|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 606 الى صـــ 625 الحلقة (81) والمواظبة عَلَى طلبه. وفيه: ظهور بركة دعائه. وفيه: فضل التقليل من الدنيا وإيثار طلب العلم عَلَى طلب المال. وفيه: أنه يجوز للإنسان أن يخبر عن نفسه بفضله إِذَا اضطر إلى ذَلِكَ لاعتذار عن شيء أو ليبين ما لزمه تبيينه إِذَا لم يقصد بذلك الفخر. وقوله: («ضمه»): يجوز ضم ميمه وفتحها وكسرها. وقال بعضهم: لا يجوز إلا الضم لأجل الهاء المضمومة بعده. واختاره الفارسي، وجوزه صاحب «الفصيح» وغيره. والوعاء: بكسر الواو ويجوز ضمها، وما حفظ - رضي الله عنه - من السنن المذاعة لو كتب لاحتمل أن يملأ منها وعاء، وما كتمه من أخبار الفتن كذلك. ومعنى (بثثته): أذعته وأشهرته، قيل: هو أشراط الساعة، وفساد الدين، وتضييع الحقوق، وتغيير الأحوال لقوله - ﷺ -: «يكون فساد الدين عَلَى يد أغيلمة من قريش» (١)، وكان أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم، لكنه خشي عَلَى نفسه ولم يصرح. وجاء في غير البخاري: حفظت ثلاثة جرب، بثثت منها جرابين، ولو بثثت الثالث لقطع (هذا) (٢). يعني: البلعوم -وهو بضم الباء الموحدة- وهو مجرى النفس إلى الرئة، وقال الجوهري والقاضي: مجرى الطعام في الحلق، وهو المريء (٣). ---------------------- (١) سيأتي برقم (٣٦٠٥) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة. من حديث أبي هريرة بلفظ: «هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش». (٢) في (ج): مني. (٣) «الصحاح» ٥/ ١٨٧٤. و«مشارق الأنوار» ١/ ٨٩. وقد فسره البخاري به كما سلف، وجاء: خمسة. يعني: أجرب (١) وفيه: أن كل من أمر بمعروف إِذَا خاف عَلَى نفسه في التصريح أن يعرض، ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها من الحلال والحرام ما وسعه كتمها؛ لأنه قَالَ: لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت شيئًا ثمَّ يتلو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] كما سلف. ----------------------- (١) ورد بهامش الأصل: رواية (خمسة أجرب) رواها الرامهرمزي. وبعده تعليق آخر نصه: فسره الرواة في الجزء السادس، فقال: حدثنا عبدان، ثنا عمر بن عبد الله البصري (…) عن رسول الله - ﷺ -: خمسة جرب أحاديث وقال: (…) لو أخرجت الثالث لرميتموني بالحجارة. ٤٣ - باب الإِنْصَاتِ للْعُلَمَاءِ ١٢١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» فقال: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». [٤٤٠٥، ٦٨٦٩، ٧٠٨٠ - مسلم: ٦٥ - فتح: ١/ ٢١٧]. حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ثنا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» فقال: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في أربعة مواضع: هذا أحدها. وثانيها: في المغازي عن حفص بن عمر (١). ثالثها: في الفتن عن سليمان، كلاهما عن شعبة به (٢). رابعها: في الديات عن بندار، عن غندر، عن شعبة (٣)، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به، وهذا أنزل من الأول بدرجة (٤). وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن ----------------------- (١) سيأتي برقم (٤٤٠٥) باب: حجة الوداع. (٢) سيأتي برقم (٧٠٨٠) باب: قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا». (٣) سيأتي برقم (٦٨٦٩) كتاب: الديات، باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. (٤) لم يروه البخاري عن عبيد الله بن معاذ، بل لم يرو عنه إلا بواسطة، وعلق عنه بصيغة الجزم. وبهذا السند رواه مسلم (٦٥/ ١١٨). شعبة، وعن ابن المثنى، وابن بشار، عن غندر به (١). وهو قطعة من حديث أبي بكرة الطويل، ذكره البخاري في الخطبة أيام منى (٢)، ومسلم في الجنايات (٣)، وقد سلف قطعة من حديث أبي بكرة في باب: رب مبلغ أوعى من سامع وغيره (٤). ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف. وحجاج هو ابن منهال (٥)، وأبو زرعة هو هرم (٦)، وعلي بن مدرك هو أبو مدرك النخعي الكوفي الصالح الصدوق ثقة، عنه شعبة، مات سنة عشرين ومائة (٧). ----------------------- (١) مسلم (٦٥/ ١١٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان معنى قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا». (٢) سيأتي برقم (١٧٤١) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى. (٣) مسلم (١٦٧٩/ ٢٩) كتاب: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض. (٤) سلف برقم (٦٧) كتاب: العلم، باب: قول النبي - ﷺ -: «رب مبلغ أوعى من سامع»، وبرقم (١٠٥) كتاب: العلم، باب: «ليبلغ العلم الشاهد الغائب». (٥) هو حجاج بن المنهال الأنماطي أبو محمد السلمي وقيل: البرساني مولاهم البصري، روى عن حماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، روى عنه البخاري ومسلم، وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال خلف بن محمد كردوس الواسطي: توفي سنة ست عشرة ومائتين وكان صاحب سنة. انظر: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠١، «الجرح والتعديل» ٣/ ١٦٧ (٧١١)، «تهذيب الكمال» ٥/ ٤٥٧ (١١٢٨). (٦) سبقت ترجمته في حديث رقم (٣٦). (٧) علي بن مُدْرك النخعي ثم الوهبيلي: روى له الجماعة، وقال عنه إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وكذا قال النسائي. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: صالح صدوق، ثم قال: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». وانظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣١١، «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٩٤ (٢٤٤٦)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٥٧ (١٣١٠)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٠٣ (١١١٦)، «الثقات» ٥/ ١٦٥، «تهذيب الكمال» ٢١/ ١٢٦ (٤١٣٣). ثالثها: في معانيه وضبط ألفاظه: سميت حجة الوداع؛ لأنه - ﷺ - ودعهم فيها وعلمهم أمر دينهم وأوصاهم بتبليغ الشرع لمن غاب عنه بقوله: «ليُبلغ الشاهدُ الغائبَ» والقياس في الحجة الفتح؛ لكونه اسمًا للمرة لا للهيئة، والمسموع: الكسر، قَالَ الهروي وغيره: هو المسموع في واحده (١). وحضور جرير حجة الوداع يدل عَلَى تقدم إسلامه، فإنه قيل: أسلم في رمضان سنة عشر (٢)، وقد أسلفنا أنه قيل: أسلم قبل وفاته - ﷺ - بأربعين يومًا. ومعنى «لا تَرْجِعوا»: لا تصيروا. قَالَ ابن مالك: رجع هنا بمعنى: صار (٣). وقوله: «بَعْدي» أي: بعد فراقي من موقفي هذا، قاله الطبري (٤). وقال غيره: «بَعْدِي» أي: خلافي، أي: لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به، ويحتمل أنه - ﷺ - علم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته. وقوله: «يضرب» هو برفع الباء عَلَى الصواب، وهو الرواية أي: لا تفعلوا فعل الكفار. فتشبهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضًا، ومحاربة بعضهم بعضًا، وهذا أولى الوجوه في تأويله كما قاله القاضي (٥). -------------------- (١) انظر: «الصحاح» ١/ ٣٠٤ مادة: (حجج)، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٣٤٠ - ٣٤١. (٢) انظر: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٥٦٠. (٣) «شواهد التوضيح» ص ١٣٨. (٤) «تفسير الطبري» ٦/ ٦٥ (١٥١٣٧). (٥) «إكمال المعلم» ١/ ٣٢٤. وقد جرى بين الأنصار كلام بمحاولة اليهود حتَّى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح، فأنزل الله: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ (١) [آل عمران: ١٠١]. أي: تفعلون فعل الكفار، وسياق الخبر دال عَلَى أن النهي عن ضرب الرقاب، وعما قبله بسببه كما جاء في حديث أبي بكرة: «إنَّ دماءَكُم وأمْوَالَكُم عليكُم حَرَام» وذكر الحديث، ثمَّ قَالَ: «ليُبلغ الشاهدُ الغائبَ، لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا» الحديث (٢). فهو شرح لما تقدم من تحريم بعضهم عَلَى بعض، وفيه ستة أقوال أخر: أحدها: أنه كُفر عَلَى بابه في حق المستحل لغير الحق. وثانيها: أن المراد: كفر النعمة وحق الإسلام. ثالثها: أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه. رابعها: لا تكفروا حقيقة، بل دوموا مسلمين. خامسها: أن المراد بالكفار: المتكفرون في السلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه، إِذَا لبسه، حكاه الخطابي (٣). سادسها: لا يُكَفِّر بعضكم بعضًا، فتستحلوا قتال بعضكم بعضًا، ---------------------- (١) روى الطبري في «تفسيره» ٣/ ٣٧٥ (٧٥٣٣) عن ابن عباس قال: كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت هذِه الآية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ إلى آخر الآيتين، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾، إلى آخر الآية. ورواه أيضًا ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٧٢٠ (٣٨٩٨)، والواحدي في «أسباب النزول» ١٢١ (٢٣٤). (٢) سيأتي برقم (١٠٥) كتاب: العلم، باب: «ليبلغ العلم الشاهد الغائب». (٣) «أعلام الحديث» ٣/ ١٧٨١. ومن سكن الباء (١) أحال المعنى؛ لأن النهي عَلَى هذا التقدير يكون عن الكفر مجردًا، وضرب الرقاب جواب النهي ومجازاة الكفر، وسياق الخبر كما سلف يأباه، وجوزه أبو البقاء وابن مالك (٢) عَلَى تقدير شرط مضمر أي: إن ترجعوا يضرب. رابعها: في فوائده: فيه: التصريح بما بوب عليه البخاري من الإنصات للعلماء فإنه توقير لهم، وكيف لا وهم ورثة الأنبياء؟! وقد أمر الله تعالى أن لا يرفع الصوت فوق صوت النبي؛ خوف حبوط العمل (٣). وفيه أيضًاة تحذير الأمة من وقوع ما يحذر فيه. وتعلق به بعض أهل البدع في إنكار حجية الإجماع كما قَالَه المازري؛ لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز إجماعها عليه لما نهاها. والجواب: أن الامتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق لا من الإمكان، وقد قَالَ تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ومعلوم أنه معصوم (٤). ---------------------- (١) يقصد في قوله: «يضرب بعضكم». (٢) «شواهد التوضيح» ص ١٩٨. (٣) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]. (٤) «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٦٥. ٤٤ - باب مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ: أَىُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ الْعِلْمَ إِلَى اللهِ ١٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -[قَالَ]: "قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَني إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ. فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيهِ، فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ أَن عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَل فَإِذَا فَقَدْتَهُ فهْوَ ثَمَّ. فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكَتَلِ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَل الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ، ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَب حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الذِي أُمِرَ بهِ. فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]. قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ -أَوْ قَالَ: تَسَجَّى بِثَوْبِهِ- فَسَلَّمَ مُوسَى. فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى. فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ [الكهف: ٦٦، ٦٧]، يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْم مِن عِلْمِ اللهِ عَلّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْم عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ. قَال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]. فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِل البَحْر لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ. فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلا كَنَقْرَةِ هذا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ. فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحٍ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ. فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَىَ سَفِينَتِهِمْ فخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا! ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٢، ٧٣]. فَكَانَتِ الأولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؟! [الكهف: ٧٤] ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٥]- قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: وهذا أَوْكَدُ- ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]. قَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ فَأقَامَة. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٧، ٧٨]. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا». [انظر: ٧٤ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح: ١/ ٢١٧] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا سُفْيَانُ، ثنَا عَمْرٌو: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَني أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: "قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ - ﷺ - خطِيبًا فِي بَني إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ .. الحديث بطوله. والكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث سلف قريبًا في موضعين: مختصرًا من كتاب العلم (١)، وأتى به في كتاب الأنبياء أتم (٢)، وقد سلف في باب: ما ذكر من ذهاب موسى في البحر إلى الخضر تعداد طرقه (٣). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف. ثالثها: في ألفاظه ومعانيه: الأولى: نَوف: بفتح النون، والبِكَالي -بكسر الباء الموحدة وفتح الكاف المخففة وفي آخره لام- نسبة إلى بني بكال بطن من حمير، وهو نوف بن فضالة، قَالَ أبو العباس أحمد بن عمر: وعند أبي بحر والخشني بفتح الباء وتشديد الكاف، قَالَ: ونسبه بعضهم في حمير، وآخرون في همدان. قَالَ: وكان نوف عالمًا فاضلًا إمامًا لأهل دمشق (٤). قَالَ ابن التين: وكان حاجبًا لعلي، وكان قاصًّا، وهو ابن امرأة كعب الأحبار عَلَى المشهور، وقيل: ابن أخته، وكنيته: أبو زيد، وقيل: أبو رشيد. ------------------------ (١) سبق برقم (٧٨) باب: الخروج في طلب العلم. (٢) سيأتي برقم (٣٤٠٠ - ٣٤٠١) باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام. (٣) سبق برقم (٧٤). (٤) «المفهم» ٦/ ١٩٣. وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٢١٩: البكالي بفتح الموحدة وكسرها وتخفيف الكاف، ووهم من شددها منسوب إلى بكال بطن من حمير، ووهم من قال: إنه منسوب إلى بكيل -بكسر الكاف- بطن من همدان لأنهما متغايران. اهـ. وقال ابن العربي في «الأحوذي»: لعله منسوب إلى بكيل: بطن من همدان (١). وليس كما قَالَ، فالمنسوب إلى ما ذكر هو أبو الوداك جبر بن نوف (٢) وغيره، وأما نوف هذا فمنسوب إلى بكال: بطن من حمير كما سلف، وهو المذكور في كتب الأنساب (٣). الثانية قوله: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ). هذا قاله عَلَى سبيل الإغلاظ عَلَى القائل بخلاف قوله، فإنه ليس غيره وألفاظ الغضب تجيء عَلَى غير الحقيقة غالبًا (٤). الثالثة: السائل هنا هو سعيد بن جبير، وابن عباس هو المخبر، ووقع فيما مضى أن ابن عباس تمارى هو والحر بن قيس في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبي بن كعب فسأله ابن عباس، فأخبره، فيحتمل أن سعيد بن جبير سأل ابن عباس بعد -------------------- (١) «عارضة الأحوذي» ٢/ ١٢. (٢) هو جبر بن نوف الهمداني البكالي، أبو الوداك الكوفي روى عن شريح بن الحارث القاضي، وأبي سعيد الخدري. قال ابن معين: ئقة، وقال النسائي: صالح. روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٢/ ٢٤٣، «الجمع بين رجال الصحيحين» ١/ ٨٠، «تهذيب الكمال» ٤/ ٤٩٥ - ٤٩٦. (٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٥٢، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٢٩ (٢٤٥١)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٥٠٥ (٢٣١١)، «الثقات» ٥/ ٤٨٣، «الأنساب» ٢/ ٢٦٩، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٦٥ (٦٤٩٨)، «تقريب التهذيب» (٧٢١٣). (٤) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٢١٩: قال ابن التين: لم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق، فيطلقون أمثال هذا الكلام لقصد الزجر والتحذير منه، وحقيقته غير مراده. قلت -أي: ابن حجر-: ويجوز أن يكون ابن عباس اتّهم نوفًا في صحة إسلامه، فلهذا لم يقل في حق الحر بن قيس هذِه المقالة مع تواردهما عليها، وأما تكذيبه فيستفاد منه أن للعالم إذا كان عنده علم بشيء فسمع غيره يذكر فيه شيئًا بغير علم أن يكذبه. الواقعة الأولى المتقدمة لابن عباس مع الحر، فأخبره ابن عباس لمَّا سأله عن قول نوف أن موسى ليس موسى بني إسرائيل. وجاء أن السائل غير ابن جبير، روي عن سعيد قَالَ: جلست إلى ابن عباس وعنده قوم من أهل الكتاب. فقال بعضهم: يا أبا عبد الله، إن نوفًا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا، فقال ابن عباس: كذب نوف، حَدَّثَنِي أُبَيّ وذكر الحديث. الرابعة: قوله: «فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ». تقدم الكلام عليه في باب: ذهاب موسى إلى الخضر (١). فينبغي لمن سُئِلَ عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم. وقد قَالَ مالك: جُنة العالم: لا أدري، فإذا أخطأها أصيبت مقاتله (٢). وقال ابن المنير: ظن الشارح -يعني: ابن بطال- أن المقصود من الحديث التنبيه عَلَى أن الصواب من موسى كان ترك الجواب، وأن يقول: لا أعلم (٣)، وليس كذلك. بل رد العلم إلى الله تعالى متعين، أجاب أولم يجب، فإن أجاب قَالَ: الأمر كذا والله أعلم. وإن لم يجب قَالَ: الله أعلم، ومن هنا تأدب المُفْتون في أجوبتهم بقولهم: والله أعلم. فلو قَالَ موسى: أنا والله أعلم، لكان صوابًا، وإنما وقعت المؤاخذة باقتصاره عَلَى: (أنا أعلم) (٤). الخامسة: «مجمع البحرين» هما: بحر الروم مما يلي (المغرب) (٥) --------------------- (١) سبق برقم (٧٤). (٢) انظر: «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٧٧. (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ١٩٨. (٤) «المتواري» ص ٦٤. (٥) في الأصل: الغرب. والمثبت من (ف)، (ج). وبحر فارس مما يلي (المشرق) (١). قاله قتادة (٢). وحكى الثعلبي عن أُبي بن كعب أنه بإفريقية (٣). وقيل: بحر الأردن وبحر القُلْزُم. قَالَ السهيلي: وقيل: بحر المغرب وبحر الزقاق، قَالَ ابن عباس: اجتمع البحران: موسى والخضر بمجمع البحرين. السادسة: (الحوت): السمكة، وكا نت مالحة، و(المكتل) -بكسر الميم وفتح المثناة فوق-: القفة والزِّنبيل (٤)، و(فتاه): صاحبه: يوشع بن نون (٥). سلف. السابعة: قوله: «حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا» وفي رواية للبخاري «وفي أصل (الصخرة) (٦) عين يقال لها: الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر» (٧). وفي رواية أخرى له: «فَقَالَ فَتَاهُ: لَا أُوقِظُهُ. حَتَّى إِذَا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ أَنْ يُخْبِرَهُ، وأمسك الله عن الحوت (جِرْية) (٨) الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي يوشع أن يخبره» (٩). ------------------ (١) في الأصل: الشرق. والمثبت من (ف)، (ج). (٢) انظر: «تفسير عبد الرزاق» ١/ ٣٤١ (١٦٩٣)، «تفسير الطبري» ٨/ ٢٤٥ (٢٣١٦٨)، «تفسير البغوي» ٥/ ١٨٥، «زاد المسير» ٥/ ١٦٤، «تفسير ابن كثير» ٩/ ١٦١. (٣) وكذا ذكره البغوي في «تفسيره» ٥/ ١٨٥، وابن الجوزي في «زاد المسير» ٥/ ١٦٤. (٤) يسع خمسة عشر صاعًا، انظر: «الصحاح» ٥/ ١٨٠٩ مادة (كتل). (٥) وقع بهامش الأصل تعليق نصه: في خط المصنف في الهامش: ونون مصروف كنوح. (٦) في الأصل: شجرة، والصواب ما أثبتناه. (٧) ستأتي برقم (٤٧٢٧) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا﴾. (٨) في (ج): الجرية، والمثبت من الأصل. (٩) سيأتي برقم (٤٧٢٥)، (٤٧٢٦) كتاب: التفسير. فنسي يوشع وحده ونسب النسيان إليهما، فقال تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] كما قَالَ تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من الملح، وقيل: نسي موسى أن يتقدم إلى يوشع في أمر الحوت، ونسي يوشع أن يخبره بذهابه ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١] صار عليه الماء مثل الطاق، والطاق: عقد البناء وهو الأزج، وهو ما عُقد أعلاه بالبناء، وترك تحته خاليًا (١). (والصخرة): هي التي دون نهر الزيت بالمغرب (٢)، قَالَ أُبي بن كعب: إفريقية. وقال مجاهد: بين البحرين (٣). الثامنة: انتصب (سربًا) عَلَى المفعول كما قَالَ الزجاج، أو عَلَى المصدر كأنه قَالَ: سرب الحوت سربًا. قَالَ ابن عباس: أحيا الله الحوت فاتخذ سبيله في البحر سربا، والسرب: حفير تحت الأرض. وجاء: «فجعل الماء لا يلتئم حتَّى صار كالكوة» (٤). التاسعة: الضمير للحوت ويؤيده قوله: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ وكان لموسى وفتاه عجبًا -ويبعد أن يكون لموسى- أي: اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر سربًا- أي: مذهبًا ومسلكًا- فإنه اتبع أثره ويبس الماء في ممره، فصار طريقًا. ------------------ (١) انظر: «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٢٣١، «المجمل» ص ٥٩٠. (٢) ذكره البغوي في «تفسيره» ٥/ ١٨٧ عن معقل بن زياد. (٣) هذا الأثر رواه الطبري في «تفسيره» ٨/ ٢٤٧ (٣٢١٧٩)، وذكره ابن أبي حاتم ٧/ ٢٣٧٦ (١٢٨٨٩). (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٨/ ٢٤٨ (٢٣١٨٥) من حديث أبي بن كعب. العاشرة: قوله: «فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا» كذا جاء هنا، وفي كتاب التفسير (١) ومسلم (٢): «بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا ولَيْلَتِهِمَا» وهي الصواب لقوله: «فلما أصبح» وفي رواية: «حتَّى إِذَا كان من الغد» (٣) قَالَ النووي: وضبطوه، -يعني: في مسلم- بنصب «ليلتهما» وجرها (٤). الحادية عشرة: قوله: (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾) [الكهف: ٦٤] أي: يقصان قصصا، أي: فرجعا يقصان آثارهما حتَّى أتيا الصخرة، وفي مسلم: «فأراه مكان الحوت، فقال: ها هنا وصف لي» (٥) وفيه: «فأتيا جزيرة فوجدا الخضر قائمًا يصلي عَلَى طنفسة خضراء عَلَى كبد البحر» (٦) أي: وسطه، وفي البخاري: «فلما انتهى إلى الصخرة إِذَا رجل مسجى بثوب، أو قَالَ: تسجى بثوبه» (٧) أي: مغطى به كله كتغطية الميت وجهه ورجليه وجميعه. كما جاء في رواية أخرى له: «قَدْ جعل طرفه تحت رجله، وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى، فكشف الخضر عن وجهه» (٨). الثانية عشرة: قوله: (فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) قَالَ عياض: تجيء أنَّى بمعنى: أين ومتى وحيث وكيف، قَالَ: وهذا يدل ------------------- (١) رقم (٤٧٢٥) باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾. (٢) مسلم (٢٣٨٠) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر - عليه السلام -. (٣) وهي رواية البخاري السابقة رقم (٤٧٢٥). (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٥/ ١٣٨. (٥) مسلم (٢٣٨٠/ ١٧٢) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر - عليه السلام -. (٦) سيأتي برقم (٤٧٢٦)، ولم أجد هذا اللفظ عند مسلم. (٧) حديث الباب. (٨) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾. عَلَى أن السلام لم يكن معروفًا عندهم إلا في خاصة الأنبياء والأولياء، أو كان موضع بلاد كفر وهم ممن لا يعرف السلام (١). الثالثة عشرة: معنى ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]: إنك سترى شيئًا ظاهره منكر ولا تصبر عليه، «يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَة لَا أَعْلَمُه أنا». وفي رواية أخرى لَهُ: «: فَمَا شَأْنُكَ؟ وَأَنَّ الوَحْيَ يَأْتِيكَ؟ يَا مُوسَى، إِنَّ لِي عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَهُ، وَإِنَّ لَكَ عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْلَمَة» (٢) ولم يسأله موسى عن شيء من دينه؛ لأن الأنبياء لا تجهل شيئًا من دينها التي تعبدت به أمتها، وإنما سأله عما لم يكن عنده علمه مما ذكر في السورة. الرابعة عشرة: (السفينة) فعيلة بمعنى: فاعلة كأنها تسفن الماء، أي تقشره. و(النول): -بالواو- والمنال والمنالة كله: الجُعل، وأما النيل والنوال: فالعطية ابتداءً، يقال: رجل نال إِذَا كان كثير النوال، كما قالوا: رجل مال أي: كثير المال، تقول: نلت الرجل أنوله نولًا، ونلت الشيء أناله نيلًا. وقال صاحب «العين»: أنلته المعروف ونلته ونولته، والاسم النول والنيل يقال: نال ينال منالًا ومنالة (٣)، والنولة (٤): اسم ---------------------- (١) «إكمال المعلم» ٧/ ٣٧١ - ٣٧٢ وورد بهامش الأصل تعليق نصه: بلغ في السادس بعد الثلاثين كتبه مؤلفه. (٢) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾. (٣) «العين» ٨/ ٣٣٣، مادة: (نول). (٤) في (ج): والنيلة. للقبلة (١). و«العصفور»؟ بضم العين. الخامسة عشرة: قوله: «فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هذا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ» اعلم أن لفظ النقص هنا ليس عَلَى ظاهره؛ فإنَّ علم الله لا يدخله الزيادة ولا النقصان، وإنما هذا عَلَى جهة التمثيل. والمعنى: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقر العصفور من البحر، فإنه لقلته وحقارته لا يظهر، فكأنه لم يأخذ شيئًا وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ (٢) الآية [الكهف: ١٠٩]. قَالَ القاضي عياض: أو يرجع ذَلِكَ في حقهما أي: ما نقص علمنا مما جهلنا من معلومات الله إلا مثل هذا في التقدير، وجاء في البخاري: «ما علمي وعلمك في جنب علم الله (- أي: معلومه- إلا كما أخذ هذا العصفور» وقال بعضهم أن «إلا» هنا بمعنى: ولا، كأنه قال: ما نقص ------------------ (١) انظر: «لسان العرب» ٣/ ٤٥٨٣، مادة: (نول). (٢) قال شيخ الإسلام في «الفتاوى الكبرى» ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠: ومن المعلوم أن علم الله القائم بنفسه لا يزول منه شيء بتعلم العباد، وإنما المقصود أن نسبة علمي وعلمك إلى علم الله كنسبة ما علق بمنقار العصفور إلى البحر، ومن هذا الباب كون العلم يورث كقوله: «العلماء ورثة الأنبياء». ومنه قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، ومنه توريث الكتاب أيضًا كقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ﴾ [فاطر: ٣٢]، ومثل هذِه العبارة من النقص ونحوه تستعمل في هذا وإن كان العلم الأول ثابتًا، كما قال سعيد بن المسيب لقتادة، وقد أقام عنده أسبوعًا سأله فيه مسائل عظيمة حتى عجب من حفظه وقال: نزفتني يا أعمى. وإنزاف القليب ونحوه هو رفع ما فيه بحيث لا يبقى فيه شيء، ومعلوم أن قتادة لو تعلم جميع علم سعيد لم يُزل علمه من قلبه كما يزول الماء من القليب. اهـ علمي وعلمك من علم الله) (١) ولا ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر لما تقدم من أن علم الله تعالى لا ينقص بحال، ولا حاجة إلى هذا التكلف؛ لما بيناه من التمثيل (٢). السادسة عشرة: قوله: «فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ» قَالَ المفسرون: قلع لوحين مما يلي الماء. وفي البخاري: «فوَتَدَ فِيهَا وَتدًا» (٣)، وفيه: «فعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى قَدُومٍ فَخَرَقَ به». السابعة عشرة: في خرقه السفينة -كما قَالَ القاضي- مخافة أخذ الغاصب، حجة للنظر في المصالح ودفع أخف الضررين، والإغضاء عَلَى بعض المنكرات مخافة أن يتولد من عدم (تغييرهما) (٤) ما هو أشد، وجواز إفساد بعض المال لإصلاح باقيه، وخصاء الأنعام لسمنها، وقطع بعض آذانها للتمييز (٥). الثامنة عشرة: قوله: «فَعَمَدَ» هو بفتح العين والميم، يقال: عَمَد بفتح الميم في الماضي، يعمد بكسرها في المستقبل. التاسعة عشرة: معنى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣] أي: غفلتُ، وقيل: لم ينس ولكنه ترك، والترك يسمى نسيانًا. وفي البخاري: «فكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا» وفي موضع آخر منه: «وَالْوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا» وقيل: نسي في الأولى فاعتذر، ولم ينس في ------------------- (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج). (٢) «إكمال المعلم» ٧/ ٣٧٧. (٣) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾. (٤) كذا في الأصل، (ج)، والأولى: تغييرها. (٥) «إكمال المعلم» ٧/ ٣٧٢. الثانية فلم يعتذر (١). العشرون: معنى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ [الكهف: ٧٣]: لا تغشني (٢)، وقيل: لا تلحق بي وهمًا، يقال: رهقه الشيء بالكسر يرهقه بالفتح رهقًا بالتحريك إِذَا غشيه، وأرهقته: كلفته ذَلِكَ، يقال: لا ترهقني لا أرهقك الله أي: لا تعسرني لا أعسرك الله. الحادية بعد العشرين: قوله: («فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ») وجاء فيه في بدء الخلق: «فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ بيده هكذا» (٣) وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئًا، وفيه في التفسير: «فَبَيْنَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، إِذْ أَبْصَرَ الخَضِرُ غُلَامًا مَعَ الغِلْمَانِ فَاقْتَلَعَ رأسه فَقَتَلَهُ» (٤). وجاء: «فوجَدَ غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ، فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا ظَرِيفًا فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ» (٥). وقال الكلبي: صرعه ثمَّ نزع رأسه من جسده فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] أي: طاهرة. وفي مسلم: «فَذُعِرَ مُوسَى (ذَعْرَةَ مُنْكِرٍ) (٦) عندها». وفيه أيضًا: «وَأَمَّا الغُلَامُ فَطُبعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا» (٧)، -------------------- (١) سيأتي (٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾، وبرقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾. (٢) انظر: «زاد المسير» ٥/ ١٧١ وورد بهامش الأصل تعليق نصه: من خط المؤلف في الهامش: وقيل: تكلفني، وقيل: تحملني. (٣) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾. (٤) سيأتي برقم (٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾. (٥) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾. (٦) كذا في الأصل بالإضافة، وفي (ج): ذعرةً منكرةً. (٧) رقم (٢٣٨٠/ ١٧٢) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر - عليه السلام -. وهو معنى قوله: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] والطغيان: الزيادة في الإضلال. قَالَ البخاري: وكان ابن عباس يقرؤها: (وكان أبواه مؤمنين وكان هو كافرًا) (١). وعنه: وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين (٢). وأوَّل ابن بطال قوله: «كان كافرًا» باعتبار ما يئول إليه لو عاش. قَالَ: ووجه (استباحة) (٣) القتل لا يعلمه إلا الله، ولله تعالى أن يميت من شاء من خلقه قبل البلوغ وبعده، ولا فرق بين قتله وموته، وكل ذَلِكَ لا اعتراض عليه فيه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (٤). فائدة: الغلام جيسور كما ذكره في التفسير (٥)، وهو بجيم وسين وراء مهملة، قاله ابن ماكولا (٦). وغيره ذكر أنه اسم الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا، وهو عجيب، ومنهم من أبدل الراء بنون، وسيأتي فيه زيادة في التفسير. وقال ابن جرير: أخذ الخضر صخرة فثلغ بها رأسه (٧). واسم أبيه: كازيري، وأمه: سهوى، وقيل: اسم أبيه: ملاس، واسم أمه: رحمى. --------------------- (١) سيأتي برقم (٤٧٢٦) في التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾. (٢) سيأتي برقم (٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح … (٣) في الأصل، ج، ف: استنجائه. والمثبت من «شرح ابن بطال». (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ١٩٩ - ٢٠٠. (٥) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، وبرقم (٤٧٢٧) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾، وانظر «تفسير ابن أبي حاتم» ٧/ ٢٣٨٠ (١٢٩٢٣). (٦) «الإكمال» ٢/ ٣٧٧. (٧) «تفسير الطبري» ٨/ ٢٥٣. ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 11 ( الأعضاء 0 والزوار 11) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |