|
|||||||
| من بوح قلمي ملتقى يختص بهمسات الاعضاء ليبوحوا عن ابداعاتهم وخواطرهم الشعرية |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
( همس القلم ) سجدة.. تريح القلب في لحظات السكون التي يثقل فيها القلب بالهموم، وتضيق فيها الدنيا على سعتها، لا يجد المسلم ملجأً أصدق ولا أدفأ من سجدةٍ خالصة، يضع فيها جبينه على الأرض، ويعلّق قلبه بالسماء.. هناك، في أدنى موضعٍ يبلغ القلب أعلى درجات القرب، ويستعيد الإنسان حقيقته الأولى: عبدًا ضعيفًا بين يدي ربٍّ رحيم، قال الله -تعالى-: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} (العلق: 19)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء»، وبهذه النصوص الجامعة يتجلّى أن السجود ليس مجرد ركنٍ من أركان الصلاة، بل هو مقام قرب، ومنبع طمأنينة، وسرّ راحةٍ لا تُنال بغيره. السجود في جوهره إعلان افتقار، وخضوع كامل لعظمة الله،. قال -تعالى-: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (الرعد: 15)؛ غير إن الإنسان حين يسجد مختارًا، مؤمنًا، فإنه يسمو بسجوده، ويُرفع بقدر ما يتواضع؛ لأنه يضع أشرف ما فيه على الأرض، فيعلو مقامه عند الله. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من تواضع لله رفعه الله». وفي هذا الانكسار يولد الشعور بالأمان؛ لأن القلب إذا سجد سقطت عنه أثقال التكبر والادّعاء، واستراح من عناء المكابرة. السجود في القرآن... مشهد الخشوع الحي جاء السجود في القرآن مقرونًا بالإيمان الصادق والخشية العميقة، قال -تعالى-: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} (السجدة: 15).. إنها قلوب حيّة، ما إن تُذكَّر حتى تخضع، وما إن تسمع آيات الله حتى تخرّ ساجدة، لا تكلّفًا بل شوقًا وهيبة، وفي موضع آخر يرسم القرآن صورة الساجدين في الليل: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} (السجدة: 16)،ثم يفتح باب الرجاء بقوله: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} (السجدة: 17). في السجدة الصادقة تتجلى حقيقة العبادة بإخلاص النية، وحضور القلب، واستشعار عظمة الله، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في سجوده: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشقّ سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين»؛ إنها لحظة اعترافٍ بالأصل، وشهادةٍ بالربوبية، وانكسارٍ جميل يعقبه يقين. ومن يذق صدق السجود يشعر أن قلبه يخرج أخفّ، وأن همومه تذوب في حضرة القرب. السّجود وراحة النفس في زمنٍ كثرت فيه الضغوط والقلق، يقدّم الإسلام علاجًا روحيًا فريدًا، قوامه الصلاة والسجود. قال -تعالى-: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} (البقرة: 45)، وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - عند الضيق: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} (الحجر)؛ فالسجود ليس انفصالًا عن الواقع، بل عودة إلى مصدر الطمأنينة، إنه لحظة صمتٍ داخلي تتوقف فيها ضوضاء الحياة، ويتصل القلب بمن بيده الفرج والرحمة. السجود وميزان الإخلاص للسجود صور متعددة: سجود الصلاة، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، غير إن قيمتها لا تُقاس بعددها، بل بصدقها؛ قال -تعالى-: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (المؤمنون)؛ فالخشوع روح السجود، ودونه تتحول الحركة إلى عادة، ويفقد القلب نصيبه من الراحة. ولعل من أعظم ثمار السجود أنه يربّي النفس على التواضع؛ فمن اعتاد أن يضع جبينه لله، لا يتعالى على خلقه، ولا يستكبر في قوله أو فعله، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»؛ فكل سجدة تمحو شيئًا من القسوة، وتعيد للقلب ليونته، وتذكّره بالموقف الأعظم بين يدي الله. ولعل ومن أصدق السجدات تلك التي تكون في جوف الليل، بعيدًا عن العيون؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم»؛ ففي الليل تُقال الكلمات بصدق، وتُسكب العبرات بلا تكلّف، وتكون السجدة حديثًا خالصًا بين العبد وربه. كيف تكون السجدة صادقة؟ تكون السجدة صادقة بإخلاص النية، وحضور القلب، والتأني في الذكر، والإكثار من الدعاء، واستشعار معنى: (سبحان ربي الأعلى). قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». ثمرات السجود السجدة الصادقة تمنح ثلاث راحات لا يعرفها إلا من ذاقها: ألا وهي راحة الجسد حين يُهوي بثقله على الأرض بعد عناء، وراحة النفس حين تخرج الهموم مع كل دمعة خاشعة، وراحة الروح حين تشهد القلب متصلاً بخالقه في يقين ورضا، ومن جمعها كلها عاش ما وصفه الله بقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28). وختاما فإن السجدة الصادقة ليست حركةً عابرة؛ بل موقف حبٍّ وخضوع لله وحده -عز وجل-، وباب راحةٍ مفتوح، ومن عرفها عرف أن للقلب طريقًا إلى السماء، أقصره وأصدقه: سجدة بين يدي الله؛ ومن ذاقها علم أن سكون القلب لا يُشترى بمال، وإنما يُوهب في تلك اللحظة الصافية من الإخلاص والرجاء، {وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} (التغابن: 11). اعداد: ذياب أبو سارة
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |