|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
محلُّ إعمال القاعدة الفقهية (1) أ. د. عبدالرحمن بن علي الحطاب الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فهذه ورقة بحثية قصدت فيها تسليط الضوء على جانب مهم من جوانب دراسة القواعد الفقهيَّة، وهو النظر إلى مجال أو محل إعمال القاعدة، كنت من زمن ليس بالقصير أدعو الباحثين للكتابة فيه، حتى تواصل معي فضيلة الدكتور إبراهيم بن عبدالكريم العليان، وعرضت عليه فكرة الموضوع فاستحسنها، وسجلها رسالة لنيل درجة الدكتوراه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة، بعنوان (مجال إعمال القواعد الفقهيَّة: دراسة استقرائية تحليلية)، ثمَّ تشرفت بمناقشتها عام 1445هـ، وقد أجاد الباحث إلى حدٍّ كبير، وخرجت الرسالة بحجم كبير، جزء منه بسبب العرف الأكاديمي في الأبحاث، وآخر بسبب استطرادات من الباحث، ولربما فقد بسبب ذلك الغرض والمقصود، وهو التركيز على محل إعمال القاعدة، وكنت قد كتبت مسوَّدة في هذا الموضوع، وخشية فقدها أردت طرحها بين يدي طلاب العلم، علَّ غرسًا يجد ساقيًا، وخطأ يجد مصححًا، وفكرة تجد من يتبنَّاها ويرعاها، ولا سيما أن الباحث الدكتور إبراهيم ليس أكاديميًّا، وغير مدرس للقواعد، وفي الغالب هذه الغراس إن لم تجد من يرعاها فربما ذبلت وخفي أمرها، ثمَّ إنني مخالف له في كثير من النتائج، وفي طريقة العرض، والأعمال يكمل بعضُها بعضًا. وقبل ذكر مجال إعمال القاعدة، أقف وقفات يسيرات تمهِّد للموضوع: الوقفة الأولى: المقصود هنا بيان المحل الذي يصح فيه العمل بالقاعدة الفقهيَّة. الوقفة الثانية: لا يخفى أهمية معرفة محلِّ إعمال القاعدة؛ إذ يترتب عليه صحة الإعمال والتنزيل، وبيان وجه الاستثناء من القاعدة، وكفى بهما أهميَّة. الوقفة الثالثة: هناك ارتباط وثيق بين شروط القاعدة، أو ضوابطها، وبين محلِّ إعمال القاعدة، فقد يكون الشرط ضابطًا للقاعدة، وقد يكون مكملًا لها، وقد لا يكون ثمة علاقة بينهما. ومثال الأول: قاعدة (العادة محكَّمة)؛ إذ محلُّ إعمالها- فيما يظهر لي-: العادة المطَّردة أو الغالبة. واكتفيت بالشرط المذكور- كون العادة مطَّردة أو غالبة- لأنَّ بقية الشروط كقولهم: ألَّا تخالف نصًّا، أو كونها المقارنة، فالأول ليس مختصًّا بها، ولا أثر له في بيان اندراج القواعد الأخرى تحت القاعدة العامة؛ كقولهم: (الكتاب كالخطاب، والإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان...إلخ)، وكذا الشرط الثاني، وإن كان معتبرًا بلا شك في جملة من الأحكام. ومثال الثاني: قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)، وهي قاعدة مندرجة تحت قاعدة (المشقة تجلب التيسير)، ومحلُّ إعمال القاعدة الأخيرة هو: العناء والتعب والمشقة التي شهد لها العرف، ولا نصَّ على قصد الشارع لها. وتكون الضرورة التي تبيح المحظور هي ذلك العناء والتعب الذي شهد له العرف، فتبيح المحرم له تيسيرًا على المكلَّف؛ إذ لا قصد للشارع لتكليفه بما يذهب مصالحه الضرورية. أمَّا الشروط فهي أمر آخر، وقد ذكر العلماء شروطًا لاعتبار الضرورة المبيحة للمحظور، فذكروا: أولًا: وجود الضرر وقيامه. ثانيًا: عدم وجود وسيلة مباحة للخروج من المشقة. ثالثًا: ألَّا يترتب على فعل الممنوع وارتكابه مفسدة أعظم. رابعًا: ألَّا يزيد عن مقدار ما تندفع به الضرورة. ومثال الثالث: قاعدة (الأمور بمقاصدها)؛ إذ لم يذكر الشرَّاح شروطًا متعلقة بمحل الإعمال، على ما سيأتي. وأنبه هنا إلى أنَّ القول في اعتبار القاعدة كونها مشروطة بألَّا يعارضها نص شرعي، أو ألَّا يعارضها ما هو أقوى منها، أو بتوفر شروطها وانتفاء موانعها، لا إشكال فيه، لكنه لا يصلح أن يكون مجالًا لإعمال القاعدة؛ لعموم هذا القول، وارتباطه بكل قاعدة، وهو من المسلَّمات التي لا تفيدنا بشيء في صياغة محل خاص لإعمال كل قاعدة. الوقفة الرابعة: قد يشتبه الضابط بمحل النزاع، وذلك إذا كان النزاع في الضابط، لكن الضابط قد يكون متفقًا عليه، وهو الأغلب، على ما سيأتي، فليس هو محل النزاع إذًا. ومما اختلفوا في ضابطه من القواعد: الخلاف الذي يستحب الخروج منه، أو في ضابط المشقة الجالبة للتيسير. فسيأتي أن المختار أن مجال إعمال قاعدة (المشقة تجلب التيسير) هو: العناء والتعب والمشقة التي شهد لها العرف، ولا نصَّ على قصد الشارع لها. وهو محلٌّ ذكره عدد من العلماء؛ كابن تيمية والشاطبي. بينما يرى العز بن عبدالسلام بأن الضابط في ذلك هو: ضبطها بأدنى المشاق المعتبرة في تلك العبادة، فإن كانت مثلها أو أزيد ثبتت الرخصة بها. الوقفة الخامسة: أن ثمة طرقًا يمكن من خلالها الكشف عن محلِّ إعمال القاعدة، على أنَّ المثال الذي أذكره، قد يصلح شاهدًا للدعوى، وقد تختلف وجهات النظر، إلَّا أنَّ من المهم حصر ما يمكن حصره من الطرق الدالة على محل إعمال القاعدة، ومن تلك الطرق: 1- نصّ القاعدة، وهو الأصل؛ أي: الأصل أن تفصح القاعدة عن محلِّ إعمالها؛ كقولهم: (الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان)، وقد يكون بأسلوب يقتضي البيان بالحصر، أو غير ذلك، ومما يكثر ذكره، الأسلوب الشرطي، بربط الجزاء بشرطه؛ مما يقتضي كون الشرط علَّة للجزاء بدلالة الإيماء والتنبيه، ويكون محل إعمال القاعدة هو الشرط ذاته؛ كقولهم: (إذا تعذَّر إعمال الكلام فإنه يهمل)، فمحل الإهمال إذًا عند التعذر. 2- شروط القاعدة، وسبق بيان شيء من ذلك، ويضاف أنَّ الشرط قد يفرد- لكونه محل النظر- بقاعدة مستقلة عند البعض؛ كقوله: (إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت). 3- استقراء صيغ القاعدة؛ إذ قد يرد محل إعمال القاعدة في صيغة أخرى مقيِّدًا للقاعدة؛ كقوله في قاعدة: (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه)، ومجال إعمالها في غير الضرورة، فلا يحرم الإعطاء للضرورة، وقد ورد في بعض صيغ القاعدة: (ما حرُم أخذه، حرم دفعه إلَّا لضرورة). 4- استقراء مقصود القواعد، ومما هو وارد وبكثرة في القواعد الفقهيَّة أنَّ قواعد الترجيح، محل جلّها عند التساوي. وثمة ألفاظ دالة على ذلك؛ كقولهم (أَوْلى)؛ كما في قاعدة: (إعمال الكلام أولى من إهماله)، أو (مقدَّم على)، أو التعبير بلفظ (الأصل) الذي يراد به الراجح...إلخ. 5- مستثنيات القاعدة، ومن خلالها يتبين معرفة سبب خروج تلك المسائل، هل لتخلف شرط، أو وجود مانع، على ما سبق، أو لكونها غير داخلة في محلِّ القاعدة حقيقة دون الظاهر. وهذا أمر يصعب التمثيل عليه هنا، ولكن مما يحضرني ما ذكره السيوطي في قاعدة (من استعجل شيئًا قبل أوانه عُوقِب بحرمانه)، حين ذكر أن الصور الخارجة عن القاعدة أكثر من الداخلة فيها، فذكر أنه سمع من شيخه البلقيني: «يذكر عن والده أنه زاد في القاعدة لفظًا لا يحتاج معه إلى استثناء، فقال: من استعجل شيئًا قبل أوانه، ولم تكن المصلحة في ثبوته، عُوقِب بحرمانه»؛ انتهى[1]. الوقفة السادسة: ينبَّه إلى أنَّ محلَّ القاعدة قد يكون مفردًا وقد يكون مركبًا، وكونه مفردًا كثير؛ أي: النظر فيه في لفظ أو أمر واحد يكون هو مدار القاعدة؛ كــ (المشقة) الجالبة للتيسير. أمَّا المركب الذي يقتضي محلًّا لأكثر من مصطلح؛ ومن ثمَّ تحتاج إلى صياغة محل إعمال واحد لهذا المركب، ومن ذلك قولهم: (العادة محكَّمة) فما محل (العادة)؟ لأن العادة: قولية وفعلية، خاصة وعامة، مطَّردة وغالبة، ودون ذلك. وما محل (محكَّمة) في العبادات أو المعاملات، أو في الجميع؟ ومثله يقال في قاعدة (التابع تابع)، فاللفظ الأول (التابع) يدخل فيه المقصود في العقد وغير المقصود. واللفظ الثاني (تابع) هل يكون في الحكم دون مقتضياته، أو فيهما؟ وسيأتي بيان ضابطها. وقبل ختم هذه الوقفات أودُّ التأكيد أننا بحاجة إلى دراسات تضبط محل الإعمال وتصوغها بصياغة محكمة تكون قانونًا يتحاكم إليه المطبقون للقواعد، إن أمكن في كل القواعد أو ما يمكن فيها ذلك، وفيما يأتي لبنة، للدكتور إبراهيم العليان، وجهد كبير في دراسة القواعد، ومحاولة تلَمُّس هذه المحال، وأرجو أن تكون هذه الوريقات لبنة أخرى تتبعها دراسات، وبحوث محكَّمة لقواعد مفردة، للخروج بنتائج في التأصيل والتطبيق، يخدم علم القواعد، وسواء كان قواعد فقهيَّة أو أصوليَّة، والله الموفق. [1] الأشباه والنظائر للسيوطي (153).
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |