التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الدين ليس صناعة بشرية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 47 )           »          تحديات الأزمة الاقتصادية.. رؤية إسلامية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »          الثقافة الإسلامية تخصص علمي في العلوم الإنسانية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          مقرر الثقافة الإسلامية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          تاريخ الثقافة الإسلامية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          ثغرة خطيرة فى منصة Ruflo تتيح تنفيذ أوامر عن بعد وتسميم ذاكرة الذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 46 )           »          واتساب يختبر أداة لتسجيل الرسائل الصوتية من الشاشة الرئيسية على أندرويد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          الذكاء الاصطناعى فى معصمك.. كيف تفهم ساعتك الذكية جودة نومك وصحتك؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          هل تفكر فى شراء أيفون؟ إليك أبرز سلبيات الانتقال من أندرويد إلى iOS (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          ماذا تعرف عن المصادقة السلوكية.. أحدث حماية لحساباتك وبياناتك وأموالك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 05-02-2026, 04:40 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 401 الى صـــ 420
الحلقة (259)






يستحب للموتى أن يسجوا به، وربما كفنوا فيه.
وفيه: جواز كشف الثوب عن الميت إذا لم يبدُ منه أذى، وجواز تقبيل الميت عند وداعه، والتأسي، فإن الصديق تأسى برسول الله - ﷺ - حيث قبل عثمان بن مظعون كما صححه الترمذي (١). وروي أن أبا بكر أغمضه.
وفيه: جواز البكاء على الميت من غير نوح. وكذا في قوله - عليه السلام -: «تبكين أو لا تبكين» إباحة البكاء أيضًا، وسيأتي موضحًا في موضعه.
وقول الصديق: لا يجمع الله عليك موتتين. إنما قاله هو، وغيره قال: إن رسول الله - ﷺ - لم يمت، وسيبعث ويقطع أيدي رجال وأرجلهم كما سيأتي في فضائل الصديق (٢). فأراد أن يجمع الله عليه

-----------
(١) «سنن الترمذي» (٩٨٩).
ورواه أيضًا في «الشمائل المحمدية» (٣٢٧)، وأبو داود (٢١٦٣)، وابن ماجه (١٤٥٦)، وأحمد ٦/ ٤٣، ٥٥، ٢٠٦، وعبد بن حميد في «المنتخب» ٣/ ٩٣٩ - ٢٤٠ (١٥٢٤)، والحاكم ١/ ٣٦١، ٣/ ١٩٠، والبيهقي ٣/ ٤٠٧ من طريق سفيان الثوري عن عاصم بن عبيد الله عن القاسم بن محمد، عن عائشة، به.
قال الحاكم ١/ ٣٦١: هذا حديث متداول بين الأئمة، إلا أن الشيخين لم يحتجا بعاصم بن عبيد الله. وقال في ٣/ ١٩٠: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال المنذري في «مختصر السنن» ٤/ ٣٠٨: عاصم بن عبيد الله، تكلم فيه غير واحد من الأئمة؛ لذا ضعفه الألباني في «الإرواء» (٦٩٣)، بالرغم من أنه صححه في «مختصر الشمائل» (٢٨٠)، و«صحيح ابن ماجه» (١١٩١)!
والحديث صح من وجه آخر، فرواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ٢٢٤ من طريق يحيى بن سعيد عن القاسم، به.
فقال في «الاستذكار» ٨/ ٤١٢: وجه صحيح حسن.
وروي من طريق آخر، لكنه ضعيف، انظر: «الضعيفة» (٦٠١٠).
(٢) قائل ذلك هو عمر الفاروق رضي الله عنه، كما سيأتي في حديث عائشة (٣٦٦٧).



موتتين في الدنيا بأن يميته هذِه ثم يحيى ثم يميته أخرى. قاله ابن بطال (١).
وقال الداودي: لم يجمع عليك كرب بعد هذا الموت، قد عصمك الله من عذابه ومن أهوال يوم القيامة. وقال أيضًا: معناه: لا يموت موتة أخرى في قبره كما يحيى غيره في القبر فيُسأل ثم يقبض.
وأبعد من قال: أراد موتك وموت شريعتك. ويرده قوله: من كان يعبد محمدًا فإنه قد مات. وليس هذا بمعارض لقوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]؛ لأن:
الأولى: الخلقة من التراب ومن نطفة؛ لأنهما موات، والموات كله لم يمت نفسه إنما الرب أماته.
والثانية: التي تُمَوْتُ الخلق والحياة المراد بها في الدنيا وبعد الموت في الآخرة. هذا قول ابن مسعود، وآخرين (٢). فقوله: لا يجمع الله عليك موتتين لقوله تعالى ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلَّا المَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] وحكي في الآية قول آخر عن الضحاك أن الأولى: ميتة، والثانية: موتة في القبر بعد الفتنة والمساءلة، واحتج بأنه لا يجوز أن يقال للنطفة والتراب ميت، وإنما الميت من تقدمت له حياة. وهو غلط، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: ٣٣] ولم تتقدم لها حياة قط، وإنما خلقها الله تعالى جمادًا ومواتًا. وهذا من سعة كلام العرب.

-----------
(١) «شرج ابن بطال» ٣/ ٢٤٠.
(٢) روى الطبري في «تفسيره» ١١/ ٤٤ (٣٠٢٩٣) عن ابن مسعود في قوله في هذِه الآية، قال: هي كالتي في البقرة ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨].
ورواه بنحوه الطبراني ٩/ ٢١٤ (٩٠٤٤ - ٩٠٤٥)، والحاكم ٢/ ٤٣٧ وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.



وفيه: أن الصديق أعلم من عمر، وهذِه إحدى المسائل التي ظهر فيها ثاقب علمه، وفضل معرفته، ورجاحة رأيه، وبارع فهمه، وحسن انتزاعه بالقرآن، وثبات نفسه، ولذلك مكانته عند الأمة لا يكون فيها أحد، ألا ترى أنه حين تشهد وبدأ بالكلام مال الناس إليه وتركوا عمر، ولم يكن ذلك إلا لعظيم منزلته في نفوسهم على عمر وسمو محله عندهم، أخذوا ذلك رواية عن نبيهم. وقد أقر بذلك عمر حين مات الصديق فقال: والله ما أحب أن ألقى الله بمثل عمل أحد إلا بمثل عمل أبي بكر، ولوددت أني شعرة في صدره (١).
وذكر الطبري عن ابن عباس قال: والله إني لأمشي مع عمر في خلافته وبيده الدرة، وهو يحدث نفسه ويضرب قدمه بدرته ما معه غيري إذ قال: يا ابن عباس، هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين مات رسول الله - ﷺ -؟ قلت: لا أدري والله يا أمير المؤمنين. قال: فإنه ما حملني على ذلك إلا قوله -عز وجل-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ إلى قوله: ﴿شُهَدَاءَ﴾ [البقرة: ١٤٣] فوالله إن كنتُ لأظن أنَّ رسول الله - ﷺ - سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها (٢).
وفي تأويل عمر الحجة لمالك في قوله: في الصحابة مخطئ ومصيب في التأويل (٣).

------------
(١) روى الشطر الأخير منه معاذ بن المثنى في زيادات مسدد كما في «المطالب العالية» ١٥/ ٧١٨ (٣٨٧٦)، وابن أبي الدنيا في «المتمنين» (٨٦)، من طريق سفيان عن مالك بن مغول قال: قال عمر.
ورواه ابن أبي الدنيا (٨٨)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٣٠/ ٣٤٣ من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن أبي عمران الجوني قال: قال عمر.
(٢) «تاريخ الطبري» ٢/ ٢٣٨.
(٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٤٠ - ٢٤٢.



ثم اعلم أن ذكر عائشة هذا الخديث قال على اهتمامها بأمر الشريعة وأنها لم يشغلها ذلك عن حفظ ما كان من أمر الناس في ذلك اليوم.
وفيه: غيبة الصديق عن وفاته - عليه السلام -؛ لأنه أصبح ذلك اليوم صالح الحال فخرج إلى أرضه.
وفيه: أنهم كانت لهم أموال يبتغون بها الكفاف ويصونون بها وجوههم عن المسألة لقولها: أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسنح.
وفيه:. إنه حين تصدق بماله كله أراد العين.
وفيه: أنهم كانوا لا يسرعون إلى بيع الربع (١)؛ لما فيه من العدة والعزة.
وفيه: الدخول على البنت بغير استئذان، ويجوز أن يكون عندها غيرها، فصار كالمحفل لا يحتاج الداخل إلى إذن. وروي أنه استأذن فلما دخل أذن للناس.
وقولها: (فدخل المسجد) يحتمل أن يكون للصلاة وللمرور فيه.
وقوله: (فتيمم النبيَّ). أي: قصده.
وقوله: (بأبي أنت) هي كلمة تقولها العرب للحي والميت تبجيلا ومحبة، أي: فداك أبي.
وقول أبي بكر لعمر: اجلس؛ فأبى، إنما كان ذلك لما داخل عمر من الدهشة والحزن. وقد قالت أم سلمة في «الموطأ»: ما صدقت بموت

---------------
(١) الربع -بفتح الراء وإسكان الباء- هي الدار، وتجمع على رباع وربوع وأرباع وأربُع.
انظر: «الصحاح» ٣/ ١٢١١ - ١٢١٥، و«النهاية» ٢/ ١٨٦ - ١٩٠ مادة: ربع.



رسول الله - ﷺ - حتى سمعت وقع الكرازين (١) (٢). قال الهروي: هي الفئوس (٣) وقيل: تريد وقع المساحي تحث التراب عليه - ﷺ -. ويحتمل أن يكون عمر ظن أن أجله - عليه السلام - لم يأت، وأن الله منّ على العباد بطول حياته. ويحتمل أن يكون أنسي قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ﴾ إلى ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وكان يقول مع ذلك: ذهب محمد لميعاد ربه كما ذهب موسى لمناجاة ربه، وكان في ذلك ردع للمنافقين واليهود حتى اجتمع الناس. وأما أبو بكر فرأى إظهار الأمر تجلدًا، ولما تلى الآية كانت تعزيًا وتصبرًا.
وأما حديث أم العلاء ففيه أنه لا يقطع لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، ولكن يرجى للمحسن ويخاف على المسيء.
وقوله: «والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي» فيحتمل أن يكون

--------------
(١) «الموطأ» ١/ ٣٨٤ (٩٧٣)
ومن طرقه ابن سعد في «طبقاته» ٢/ ٣٠٤ عن معن بن عيسى، عنه، أنه بلغه أن أم سلمة .. الحديث.
قال ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٤٠١: حديث لا أحفظه عن أم سلمة متصلًا، والمعروف حديث عائشة، وإن صح حديث أم سلمة … اهـ. بتصرف.
قلت: حديث عائشة رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤ (١١٨٣٨)، وإسحاق بن راهويه ٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠ (٩٩٣)، وأحمد ٦/ ٦٢، ٢٤٢، ٢٧٤، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٥١٤، والبيهقي في «الدلائل» ٧/ ٢٥٦، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٣٦٩، ٣٩٧ من طريق فاطمة بنت محمد بن عمارة، عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: ما علمنا بدفن رسول الله - ﷺ - حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ليلة الأربعاء.
وهو المحفوظ، كما تقدم نقله عن ابن عبد البر.
(٢) ورد بهامش الأصل: واحدها كرزن وكرزين وكرزم وهي الفئوس كما قال.
(٣) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ١٦٢ - ١٦٣.



قبل إعلامه بالغفران له، وقد رئي ما يفعل به (١)، وهو الصواب؛ لأنه - عليه السلام - لا يعلم من ذلك إلا ما يوحى إليه. وقال الداودي: «ما أدري ما يفعل بي»، وَهَم.
وقوله: «ما أدري ما يفعل بي» أي في أمر الدنيا مما يصيبهم فيها؛ لأنه وإن كان وعده بالظهور فقد كان قبل ذلك مواطن خاف فيها الشدة.
وسورة الأحقاف مكية (٢)، والفتح مدنية (٣).
وقوله: (ما يفعل به) قاله قبل أن يخبر أن أهل بدر من أهل الجنة (٤).
فإن قلت: هذا المعنى يعارض قوله في حديث جابر: «ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه».
فالجواب أنه لا تعارض بينهما، وذلك أن رسول الله - ﷺ - لا ينطق عن الهوى، فأنكر على أم العلاء قطعها على ابن مظعون إذ لم يعلم هو من أمره شيئًا. وفي حديث جابر قال ما علمه بطريق الوحي؛ إذ لا يقطع على مثل هذا إلا بوحي، فلا تعارض.
ومعنى قولها: (اقتسم المهاجرون قرعة ..) إلى آخره. يعني أنهم اقتسموا للسكنى؛ لأن المهاجرين لما هاجروا إلى المدينة لم يمكنهم استصحاب أموالهم فدخلوها فقراء، فاقتسمهم الأنصار بالقرعة في نزولهم عليهم وسكناهم في منازلهم.

-----------
(١) من ذلك ما سيأتي برقم (١٣٨٦).
(٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩].
(٣) ويشير إلى قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
على أن آية الأحقاف فيها أنه - ﷺ - لا يدري ما يفعل به وبالناس أو المؤمنين. وآية الفتح فيها أنه - ﷺ - قد غفر الله كل ذنوبه. والله أعلم.
(٤) يأتي حديث علي الدال على ذلك (٣٠٠٧)، ورواه مسلم (٢٤٩٤).



وقولها: (فطار لنا) أي: حصل وقدر في نصيبنا وسهمنا. وكان بنو مظعون ثلاثة: عثمان (١) وعبد الله وقدامة بدريون أخوال ابن عمر.
وقوله: (»وما يدريك أن الله أكرمه«) نهاها عن القطع بذلك.
وأما حديث جابر: ففيه ة جواز البكاء على الميت كما سلف، ونهي أهل الميت بعضهم بعضًا عن البكاء للرفق بالباكي، وسكوت الشارع لما يجد الباكي من الراحة.
وقوله: (»تبكين .. «) إلى آخره، يعزيها بذلك ويخبرها بما صار إليه من الفضل.
وقوله: (»حتى رفعتموه«) أي: من غسله؛ لأنه نسب الفعل إلى أهله، قاله الداودي. وقال بعد هذا: يعني حين رُفع ليُقْبَّر وهو الصحيح؛ لأنه قتل شهيدًا يوم أحد ولم يغسل، وقتل عبد الله كان يوم أحد وكان أهل الشرك مثلوا به جدعوا أنفه وأذنيه (٢).
وعمته اسمها فاطمة (٣).

-------------
(١) ورد بهامش الأصل: توفي عثمان في شعبان بعد سنتين ونصف من الهجرة، وهو أول من دفن بالبقيع، وأول من توفي من المهاجرين بالمدينة. وأخوه عبد الله من السابقين أيضًا كأخيه توفي سنة ٣٠، قاله ابن سعد، نقله عنه الذهبي في»التجريد«.
وأما قدامة فتوفي سنة ٣٦ وهو ابن ثماني وستين سنة، قاله النووي في»التهذيب«.
(٢) سيأتي ذلك في حديثي (١٢٩٣، ٢٨١٦)، ورواه مسلم (٢٤٧١).
(٣) ورد في هامش الأصل: كذا سميت في هذا الحديث هنا اهـ.
قلت: إنما قال الناسخ ما قاله هذا؛ لأنه في أكثر روايات الحديث لم تأت مسماة، إنما يقال: عمة جابر. والله أعلم.
وهي فاطمة بنت عمرو بن حرام، شقيقة عبد الله بن عمرو بن حرام.
انظر ترجمتها في:»معرفة الصحابة«٦/ ٣٤١٤ (٣٩٧٦)، و»الاستيعاب«٤/ ٤٥٤ (٣٤٩٥)، و»أسد الغابة«٧/ ٢٢٩ (٧١٨٤)، و»الإصابة" ٤/ ٣٨٤ (٨٤٩).



وقوله: «تبكين» وفي موضع آخر: «لم تبكي؟» أو «لا تبكي» (١). قال القرطبي: كذا صحت الرواية بلم التي للاستفهام (٢). وفي مسلم: «تبكي» (٣) بغير نون؛ لأنه استفهام لمخاطب عن فعل غائبة.
قال القرطبي (٤): ولو خاطبها بالاستفهام خطاب الحاضرة قال: لم تبكين؟ بالنون. وفي رواية: «تبكيه أو لا تبكيه» (٥) وهو إخبار عن غائبة، ولو كان خطاب المحاضرة لقال: تبكينه أو لا تبكينه بنون فعل للواحدة الحاضرة.
ومعنى هذا أن عبد الله مكرم عند الملائكة وإظلاله بأجنحتها؛ لاجتماعهم عليه ومبادرتهم بصعود روحه مبشرة بما أعد الله له من الكرامة (٦).
أو أنهم أظلوه من الحر لئلا يتغير، أو لأنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله.
وروى بقي بن مخلد عن جابر: لقيني رسول الله - ﷺ - فقال: «ألا أبشرك أن الله أحيا أباك وكلمه كفاحًا، وما كلم أحدًا قط، إلا من وراء حجاب» الحديث (٧) وفيه منقبة ظاهرة له لم تسمع لغيره من الشهداء، في دار الدنيا.

---------
(١) سيأتي برقم (١٢٩٣، ٢٨١٦).
(٢) «المفهم» ٦/ ٣٨٧.
(٣) (٢٤٧١/ ١٢٩).
(٤) «المفهم» ٦/ ٣٨٨.
(٥) هذِه الرواية عند مسلم (٢٤٧١/ ١٣٠).
(٦) انتهى كلام القرطبي.
(٧) رواه بقي بن مخلد كما في «الاستيعاب» ٣/ ٨٤ - ٨٥.
ورواه أيضًا الترمذي (٣٠١٠)، وابن ماجه (١٩٠، ٢٨٠٠)، وابن حبان ١٥/ ٤٩٠ - ٤٩١ (٧٠٢٢)، والحاكم ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤، والبيهقي في «الدلائل» ٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩، والواحدي في «أسباب النزول» (٢٦٣)، ومن طريقه ابن الأثير في «الأسد» ٣/ ٣٤٧، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٣/ ٣٩٤ جميعًا من طريق موسى =



٤ - باب الرَّجُلِ يَنْعَى إِلَي أَهْلِ المَيِّتِ بِنَفْسِهِ
١٢٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الذِي مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ إِلَي المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. [١٣١٨، ١٣٢٧، ١٣٢٨، ١٣٣٣، ٣٨٨٠، ٣٨٨١ - مسلم: ٩٥١ - فتح: ٣/ ١١٦].

١٢٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ -وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَتَذْرِفَانِ- ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ». [٢٧٩٨، ٣٠٦٣، ٣٦٣٠،٣٧٥٧، ٤٢٦٢ - فتح: ٣/ ١١٦].
ذكر فيه حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الذِي مَاتَ فِيهِ .. الحديث.
وحديث أنس أنه - عليه السلام - قال: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ ..» الحديث.

-----------
= ابن إبراهيم بن كثير بن بشير، طلحة بن خراش قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: .. الحديث مطولًا.
وموسى بن إبراهيم وطلحة وثقهما ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٣/ ٨٥.
وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وحسن المنذري إسناده في «الترغيب والترهيب» ٢/ ٢٠٦ (٢١١٦). وخالف البوصيري فضعف إسناده في «المصباح» ١/ ٢٧ بموسى بن إبراهيم وطلحة.
والحديث حسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٥٧، ٢٢٥٨)، وحسن إسناده في «الظلال» (٦٠٢). وزاد: رجاله مصدوقون على ضعف في موسى بن إبراهيم.
وصححه في «صحيح الجامع» (٧٩٠٥).
وقال في «صحيح الترغيب» (١٣٦١): حسن صحيح.



الشرح:
قال المهلب: هذا صواب الترجمة: باب: الرجل ينعى إلى الناس الميت بنفسه (١). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم والأربعة (٢). وحديث أنس من أفراده، ويأتي في الجهاد (٣)، وعلامات النبوة (٤)، وفضل خالد في المغازي (٥). والنعي: الإخبار. ولا بأس بالإعلام به للصلاة وغيرها لهذين الحديثين، والحديث الآتي في الذي توفي ليلًا: «ما منعكم أن تعلموني» (٦) بخلاف نعي الجاهلية فإنه مكروه، وهو النداء بذكر مفاخره ومآثره، وكان الشريف إذا مات أو قتل بعثوا راكبًا إلى القبائل ينعاه إليهم.
وعليه يحمل ما رواه ابن ماجه والترمذي من حديث حذيفة قال: إذا مت فلا تؤذنوا لي أحدا، إني أخاف أن يكون نعيا فإني سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن النعي. استغربه الترمذي (٧).

---------------
(١) وحكاه ابن بطال في «شرحه» ٣/ ٢٤٣ عن المهلب أيضًا.
ووقع في رواية الكشميهني وأبي ذر الهروي- كما في هامش اليونينة ٢/ ٧٢: نفسه، مكان: بنفسه.
وقال الحافظ في «الفتح» ٣/ ١١٦: وقع للكشميهني بحذف الموحدة، وفي رواية الأصيلي بحذف: أهل اهـ قال العيني في «العمدة» ٦/ ٣٧٢: وليس لها وجه.
(٢) «صحيح مسلم» (٩٥١) كتاب: الجنائز، باب: في التكبير على الجنازة.
(٣) برقم (٢٧٩٨) باب: تمني الشهادة.
(٤) برقم (٣٦٣٠) باب: علامات النبوة.
(٥) برقم (٤٢٦٢) باب: غزوة مؤتة من أرض الشام.
(٦) الآتي في الباب التالي (١٢٤٧).
(٧) الترمذي (٩٨٦)، ابن ماجه (١٤٧٦).
ورواه أيضا أحمد ٥/ ٤٠٦، والبيهقي ٤/ ٧٤، والمزي في «تهذيب الكمال» ٥/ ٣٧٦ - ٣٧٧ من طريق حبيب بن سليم العيسي عن بلال بن يحيى العبسي عن حذيفة. =



وقال به الربيع بن خيثم وابن مسعود وعلقمة (١).
وهذا التفصيل هو الصواب الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة.
وحديث النجاشي أصح من حديث حذيفة.
وقال صاحب «البيان» -من أصحابنا-: يكره نعي الميت وهو أن ينادى في الناس أن فلانًا قد مات ليشهدوا جنازته.
وفي وجه حكاه الصيدلاني: لا يكره (٢).
وفي «حلية» الروياني -من أصحابنا-: الاختيار أن ينادى به ليكثر المصلون.
وقال الماوردي: اختلف أصحابنا هل يستحب الإيذان للميت

------------
= ونقل المصنف عن الترمذي أن استغربه، وهو غريب؛ لأن في مطبوع الترمذي بتحقيق العلامة أحمد شاكر.
قال الترمذي: حسن صحيح. وفي بعض النسخ: حسن، فقط، وكذا كل من نقل الحديث ذكر أن الترمذي حسنه.
وفي «عارضة الأحوذي» ٤/ ٢٠٧: قال الترمذي: حسن صحيح.
ونقل المنذري في «الترغيب والترهيب» ٤/ ١٨٦ (٥٣٦٠)، والنووي في «الأذكار» (٤٥٩)، والمزي ٥/ ٣٧٧، والذهبي في «المهذب» ٣/ ١٤٢٣ (٦٣٧٠)، والمباركفوري في «تحفة الأحوذي» ٤/ ٥١ أن الترمذي حسنه.
فقول الترمذي فيه بين: حسن صحيح، أو: حسن، فلم أجد من نقل عنه أنه استغربه، والله أعلم.
والحديث صححه ابن العربي ٤/ ٢٠٦.
وقال الحافظ في «الفتح» ٣/ ١١٧: إسناده حسن. وحسنه الألباني في «صحيح الترغيب» (٣٥٣١).
(١) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٥ (١١٢٠٦ - ١١٢٠٧، ١١٢٠٩ - ١١٢١٠)، ٢/ ٤٧٦ (١١٢٢٠) عن الربيع بن خيثم أيضًا.
(٢) «البيان» ٣/ ٥٢.



وإشاعة موته في الناس بالنداء عليه والإعلام، فاستحبه بعضهم لكثرة المصلين والداعين له. وقال بعضهم: لا يستحب ذلك وقال بعضهم: يستحب ذلك للغريب دون غيره، وبه قال ابن عمر.
وجزم البغوي وغيره -من أصحابنا- بكراهة النعي والنداء عليه للصلاة وغيرها (١). وقال ابن الصباغ: قال أصحابنا: يكره النداء عليه ولا بأس أن يعرف أصدقاؤه (٢)، وبه قال أحمد (٣).
وقال أبو حنيفة: لا بأس به (٤). ونقله العبدري عن مالك أيضًا. ونقل ابن التين عن مالك كراهة الإنذار بالجنائز على أبواب المساجد والأسواق؛ لأنه من النعي، وهو من أمر الجاهلية. قال علقمة بن قيس: الإنذار بالجنائز من النعي، وهو من أمر الجاهلية (٥).
وقال البيهقي: ويروى النهي أيضًا عن ابن عمر وأبي سعيد وسعيد بن المسيب وعلقمة وإبراهيم النخعي والربيع بن خثيم (٦).
قلت: وأبي وائل وأبي ميسرة وعلي بن الحسين وسويد بن غفلة ومطرف بن عبد الله ونصر بن عمران -أبي جمرة- كما حكاه عنهم في «المصنف» (٧).

---------
(١) «التهذيب» ٢/ ٤٣٤.
(٢) انظر: «المجموع» ٥/ ١٧٣.
(٣) انظر: «الفروع» ٢/ ١٩٢.
(٤) انظر: «المحيط البرهاني» ٣/ ١٠١ - ١٠٢، و«تبيين الحقائق» ١/ ٢٤٠.
(٥) رواه بنحوه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٣٩٠ (٦٠٥٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٥ (١١٢١٠).
(٦) «السنن الكبرى» ٤/ ٧٤.
(٧) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٤٧٥ (١١٢٠٨ - ١١٢٠٩، ١١٢١٢، ١١٢١٤ - ١١٢١٦). وفي الأثرين الأخيرين: عن مطرف، عن أخيه. =



والنجاشي: ملك الحبشة واسمه أصحمة -كما سيأتي في البخاري- (١) بن أبجر (٢)، وجاء صحمة (٣) بتقديم الحاء على الميم (٤)، وعكسه (٥)، وقيل: بالخاء المعجمة (٦).
وقال مقاتل في «نوادره»: اسمه مكحول بن صصة (٧).

-----------
= وفي الثاني: عن أبي حمزة [وهو خطأ. صوابه: جمرة] عن أبيه.
أبوه هو عمران بن عصام الضبعي في «تهذيب الكمال» ٢٩/ ١٣٦٣ أنه نصر.
(١) برقم (١٣٣٤) كتاب: الجنائز، باب: التكبير على الجنازة أربعًا، برقم (٣٨٧٧، ٣٨٧٩) كتاب: مناقب الأنصار، باب: موت النجاشي.
(٢) وقع في «البداية والنهاية» ٣/ ٧٧ ط. مكتبة المعارف، و٣/ ٨٤ ط. دار المعرفة: ابن أبجر -كما وقع هنا- والتصحيح عن القاموس نقلًا عن محمود الإمام!
ووقع في «الإنابة» ١/ ٨٠: ابن بجري. وفي «الإصابة» ١/ ١٠٩: ابن أبحر اهـ.
قلت: فلعل الصواب: أصحمة بن أبجر، بالجيم المعجمة.
(٣) ورد بهامش الأصل: لعله أصحمة.
(٤) على وزن ركوة بغير همزة وفتح الصاد وسكون الحاء، هكذا وقع في «مسند ابن أبي شيبة». حكاه القاضي عياض في «إكمال المعلم» ٣/ ٤١٤، والقرطبي في «المفهم» ٢/ ٦٠٩، والنووي في «شرح مسلم» ٧/ ٢٢، والحافظ في «الفتح» ٣/ ٢٠٣، والعيني في «العمدة» ٧/ ٥١، والسيوطي في «التوشيح» ٣/ ١١٠٣.
(٥) أي: صمحة، بتقديم الميم على الحاء، نقله ابن أبي شيبة عن يزيد، كما حكاه القاضي والقرطبي والنووي وقالوا صحمة وصمحة، شاذان والصواب: أصحمة بالألف.
(٦) أي: أصخمة، وهو ما نقله الحافظ في «الفتح» ٣/ ٢٠٣، والعيني ٧/ ٥١، والسيوطي ٣/ ١١٠٣ عن الإسماعيلي، وأنه غلطه.
وزاد الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» ٣/ ٨٤ أنه وقع في رواية: مصحمة، بزيادة ميم في أولهن وقال: قال يونس عن ابن إسحاق: اسم النجاشي: مصحمة وهو في «سير ابن إسحاق» ص ٢٠١ (٢٩٣)، وفي نسخة صححها البيهقي: أصخم. وحكى الحافظ في «الفتح» ٣/ ٢٠٣ عن الكرماني أن في بعض النسخ في رواية محمد بن سنان: أصحبة، بالباء بدل الميم، وكذا حكاه العيني.
(٧) نقل ذلك مغلطاي في «الإنابة» ١/ ٨٠ عن مقاتل في «نوادر التفسير»: اسمه: مكحول بن صِصِة بكسر الصادين.



ووقع في «صحيح مسلم»: كتب رسول الله - ﷺ - إلى النجاشي. وهو غير النجاشي الذي صلى عليه (١). ولعله عبر ببعض ملوك الحبشة عن الملك الكبير -ويسمي الأبجري- أو لآخر قام مقامه بعده، فإنه اسم لكل من ملك الحبشة وقد تقدم.
وفي بعض طرقه «مات اليوم رجل صالح فقوموا للصلاة على أخيكم» (٢). ومعناه: عطية (٣). والنجاشي بتشديد الياء وتخفيفها بفتح النون وكسرها (٤).
وفيه نزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية وذلك لما صلى عليه قال قوم من المناففين: صلى عليه وليس من أهل دينه فنزلت (٥). وكان آمن به على يد جعفر بن أبي طالب، وأخذ عمن هاجر إليه من أصحابه فآواهم وأسر إيمانه لمخالفته الحبشة له، فلما مات نعاه النبي - ﷺ - في اليوم الذي مات فيه، وهو من علامات نبوته. وقيل: سقطت عنه الهجرة إذ لم

-------------
(١) مسلم (١٧٧٤) من حديث أنس، وورد في الرواية الأولى التصريح بذلك: وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي - ﷺ -.
وانظر: «إكمال المعلم» ٦/ ١٢٥، و«شرح النووي» ١٢/ ١١٢.
(٢) سيأتي برقم (٣٨٧٧).
(٣) قاله ابن إسحاق في «السيرة» (٢٩٣)، والقاضي والقرطبي والنووي ناقلًا إياه عن ابن قتيبة، والذهبي في «تاريخ الإسلام» ٢/ ٦٢٥، وابن كثير والكرماني في «شرحه» ٧/ ١١٥ وغير واحد. وانظر لمزيد ضبط: «مشارق الأنوار» ١/ ٦٣، و«الإعلام» للمصنف ٤/ ٣٨١ - ٣٨٤.
(٤) انظر ترجمة النجاشي في «معرفة الصحابة» ١/ ٣٥٤ (٢٤٤)، و«أسد الغابة» ١/ ١١٩ (١٨٨)، و«سير أعلام النبلاء» ١/ ٤٢٨ (٨٥)، و«الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة» ١/ ٨٠ (٤٨)، و«الإصابة» ١/ ١٠٩ (٤٧٣).
(٥) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٥٥٩ - ٥٦٠ (٨٣٧٦ - ٨٣٨١).



يمكنه ذلك (١).
وقوله: (خرج إلى المصلى) يقتضي أن ذلك أمر يتعين عندهم في الصلاة على الجنازة. وفي السهيلي (٢) من حديث سلمة بن الأكوع أنه صلى عليه بالبقيع (٣). وقد يستدل به على منع الصلاة في المسجد.
ويجاب بأنه خرج لكثرة المصلين والإعلام. وفيه حجة لمن جوز الصلاة على الغائب.
وبه قال الشافعي (٤) وابن جرير وأحمد (٥) خلافًا لأبي حنيفة ومالك (٦). وعن أبي حنيفة جوازه فيما قرب من البلاد، حكاه ابن التين.
وكانت صلاته عليه في رجب، سنة تسع. ومن ادعى أن الأرض طويت له حتى شاهده، لا دليل له، وإن كانت القدرة صالحة لذلك.
وسواء كان الميت في جهة القبلة أم لا. فالمصلي يستقبل، صلى عليه أم لا، قربت المسافة أم بعدت. واستحسن في «البحر» ما ذهب إليه الخطابي (٧) أنه يصلى عليه إذا لم يصل عليه أحد (٨)، وكذا كانت قصة النجاشي.

-------------
(١) انظر: «سيرة ابن هشام» ١/ ٣٤٣ - ٣٦٤.
(٢) ورد بهامش الأصل: هذا في «سنن ابن ماجه».
(٣) «الروض الأنف» ٢/ ٩٤. وليس فيه ذكر لسلمة بن الأكوع.
والحديث رواه ابن ماجه (١٥٣٤) وغيره عن أبي هريرة. وانظر: «الإرواء» (٧٢٩).
(٤) انظر: «المهذب» ١/ ٤٣٩، «الوسيط» ١/ ٣٥٩.
(٥) «المغني» ٣/ ٤٤٦.
(٦) انظر: «القبس» ٢/ ٤٤٦، «الذخيره» ٢/ ٤٦٨، «النوادر والزيادات» ١/ ٦٢٠ - ٦٢١.
(٧) «معالم السنن» ١/ ٢٧٠ - ٢٧١.
(٨) ورد بهامش الأصل: هي رواية عن أحمد أخذ بها ابن تيمية.



ووقع في كلام ابن بطال تخصيص ذلك بالنجاشي، قال: بدليل إطباق الأمة على ترك العمل بهذا الحديث -وأخطأ في ذلك (١) - قال: ولم أجد لأحد من العلماء إجازة الصلاة على الغائب إلا ما ذكره ابن أبي زيد عن عبد العزيز بن أبي سلمة فإنه قال: إذا استؤذن أنه غرق أو قُتل أو أكلته السباع ولم يوجد منه شيء صلي عليه كما فعل بالنجاشي (٢)، وبه قال ابن حبيب (٣).
وقال ابن عبد البر: أكثر أهل العلم يقولون: إن ذلك مخصوص به.
وأجازه بعضهم إذا كان في يوم الموت، أو قريب منه (٤).
قلت: وأبعد الحسن فيما حكاه عنه في «المصنف»: إنما دعا له (٥).
يعني: ولم يصلِّ عليه، وهو عجيب.
فرع:
لو صلى على الأموات الذين ماتوا في يومه وغسلوا في البلد الفلاني ولا يعرف عددهم جاز، قاله في «البحر» وهو صحيح لكن لا يختص ببلد.
فرع غريب: من فروع ابن القطان أن الصلاة على الغائب وإن جازت لكنها لا تسقط الفرض.
وقوله: (فصف بهم) دليل على أن سنة هذِه الصلاة الصف كسائر الصلوات وقوله: (فكبر أربعًا). هذا آخر ما استقر عليه آخر أمره

----------
(١) هذا الاعتراض من قول المصنف -رحمه الله-.
(٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٦٢٠.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٤٣.
(٤) «التمهيد» ٦/ ٣٢٨.
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٤٦ (١١٩٥٥).



- عليه السلام - (١). وقال ابن أبي ليلى: يكبر خمسًا (٢)، وإليه ذهبت الشيعة.
وقيل: ثلاث، قاله بعض المتقدمين (٣). وقيل: أكثره سبع، وأقله ثلاث (٤)، ذكره القاضي أبو محمد.
وقيل: ست. ذكره ابن المنذر عن علي (٥). وقال عن أحمد: لا ينقص من أربع ولا يزاد على سبع. وقال ابن مسعود: يكبر ما كبر إمامُه (٦).
ووقع في كلام ابن بطال: إنما نعى النجاشي وخصه بالصلاة عليه وهو غائب عنه؛ لأنه كان عند أهل الإسلام على غير الإسلام فأراد أن يعلم بإسلامه (٧). وفيه نظر؛ لأنه - عليه السلام - نعى جعفر بن أبي طالب وأصحابه.
ومعنى قوله في حديث أنس: («لتذرفان») يعني: الدمع.
وفيه: جواز البكاء على الميت.
وفيه: أن الرحمة التي تكون في القلب محمودة.

--------
(١) وهو قول عمر وعلي وابن مسعود والبراء وعقبة بن عامر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة والحسن بن علي وابن عمر وابن سيرين وابن الحنفية وأبي مجلز وعبد الله بن أوفي والنخعي وقيس بن أبي حازم وسويد. فيما رواه عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٣ - ٤٩٦ (١١٤١٦ - ١١٤٤٦) من فعلهم.
(٢) وهو مروي عن زيد بن أرقم وابن مسعود ومعاذ بن جبل وحذيفة وعلي. «المصنف» ٢/ ٤٩٦ (١١٤٤٧ - ١١٤٥٤).
(٣) مروي عن ابن عباس وأنس بن مالك وجابر بن زيد. «المصنف» (١١٤٥٥ - ١١٤٥٧).
(٤) هو قول بكر بن عبد الله، فيما رواه في «المصنف» (١١٤٦٤).
(٥) رواه أيضًا عنه ابن أبي شيبة (١١٤٣٥، ١١٤٥٤، ١١٤٦٣، ١١٤٦٥ - ١١٤٦٦).
(٦) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٢/ ٤٩٦ (١١٤٥٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٩٧.
(٧) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٤٣.



وفيه: جواز التأسي بفعل الشارع.
وفيه: ما يغلب البشر من الوجد.
وقوله: («ثم أخذها خالد من غير إمرة») يعني: أنه لم يسمه حين قال: إن قتل فلان ففلان.
وفيه: جواز المبادرة للإمامة إذا خاف ضياع الأمر فرضي به الشارع فصار أصلًا في الضرورات إذا وقعت في معالم أمر الدين.
وفيه: أن من تغلب من الخوارج ونصب حاكمًا فوافق حكمه الحق فإنه نافذ لحكم أهل العدل، وكذلك أنكحتهم.
وفيه: أن الإمام الذي لا يد على يده يحكم لنفسه بما يحكم لغيره، ويعقد النكاح لنفسه. وقد قطع الصديق يد السارق الذي سرق الحلي من بيته، فحكم لنفسه (١).

--------------
(١) روى مالك في «الموطأ» ٢/ ٨٣٥ - ٨٣٦، وعنه الشافعي في «المسند» ٢/ ٨٥ (٢٨١)، ومن طريقهما البيهقي ٨/ ٢٧٣ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد: أن رجلًا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل، قدم فنزل على أبي بكر الصديق .. ثم إنهم فقدوا عقدًا لأسماء بنت عميس .. الحديث مطولًا.
ورواه عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٨٧ (١٨٧٦٩) عن الثوري، به، مختصرًا.
قال المصنف رحمه الله في «البدر المنير» ٨/ ٦٨١: قال الحافظ ضياء الدين المقدسي في «أحكامه»: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق لا أراه أدرك زمان جده. اهـ.
قلت: لذا أورد الحافظ الذهبي هذا الحديث في «المهذب» ٧/ ٣٤١٣ (١٣٤٨٢): منقطع. وقال الحافظ في «التلخيص» ٤/ ٧٠: في سنده انقطاع.
وقال في «الدراية» ٢/ ١١٢: قصة منقطعة. ورواه عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٨٨ - ١٨٩ (١٨٧٧٤)، ومن طريقه الدارقطني ٣/ ١٨٤ - ١٨٥، والبيهقي ٨/ ٤٩ من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، بنحوه.
قال الحافظ الذهبي في «المهذب» ٦/ ٣١٣٨ (١٢٤٤٩): سنده صحيح.
وقال الحافظ في «الدراية» ٢/ ١١٢: على شرط الصحيح.



وكذا إن كان لولده فهو حكم له، وهو عندنا خاص بالشارع.
وفيه: جواز دخول الحظر في الوكالات وتعليقها بالشرائط، ذكره الخطابي (١). وما ذكره من القطع لنفسه هو قول مالك ولكنه لا يغرمه.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يقطع ولا يغرمه.
فرع:
لم يذكر التسليم هنا في حديث النجاشي. وذكر في حديث سعيد بن المسيب، رواه ابن حبيب عن مطرف عن مالك (٢). واستغربه ابن عبد البر، قال (٣): إلا أنه لا خلاف علمته بين العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الفقهاء في السلام منها وإنما اختلفوا هل هي واحدة أو اثنتان؟ فالجمهور على تسليمة واحدة، وهو أحد قولي الشافعي (٤)، وقالت طائفة: تسليمتين، وهو قول أبي حنيفة (٥)، والشافعي (٦)، وهو قول الشعبي (٧)، ورواه (٨) عن إبراهيم (٩).

----------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٦٦٦ - ٦٦٧.
(٢) رواه ابن حبيب في «المواضحة» كما عند ابن عبد البر في «الاستذكار» ٨/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(٣) «الاستذكار» ٨/ ٢٤١ - ٢٤٣.
(٤) انظر: «الأم» ١/ ٢٤٠، «التهذيب» ٢/ ٤٣٧، «والبيان» ٣/ ٧٠، و«الشرح الكبير» ٢/ ٤٣٩.
(٥) انظر: «المحيط البرهاني» ٣/ ٧٥، و«شرح فتح القدير» ٢/ ١٢٣، و«الاختيار» ١/ ١٤٢.
(٦) انظر: «الأم» ١/ ٢٤٠، و«التهذيب» ٢/ ٤٣٧، و«الشرح الكبير» ٢/ ٤٣٩، و«المجموع» ٥/ ٢٠٠.
(٧) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٩٩ (١١٥٠٣).
(٨) كذا بالأصل، وفي «الاستذكار» ٨/ ٢٤٢: ورواية، وهو الصواب؛ فروى ابن أبي شيبة (١١٥٠٨) عنه أنه كان يسلم على الجنازة عن يمينه وعن يساره.
(٩) التخريج السابق.



وممن روي عنه واحدة: عمر وابنه، وعلي، وابن عباس، وأبو هريرة، وجابر، وأنس، وابن أبي أوفي، وواثلة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وجابر بن زيد، وابن سيرين، والحسن، ومكحول (١)، وإبراهيم في رواية (٢). وقال الحاكم: صحت الرواية في الواحدة عن علي، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وابن أبي أوفي أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة (٣).
قال ابن التين: وسأل أشهب مالكًا: أيكره السلام في صلاة الجنائز؟ قال: لا. وقد كان ابن عمر يسلم. قال: واستناد مالك إلى فعل ابن عمر دليل على أنه - عليه السلام - لم يسلم في صلاته على النجاشي ولا غيره.

------------
(١) انظرها عنهم في «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٤٩٣ - ٤٩٤ (٦٤٤٤، ٦٤٤٦ - ٦٤٤٧)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٤٩٩ - ٥٠٠ (١١٤٩١ - ١١٥٠٢، ١١٥٠٤ - ١١٥٠٦).
(٢) انتهى كلام ابن عبد البر بتصرف.
(٣) «المستدرك» ١/ ٣٦٠.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,868.90 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,867.18 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.09%)]