|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#27
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 136الى صــ150 الحلقة (171) حفص، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء: قال: قلت: أرأيت قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، أهو الرجل يَحْمِل على الكتيبة فيها ألْفٌ، قال: لا، ولكن الرجل يُذنب، فيلقي بيده ويقول: لا توبة (١). وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: عَجِب ربُّنا -عز وجل- مِن رجلٍ غزا في سبيل الله، فانهزم -يعني: أصحابه- فَعَلِمَ ما عليه، فرجَع حتى أُهريق دمُه، فيقول الله -عز وجل- لملائكته: انظروا إلى عبدي رجَع رَغْبَةً فيما عندي، وشفقةً ممّا عندي، حتى أُهريق دَمُه» (٢). [قلت: وفي الباب، حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «ثلاثة يُحبُّهم الله ويَضْحَك إليهم، ويستَبْشِر بهم: الذي إذا انكشَفَت فِئَة؛ قاتل وراءَها بنفسه لله -عز وجل- فإمَّا أن يُقتَل، وإمَّا أنْ ينصرَه الله ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا؛ كيف صبَر لي بنفسه»] (٣). واختَلَف أهل العلم في حَمْل الرجل وحدَه على الجيش؛ والعدد الكثير مِن --------------------- (١) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» وكذا ابن جرير وغيرهما وانظر ما قاله محققا كتاب «الإنجاد» (ص ١٩١)، قلت؛ وأخرج الحاكم نحوه في «المستدرك» ولفظه: «قال له [أي للبراء -رضي الله عنه-] يا أبا عمارة ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، الرجل يلقى العدوَّ، فيقاتل حتى يُقتَل؟ قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب، فيقول: لا يغفره الله لي»، وصحَّحه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٦٢٤). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢١١)، ورواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان في «صحيحه»، وحسَّنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٨٤). (٣) أخرجَه الطبراني، وحسَّنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٨٤). العدوِّ؛ فأقول [الكلام لمُصنِّف الإنجاد]: أحوال الذي يَحْمِل وحده ثلاث: حال اضطرار، وذلك حيث يحيط به العدوّ، فهو يخاف تَغَلُّبَهم عليه وأسْرَهُم إياه، فذلك جائزٌ أن يَحْمِل عليهم باتفاق. وحالٌ يكون فيها في صفِّ المسلمين وَمَنَعتِهم، فيَحْمِل إرادةَ السُّمعة والاتصافَ بالشجاعة، فهذا حرام باتفاق. وحالٌ يكون كذلك مع المسلمين، فيحمل غَضَبًا لله، محُتَسِبًا نفسه عند الله، ففي هذا اختلف أهل العلم، فمنهم مَن كَرِهَ حَمْلَه وحده، ورآه مما نهى الله عنه مِن الإلقاء باليد إلى التهلكة، ومنهم مَن أجاز ذلك واسْتَحْسَنه؛ إذا كانت به قُوّة، وفي فِعله ذلك منفعةٌ، إمَّا لنكاية العدوِّ أو تَجرئةِ المسلمين -حتى يفعلوا مِثل ما فَعَل- أو إرهابِ العدوِّ؛ ليعلموا صلابة المسلمين في الدين (١). ----------------------- (١) وجاء في التعليق في الكتاب المذكور: تكاد تُجمِع كلمة الفقهاء على جواز ذلك، بل حكى ابن أبي زمنين في «قدوة الغازي» (ص ١٩٨) الإجماع عليه، ونصُّ عبارتِه: «قال ابن حبيب: ولا بأس أن يَحْملَ الرجل وحده على الكتيبة، وعلى الجيش؛ إذا كان ذلك منه لله، وكانت فيه شجاعةٌ وجَلَدٌ وقوةٌ على ذلك، وذلك حَسَنٌ جميل لم يكرهه أحدٌ من أهل العلم، وليس ذلك مِن التهلكة، وإذا كان ذلك منه للفخر والذِّكر فلا يفعل -وإنْ كانت به عليه قوة- وإذا لم يكن به عليه قوة فلا يفعل وإنْ أراد به الله؛ لأنه حيئذٍ يُلقي بيده إلى التهلكة» ... وجاء في «البيان والتحصيل» (٢/ ٥٦٤) ما يلي: "قال أشهب: وسُئل مالك عن رجل من المسلمين يحمل على الجيش من العدوّ وحدَه، قال: قال الله -تعالى-: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فجعَل كلَّ رجلٍ برجلين؛ بعد أنْ كان كلّ رجُلٍ بعشرة، فأخافُ هذا يلقي بيده إلى التهلكة، وليس ذلك بسواء أنْ يكون الرجل في الجيش الكثيف = ............................= فيحمل وحده على الجيش، وأنْ يكون الرجل قد خلفه أصحابُه بأرض الروم، أحاطوه فتركوه بين ظهرانَيِ الروم، فهو يخاف الأسر فيستقتل فيحمل عليهم، فهذا عندي خفيف، والأول عندي في كثفٍ وقُوَّة، وليس إلى ذلك بمضطر، يختلف أن يكون الرجل يحمل احتسابًا بنفسه على الله، كما قال عمر بن الخطاب: الشهيد من احتسَب نفسَه على الله، أو يكون يريد بذلك السمعة والشجاعة. قال محمد بن رشد: أمّا إذا فعَل ذلك إرادةَ السمعة والشجاعة، فلا إشكال ولا اختلافَ في أنّ ذلك من الفعل المكروه، وأمّا إنِ اضطرَّ إلى ذلك بإحاطة العدوِّ به، فَفَعلَهُ مخافة الأسر؛ فلا اختلاف في أنّ ذلك من الفعل الجائز، إنْ شاء أن يستأسر، وإنْ شاء أن يحمل على العدوِّ، ويحتسب نفسه على الله، وأمّا إذا كان في صفِّ المسلمين، وأراد أن يُحمل على الجيش من العدوِّ وحده؛ مُحْتسِبًا بنفسه على الله ليُقوِّي بذلك نفوس المسلمين، ويُلقي الرعب في قلوب المشركين، فمِن أهل العلم مَن كَرهه ورآه مما نهى الله عنه مِن الإلقاء إلى التهلكة؛ لقولهعز وجل-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأيدِيكم إلى التهلُكَةِ﴾، وممَن رَوَىَ ذلك عمرو بن العاص، ومنهم من أجازه واستحبَّه لمن كانت به قوة عليه، وهو الصحيح«... قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في»قاعدة في الانغماس في العدوِّ، وهل يباح ... «(ص ٢٤):»والرجل يَنْهزِم أصحابُه، فيقاتِل وحده، أو هو وطائفة معه العدوَّ، وفي ذلك نكاية في العدوِّ، ولكن يظنُّون أنهم يُقْتلون، فهذا كلّه جائز عند عامّة علماء الإسلام؛ مِن أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وليس في ذلك إلاَّ خلاف شاذّ. وأمّا الأئمّة المتبوعون كالشافعي وأحمد وغيرِهما؛ فقد نصّوا على جواز ذلك، وكذلك هو مذهب أيى حنيفة ومالك وغيرهما«، ودلَّل عليه بتطويلٍ من الكتاب والسنة وإجماع السلف، ونحوه في»مجموع الفتاوى«(٢٨/ ٥٤٠) له. وقال الشافعي -رحمه الله- في»الأم«(٤/ ٩٢):»لا أرى ضيقًا على الرجل أن يُحْمل على الجماعة حاسرًا، أو يبادر الرجل، وإنْ كان الأغلب أنّه مقتول؛ لأنه قد بودر بين يدي رسول الله - ﷺ -، وحَمَل رجلٌ من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر، بعد = وبالجملة، فكل مَن بَذَلَ نفسه لإعزاز الدِّين، وتوهينِ أهْلِ الكفر؛ فهو المقام الشريف الذي تَتَوجّه إليه مُدْحَةُ الله -تعالى-، وكريمُ وعْدِه في قوله -سبحانه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٢). قلت: والراجح: جوازُ حَمْلِ الرجل وحده على جيش العدوِّ حال الاضطرار، إذا أحاط به العدوُّ، لخوفه تغلُّبَهم عليه وأسْرَهم إيّاه. ويجوز في حالٍ يكون في صفِّ المسلمين ويجد في نفسه القوة فيحمل غضبًا لله، محتسبًا نفسه لله، يفعله لنكاية العدوِّ أو إرهابه، أو ليُجرِّئَ المسلمين، ويفعلوا مِثْل ما فَعَل، إذا ترجَّح لديه الظنُّ أنّ في هذا منفعةَ المسلمين. ولا يجوز هذا الحمل إرادة السمعة ----------------- = إعلام النبي - ﷺ - بما في ذلك من الخير فقُتِل«. وانظر:»الأوسط«(١١/ ٣٠٦ - ٣٠٧). وكلام الإمام أحمد في»مسائل صالح«(٢/ ٤٦٩) قال:»قلت: الأسير يَجِدُ السيف أو السلاح فيحمل عليهم؛ وهو لا يعلم أنّه لا ينجو، أعان على نفسه؟ قال: أما سمعْتَ قولَ عمر حين سأله الرجل فقال: إنّ أبي أو خالي ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال عمر: «ذلك اشترى الآخرة بالدنيا». وقال أبو داود في «مسائله» (٢٤٧): «سمعت أحمدَ بنَ حنبل يقول: إذا عَلِم أنهُ يؤسَر فليقاتل حتى يُقْتل أحب إليَّ». وقال: «لا يستأسر، الأسر شديد». وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سُئل عن الأسير إذا أُسر؛ له أن يقاتلهم؟ قال: «إذا علم أنّه يقوى بهم». (١) التوبة: ١١١. (٢) البقرة: ٢٠٧. والاتصاف بالشجاعة، والله تعالى -أعلم-. أقول: والأصل في هذا؛ التشاور والرجوع للقائد، فقد أمَر ربُّنا -تبارك وتعالى- رسولَه - ﷺ - بالمشاورة؛ فقد قال -سبحانه-: ﴿وَشَاوِرْهُم في الأمر﴾ (١)، وقال -سبحانه-: ﴿وَأَمرُهُمْ شوُرَى بينهم﴾ (٢). الخُيَلاء في الحرب (٣) عن جابر بن عتيك أنّ النبيَّ - ﷺ - كان يقول: «مِن الغَيرة ما يُحِبّ الله، ومنها ما يُبغِض الله، فأما التي يُحبها الله فالغَيرة في الريبة، وأمّا الغَيرة التي يُبغضها الله؛ فالغَيرة في غير ريبة، وإنّ مِن الخيلاء ما يُبغض الله، ومنها ما يُحبّ الله، فأمّا الخيلاء التي يُحب الله؛ فاختيالُ الرجل نفسَه عند القتال، واختيالُه عند الصدقة (٤)، وأمّا التي يبغض الله فاختيالُه في البغي -قال موسى- والفخر» (٥). ...................(١) آل عمران: ١٥٩. (٢) الشورى: ٣٨. (٣) هذا العنوان من «سنن أبي داود» (كتاب الجهاد) (باب - ١١٤). (٤) الاختيال في الصدقة: أن يُعطيَها طيبةً بها نفسه، فلا يَستكثر، ولا يُبالي بما أعطى، ولا يُعطي منها شيئًا إلاّ هو له مستقلّ. انظر «النّهاية» و«عون المعبود» (٧/ ٢٣٠). (٥) أخرجه أبو داود (٢٦٥٩)، «صحيح سنن أبي داود» (الأمّ) (٢٣٨٨)، وابن حبان في «صحيحه» «التعليقات الحِسان» (٤٧٤٢)، وانظر «الإرواء» (١٩٩٩). التكبيرُ عند الحرب (١) عن أنس -رضي الله عنه- قال:»صبَّح النبيّ - ﷺ - خيبرَ، وقد خرَجوا بالمساحِي (٢) على أعناقهم، فلمّا رأَوه قالوا: هذا محمّد والخميس، محمّد والخميس، فَلَجؤا إلى الحصن فرفع النبيّ - ﷺ - يديه، وقال: الله أكبر، خَرِبت خيبر، إنّا إذا نَزَلْنا بساحة قوم ﴿فساء صَبَاحُ المنذَرِينَ (٣)﴾ «(٤). الغارة على الأعداء ليلًا عن الصّعب بن جثّامة -رضي الله عنه- قال: مرّ النبى - ﷺ - بالأبواء -أو بودّان- فسُئل عن أهل الدار يُبيَّتون (٥) مِن المشركين، فيُصاب مِن نسائهم وذراريِّهم، قال: هم منهم» (٦). ---------------------- (١) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد) (باب - ٥٦). (٢) المساحي: جمع مِسحاة، وهي المِجرفة من الحديد. «النّهاية». (٣) الصافات: ١٧٧. (٤) أخرجه البخاري: ٢٩٩١ واللفظ له، ومسلم: ١٣٦٥ كتاب النكاح - ٤٨، ٨٧ (باب فضيلة إعتاق أمة ثم يتزوجها) نحوه. (٥) أي: يُصابون ليلًا، وتبييت العدو: هو أن يُقصَد في الليل مِن غير أن يَعلم؛ فيُؤخَذ بغتة، وهو البَيات. «النّهاية». (٦) قال الحافط -رحمه الله-: "هم منهم أي في الحُكم تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتْلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد: إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلاّ بوطء الذريّة، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم، جاز قتْلهم. وسمْعتُه يقول: «لا حمى إلاّ لله ولرسوله» (١). قال الإمام أحمد -رحمه الله-: «لا بأس بالبيات، ولا أعلم أحدًا كَرِهَه» (٢). القتال أول النهار أو الانتظار حتى تهُبّ الريح عن صخرٍ الغامديِّ -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ -: «اللهمَّ بارِك لأمّتي في بُكورها (٣) وكان إذا بعثَ سريَّة أو جيشًا؛ بَعَثهُم من أوّل النهار، وكان صخرٌ رجلًا تاجرًا، وكان يبعث تجارتَه مِن أوّل النهار؛ فأثرى وكثُر مالُه» (٤). وعن جُبَير بن حَيَّة قال: «بَعَث عُمر النّاس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين فأسلم الهرمُزان ... وذكر الحديث إلى أن قال: فقال النعمان: ربما أشهدَك الله مثلها مع النبي - ﷺ - فلم يُندِّمك ولم يُخْزِك ولكني شهْدتُ القتال مع رسول الله - ﷺ - كان إذا لم يقاتِل في أول النهار؛ انتظر حتى تهبَّ الأرواح (٥) وتحضرَ ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٠١٢ وهذا لفظه، ومسلم: ١٧٤٥ وتقدّم. قال العلاّمة العيني - رحمه الله- في»عمدة القاري«:»معناه: لا حمى لأحد يخصُّ به نفسه، وإنما هو لله ولرسوله، ولمن وَرِث ذلك عنه - ﷺ - من الخلفاء؛ للمصلحة الشاملة للمسلمين، وما يَحتاجون إلى حمايته«. (٢) انظر»الفتح«. (٣) قال في»المرقاة«(٧/ ٤٥٤):»أي صَباحِها وأوّل نهارِها ...، وهو يشمَل طلبَ العِلم والكَسب«. (٤) أخرجه الترمذي وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٢٠٧)، وانظر»المشكاة«(٣٩٠٨). (٥) الأرواح: جمع ريح وأصله الواو، لكن لما انكسر ما قبل الواو الساكنة انقلبت ياء والجمع يَرُدُّ الأشياءَ إلى أصولها ...»الفتح". الصلوات (١) «(٢). ولا تعارُض بين هذا وما تقدّم مِن الغارة على الأعداء ليلًا، فهذا يختلف حسبما تقتضيه الحاجة، ويتطلّبه الحال، ويُقدّره القائد، والله -تعالى- أعلم. إذا ارتدّ على المقاتل سلاحه فقتله فله أجرُه مرّتين عن سلَمة بنِ الأكوع -رضي الله عنه- قال:»لمّا كان يومُ خيبر، قاتل أخي قتالًا شديدًا مع رسول الله - ﷺ -، فارتدَّ عليه سيفه فقَتَلَه، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ - في ذلك، وشكّوا فيه؛ رجل مات في سِلاحه، وشكّوا في بعض أمرِه. قال سَلَمَة: فقفَل رسول الله - ﷺ - مِن خيبر، فقلتُ يا رسول الله ائذَن لي أن أرجُزَ لك فأَذِن له رسول الله - ﷺ - فقال: عمر بن الخطاب أعلم ما تقول، قال: فقلت: والله لولا اللهُ ما اهتدَيْنا ... ولا تصدَّقْنا ولا صَلَّينا فقال رسول الله - ﷺ -: صدَقْتَ. وأنزِلَن سكينةً علينا ... وثبِّتِ الأقدام إنْ لاقينا والمشركون قد بغَوا علينا قال: فلمّا قضيتُ رَجَزِي قال رسول الله - ﷺ -: مَن قال هذا؟ قلت: قاله ------------------------- (١) قال الحافظ -رحمه الله-: «في رواية ابن أبي شيبة:»وتزول الشمس" وهو بالمعنى. (٢) انظر البخاري: ٣١٥٩، ٣١٦٠، وقد تقدّم الحديث بطوله. أخي، فقال: رسول الله - ﷺ - يرحمُه الله، قال: فقلت يا رسول الله إنّ ناسًا ليهابون الصلاة عليه يقولون: رجلٌ مات بسلاحِه، فقال رسول الله - ﷺ -: مات جاهدًا مجُاهِدًا. قال ابن شهاب: ثمّ سألتُ ابنًا لسلمةَ بنِ الأكوع. فحدَّثني عن أبيه مثل ذلك. غير أنّه قال: حين قُلت: إنّ ناسًا يهابون الصلاة عليه، فقال رسول الله - ﷺ -: «كذبوا، ماتَ جاهدًا مجُاهدًا، فله أجره مرّتين، وأشار بإِصبَعَيْه» (١). من لهم ثواب الشهداء هناك أصناف تُعدّ مِن شهداء الآخرة، كما في حديث مخارق -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - في المقاتل دون ماله بلفظ: «قاتِل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة» (٢). فهؤلاء يُغسّلون (٣) ويُصلّى عليهم، ولهم أجر الشهداء في الآخرة، وهم: ١ - مَن قُتل دون دِيْنِه. ٢ - المطعون (٤). ٣ - الغريق. ٤ - صاحب ذات الجنب (٥). ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ١٨٠٢، وأصله في البخاري: ٦٨٩١. (٢) سيأتي تخريجه -إنْ شاء الله تعالى-. (٣) إذ لا يُشرع غَسْل الشهيد قتيل المعركة، ولو اتفق أنّه كان جُنُبًا وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٥٤). (٤) أي: الذي يموت في الطاعون. (٥) الدُمّل الكبيرة، التي تظهر في باطن الجنب، وتَنْفَجر إلى داخل، وقلّما يسلم صاحبها. «النّهاية». ٥ - المبطون (١). ٦ - صاحب الحريق (٢). ٧ - الذي يموت تحت الهدم. ٨ - المرأة تموت في نفاسها بسبب ولدها. ١٠ - من قُتل دون ماله. ١١ - من قُتِل دون أهله. ١٢ - من قُتل دون دمه ونفسه ومظلمته. ١٣ - الموت بداء السِّلّ. وأدلّة ذلك: ١ - عن جابر بن عتيك -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «الشهادة سبعٌ سوى القتل في سبيل الله، المطعون شهيد، والغَرِق شهيد، وصاحب ذات الجنْب (٣) شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمْع شهيدة (٤)» (٥). ----------------------- (١) من مات في البطن. (٢) هو الذي يقع في حَرْق النار فيلتهب. «النّهاية». (٣) تقدم، وانظر للمزيد -إنْ شثت- «فيض القدير». (٤) أي تموت وفي بطنها ولد، أو تموت من الولادة، والمعنى: ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها. «فيض القدير» بحذف. (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٦٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٢٦١)، والنسائي «صحيح سنن النسائي، (١٧٤٢)، وانظر»أحكام الجنائز" (ص ٥٤). ٢ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما تَعُدّون الشّهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله مَن قُتِل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إنّ شُهداء أُمّتي إذًا لقليل، قالوا: فمَن هم يا رسول الله؟ قال: مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومَن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومَن مات في الطّاعون فهو شهيد، ومَن مات في البطن فهو شهيد» (١). ٣ - عن عُتبة بن عبدٍ السُّلمي -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «يأتي الشهداء والمُتوَفَّون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا، فإنْ كانت جِراحهم كجراح الشهداء تسيل دمًا ريحَ المسك؛ فهم شُهداء، فيجدونهم كذلك» (٢). ٤ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله» (٣). ٥ - وعن راشد بن حبيش -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - دخل على عبادةَ بن الصامت يعوده في مرضه، فقال رسول الله - ﷺ -: أتعلمون مَن الشهيد مِن أمّتي؟ فأرَمَّ (٤) القوم، فقال عبادة: ساندوني. فأسندوه، فقال: يا رسول الله! الصابرُ المحتسبُ. فقال رسول الله - ﷺ -: إنّ شهداء أمّتي إذًا لقليلٌ، القتلُ في ------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٩١٥. (٢) أخرجه الإمام أحمد، والطبراني في»الكبير«بسند حسن، وحسنه شيخنا -رحمه الله- بشواهده كما في»أحكام الجنائز«(ص ٥٢). (٣) أخرجه البخاري: ٢٨٢٩، ومسلم: ١٩١٤. (٤) أي: سكتوا ولم يجيبوا.»النّهاية". سبيل الله -عز وجل- شهادةٌ، والطاعونُ شهادة، والغَرق شهادة، والبَطْنُ شهادة، والنُفساء يجرُّها ولدها بسَرَرِه (١) إلى الجنّة، والحرِق، والسِّلُّ» (٢). ٦ - وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: مَن قُتِل دون ماله فهو شهيد» (٣). ٧ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أرأيت إنْ جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تُعطِه مالك، قال: أرأيت إنْ قاتلني؟ قال: قاتِلْه، قال: أرأيتَ إنْ قَتَلني، قال: فأنت شهيد، قال: أرأيتَ إنْ قتلتُه؟ قال: هو والنار» (٤). ٨ - وعن مخارق -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - فقال: الرجل يأتيني فيُريد مالي؟ قال: ذكِّره بالله، قال: فإن لم يَذْكُر؟ قال: فاستعن عليه مَن حولك مِن المسلمين، قال: فإنْ لم يكن حولي أحَدٌ مِن المسلمين؟ قال: فاستعن عليه السلطان، قال: فإنْ نأى السلطان عنّي (وعَجِل عليَّ)؟ قال: قاتِل دون مالك؛ حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك» (٥). --------------------- (١) ما يُقطع من سُرّة المولود. (٢) رواه أحمد بإسناد حسن، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٩٦). (٣) أخرجه البخاري: ٢٤٨٠، ومسلم: ١٤١. (٤) أخرجه مسلم: ١٤٠. (٥) أخرجه النسائي وأحمد، والزيادة له وسنده صحيح على شرط مسلم، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٥٧). ٧ - وعن سويد بن مقرّن -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قُتل دون مظلمته فهو شهيد» (١). ٨ - وعن سعيد بن زيد -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دمه فهو شهيد» (٢). ماذا يجد الشهيد من مسّ القتل عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما يجدُ الشهيد من مسّ القتل إلاّ كما يجدُ أحدكم مِن مسّ القَرْصَة» (٣). فضل الحرب في البحر عن أمّ حرام -رضي الله عنها- عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال: «المَائِدُ (٤) في البحر الذي يُصيبُه القيء له أجرُ شهيد، والغَرِقُ له أجرُ شهيدين» (٥). --------------------- (١) أخرجه النسائي وصححه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٤١٣). (٢) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه، وأحمد، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٥٧). (٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٣٦٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٢٦٠)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٩٦٣)، وانظر «الصحيحة» (٩٦٠). (٤) المائد: هو الذي يُدارُ برأسه من ريح البحر واضطراب السّفينة بالأمواج. «النّهاية». (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٧٧)، وحسنه شيخنا الألباني -رحمه الله- في «الإرواء» (١١٩٤). في زيادة الأجر للمجاهدين (١) عند الإخفاق (٢): عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «ما مِن غازية تغزو في سبيل الله، فيصيبون غنيمةً؛ إلاَّ تعجَّلوا ثُلُثَي أجرهِم مِن الآخرة، ويبقى لهم الثُّلُث، فإن لم يصيبوا غنيمةً؛ تمَّ لهم أجرهم» (٣). وفي لفظ: «ما مِن غازية أو سريّة، تغزو فتغنم وتسلم؛ إلاَّ كانوا قد تعجّلوا ثُلُثي أُجورِهم، وما من غازيةٍ أو سريّة تخفق وتُصاب، إلاّ تم أجورهم» (٤). ظاهر هذا الحديث أنَّ مَن غزا فغنِمَ، نَقَصَ أجرُ جهادِه -كما ذهَب إلى ذلك قوم-، وليس معنى ذلك كذلك عند أهل العلم والتحقيق، بل أجْرُ الجهاد كاملٌ لكلِّ واحدٍ منهم، بفضل الله -تعالى-، وإنّما يفترقون في زيادة الأجر فوق ثوابِ الجهاد؛ فأمّا مَن غَنِم، فقد حَصَل له في الحال من السرور، ونشاط النفس بالظهور والغُنْم، ما يَدْفعُ عنه آثارَ الجهد في الغزو، وتخلّف المال في النفقة، ونحو ذلك ممّا تَفترق فيه حالُه مِنْ حال مَنْ غزا فلم يُصبْ شيئًا، ولا عفَّى على كدِّه ونفقته خَلَفٌ، فلهؤلاء زيادةُ أجرٍ فوق أجر الجهاد، مِن حيثُ تضاعُفِ آثار الجَهدِ والكرب بفوت المغنم، كما يُؤجَر مَن أُصيب بجهدٍ في نفسه، أو تَلفِ شيءٍ مِن ماله، وذلك أنَّ حالهَم بالإضافة إلى مَن غَنِمَ حالُ مَن أُصيب بفوتِ مثل ذلك. ------------------- (١) هذا العنوان وما يتضمنه من «الإنجاد» (١/ ٨٧). بزيادة وتصرُّف. (٢) قال أهل اللغة: الإخفاق: أن يغزوا فلا يغنموا شيئًا، وكذلك كلّ طالب حاجة إذا لم تحصُل فقد أخفَق، ومنه أخفق الصائد: إذا لم يقع له صيد «شرح النّووي». (٣) أخرجه مسلم: ١٩٠٦. (٤) أخرجه مسلم: ١٩٠٦. فعلى نحو هذا تترتَّبُ زيادةُ الأجر لمِن لم يغنم، ويَتَّصِفُ مَنْ غَنِمَ؛ بنقصان الأجر إذا أضيف أجرُه في ذلك؛ إلى الحَظِّ الذي زِيدَ في ثواب مَنْ لم يغنم، والله أعلم. ... وأدلُّ دليلٍ في ذلك وأوضحه: قوله - ﷺوقد ذكر ما فضَّله الله -تعالى- به، وخصَّه من كَرمِه-: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي؛ كان كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصَّةً، وبُعثتُ إلى كلِّ أحمر وأسود، وأُحِلَّت لي الغنائم، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي» ... الحديث، ثبت في «الصحيحين»: البخاري ومسلم (١)«. فلو كانت الغنيمة تُحبطُ أجر الجهاد أو تُنْقِصُه، ما كانت فضيلةً، وهذا ظاهر». قلت: إنَّ أَجْر مَن أخفَق ومَنْ غَنِم؛ لا يعلمه إلاَّ الله -تعالى-، وكذا الأجر الكامل وثلثاه، وفي كُلٍّ خيرٌ، وجزالةُ مثوبة، ولكن المراد من الحديث تحفيز هِمّةِ مَن لم يغنَموا؛ بما لهم عند الله -تعالى-؛ فحين يَعْلَم مَن أخفَق أَنَّ له ما هو أفضل من الغنيمة -وهو الأجر المُدَّخَرُ عند الله تعالى-؛ كان ذلك سبيلًا للمزيد مِن الصبر والاحتساب. وفي مِثل هذا قال رسول الله - ﷺ -: «لَيَوَدَّنَّ أهل العافية يومَ القيامة؛ أنَّ جلودهم قُرضت بالمقاريض؛ مما يَرَوْن مِن ثواب أهل البلاء» (٢). وعن أبي سعيد -رضي الله عنه-: «أنّه دخَل على رسول الله - ﷺ - وهو مَوْعوكٌ عليه قَطيفَةٌ، فوضَع يدَه فَوْقَ القَطيفَةِ، فقال: ما أشَدَّ حُمَّاك يا رسول الله! ------------------ (١) أخرجه البخاري: ٣٣٥، ٤٣٨، ومسلم: ٥٢١. (٢) أخرجه الترمذي، وغيره، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة" (٢٢٠٦). ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |