التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         طريقة عمل كباب حلة بالبشاميل والجبنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          قبل الطبخ.. تعرفى على أفضل قطعيات اللحوم لكل وصفة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          طريقة عمل الكبدة بالسمن البلدى ودبس الرمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          كل عام وحضراتكم بصحة وخير وسعادة يارب بمناسبة عيد الأضحى المبارك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          4 أنواع حلويات سهلة التحضير.. قدميها لأسرتك وضيوفك في العيد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          تحفظى العيش فى الثلاجة ولا الفريزر؟ اعرفى الصح لو هتخزنى للعيد الكبير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          طريقة عمل مشروبات منعشة للتغلب على حرارة الصيف فى دقائق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          قبل العيد.. 7 خطوات تمنح بشرتك نضارة طبيعية وتحميها من الجفاف والبثور (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          طريقة عمل طاجن ورق العنب بالكوارع.. أساسية بعد الفتة فى العيد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          طريقة عمل 5 صوصات منزلية للمشويات فى عيد الأضحى.. هتاخد الطعم لحتة تانية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 31-01-2026, 09:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,692
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (7)
من صـــ 427 الى صـــ 446
الحلقة (201)






يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة، وروى عنه أشهب أنه كره للإمام ذلك إلا أن يكون من خلفه قليل لا يخاف أن يخلط عليهم (١).
وروى ابن أبي شيبة -بإسناد جيد- عن أبي حمزة الأعور، عن إبراهيم أنه صلى بهم يوم الجمعة الفجر فقرأ بهم، ﴿كهيعص (١)﴾ [مريم: ١] (٢). وعن علي أنه قرأ في الفجر يوم الجمعة بسورة الحشر وسورة الجمعة (٣).
ومذهب الكوفيين كراهة قراءة شيء من القرآن موقتة بشيء من الصلوات، وأن يقرأ سورة السجدة، و﴿هَلْ أَتَى﴾ في الفجر في كلِّ جمعة، وذلك لما فيه من هجران باقي القرآن، وليس فيه مهجور. وإيهام تفضيل بعضه على بعض، وكلام الله في الحقيقة سواء، لقيامه بذات الله وشرفه بها.
قال الطحاوي: معناه إذا رآه حتمًا واجبًا لا يجزي غيره أو رأى القراءة بغيرها مكروهة، أما لو قرأها في تلك الصلاة تبركًا أو تأسيًا بالشارع أو لأجل التيسير فلا كراهة، وفي «المحيط» من كتبهم: بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانًا؛ لئلا يظن الجاهل أنه لا يجوز غيره (٤)، وقال المهلب: القراءة في الصلاة محمولة على قوله:

-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٨٧.
وانظر: «حلية العلماء» ٢/ ٩٤، «روضة الطالبين» ١/ ٢٤٨، «الكافي» ١/ ٥٠٩ - ٥١٠، «المبدع» ٢/ ١٦٥، «الذخيرة» ٢/ ٤١٥.
(٢) «المصنف» ١/ ٤٧١ (٥٤٥٠).
(٣) «المصنف» ١/ ٤٧٠ - ٤٧١ (٥٤٤٥).
(٤) وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله:
ليست قراءة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ التي فيها السجدة ولا غيرها من ذوات السجود واجبة في فجر الجمعة باتفاق الأئمة، ومن اعتقد ذلك واجبًا أو ذم من ترك ذلك فهو ضال =



﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وإنما كره مالك ذلك خشية التخليط على الناس (١).
ولذلك ترك الشارع في آخر فعله السجود في المفصل؛ لأنه الذي يقرأ به في الخمس. وقال ابن العربي: خرَّج البخاري قراءة الصبح يوم الجمعة عن سعد بن إبراهيم بلفظ (كان) المقتضية للمداومة، وهو مضعف عند مالك وغيره، وقد جاءت الرواية أيضًا من غير طريقه، ولكنه أمر لم يعلم بالمدينة والله أعلم من قطعه كما قطع غيره، فينبغي أن يفعل ذلك في الأغلب للقدوة، ويقطع أحيانًا؛ لئلا يظنه العامة من السنة (٢).

-------------
= مخطئ، يجب عليه أن يتوب من ذلك باتفاق الأئمة. وإنما تنازع العلماء في استحباب ذلك وكراهيته. فعند مالك يكره أن يقرأ بالسجدة في الجهر. والصحيح أنه لا يكره، كقول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد؛ لأنه قد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه سجد في العشاء الباب ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ وثبت عنه في الصحيحين أنه كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ و﴿هَلْ أَتَى﴾. وعند مالك يكره أن يقصد سورة بعينها. وأما الشافعي وأحمد فيستحبون ما جاءت به السنة، مثل الجمعة والمنافقين، وفي الجمعة. والذاريات و﴿اقْتَرَبَتِ﴾ في العيد، ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ ﴿هَلْ أَتَى﴾ في فجر الجمعة.
لكن هنا مسألتان نافعتان:
(الأولى) أنه لا يستحب أن يقرأ بسورة فيها سجدة أخرى باتفاق الأئمة، فليس الاستحباب لأجل السجدة، بل للسورتين، والسجدة جاءت اتفاقا، فإن هاتين السورتين فيهما ذكر ما يكون في يوم الجمعة من الخلق والبعث.
(الثانية) إنه لا ينبغي المداومة عليها، بحيث يتوهم الجهال أنها واجبة، وأن تاركها مسيء، بل ينبغي تركها أحيانًا لعدم وجوبها، والله أعلم. «مجموع الفتاوى» ٢٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
(١) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٥٠.
(٢) «عارضة الأحوذي» ٢/ ٣٠٩ - ٣١٠.



وهو عجيب منه فهو سنة عند الخاصة والعامة، وصاحب الشرع داوم عليه كما سلف بالإسناد الصحيح، فكيف المعدل عنه؟
وقوله في ابن إبراهيم، ولا نعلم أحدًا ضعفه ولا ذكره في الضعفاء، وفي «شرح ابن التين»: إن هذا الحديث يرد على من قال: لم يُرو عن النبي - ﷺ - أنه سجد في غير المفصل؛ إذ يفيد أنه - ﷺ - يقرأ السجدة ولا يسجدها. قلت: وقد قدمنا سجوده فيها.


١١ - باب الجُمُعَةِ فِي القُرى وَالمُدْنِ
٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ -بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِﷺ - فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ البَحْرَيْنِ. [٤٣٧١ - فتح: ٢/ ٣٧٩]

٨٩٣ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ». وَزَادَ اللَّيْثُ: قَالَ يُونُسُ: كَتَبَ رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ -وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي القُرَى-: هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ؟ وَرُزَيْقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا، وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَرُزَيْقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ، فَكَتَبَ ابْنُ شِهَابٍ -وَأَنَا أَسْمَعُ- يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ -قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». [٢٤٠٩، ٢٥٥٤، ٢٥٥٨، ٢٧٥١، ٥١٨٨، ٥٢٠٠، ٧١٣٨ - مسلم: ١٨٢٩ - فتح: ٢/ ٣٨٠]
القرى: جمع قرية على غير قياس، قال الجوهري: لأن ما كان على فَعْلَة بفتح الفاء من المعتل فجمعه ممدود، مثل ركْوَة وركاء، وَظْبية وظِبَاء، وجاء القرى مخالفًا لبابه لا يقاس عليه، ويقال: قرية: لغة يمانية، ولعلها جمعت على ذلك مثل لحية ولحى، والنسبة إليها قروي (١).

-----------
(١) «الصحاح» ٦/ ٢٤٦٠.


وقال ابن الأثير: القرية من المساكن والأبنية والضياع، وقد تطلق على المدن (١).
وقال صاحب «المطالع»: القرية: المدينة، وكل مدينة قرية؛ لاجتماع الناس فيها، من قريت الماء في الحوض، أي: جمعته، وأما المدن فجمع مدينة وتجمع أيضًا على مدائن بالهمز، ومدن مخفف الدال وتثقل، واشتقاقها من: مدن بالمكان إذا أقام به.
وقال ابن التين: المدن جمع مدينة تخفف الدال. وتثقل إذا قلنا أن وزنها فعيلة من مدن بالمكان إذا أقام به، وأما إن قلنا: من دنت، أي: ملكت، فوزنها مفعلة قال: وجمعها مداين بغير همز.
ذكر فيه حديثين:
أحدهما:
حديث ابن عباس: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ- بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ البَحْرَيْنِ.
رواه من طريق أبي عامر العقدي، واسمه: عبد الملك بن عمرو، وأبو جمرة راويه عن ابن عباس بالراء، واسمه نصر بن عمران الضبعي، والحديث من أفراد البخاري، وأخرجه أبو داود بلفظ: إن أول جمعة جمعت في الإِسلام -بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله - ﷺ - بالمدينة- لجمعة جمعت بجواثى، قرية من قرى البحرين.
وقال عثمان بن أبي شيبة قرية من قرى عبد القيس (٢). وللإسماعيلي: أول جمعة جمعت بحواثى بالبحرين بعد جمعة جمعت مع رسول الله - ﷺ -.

--------------
(١) «النهاية» ٤/ ٥٦.
(٢) «سنن أبي داود» (١٠٦٨) كتاب: الصلاة، باب: الجمعة في القرى.



وجواثي بضم الجيم، وفتح الواو، وقد تهمز، ثم ألف وثاء مثلثة: قرية أو مدينة بالبحرين (١).
وحكى ابن التين عن الشيخ أبي الحسن أنها مدينة، ثم قال: وهو خلاف ما ذكر القاضيان: أبو محمد وأبو الوليد أنها قرية. (وحكى الجوهري وابن الأثير أنها اسم لحصن بالبحرين (٢)، وكذا هو في «البلداني» للزمخشري) (٣).
وقال البكري: جواثى على وزن فعالى: مدينة بالبحرين لعبد القيس (٤).
إذا تقرر ذلك فالإجماع قائم على وجوب الجمعة على أهل المدن، واختلفوا في وجوبها على أهل القرى، فقال مالك: كل قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها، ولا تجب على أهل العمود وإن كثروا؛ لأنهم في حكم المسافرين (٥)، وبه قال الشافعي وجماعة (٦)، وأوجبها منهم أحمد على القرية إذا كان لها أبنية مجتمعة وفيها أربعون من أهل وجوب الجمعة، وهم: الأحرار، البالغون، العقلاء، المقيمون، الذين لا يظعنون شتاء ولا صيفًا إلا ظعن حاجة (٧).
وقال أبو حنيفة: لا تصح إلا في مصرٍ جامع أو في مصلى العصر،

--------------
(١) انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٠١، و«معجم البلدان» ٢/ ١٧٤.
(٢) انظر: «الصحاح» ١/ ١٧٨. و«النهاية» ١/ ٣١١.
(٣) من (ج).
(٤) «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٠١.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٥١، ٤٥٢.
(٦) انظر: «التهذيب» ٢/ ٣٢٤، «روضة الطالبين» ٢/ ٤، «المغني» ٢/ ٢٠٣.
(٧) انظر: «الكافي» ١/ ٤٨٢.



ولا تجوز في القرى (١)، وتجوز بمنى إذا كان الأمير أمير الحج (٢)، أو كان الخليفة مسافرًا. ووافقه أبو يوسف، وهو قول الثوري.
وقال محمد: لا جمعة بمنى، ولا يصح بعرفات في قولهم جميعًا (٣)، وعند أصحابنا لها شروط: أن تقام في أبنية مجتمعة يستوطنها صيفًا وشتاء من تنعقد بهم الجمعة، سواء أكان البناء من حجر أو خشب أو طين أو قصب أو غيرها، وسواء فيه البلاد الكبار وذوات الأسواق والقرى الصغار، فإن كانت الأبنية متفرقة لم تصح قطعًا؛ لأنها لا تعد قرية ويرجع في الاجتماع والتفرق إلى العرف وأما أهل الخيام وإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاءً وصيفًا لم تصح الجمعة قطعًا، وإن كانوا ملازمين فيها صيفًا وشتاءً وهي مجتمعة بعضها إلى بعض فقولان:
أظهرهما: لا وجوب عليهم، ولا تصح منهم. وبه قال مالك وأبو حنيفة (٤). والثاني: نعم (٥). وبه قال أحمد وداود (٦)، ونُقِلَ قول أبي حنيفة عن علي وحذيفة وعطاء وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم والحسن والنخعي ومحمد ومجاهد وابن سيرين والثوري وعبد الله بن الحسن وسُحنون (٧).

-------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٨٩.
(٢) في الأصل: الحاج والمثبت من «بداية المبتدي» ص ٢٦.
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٦٠.
(٤) «الهداية» ١/ ٨٩، «منية المصلي» ص ٣٢٧، «المعونة» ١/ ١٦١، «الاستذكار» ٢/ ٥٧.
(٥) انظر: «المجموع» ٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٦) انظر: «الكافي» ١/ ٤٨٢، «شرح الزركشي» ١/ ٤٦٥، «المحلى» ٥/ ٤٩، ٥٢.
(٧) انظر: «البناية» ٣/ ٤٩.



وقال الرازي في «أحكامه»: اتفق فقهاء الأمصار على أنها مخصوصة بموضع، لا يجوز فعلها في غيره؛ لأنهم مجمعون على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب، ونقل عن أصحابهم أنها مخصوصة بالأمصار ولا تصح في القرى (١).
قلت: ذكر ابن المنذر أن ابن عمر كان يرى أن أهل المناهل والمياه يجمعون، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب بذلك، فروى جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إنا أهل قرية ليسوا بأهل عمود ينتقلون. فأمرَّ عليهم أميرًا يجمع بهم (٢).
قال الرازي: فلو كانت الجمعة واجبة في القرى لورد النقل به كما ورد في الأمصار، لعموم الحاجة، ولبينه - ﷺ -، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وللمدينة قرى كثيرة، ولم ينقل عنه أنه أمر أهلها بالجمعة.
واختلف في المصر الذي تجوز فيه الجمعة عندهم، فعن أبي يوسف: كل موضع يكون فيه كل محترف، ويوجد فيه جميع ما يحتاج الناس إليه في معايشهم وفي التبايع عادة، وبه فقيه يفتي وقاض يقيم الحدود. وعنه: إن بلغ سكانه عشرة آلاف، وقيل: عشرة آلاف مقاتل.
وقيل: بحيث لو قصدهم عدو أمكنهم دفعه. وقيل: كل موضع فيه منبر وقاض ينفذ الأحكام، ويقيم الحدود (٣).
قال في «المحيط»: وبه نأخذ، وهو ظاهر الرواية. وقيل: أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يسعهم. وقيل: أن تكون مجال يعيش

---------------
(١) «أحكام القرآن» ٥/ ٣٣٧.
(٢) «الأوسط» ٤/ ٢٦ - ٢٧ (١٧٤٧).
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠، «تبيين الحقائق» ١/ ٢١٧.



فيها كل محترف بحرفته من سنة إلى سنة من غير أن يشتغل بحرفة أخرى.
وعن محمد: كل موضع مصره الإمام فهو مصر، حتى لو بعث إلى قرية نائبًا؛ لإقامة الحدود والقصاص تصير مصرًا، وإذا عزله ودعاه يلحق بالقرى (١).
يؤيد هذا أن عثمان بن عفان أرسل عبدًا أسود إلى الربذة، فكان أبو ذر يصلي خلفه (٢)، وكذا غيره من الصحابة الجمعة وغيرها. ولا جمعة في المغارة والبراري إجماعًا إلا عند الظاهرية.
ذكر ابن حزم أنه - ﷺ - صلى الجمعة بعرفات قال: إنه لا خلاف؛ لأنه - ﷺ - خطب وصلى ركعتين وهذِه صفة صلاة الجمعة. ولا روى أحد أنه ما جهر فيها، وعنده: لو صلى المعذور بامرأته صلاهما ركعتين، وكذا النساء في جماعة (٣).
وفي «التحفة» من كتب الحنفية: إن فعلها يكون على وجه الشهرة، حتى أن أميرًا لو جمع جنده في الحصين وغلق بابه، ولم يأذن بالدخول فيه للعامة جازت (٤).
وفي «المحيط»: الأداء على سبيل الاشتهار شرط حتى لو أغلق الأمير باب قصره وصلى فيه بجنده لا يجوز، وإن فتح باب قصره وأذن للناس في الدخول جاز ويكره (٥).
استدل من أجاز الجمعة في القرى بالحديث الذي أورده البخاري في

-------------
(١) انظر: «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٤٩.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٠ (٦٠٩٩ - ٦١٠١) كتاب: الصلوات. باب: إمامة العبد.
(٣) «المحلى» ٥/ ٥٠، ٥٥.
(٤) «تحفة الفقهاء» ٢/ ١٦٢.
(٥) «المحيط» ٢/ ٤٦٤.



الباب، وبما رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي، وصححه ابن خزيمة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك -وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره- عن أبيه أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت (١) من حرة بني بياضة في نقيع يعرف بنقيع الخضمات (٢).
وللبيهقي في «سننه»: كان أسعد أول من جمع بالمدينة قبل مقدم رسول الله - ﷺ -، قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا (٣).
وللبيهقي في «المعرفة»: قال الزهري: لما بعث رسول الله - ﷺ - مصعب بن عمير إلى المدينة؛ ليقرئهم القرآن جمع بهم وهم اثنا عشر رجلًا، فكان مصعب أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله - ﷺ -. قال البيهقي: يريد: الاثنى عشر النقباء الذين

---------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: هزم الأرض ما تَهزَّم منها، أي: تكسر وتشقق وهو بفتح الهاء وإسكان الزاي، قال أبو عبيد البكري: وقد روى سعيد في هرم بني بياضة بالراء، والنبيت بفتح النون ثم باء موحدة مكسورة وسكون المثناة تحت ثم تاء مثناة باثنتين فوق. قال البكري: جبل بصدر قناة على بريد من المدينة.
(٢) رواه أبو داود (١٠٦٩)، ابن ماجه (١٠٨٢)، ابن خزيمة ٣/ ١١٢ - ١١٣ (١٧٢٤)، البيهقي ٣/ ١٧٧. قال البيهقي: حديث حسن الإسناد صحيح.
وصححه الحاكم ١/ ٢٨١ على شرط مسلم، ووافقه المصنف. رحمه الله في «البدر المنير» ٤/ ٦٠٠ ونقل عن البيهقي أنه قال في «الخلافيات»: رواته كلهم ثقات.
وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ٥٦: إسناده حسن. وقال في «الدراية» ١/ ٢١٥: رجاله ثقات.
وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٨٠).
(٣) «السنن الكبرى» ٣/ ١٧٧، كتاب: الجمعة، باب: العدد الذين إذا كانوا في قرية وجبت عليهم الجمعة.



خرجوا به إلى المدينة وكانوا له ظهرًا (١).
وفي حديث كعب: جمع بهم أسعد وهم أربعون. وهو يريد جميع من صلى معه ممن أسلم، من أهل المدينة مع النقباء، وأيضًا فقول كعب متصل، وقول الزهري منقطع.
وفي «مغازي موسى بن عقبة» وابن إسحاق أنه - ﷺ - حين ركب من بني عمرو بن عوف إلى المدينة مر على بني سالم -وهي قرية بين قباء والمدينة- فأدركته الجمعة، فصلى بهم الجمعة، فكانت أول جمعة صلاها حين قدم (٢)، ولم أجد فيها ذكر عدد من صلى بهم.
وفي «سنن سعيد بن منصور» عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر بن الخطاب من البحرين يسألونه عن الجمعة، فكتب إليهم: اجتمعوا حيثما كنتم (٣). ورواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ جيد بلفظ: جمعوا (٤). وفي «المعرفة» للبيهقي أن أبا هريرة هو السائل، وحسن سنده (٥). وعند الدارقطني -بإسنادِ ضعيف- عن أم عبد الله الدوسية مرفوعًا: «الجمعة واجبة على كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة» (٦)

-------------
(١) «معرفة»السنن«٤/ ٣١٩ (٦٣١٥).
(٢) انظر:»سيرة ابن هشام«٢/ ١١٢.
(٣) رواه البيهقي في»معرفة السنن«٤/ ٣٢٣ (٦٣٣٤) كتاب: الجمعة، باب: العدد الذين إذا كانوا في قرية وجبت عليهم الجمعة.
(٤)»المصنف«١/ ٤٤٠ (٥٠٦٨) كتاب: الصلوات.
(٥)»المعرفة«٤/ ٣١٩.
(٦)»سنن الدارقطني" ٢/ ٧. ورواه أيضًا البيهقي ٣/ ١٧٩ من طريق معاوية بن يحيى عن معاوية بن سعيد التجيبي عن الزهري عن أم عبد الله الدوسية، مرفوعًا به.
قال الدارقطني: لا يصح هذا عن الزهري.
ورواه الدارقطني ٢/ ٨ من طريق الوليد بن محمد الموقدي عن الزهري، به.
وقال: الوليد بن محمد الموقدي متروك ولا يصح هذا عن الزهري، كل من رواه =



زاد أبو أحمد الجرجاني: حتى ذكر النبي - ﷺ - ثلاثة. وعن مالك -فيما ذكره في «المصنف»- قال: كان أصحاب محمد - ﷺ - في هذِه المياه بين مكة والمدينة يجمعون (١).
واستدل المانع بقول علي - رضي الله عنه -: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصرٍ جامعٍ. رواه ابن أبي شيبة بإسناد جيدٍ، وفي رواية: ولا صلاة فطرٍ ولا أضحى إلا في مصرٍ جامع أو مدينة عظيمة (٢).
قال ابن حزم: صح ذلك عن علي (٣). وأما النووي فقال: حديث علي ضعيف متفق على ضعفه، وهو موقوف عليه بإسناد ضعيف منقطع (٤).

---------------
= عنه متروك. ورواه الدارقطني ٢/ ٩ من طريق مسلمة بن علي عن محمد بن مطرف.
والبيهقي ٣/ ١٧٩ من طريق معاوية بن يحيى عن معاوية بن سعيد التجيبي.
كلاهما عن الحكم بن عبد الله عن الزهري، به.
قال الدارقطني: الزهري لا يصح سماعه من الدوسية. والحكم هذا متروك. وكذا قال البيهقي.
والحديث ضعفه النووي في «الخلاصة» ٢/ ٧٧٠ (٢٦٩٢) والمصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٤/ ٥٩٨.
وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ٥٧: حديث منقطع. وقال في «الدراية»١/ ٢١٦: إسنادة واه جدًا.
وقال الألباني في «الضعيفة» (١٢٠٤): موضوع.
والحديث ذكره عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام» ٢/ ١٠٤ وقال: ولا يصح في عدد الجمعة شيء.
(١) «المصنف» ١/ ٤٤٠ (٥٠٧١) كتاب: الصلوات، باب: من كان يرى الجمعة في القرى وغيرها.
(٢) انظر: «المصنف» ١/ ٣٤٩ (٥٠٥٩) كتاب الصلوات، باب من قال: لا جمعة ولا تشريق
(٣) انظر: «المحلى» ٥/ ٥٢.
(٤) انظر «المجموع» ٤/ ٣٧٣.



ويقويه قول إمامه الشافعي - رضي الله عنه -: ذكر بعض الناس أنه لا تجوز الجمعة إلا في مصر جامع. وذكر فيه شيئًا ضعيفًا، واستدل أيضًا بما رواه ابن أبي شيبة عن حذيفة: ليس على أهل القرى جمعة، إنما الجمعة على أهل الأمصار مثل المدائن (١).
وزعم أبو زيد في «الأسرار» أن محمد بن الحسن قال: رواه مرفوعًا معاذ وسراقة بن مالك.
وروى ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام، عن عمر بن عامر، عن
حماد، عن إبراهيم، عن حذيفة: ليس على أهل القرى جمعة (٢).
وللترمذي مضعفًا من حديث ثُوَيْر، عن رجلٍ من أهل قباء، عن أبيه -وكان له صحبة- قال: أمرنا النبي - ﷺ - أن نشهد الجمعة من قباء (٣).
ولابن ماجه بإسناد جيد عن ابن عمر قال: كان أهل قباء يجمعون مع رسول الله - ﷺ - (٤). وعن أبي هريرة رفعه: «الجمعة على من سمع النداء» (٥) أنكره أحمد إنكارًا شديدًا، ولم يعده شيئًا.

------------
(١) انظر: «المصنف» ١/ ٤٣٩ (٥٠٦٠) كتاب: الصلوات، باب: من قال: لا جمعة ولا تشريق …
(٢) انظر التخريج السابق
(٣) «سنن الترمذي» (٥٠١) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء من كم تؤتى الجمعة.
وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ولا يصح في هذا الباب شيء.
وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».
(٤) «سنن ابن ماجه» (١١٢٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء من أين تؤتى الجمعة. لكن ضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٣٢).
(٥) رواه أبو داود (١٠٥٦). والدارقطني ٢/ ٦، والبيهقي ٣/ ١٧٣ من طريق قبيصة، عن سفيان، عن محمد بن سعيد الطائفي عن أبي سلمة بن نبيه، عن عبد الله بن هارون، عن عبد الله بن عمرو -لا عن أبي هريرة- مرفوعًا به. =



وللحاكم عنه مرفوعًا: «عسى أحدكم أن يتخذ الصبة (١) من الغنم فينزل بها على ميلين أو ثلاثة من المدينة فتأتي الجمعة فلا يجمع، فيطبع على قلبه» (٢) أعله ابن عدي بمعدي بن سليمان (٣).
وفي «الصحيح» عن عائشة: كانوا ينتابون الجمعة من العوالي ومن منازلهم (٤). وأقرب العوالي ثلاثة أميال.

-------------
= وأشار أبو داود أن جماعة رووا والحديث فوقفوه على عبد الله بن عمرو- وأنه لم يرفعه إلا قبيصة.
وذكر البيهقي كلام أبي داود هذا، وقال: وقبيصة من الثقات ووثقه أيضًا النووي في «الخلاصة» (٢٧٦٢).
وصحح عبد الحق الإشبيلي في «أحكامه» ٢/ ١٠٢ وقفه.
وانظر: «صحيح أبي داود» (٩٦٦).
والحديث رواه الدارقطني ٢/ ٦، والبيهقي ٣/ ١٧٣ من طريق زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، به.
قال النووي في «الخلاصة» (٢٦٧٤)، والحافظ ابن كثير في «إرشاد الفقية» ١/ ١٩١، والمصنف في «البدر المنير» ٤/ ٦٤٥: إسناده جيد.
والحديث من طريقيه حسنه الألباني في «الإرواء» (٩٣٥) وأما حديث أبي هريرة الذي أنكره الإمام أحمد فهو عند الترمذي (٥٠٢) بلفظ: «الجمعة على من آواه الليل إلى أهله».
وقال النوي في «المجموع» ٤/ ٣٥٥: حديث ضعيف جدًّا.
وضعفه أيضًا في «الخلاصة» ٢/ ٧٦٥ (٢١٦٧٦).
(١) ورد بهامش الأصل: الصبة السرية من الخيل والإبل والغنم أو ما بين العشرة إلى الأربعين أو هي من الإبل ما دون المائة والجماعة من الناس والقليل من المال والبقية من الماء واللبن.
(٢) «المستدرك» ١/ ٢٩٢ كتاب: الجمعة، باب: التشديد على التخلف.
(٣) «الكامل» ٤/ ٢٠ (٦٤٩). وأيضًا أنكر حديثه أبو زرعة والبخاري وذكره ابن حبان وابن الجوزي في الضعفاء وكذلك ابن حجر.
(٤) رواه مسلم (٨٤٧) كتاب: الجمعه، باب: وجوب غسل الجمعه على كل بالغ.



وفي «المصنف»: حَدثَنَا وكيع عن أبي البختري قال: رأيت أنسًا شهد الجمعة بالزاوية، وهي على فرسخين من البصرة (١). وحَدَّثَنَا أزهر، عن ابن عون قال: كان أبو المليح عاملًا على الأيلة، فكانت إذا أتت الجمعة جمع فيها (٢).
وعن الزهري أنهم كانوا يشهدون الجمعة مع رسول الله - ﷺ - من ذي الحليفة (٣).
وكان ابن عمرو يشهد الجمعة في الطائف، وهو في قرية يقال لها: الوهط (٤). على رأس ثلاثة أميال. رواه عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبيه عنه (٥).
وجه الدلالة من هذِه الآثار أن الجمعة لو أقيمت في القرى لما احتاجوا أن يأتوا إليها من مسيرة أميال، وقد يجاب بأنهم إنما أتوا؛ لينالوا فضل الصلاة خلفه عليه أفضل الصلاة والسلام، فإنه لا يعادلها شيء.

------------
(١) «المصنف» ١/ ٤٤٠ (٥٠٧٦) كتاب: الصلوات، باب: من كم تؤتى الجمعة؟
والزاوية: موضع قرب البصرة كانت به الواقعة الشهيرة بين الحجاج وعبد الرحمن ابن محمد بن الأشعت، قتل فيها خلق كثير من الفريقين وذلك سنة ٨٣ هـ انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٦٩٣ و«معجم البلدان» ٣/ ١٢٨.
(٢) «المصنف» ١/ ٤٤٠ (٥٠٧٧).
(٣) «المصنف» ١/ ٤٤١ (٥٠٨٨).
(٤) الوهط: بفتح أوله وسكون ثانية وطاء مهملة، وهو المكان المطمئن المستوي ينبت العضاه والسمر والطلح، وقيل: إن الوهط قرية بالطائف على ثلاثة أمثال من وجّ كانت لعمرو بن العاص.
انظر: «معجم ما استعجم» ٤/ ١٣٨٤. و«معجم البلدان» ٥/ ٣٨٦.
(٥) «المصنف» ١/ ٤٤١ - ٤٤٢ (٥٠٩٣).



وأجابوا عن حديث الباب بأن المراد بالقرية: المدينة. كما سلف.
والمدائن تسمى قرى. قال تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣١] يعني: مكة والطائف. وقال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الأنعام: ٩٢]، وقال: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]
والجواب:
أن العرف غيره، ويبعد أن يقال: أنه - ﷺ - لم يعلم؛ لأنها ثاني جمعة في الإسلام.
وأجابوا عن حديث أسعد بأن ذلك كان قبل مقدم رسول الله - ﷺ -، فلم يكن بإذنه ولا أمرهم عليه.
وادعى بعضهم أن الظاهر أن أسعد لم يجمع بهم إلا بعده - ﷺ -، أما في زمانه فلم تقم جمعة إلا في مسجده، وهو عجيب، فالنص أنه كان قبل قدومه، كما سلف، وأسعد مات في السنة الأولى قبل بدر.
الحديث الثاني:
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا عَبْدُ اللهِ، أنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أخبرني سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عن أبيه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ». وَزَادَ اللَّيْثُ: قَالَ يُونُسُ: كَتَبَ رُزيقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابن شِهَابٍ -وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي القُرى-: هَلْ تَرى أَنْ أُجَمِّعَ؟ وَرُزيقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا، وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَرُزيقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ، فَكَتَبَ ابن شِهَابٍ -وَأَنَا أَسْمَعُ- يَأُمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سَالِمًا حدَّثهُ أَنَّ ابن عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كلُّكُمْ رَاعٍ» … الحديث بطوله.


الشرح:
حديث: «كلكم راع» أخرجاه (١)، والبخاري اختصره مرة، وطوله في مواضع، وأخرجه مسلم في المغازي (٢) (٣)، وفي إسناده عبد الله ابن وهب. خبَّرني رجل سماه، وعمرو بن الحارث. وهذا الرجل هو: عبد الله بن لهيعة، كما بينه أبو عبد الرحمن الإسفراييني.
وطريق الليث ذكرناها، وقد روى الليث حديث: «كلكم راع» بغير هذِه القصة، عن نافع، عن ابن عمر، وهو في مسلم.
ورواه البخاري أيضًا في النكاح، ويأتي إن شاء الله تعالى عن عبد الله ابن عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن نافع، وقد رواه عن ابن عمر نافع وغيره أيضًا، وعن الزهري شعيب أيضًا، ويونس. رواه عنه عبد الله -وهو ابن المبارك- وعبد الله بن وهب.
وشيخ البخاري: بشر بن محمد، مروزي، من أفراد البخاري، ذكره ابن حبان في «ثقاته» وقال: كان مرجئًا، (٤) مات سنة أربع وعشرين ومائتين (٥).

--------------
(١) سيأتي برقم (٢٤٠٩) كتاب: الاستقراض، باب: العبد راع في مال سيده. و(٢٥٥٤) كتاب: العتق، باب: كراهية التطاول و(٢٥٥٨) باب: العبد راع في مال سيده و(٢٧٥١) كتاب: الوصايا، باب: تأويل قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ و(٥١٨٨) كتاب: النكاح، باب: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. وغيرها.
(٢) «صحيح مسلم» (١٨٢٩) كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل.
(٣) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: وفي الخراج والعتق. والترمذي في الجهاد وصححه، والنسائي في عشرة النساء وغيره. وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وأبي موسى، وهما غير محفوظين.
(٤) «ثقات ابن حبان» ٨/ ١٤٤.
(٥) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٨٤ (١٧٧٢). و«تهذيب الكمال» ٤/ ١٤٥ =



إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
رُزيق. بتقديم الراء المضمومة على الزاي. وحُكيم بضم الحاء مصغرًا كما قيده ابن ماكولا (١) وهو أبو حُكيم بضم الحاء أيضًا الفزاري، مولى بني فزارة الأيلي -بفتح الهمزة ثم مثناة تحت والي أيلة لعمر بن عبد العزيز، وقال ابن الحذاء: كان حاكمًا بالمدينة، قال ابن ماكولا: كان عبدًا صالحًا. وقال النسائي: ثقة، وأخرج له في «سننه». وقال علي بن المديني: حَدَّثَنَا سفيان مرة: رزيق بن حكيم، أو حكيم، وكثيرًا ما كان يقول: ابن حكيم بالفتح، والصواب الضم (٢).
ثانيها:
وادي القرى من أعمال المدينة، وقال ابن السمعاني: وادي القرى: مدينة بالحجاز مما يلي الشام، وفتحها عليه أفضل الصلاة والسلام في جمادى الآخرة سنة سبع من الهجرة لما انصرف من خيبر بعد أن امتنع أهلها وقاتلوا، وذكر بعضهم أنه - ﷺ - قاتل فيها، ولما فتحها عنوة قسم أموالها، وترك الأرض والنخل في أيدي اليهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر، وأقام بها أربع ليال (٣).

-------------
= (٧٠٥). و«تقريب التهذيب» (٧٠١).
(١) «الإكمال» ٢/ ٤٨٦.
(٢) وثقة ابن سعد وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال ابن حجر: ثقة من السادسة.
انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٥٢. و«الجرح والتعديل» ٣/ ٥٠٤ (٢٢٨٥). و«تهذيب الكمال» ٩/ ١٧٩ (١٩٠٤). و«التقريب» (١٩٣٥).
(٣) انظر: «معجم البلدان» ٥/ ٣٤٥.



ثالثها:
أيلة -بفتح الأول- على وزن فعلة: مدينة على شاطئ البحر في منتصفج ما بين مصر ومكة، كذا ذكر أبو عبيد (١)، والمشاهدة تدفعه.
وقال ابن قرقول: مدينة بالشام. وقال السمعاني: بلدة على ساحل بحر القلزم مما يلي مصر. قال البكري: وسميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم، قال: وقد روي أن أيلة هي القرية التي كانت حاضرة البحر، قال: وبتبوك ورد صاحب أيلة على رسول الله - ﷺ -، وأعطاه الجزية.
وقال محمد بن حبيب وقد أنشد قول كثير عزة:
رأيت وأصحابي بأيلة مَوْهِنا … أيلة من رضوى وهو جبل ينبع.
وقال اليعقوبي: أيلة مدينة جليلة على شاطئ البحر المالح، وبها يجتمع الحجاج، ومن القلزم إلى أيلة ست مراحل (٢).
رابعها:
إيراد البخاري هذا الحديث؛ لأجل أن أيلة إما مدينة أو قرية كما سلف، وقد ترجم لهما، والظاهر أن رزيق بن حكيم لما سأل عن الأرض التي فيها السودان، وأقل ذلك أنها تكون قرية صغيرة؛ لأن أيلة بلدة مشهورة كما سلف، ومثلها ممتنع ألا تقام الجمعة فيها قبل ذلك. وجواب الزهري له بقوله: «كلكم راعٍ» معناه: أنه يجب عليك أن تقيم فيهم الأحكام الشرعية؛ لأنه كان واليًا عليهم، فهم رعيته، وإقامتها من الأحكام الشرعية التي يجب إقامتها.

--------
(١) «معجم ما استعجم» ١/ ٢١٦.
(٢) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٢١٦ - ٢١٧. «معجم البلدان» ١/ ٢٩٢. «اللباب» لابن الأثير ١/ ٩٨.



خامسها:
الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه، وما هو تحت نظره، فكل من كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته، فإن وفى ما عليه من الرعاية؛ حصل له الحظ الأوفر، والأجر الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كل أحدٍ من رعيته بحقه.
وقال الخطابي: الرعاية: حسن التعهد للشيء، وقد اشتركوا في التسمية على سبيل التسوية، ثم معانيهم مختلفة، فرعاية حياطة الشريعة: إقامة الحدود والأحكام فيهم، ورعاية الرجل أهله: السياسة لأمرهم وتوفية الحق في النفقة والعشرة، ورعاية المرأة: حسن التدبير في بيته، والنصح له، ورعاية الخادم لسيده: حفظ ما في يده من ماله، والقيام مما يستحق من خدمته.
قال: وقد استدل ابن شهاب من هذا الحديث على أن للسيد إقامة الحد على مماليكه، قال: وفي الحديث دليل على إقامة الجمعة بغير سلطان (١). وفيه نظر كما أبداه ابن التين.
وقد قال ابن بطال: فيه حجة للكوفيين على أن الجمعة لا تقوم إلا بالأمراء ومن أذن له الأمراء، وزعموا أن الإمامة فيها شرط؛ لأنه - ﷺ - صلى بهم يوم الجمعة، وخلفاؤه بعده (٢).
قال الخطابي: وفيه دليل على أن الرجلين إذا حكَّما بينهما رجلًا نفذ حكمه إذا أصاب (٣).

------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٥٧٩ - ٥٨٠.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩.
(٣) «أعلام الحديث» ١/ ٥٨٠.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,829.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,827.86 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.09%)]