
وانظر تمام ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢٣/ ٢٥٦ (١٦٨)، «تاريخ الإسلام» ٤٧/ ٣١١ (٤١٦)، «الوافي بالوفيات» ١٧/ ٥١ (٤٧) «شذرات الذهب» ٥/ ٢٣٤.
(٢) هو العلامة الشهير الفيلسوف- أبو علي، الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن سينا، البلخي ثم البخاري، صاحب التصانيف في الطب والفسلفة والمنطق.
صنف «الإنصاف» عشرين مجلدًا. و«البر والإثم» مجلدين، «القانون» مجلدين.
قال الذهبي: هو رأس الفلاسفة الإسلامية لم يأتي بعد الفارابي مثله، فالحمد لله على الإسلام والسنة، وله كتاب «الشفاء» وغيره، وأشياء لا تحتمل، وقد كفره الغزالي في كتاب «المنقذ من الضلال» وكفر الفارابي. اهـ من «السير» ١٧/ ٥٣٥. توفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٢/ ١٥٧، «وسير أعلام النبلاء» ١٧/ ٥٣١ (٣٥٦) و«تاريخ الإسلام» ٢٩/ ٢١٨ (٢٦٢)، و«الوافي بالوفيات» ١٢/ ٣٩١.



وأبعد من قال: إنه زبد البحر أو روث دابَّة. وهو أشهب وأزرق وأصفر وأسود، وفي «الحيوان» لأرسطو: الدابَّة التي تلقي العنبر من بطنها تشبه البقرة.
وجمعه عنابر على ما قال ابن جني، والعنبر (١): الزعفران وقيل: الورس، قاله ابن سيده (٢)، وفي «الجامع» أحسب النون فيه زائدة، وذكره أكثرهم في الرباعي، والعرب تقوله بالباء والميم ومن أسمائه: الذكي، كما قاله المفضل، (الإبليم) (٣) كما ذكره العسكري في «تلخيصه».
فائدة ثانية:
اللؤلؤ أصله: مطر الربيع يقع في الصدف، فأصله ماء ولا زكاة فيه، وقيل: إن الصدف حيوان يخلق الله فيه اللؤلؤ، والدر كباره.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري في سبعة مواضع: هنا والبيوع والكفالة والاستقراض والملازمة والشروط والاستئذان (٤)

-------------
(١) «سر صناعة الإعراب» ١/ ٤٢١.
وابن جني هو إمام العربية. أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، صاحب التصانيف منها: «سر صناعة الإعراب» و«اللمع»، و«التصريف» و«الخصائص» و«المقصور والممدود». و«المحتسب في الشواذ» توفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.
انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١١/ ٣١١، «معجم الأدباء» ١٢/ ٨١، «تاريخ الإسلام» ٢٧/ ٢٧٠، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ١٧ (٩).
(٢) «المحكم» ٢/ ٣٢٨.
(٣) رسمت هكذا في الأصل.
(٤) سيأتي برقم (٢٠٦٣) كتاب: البيوع، باب: التجارة في البحر، وبرقم (٢٢٩١) كتاب: الكفالة، باب: الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها، وبرقم (٢٤٠٤) كتاب: الاستقراض، باب: إذا أقرضه إلى أجل مسمًى ..، وبرقم (٢٤٣٠) كتاب: اللقطة، باب: إذا وجد خشبة في البحر أو سوطًا، وبرقم =



وما علقه هنا وقع في بعض نسخ البخاري عقبه: حَدَّثَني بذلك عبد الله بن صالح، حَدَّثَني الليث. ذكره الحافظ المزي قال: وهو ثابت في عدة أصول من كتاب البيوع من «الجامع»، من رواية أبي الوقت، عن الداودي، عن ابن حمويه، عن الفربري عنه (١). وقال الطرقي: أخرجه محمد في خمسة مواضع من الكتاب فقال: وقال الليث.
قُلْتُ: بل في سبعة كما مضى، ورواه النسائي عن علي بن محمد، عن داود بن منصور، عن الليث (٢)، وذكر ابن أبي أحد عشر في «جمعه» أن أبا خلدة حدثه به متصلًا فساقه من حديث عمر بن الخطاب السجستاني، ثنا عبد الله بن صالح، عن الليث به.
وذكره أبو نعيم في «مستخرجه» من حديث عاصم بن علي حدثنا به الليث، ورواه الإسماعيلي من هذا الوجه أيضًا ومن حديث آدم بن أبي إياس عن الليث ثم قال: ليس في هذا الحديث الذي ذكره شيء يتصل به هذا الباب رجل أقرض قرضًا فارتجع قرضه. وأعله ابن حزم بعبد الله بن صالح وقال: إنه ضعيف جدًّا وذكره من حديث عبد الرحمن بن هرمز عن أبيه عن أبي هريرة، قال: وأخرجه البخاري منقطعًا غير متصل (٣) هذا لفظه.
وقد أسلفت أن عاصم بن علي، وداود بن منصور، وآدم بن أبي إياس تابعوا عبد الله بن صالح، وقد روى عنه ابن معين والبخاري،

-----------
= (٢٧٣٤) كتاب: الشروط، باب: الشروط في القرض، وبرقم (٦٢٦١) كتاب: الاستئذان، باب: بمن يبدأ في الكتاب.
(١) «تحفة الأشراف» ١٠/ ١٥٦.
(٢) عزاه المزي في «تحفة الأشراف» للنسائي ١٠/ ١٥٦.
(٣) «المحلي» ٨/ ١١٩.



قال أبو زرعة: حسن الحديث، وسيأتي (متابع آخر له وشاهد (١» وقال ابن التين: لم يسند البخاري إلى الليث، وقد أسنده عاصم بن علي، عن الليث، والبخاري حدث عن عاصم بن علي، ولعله لم يسمعه منه، أو لعله لم يتواطأ في روايته عن الليث، وإن كان قد رواه محمد بن رمح بن مهاجر أيضًا عن الليث.
وروي من طريق آخر إلى أبي هريرة ذكره محمد بن سعدون العبدري بإسناده من حديث أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة، فذكره، وقال الداودي: مثل قول الإسماعيلي السالف: حديث الخشبة ليس من هذا الباب في شيء.
وقال أبو عبد الملك: إنما أدخله البخاري هنا لبيان أن كل ما ألقاه البحر جاز التقاطه ولا خمس فيه، كالعنبر إذا لم يعلم أنه من مال المسلمين، وأما إذا علم أنه منها فلا يجوز أخذه وإن مات أهل المركب عطشًا، أو لعله كان كاللقطة؛ لأن الرجل إنما أخذ خشبة على الإباحة لتملكها فوجد فيها المال ولو وقع هذا اليوم لكان كاللقطة؛ لأنه معلوم أن الله تعالى لا يخلق الدنانير المضروبة في الخشب، ونحا نحو ذَلِكَ ابن المنير فقال: موضع الاستشهاد إنما هو أخذ الخشبة على أنها حطب فدل على إباحة مثل ذَلِكَ مما يلفظه البحر، أما ما ينشأ فيه كالعنبر أو مما سبق فيه ملك وعطب وانقطع ملك صاحبه منه على اختلاف بين العلماء في تمليك هذا مطلقًا أو مفصلًا، وإذا جاء تمليك الخشبة وقد تقدم عليها ملك فتمليك نحو العنبر الذي لم يتقدم عليه ملك أولى (٢).

--------------
(١) في (ج): منافع أخر وشواهد.
(٢) «المتواري» ص ١٢٩.



وهذا أخذه من قول المهلب، وفي أخذ الرجل الخشبة حطبًا دلالة على أن ما يوجد في البحر من متاع البحر وغيره أنه لا شيء فيه، وهو لمن وجده حتى يستحق ما ليس من متاع البحر من الأموال كالدنانير والثياب، وشبه ذَلِكَ، فإذا استحق رد إلى مستحقه وما ليس له طالب، ولم يكن له كبير قيمة، وحكم بغلبة الظن بانقطاعه كان لمن وجده ينتفع به ولا يلزمه فيه تعريف، إلا أن يوجد فيه دليل يستدل به على مالكه كاسم رجل معلوم أو علامة فيجتهد فيه الفقهاء في أمر التعريف (١).
وفيه أيضًا فوائد أخر منها: أن الله تعالى يجازي أهل الإرفاق بالمال يحفظه عليهم مع الأجر المدخر لهم في الآخرة كما حفظه على المسلف حين رده الله إليه، وهذان فضلان كبيران لأهل المواساة والثقة بالله والحرص على أداء الأمانة.
ومنها: جواز ركوب البحر بأموال الناس والتجارة فيه وغير ذَلِكَ (٢).

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥١.
(٢) ورد في هامش الأصل: ثم بلغ في العشرين كتبه مؤلفه.



٦٦ - باب فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ: الرِّكَازُ دِفْنُ الجَاهِلِيَّةِ، فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الخُمُسُ. وَلَيْسَ المَعْدِنُ بِرِكَازٍ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي المَعْدِنِ: «جُبَارٌ، وَفِى الرِّكَازِ الخُمُسُ». وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ المَعَادِنِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً. وَقَالَ الحَسَنُ: مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ فِي أَرْضِ الحَرْبِ فَفِيهِ الخُمُسُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ السِّلْمِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ وَجَدْتَ اللُّقَطَةَ فِي أَرْضِ العَدُوِّ فَعَرِّفْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ العَدُوِّ فَفِيهَا الخُمُسُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: المَعْدِنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ؛ لأَنَّهُ يُقَالُ: أَرْكَزَ المَعْدِنُ. إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ. قِيلَ لَهُ: قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ، أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا، أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ. ثُمَّ نَاقَضَ وَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُؤَدِّيَ الخُمُسَ.

١٤٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ». [٢٣٥٥، ٦٩١٢، ٦٩١٣ - مسلم: ١٧١ - فتح: ٣/ ٣٦٤]
ثم ساق حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ».
الشرح:
أما قول مالك فأخرجه البيهقي من حديث (ابن مسلمة) (١) ثنا مالك

-------------
(١) كذا بالأصول، والصواب: ابن بكير. انظر: «السنن الكبرى» ٤/ ١٥٥.


أنه سمع بعض أهل العلم يقولون في الركاز. إنما هو دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال، ولم يتكلف فيه كبير عمل، فأما ما طلب بمال أوكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز (١)، ورواه أيضًا الشافعي في القديم عن مالك.
(وابن إدريس) الظاهر أنه الإمام الشافعي المطلبي حيث قرنه بمالك، وكذا قال الحافظ المزي، ونقل ابن التين عن أبي ذر أنه يقال: ابن إدريس الشافعي، وقيل: هو عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي، وهو أشبه.
وأما قوله: («وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ»). فقد أسنده آخر الباب.
وأثر عمر بن عبد العزيز أخرجه البيهقي من حديث قتادة أن عمر بن عبد العزيز جعل المعدن بمنزلة الركاز يؤخذ منه الخمس، ثم عقب بكتاب آخر فجعل فيه الزكاة، قال: وروينا عن عبد الله أبي بكر أن عمر بن عبد العزيز أخذ من المعادن من كل مائتي درهم خمسة دراهم. وعن أبي الزناد قال: جعل عمر بن عبد العزيز في المعادن أرباع العشور إلا أن تكون ركزة فإذا كانت ركزة ففيها الخمس (٢).
وأما أثر الحسن فأخرجه ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام، عن هشام، عن الحسن قال: الركاز الكنز العادي وفيه الخمس (٣).
وحدثنا أبو معاوية عن عاصم، عن الحسن قال: إذا وجد الكنز في أرض العدو فيه الخمس، وإذا وجد في أرض العرب ففيه الزكاة (٤).

---------------
(١) «السنن الكبرى» ٤/ ١٥٥.
(٢) «السنن الكبرى» ٤/ ١٥٢.
(٣) «المصنف» ٦/ ٤٣٨ (٣٢٦٩٥).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٣٦ (١٠٧٧٧)، ٦/ ٤٣٧ (٣٢٦٨٦).



قال ابن التين: وقول الحسن لم يتابع عليه، وقال مرة: أجمع أهل العلم على خلافه. وكذا قال ابن المنذر: لا خلاف بين العلماء أن في الركاز الخمس، ولا نعلم أحدًا خالف في ذَلِكَ إلا الحسن ففصل. قال غيره: وهو غلط؛ لأن الشارع لم يخص أرضًا دون أرض.
وقوله: (وقال بعض الناس) هو: أبو حنيفة كما صرحوا به ومنهم ابن التين، قال: وذلك؛ لأن العلة التي ذكرها البخاري هي كالعلة المروية عن أبي حنيفة، ونقل ابن بطال عن أبي حنيفة والثوري والأوزاعي أن المعدن كالركاز (١)، وفيه الخمس في قليله وكثيره على ظاهر قوله: «وفي الركاز الخمس» احتج أبو حنيفة بقول العرب: أركز الرجل إذا أصاب ركازًا وهو قطع من الذهب تخرج من المعادن، قاله في «العين» (٢)، وألحق ابن سيده الفضة به (٣)، وفي «التهذيب»: قطعٌ عظامٌ كالجلاميد (٤).
وفي الترمذي أنه ما وُجد من دفن الجاهلية (٥).
وقال الزهري وأبو عبيد فيما حكاه ابن المنذر: إنه المال المدفون، وكذا المعدن وفيها الخمس. وفي «الجامع»: ليس الركاز من الكنوز؛ لأن أصله ما ركز في الأرض إذا ثبت أصله، وأما المعدن فهو: شيء مركوز الأصل لا تنقطع مادته، والكنز متى استخرج انقطع؛ لأنه لا أصل له، ومن جعل الكنز ركازًا قال: هو من ركزت الرمح، سمي

--------------
(١) ورد بهامش الأصل: وسيأتي عن علي - رضي الله عنه - وعن الزهري أيضًا مثل ذَلِكَ.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٥ وانظر: «العين» ٥/ ٣٢٠.
(٣) «المحكم» ٦/ ٤٦٠.
(٤) «تهذيب اللغة» ٢/ ١٤٦٠.
(٥) «سنن الترمذي» عقب الرواية (١٣٧٧).



بذلك؛ لأنه مركوز في الأرض. وأنكر بعضهم أن يكون الركاز المعدن، قال في «المحكم»: المعدن منبت الجواهر (١) من الحديد والفضة والذهب ونحوها؛ لأن أهلها يقيمون فيه لا يبرحون عنه شتاء ولا صيفًا، ومعدن كل شيء أصله من ذلك، قال الجوهري: وهو بكسر الدال (٢)، وقال في «المغيث»: هو مركز كل شيء (٣).
وما ألزمه البخاري أبا حنيفة حجة قاطعة كما قال ابن بطال (٤)؛ لأنه لا يدل اشتراك المسميات في الأسماء على اشتراكها في المعاني والأحكام، إلا أن يوجب ذَلِكَ ما يجب التسليم له، وقد أجمعوا أن من وهب له مال أو كثر ربحه أو ثمره فإنما يلزمه في ذَلِكَ الزكاة خاصة على سببها، ولا يلزمه في شيء منه الخمس، وإن كان يقال فيه: أركز. كما يلزمه في الركاز الذي هو دفن الجاهلية إذا أصابه فاختلف الحكم وإن اتفقت التسمية، ومما يدل على ذَلِكَ حديث مالك، عن ربيعة، عن غير واحد (٥) من علمائهم أن رسول الله - ﷺ - أقطع لبلال بن الحارث المعادن القبلية ولا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة، فلما لم يؤخذ منها غير الزكاة في عهده وفي عصر الصحابة (دل) (٦) على أن الذي يجب في المعادن هو الزكاة (٧).

------------
(١) «المحكم» ٢/ ١٤.
(٢) «الصحاح» ٦/ ٢١٦٢.
(٣) «المجموع المغيث» ٢/ ٤١٢.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٥.
(٥) ورد في هامش الأصل ما نصه: بخط الشيخ في الهامش: معناه: عن ربيعة وغير واحد، كذا عنه ابن وضاح.
(٦) زيادة ليس في الأصول، والسياق يقتضيها ليستقيم المعنى.
(٧) وراه مالك ص ١٦٩، والشافعي في «الأم» ٢/ ٣٦، والبيهقي ٤/ ١٥٢، وأيضًا ٦/ ١٥١.



وقول البخاري: (ثم ناقض فقال: لا بأس أن يكتمه ولا يؤدي منه الخمس). فالطحاوي حكى عن أبي حنيفة قال: من وجد ركازًا فلا بأس أن يعطي الخمس للمساكين وإن كان محتاجًا جاز له أن يأخذه لنفسه أي: متأولًا أن له حقًّا في بيت المال، وله نصيب في الفيء، فلذلك أجاز أن يأخذ الخمس لنفسه عوضًا من ذَلِكَ؛ لأن أبا حنيفة أسقط الخمس من المعدن بعد ما أوجبه فيه.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم والأربعة (١).
والكلام عليه من أوجه:
أحدُها:
العجماء: البهيمة تنفلت من يد صاحبها وعجمها: عدم نطقها، والجبار: الهدر الذي لا شيء فيه، يريد إذا جنت لا غرامة فيه. وهو محمول على ما إذا أتلفت شيئًا بالنهار، أو انفلتت بالليل من غير تفريط من مالكها، أو أتلفت ولم يكن معها أحد، لكن الحديث محتمل لإرادة الجناية على الأبدان فقط، وهو أقرب إلى حقيقة الجرح، فإنه قد ثبت في بعض طرقه في مسلم (٢) وفي البخاري في الديات: «المعجماء جرحها جبار» (٣) وفي لفظ: «عقلها جبار» (٤) وعلى كل تقدير فلم يقولوا بالعموم في إهدار كل متلف من بدن أو مال،

---------
(١) «صحيح مسلم» (١٧١٠) كتاب: الحدود، باب: جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، أبو داود (٤٥٩٣)، «الترمذي» ٦٤٢، «النسائي» ٥/ ٤٥ - ٤٦، «ابن ماجه» (٢٦٧٣).
(٢) «صحيح مسلم» (١٧١٠).
(٣) ستأتي برقم (٦٩١٢) باب: المعدن جبار والبئر جبار.
(٤) سيأتي برقم (٦٩١٣) كتاب: الديات، باب: العجماء جبار.



والمراد بجرج العجماء إتلافها سواء كان بجرح أو بغيره. قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها إذا لم يكن معها أحد، فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفت (١).
وقال داود وأهل الظاهر: لا ضمان بكل حال كان برجل أو بمقدم؛ لأن الشارع جعل جرحها جبارًا، ولم يخص حالًا من حال إلا أن يحملها الذي هو معها على ذَلِكَ أو يقصده، فتكون حينئذ كالآلة، وكذا إذا تعدى في ربطها، أو إرسالها في موضع لا يجب ربطها أو إرسالها فيه، وأما من لم يقصد إلى ذَلِكَ فلا يضمن إلا الفاعل المقاصد.
قال أصحابنا: وسواء كان إتلافها بيدها أو رجلها أو فمها ونحوه فإنه يجب ضمانه في مال الذي هو معها، سواء كان مالكها أو مستأجرًا أو مستعيرًا أو غاصبًا أو مودعًا أو وكيلًا أو غيره، إلا أن تتلف آدميًّا فتجب ديته على عاقلة الذي معها، والكفارة في ماله.
وقال مالك والليث والأوزاعي: لا ضمان فيما إذا أصابت بيدها أو رجلها، ونقل ابن بزيزة عن أبي حنيفة أنه لا ضمان فيما لفحت برجلها دون يدها لإمكان التحفظ من اليد دون الرجل.
قال: وتحصيل مذهب مالك أنه لا ضمان على راكبها ولا على سائسها إلا أن تؤثر أثرًا، أو يفعل بها فعلًا غير معتاد، أو يوقفها في موضع لم تجر العادة بإيقافها فيه، فهو حينئذ ضامن، أما إذا أتلفت بالنهار، وكانت معروفة بالإفساد، ولم يكن معها أحد فإن مالكها

------------
(١) «إكمال المعلم» ٥/ ٥٥٣.


يضمن؛ لأن عليه ربطها والحالة هذِه، وأما جنايتها بالليل فقال مالك: يضمن صاحبها ما أتلفته، وقال الشافعي وأصحابه: إن فرط في حفظها ضمن وإلا فلا. وقال أبو حنيفة: لا ضمان فيما رعته نهارًا.
وقال الليث وسحنون: يضمن. وقد ورد حديث مرفوع في إتلافها بالليل دون النهار في المزارع وأنه يضمن -كما قاله مالك- أخرجه أبو داود والنسائي من حديث حرام بن محيصة عن البراء (١)، ومن حديث حرام عن أبيه أن ناقة للبراء (٢). وصحح ابن حبان الثاني (٣) والحاكم الأول وقال: صحيح الإسناد (٤).
ثانيها:
البئر مؤنثة مشتقة من بارت إذا حفرت، والمراد هنا: ما يحفره الإنسان حيث يجوز له، فما هلك فيها فهو هدر، وكذا إذا حفر بئرًا فانهارت على الحافر أيضًا، وأَبْعَدَ من قال: المراد بالبئر هنا البئر القديمة.
ثالثها:
المعدِن بكسر الدال: ما عدن فيه شيء من جواهر الأرض، سمي معدنًا لعدون ما أثبته الله فيه لإقامته وإقامة الناس فيه، أو لطول بقائه في الأرض (٥)، ومعنى كونه جبارًا: أن من حفره في ملكه أو موات

--------------
(١) «سنن أبي داود» (٣٥٧٠)، «السنن الكبرى» ٣/ ٤١١ - ٤١٢ (٥٧٨٥).
(٢) رواه أبو داود (٣٥٦٩)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ٤١١ (٥٧٨٤).
(٣) «صحيح ابن حبان» ١٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥ (٦٠٠٨).
(٤) «المستدرك» ٢/ ٤٧ - ٤٨، والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (١٥٢٧) وانظر «الصحيحة» (٢٣٨).
(٥) انظر: «الصحاح» ٦/ ٢١٦٢، «لسان العرب» ٥/ ٢٨٤٣ - ٢٨٤٤.



ومرّ به مارٌ أو استأجر أجيرًا يعمل فيه فوقع عليه فمات فلا شيء عليه، وسيأتي تكملة لما نحن فيه في كتاب الديات إن شاء الله وقدره.
رابعها:
الركاز بكسر الراء: المركوز أي: النابت أو المختفي، ومنه: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٨٩] وهو في الشرع: الموجود الجاهلي عند جمهور العلماء، وقد سلف بسطه قريبًا، ومنهم مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، والحديث قال على المغايرة بينه وبين المعدن، وهو مذهب أهل الحجاز، ومذهب أهل العراق أنه المعدن كما سلف، والحديث يرد عليهم وفيه وجوب الخمس، وبه قال جميع العلماء، ولا أعلم أحدًا خالف فيه إلا الحسن، فإنه فصل كما سلف، ويصرف عندنا مصرف الزكاة لا لأهل الخمس على المشهور، وفاقًا لمالك، وخلافًا لأبي حنيفة.
وفيه: أن الركاز لا يختص بالذهب والفضة لعمومه، وهو أحد قولي الشافعي، ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء، قال: وبه أقول، وأصحهما عنده اختصاصه بالنقد كالمعدن.
وفيه: أنه لا فرق بين قليله وكثيره في وجوب الخمس لعموم الحديث، وهو أحد قوليه.
قال ابن المنذر: وبه قال جل أهل العلم، وهو أولى، وأصحهما عنده اختصاصه بالنصاب، ونقل عن مالك وأحمد وداود وإسحاق، والأصح عند المالكية الأول، ونقل ابن التين عن ابن الجلاب أنه حكى فيه رواية بوجوب الخمس فيه وأخرى بمقابله قال: ويشبه أن يكون حد القليل ما دون النصاب، والكثير النصاب فما فوقه.


وفيه: عدم اعتبار الحول في إخراج زكاته، وهو إجماع بخلاف المعدن -على رأي- للمشقة فيه.
وفيه: إطلاق اعتبار الخمس فيه من غير اعتبار الأراضي، لكن الفقهاء فصلوا فيه كما أوضحته في «شرح العمدة» فراجعه منه (١).
تنبيهات:
أحدها: قسم بعض الحنفية المعدن ثلاثة أقسام: بما يدرك بالنار ولا ينقطع، كالنورة والكحل والفيروز ونحوها، ومما يدرك بالنار وينطبع كالذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس، وما يكون مائعًا كالقار والنفط والملح المائي ونحوها، والوجوب يختص بالنوع الثاني دون الآخرين عند الحنفية وأوجبه أحمد في الجميع، ومالك والشافعي في الذهب والفضة خاصة (٢).
ثانيها: أوجب الشافعي وأحمد في المعدن ربع العشر، وفي الركاز الخمس، وقال مالك في البدرة تصاب بغير كبير تعب: يجب فيها الخمس، وإن لحقته كلفة ففيه ربع العشر، وفي الكنز الخمس (٣).
وفي كتاب «الأموال» لابن زنجويه: عن علي أنه جعل المعدن ركازًا، وأوجب فيه الخمس (٤)، ومثله عن الزهري (٥)، وقد سلف حديث مالك عن ربيعة، قال ابن عبد البر: وهو عند سائر الرواة مرسل، وقد أسنده البزار من حديث الحارث بن بلال بن الحارث،

------------
(١) راجع «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٥/ ٦٠ - ٧٠.
(٢) «المبسوط» ٢/ ٢١١، «عيون المجالس» ٢/ ٥٤٨، «الأم» ٢/ ٣٦، «المغني» ٤/ ٢٤٤.
(٣) «المدونة» ٢/ ٢٤٧، «الأم» ٢/ ٣٧، «المغني» ٤/ ٢٣٢، ٢٣٩.
(٤) «الأموال» ٢/ ٧٤٣.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٧٤٥.



عن أبيه (١)، ورواه أبو سبرة المدني، عن مطرف، عن مالك، عن محمد بن علقمة، عن أبيه عن بلال مثله (٢)، ولم يتابع أبو سبرة عليه، ورواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده مرفوعًا، وهذا في أبي داود (٣) وكثير مجمع على ضعفه، وإسناد ربيعة فيه صالح حسن (٤).
قُلْتُ: وأخرجه الحاكم من حديث بلال، عن أبيه، ثم قال: صحيح الإسناد، ولعله علم حال الحارث (٥).
ثالثها: قال ابن حزم: كل من عدا عليه حيوان من بعير أو فرس أو بغل وشبهها، فلم يقدر على دفعه عن نفسه إلا بقتله فقتله، فلا ضمان عليه فيه، وهو قول مالك والشافعي وداود وقال الحنفيون: يضمن؛ واحتجوا بحديث: «العجماء جرحها جبار»، وبخبر رويناه عن عبد الكريم: أن إنسانًا عدا عليه فحل ليقتله فضربه بالسيف فقتله، فأغرمه أبو بكر الصديق إياه وقال: هو بهيمة لا يعقل وعن علي نحوه، ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: من أصاب العجماء غرم (٦). ومن طريق الثوري عن الأسود بن قيس عن أشياخ لهم أن غلامًا لهم دخل دار زيد بن صوحان فضربته ناقة لزيد فقتلته، فعمد أولياء الغلام المقتول فقتلوها فأبطل عمر دم الغلام، وأغرم والد الغلام ثمن الناقة، وعن شريح مثله، قال: وحديث العجماء في غاية الصحة وبه نقول، ولا حجة لهم فيه؛ لأنه

------------
(١) «مسند البزار» ٨/ ٣٢٢ (٣٣٩٥).
(٢) «الموطأ» ص ١٦٩ - ١٧٠.
(٣) أبو داود (٣٠٦٢). والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٦٩٢).
(٤) «التمهيد» ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٨.
(٥) «المستدرك» ١/ ٤٠٤.
(٦) «مصنف عبد الرزاق» ١٠/ ٦٧ (١٨٣٧٨).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 10-02-2026 الساعة 03:05 AM.
رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الرقية الشرعية


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية

[حجم الصفحة الأصلي: 1,831.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,829.55 كيلو بايت... تم توفير 1.75 كيلو بايت...بمعدل (0.10%)]