|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 241الى صــ255 الحلقة (129) أنه طلّق امرأته وهي حائض، فَذَكَرَ ذلك عمر لرسول الله - ﷺ -، فتغيّظ فيه رسول الله - ﷺ - ثمّ قال: لِيراجعها، ثمّ يمسكها حتى تطهر، ثمّ تحيض فتطهر، فإِنْ بدا له أن يُطلّقها فليطلِّقها طاهرًا قبل أن يمسَّها، فتلك العدّة كما أمَره الله» (١). وأجمع المسلمون على جواز الطلاق والعِبرة دالّةٌ على جوازه، فإِنه ربّما فسدت الحال بين الزوجين؛ فيصير بقاء النّكاح مفسدة محضة وضررًا مجرّدًا؛ بإِلزام الزَّوج النفقة والسُّكنى وحبس المرأة؛ مع سوء العِشرة والخصومة الدائمة مِن غير فائدة؛ فاقتضى ذلك شرْع ما يزيل النكاح؛ لتزول المفسدة الحاصلة منه. حُكمه: الطّلاق على أضرُب (٢): واجب: وهو طلاق المولي (٣) بعد التربُّص إِذا أبى الفيئة، وطلاق الحَكَمين في الشقاق إِذا رأيا ذلك. وكذلك إِذا كانت المرأة سيئة الخُلُق لقوله - ﷺ -: «ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم: رجلٌ كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلّقها، ورجلٌ كان له على رجل مال فلم يُشهد عليه، ورجل آتى سفيهًا ماله وقد قال الله -عز وجل-: ﴿ولا تُؤتُوا السُّفهاء أموالكم﴾ (٤) (٥). ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٩٠٨، ومسلم: ١٤٧١. (٢) استفدته من»المغني«(٨/ ٢٣٤) بتصرّف. (٣) سيأتي الكلام -إِن شاء الله تعالى- عن الإِيلاء. (٤) النساء: ٥. (٥) أخرجه الحاكم وغيره، وانظر»الصحيحة" (١٨٠٥). قال الإِمام أحمد -رحمه الله-: «لا ينبغي له إِمساكها، وذلك لأن فيه نقصًا لدينه، ولا يأمن إِفسادها لفراشه وإِلحاقها به ولدًا ليس هو منه، ولا بأس بعضلها في هذه الحال والتضييق عليها لتفتدي منه. قال الله -تعالى-: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لتذهبوا بِبَعض ما آتيتموهنّ إِلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ (١)». ومكروه: وهو الطلاق من غير حاجة إِليه، وقال بعضهم: إِنه محرّم لأنّه ضررٌ بنفسه وزوجته، وإعدام المصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إِليه؛ فكان حرامًا كإِتلاف المال، ولقول النّبيّ - ﷺ -: «لا ضرر ولا ضِرار» (٢). ومحظور: وهو أن يكون الطلاق في الحيض أو في طُهرٍ جامَعها فيه، ويُسمّى طلاق البدعة؛ لأنّ المطلِّق خالف السُّنّة وترَك أمْر الله -تعالى- ورسوله - ﷺ - ولأنه إِذا طلَّق في الحيض طَوَّل العدة عليها، فإِن الحيضة التي طلَّق فيها لا تحسب من عدتها، ولا الطهر الذي بعدها عند من يجعل الأقراء الحيض، وإِذا طلّق في طهرٍ أصابها فيه؛ لم يأمن أن تكون حاملًا؛ فيندم وتكون مرتابة لا تدري أتعتد بالحمل أو الأقراء (٣). وهناك أضرُبٌ أُخرى؛ تَرَكْتُها لاختلاف القول فيها. الطلاق من حق الرجل وحده: عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: «أتى النّبيّ - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله! إِن سَيّدي زوَّجني أَمَتهُ، وهو يريد أن يفرِّق بيني وبينها، قال: ------------------- (١) النساء: ١٩. (٢) أخرجه أحمد وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٨٩٥) وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٨٩٦). (٣) انظر»المغني" (٨/ ٢٣٥). فصعد رسول الله - ﷺ - المنبر فقال: يا أيها النّاس! ما بال أحدكم يزوّج عبده أَمَتهُ؛ ثمّ يريد أن يفرّق بينهما؟ إِنّما الطلاق لِمن أخذ بالساق» (١). جاء في «فيض القدير» (٤/ ٢٩٣) في تفسير «لمن أخذ بالساق»: «يعني الزَّوج وإِنْ كان عبدًا فإِذا أذِن السيد لعبده في النّكاح؛ كان الطلاق بيد العبد الآخذ بالساق؛ لا بِيَدِ سيده، فليس له إِجباره على الطلاق؛ لأنّ الإِذن في النّكاح إِذن في جميع أحكامه وتعلّقاته». تحريم سؤال الزَّوجة الطَّلاق من غير سبب موجبٍ له: عن ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيُّما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنّة» (٢). من يقع منه الطلاق: يقع الطلاق من الزوج العاقل البالغ المختار، ولا يقع من المجنون أو الصبيّ أو المُكرَه. عن علي -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (٣). وجاء في سنن النسائي «باب متى يقع طلاق الصّبي» تمَّ ذكر تحته حديث كثير بن السائب قال: حدَّثني أبناء قُريظة: أنَّهم عُرِضُوا على رسول الله - ﷺ - --------------------- (١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٩٢) وغيره، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٤١). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٤٧)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٤٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٧٢)، وانظر «المشكاة» (٣٢٧٩). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٠٣)، والترمذي "صحيح سنن = يوم قريظة، فمن كان محتلمًا، أو نبتت عانته: قتل، ومن لم يكن محتلمًا أو لم تنبت عانته: ترك (١). ثمَّ ذكر حديث عطيَّة القُرظي قال: كنت يوم حُكْمِ سعد في بني قُريظة، غلامًا، فشكُّوا فيَّ، فلم يجدوني أنبتُّ، فاستُبقيت، فها أنا ذا بين أظهركم (٢). ثمّ ذكر كذلك حديث ابن عمر: أنَّ رسول الله - ﷺ - عرضه يوم أُحُد، وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْه، وعرَضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، فأجازه (٣). قال نافع: فقدِمتُ على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة؛ فحدَّثته هذا الحديث فقال: إِنَّ هذا لحدٌّ بين الصَّغير والكبير، وكَتَب إلى عمَّاله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة (٤). قال ابن القيّم -رحمه الله- في «تحفة المودود» (ص ٤٧٧): «وليس لوقت الاحتلام سنّ معتاد، بل من الصِّبيان من يحتلم لثنتي عشرة سنة، ومنهم من يأتي عليه خمس عشرة وستَّة عشرة سنة وأكثر من ذلك ولا يحتلم». قلت: الاحتلام أمْر يُعْرَف بِحُصوله، وقد ثبتَ اختلاف السِنِّ فيه، وتقدَّم القول في «كتاب الحيض» أنَّه ليس في السُّنَّة تحديدٌ لِسِنِّ البنت التي تحيض، وهذا يمضي في الاحتلام. والله -تعالى- أعلم. ----------------------- = الترمذي«(١١٥٠)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٦١)، وتقدّم. (١) انظر»صحيح سنن النسائي«(٣٢٠٧). (٢) انظر»صحيح سنن النسائي«(٣٢٠٨). (٣) انظر»صحيح سنن النسائي«(٣٢٠٩). (٤) وهو في»صحيح البخاري«: ٢٦٦٤، و»صحيح مسلم": ١٨٦٨. طلاق المكره والمجنون والسكران والغضبان والمدهوش ونحو ذلك: هذه الأمور صاحبها مجرّد من الإِرادة والاختيار والنيّة، والنصوص في ذلك كثيرة: فعن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِن الله تجاوز عن أُمَّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١). بل إِنّ مَن أُكره على الكُفر -إِنْ كان قلبه مطمئنًا بالإِيمان- لا يكفر لقوله -سبحانه-: ﴿إِلا من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان﴾ (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لا طلاق ولا عتاق في إِغلاق» (٣). قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «الطلاق (٤) في الإِغلاق والكُرْه، والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره: لقول النّبيّ - ﷺ -:»الأعمال بالنّية، ولكل امرئٍ ما نوى«، وتلا الشعبيُّ: ﴿لا تؤاخِذْنا إِن نَسِينا أو أخطأنا﴾ (٥) وما لا يجوز من إِقرار المُوَسْوِسِ، وقال -------------------- (١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٦٢)، وانظر»الإِرواء«(٨٢). (٢) النحل: ١٠٦. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩١٩)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٤٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٦٥)، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(٢٠٤٧). (٤) انظر ما ذكره الحافظ في»الفتح«(٩/ ٣٨٩)، وانظر كذلك لوصْل المعلَّقات والمزيد من الفوائد الحديثية فيه أيضًا (٩/ ٣٨٩) و»مختصر البخاري" (٣/ ٣٨٩ - ٤٠٠). (٥) البقرة: ٢٨٦. النّبيّ - ﷺ - للذي أقرّ على نفسه: أَبِك جُنون؟ وقال علي: بقرَ حمزة خواصر شارفَيَّ (١)، فطفق النبي - ﷺ - يلوم حمزة، فإِذا حمزة ثَمِلٌ محمرّة عيناه، ثمّ قال حمزة: وهل أنتم إِلا عبيد لأبي؟ فعرف النّبيّ - ﷺ - أنه قد ثَمِلَ، فخرج وخرجنا معه. وقال عثمان: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق. وقال ابن عباس: طلاقُ السكران والمستَكرَه ليس بجائز، وقال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس، وقال عطاء: إِذا بدا بالطلاق فله شرطه، وقال نافع: طلق رجلٌ امرأته البتة إِن خرجت، فقال ابن عمر: إِن خرجت فقد بُتَّت منه، وإِن لم تخرج فليس بشيء، وقال الزُّهري فيمن قال: إِن لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ثلاثًا: يُسأل عمَّا قال وعقد عليه قلبه حين حلف بتلك اليمين، فإِن سمَّى أجلًا أراده وعقد عليه قلبه حين حَلَف؛ جُعلَ ذلك في دينه وأمانته، وقال إِبراهيم: إِن قال لا حاجة لي فيك نيته ... وقال الحسن: إِذا قال: الحَقي بأهلك نيته. وقال ابن عباس: الطلاق عن وطَر (٢)، والعتاق ما أُريد به وجه الله. وقال الزهري: إِن قال: ما أنت بامرأتي نيته، وإن نوى طلاقًا فهو ما نوى. وقال عليٌّ: ألم تعلم أن القلم رُفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ، وقال عليّ: وكلُّ الطلاق جائز إِلا طلاق المعتوه». ثمّ ذكر الإِمام البخاري -رحمه الله- حديث جابر -رضي الله عنه- «أنّ رجلًا مِن أسلم أتى النّبيّ - ﷺ - وهو في المسجد فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، --------------------- (١) الشارف: الناقة المسنّة.»نووي«. (٢)»أي: أنه لا ينبغي للرجل أن يطلّق امرأته إِلا عند الحاجة كالنّشوز بخلاف العتق؛ فإِنه مطلوب دائمًا«.»الفتح". فتنحَّى لشقه الذي أعرض فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: هل بك جُنون؟ هل أُحصنت؟ قال: نعم، فأمر به أن يرجم بالمصلّى، فلمّا أذْلَقَتْهُ الحجارة؛ جمز (١) حتى أُدرك بالحرّة فقتل» (٢). قلت: مراد الإِمام البخاري -رحمه الله- من إِيراد هذا الحديث تحت هذا الباب؛ أن من به جنون وشهد على نفسه بالزنى فلا يقام عليه الحدّ، فمن باب أولى ألا يقع منه الطلاق، والله أعلم. قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٩/ ٣٨٩): «اشتملت هذه الترجمة [أي: ترجمة الباب] على أحكام يجمعها أن الحكم إِنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر، وشمل ذلك الاستدلال بالحديث؛ لأن غير العاقل المختار لا نية له فيما يقول أو يفعل، وكذلك الغالط والناسي والذي يُكره على الشيء». وفيه (ص٣٩٠): «واحتج عطاء بآية النحل: ﴿إِلا من أُكره وقلبُه مُطمئن بالإِيمان﴾ قال عطاء: الشرك أعظم من الطلاق، أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح وقرره الشافعي بأن الله لما وضع الكفر عمن تلفظ به حال الإِكراه، وأسقط عنه أحكام الكفر؛ فكذلك يسقط عن المكره ما دون الكفر؛ لأن الأعظم إِذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى، وإلى هذه النكتة أشار البخاري بعطف الشرك على الطلاق في الترجمة». وفي طلاق السكران خلاف بين العلماء، والسُّكر -عياذًا بالله- متفاوِتٌ في تأثيره. --------------------- (١) أي: أسرع هاربًا من القتل. «النّهاية». (٢) أخرجه البخاري: ٥٢٧٠، ومسلم: ١٦٩١. قال الحافظ (٩/ ٣٩٠): «وقد يأتي السكران في كلامه وفِعله بما لا يأتي به وهو صاح لقوله -تعالى-: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ (١) فإِن فيها دلالة على أن من علم ما يقول لا يكون سكرانًا». وهذا كلام قويّ يجعلنا نحكم على وقوع طلاق السكران الذي يعلم ما قال، وعدم وقوع طلاق السكران الذي لا يعلم ما قال. وربما أقَرَّ هذا السكران بعد يقظته أنه طلّق وأنه متيقّظ لما قال، وربّما أنكر ذلك، فإِنكاره قد يدلُّ على ذَهاب عقْله. والله -تعالى- أعلم. طلاق الهازل: يقع طلاق الهازل؛ كالجادّ. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «ثلاث جِدّهن جِدّ وهزلهن جِدّ: النكاح والطلاق والرجعة» (٢). جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٩٩ - ١٠٠) في معنى الهازل والجاد: «وهو الذي يتكلّم من غير قصد لموجبه وحقيقته؛ بل على وجه اللعب، ونقيضه الجاد من الجِد بكسر الجيم وهو نقيض الهزل». قال ابن القيّم -رحمه الله- في «إِعلام الموقعين» (٣/ ١٣٦): «فأمَّا طلاق الهازل فيقع عند الجمهور، وكذلك نكاحه صحيح كما صرح به النص، وهذا -------------------- (١) النساء: ٤٣. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٢٠)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٤٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٥٨)، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (١٨٢٦). هو المحفوظ عن الصحابة والتابعين، وهو قول الجمهور، وحكاه أبو حفص أيضًا عن أحمد، وهو قول أصحابه، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، وذكر بعضهم أن الشافعي نصَّ على أن نكاح الهازل لا يصح بخلاف طلاقه، ومذهب مالك الذي رواه ابن القاسم عنه، وعليه العمل عند أصحابه أن هزل النكاح والطلاق لازم، بخلاف البيع». الطلاق قبل الزواج: لا يقع الطلاق قبل النكاح؛ كان يقول الرجل: إِنْ تزوجت فلانة فهي طالق. عن عبد الله بن عمرو أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لا طلاق إِلا فيما تملك» (١). وقال الإِمام البخاري (٢) -رحمه الله-: «باب لا طلاق قبل نكاح، وقول الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدُّونها فمتعوهنّ وسرّحوهنّ سراحًا جميلًا﴾ (٣). وقال ابن عباس: جعل الله الطلاق بعد النكاح، ويروى في ذلك عن عليّ وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبان بن عثمان وعليّ بن حسين وشريح وسعيد بن جبير --------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩١٦)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٤٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٦٦)، وصحَّحه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(١٧٥١). (٢) انظر»صحيح البخاري«(كتاب الطلاق)»باب - ٩". (٣) الأحزاب: ٤٩. والقاسم وسالم وطاوُس والحسن وعكرمة وعطاء وعامر بن سعد وجابر بن زيد ونافع بن جبير ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار ومجاهد والقاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن هرم والشعبيّ أنها لا تطلق (١)». وعنه -رضي الله عنهما- قال: «لا طلاق إلاَّ بعد نكاح، ولا عتق إِلا بعد ملك» (٢). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أيضًا قال: «ما قالها ابن مسعود، وإن يكن قالها فزلَّة من عالم، في الرجل يقول؛ إِن تزوجت فلانة فهي طالق، قال الله -عز وجل-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ﴾، ولم يقل: إِذا طلقتم المؤمنات ثمّ نكحتموهنّ» (٣). جاء في «المحلّى» (١١/ ٥٢٩): «ومن قال: إِنْ تزوجتُ فلانة فهي طالق، أو قال: فهي طالقٌ ثلاثًا فكلُّ ذلك باطل، وله أن يتزوّجها ولا تكون طالقًا؛ وكذلك لو قال: كلُّ امرأة أتزوجها فهي طالق -وسواءٌ عيَّن مدّة قريبة أو بعيدة أو قبيلة أو بلدة- كل ذلك باطل لا يلزم، وقد اختلف الناس في هذا ...». ---------------------- (١) وقال الحافظ -رحمه الله- في أثر ابن عباس -رضي الله عنهما-: «هذا التعليق طرف من أثرٍ أخرجه أحمد فيما رواه عنه حرب في»مسائله«من طريق قتادة عن عكرمة عنه؛ وقال: سنده جيّد». (٢) أخرجه الحاكم وابن أبي شيبة والبيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧/ ١٥١). (٣) أخرجه الطحاوي في «المُشكل» وعنه البيهقي والحاكم، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧/ ١٦١). ثمّ قال -رحمه الله- (ص ٥٣٠). «ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج قال: سمعتُ عطاءً يقول: قال ابن عباس: لا طلاق إِلا من بعد نكاح، قال عطاء: فإِن حلف بطلاق ما لم ينكح فلا شيء قال ابن جريج. بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: إِن طلق ما لم ينكح فهو جائز؟ فقال ابن عباس: أخطأ في هذا؛ إِن الله -عز وجل- يقول: ﴿إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ﴾، ولم يقل: إِذا طلقتم المؤمنات ثمّ نكحتموهنّ». ثمّ ذكر بعض الآثار المتعلِّقة بذلك. بماذا يقع الطلاق: يقع الطلاق بكل ما يدل على إِنهاء العلاقة الزوجية، سواءٌ أكان ذلك باللفظ، أم بالكتابة إِلى الزوجة، أم بالإِشارة من الأخرس، أو بإِرسال رسول. وجاء في تبويب سنن النسائي (١): (باب الطَّلاق بالإِشارة المفهومة)؛ ثمَّ ذكر حديت أنس -رضي الله عنه- قال: «كان لرسول الله - ﷺ - جار فارسيّ؛ طيِّب المرقة، فأتى رسولَ الله - ﷺ - ذات يومٍ وعنده عائشة، فأومأ إِليه بيده: أن تعال، وأومأ رسول الله - ﷺ - إِلى عائشة؛ أي: وهذه؟ فأومأ إِليه الآخر هكذا بيده: أن لا؛ مرَّتين أو ثلاثًا ...» (٢). --------------------- (١) انظر «صحيح سنن النسائي» (٢/ ٧٢٤). (٢) أخرجه مسلم: ٢٠٣٧، واللفظ للنسائي، وانظر إلى فقه الإِمام النِّسائي -رحمه الله تعالى- كيف بوَّب له بهذا الباب؛ مع عدم وجود ما يمتُّ بِصِلةٍ نصًّا بالطَّلاق! فجزاه الله -وسائر المحدِّثين والفقهاء- خير الجزاء عن أهل الإسلام. الطلاق باللفظ: واللفظ قد يكون صريحًا، وقد يكون كناية، فالصريح هو الذي يُفهم من معنى الكلام عند التلفظ به، مثل: أنت طالق، ومطلقة، وكل ما اشتق من لفظ الطلاق. ولو قال من طلَّق بلفظٍ صريح: لم أُرِد الطلاق ولم أقصده؛ وإِنما أردت معنى آخر؛ لا يُصدّق قضاءً، ويقع طلاقه (١). الطلاق بالكناية: يقع الطلاق بالكناية مع النية. عن عائشة -رضي الله عنها- «أنّ أبنة الجَوْنِ لما أُدخلت على رسول الله - ﷺ - ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: لقد عُذتِ بعظيم، الحقي بأهلك» (٢). وعن كعب بن مالك -رضي الله عنه- في قصة تخلُّفه قال: «.. إِذا رسول رسول الله - ﷺ - يأتيني فقال: إِن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أُطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها ... فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك» (٣). فكلمة «الحقي بأهلك» أفادت في الحديث الأول الطلاق مع القصد، ولم ------------------- (١) انظر «فقه السُّنّة» (٣/ ١٩). (٢) أخرجه البخاري: ٥٢٥٤. (٣) أخرجه البخاري: ٤٤١٨، ومسلم: ٢٧٦٩. تُفِد الطلاق في الحديث الثاني لعدم القصد. *والحاصل أن»ما يحتمل الطلاق وغيره، مثل: أنتِ بائن، فهو يحتمل البينونة عن الزواج، كما يحتمل البينونة عن الشر، ومثل: أمرك بيدك، فإِنها تحتمل تمليكها عصمتها ... كما تحتمل تمليكها حرية التصرّف. عن أبي الحلال أنّه وفد إِلى عثمان فقال قلت: «رجلٌ جعَل أمْرَ امرأته بيدها؟ قال: فأمْرها بيدها» (١). وقال الزهري: إِن قال: ما أنتِ بامرأتي نيّته، وإن نوى طلاقًا فهو ما نوى (٢). ومثل: أنتِ عليّ حرام، فهي تحتمل حرمة المتعة بها، وتحتمل حرمة إِيذائها ... والصريح: يقع به الطلاق من غير احتياج إِلى نية تبين المراد منه، لظهور دلالته ووضوح معناه. ولو قال الناطق بالكناية: لم أنوِ الطلاق بل نويت معنى آخر؛ يُصدّق قضاءً، ولا يقع طلاقه لاحتمال اللفظ معنى الطلاق وغيره. والذي يُعيِّن المراد هو النيّة والقصد* (٣). والحديثان المتقدمان دليل ذلك. -------------------- (١) أخرجه البخاري في «التاريخ» وابن أبي شيبة في «المصنف» وغيرهما، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- فى «الإِرواء» (٢٠٤٩). (٢) رواه البخاري معلَّقًا مجزومًا به وذكر الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٩/ ٣٩٣) وصْله عند ابن أبي شيبة. (٣) ما بين نجمتين من «فقه السّنّة» (٣/ ١٩) بتصرُّفٍ وزيادة، وانظر «المحلى» (١١/ ٤٩٣) تحت المسألة (١٩٦٠). حُكم الطلاق بلفظ التحريم: لا يقع الطّلاق بالتحريم إِذا لم يُرِد الطّلاق. عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنه-:»أنه كان يقول في الحرام: يمينٌ يكفّرها. وقال ابن عباسٍ: «﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة﴾ (١)» (٢). وفي لفظ: «إِذا حرَّم الرَّجل عليه امرأته؛ فهي يمينٌ يكفِّرها» (٣). وجاء في تبويب «صحيح مسلم» (باب وجوب الكفّارة على من حرّم امرأته ولم ينوِ الطلاق)، ثمَّ ذكر أثر ابن عباس -رضي الله عنهما-. جاء في «الروضة» (٢/ ١٢٠): "وفي هذه المسألة مذاهب قد ذكر الحافظ ابن القيّم منها ثلاثة عشر مذهبًا، وقال: إِنها تزيد على عشرين مذهبًا، والذي أرجِّحُه منها: هو أن التحريم ليس من صرائح الطلاق، ولا من كناياته، بل هو يمين من الإِيمان كما سمَّاه الله -عز وجل- في كتابه، فقال: ﴿يا أيها النّبيّ لِمَ تُحرّم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تَحِلّة أيمانكم﴾ (٤) فهذه الآية مصرحة بأن التحريم يمين، والسبب وإن كان ----------------------- (١) الأحزاب: ٢١. (٢) إِشارة إِلى سبب نزول أول سورة التحريم: ﴿يا أيها النّبيّ لمَ تحرّم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١]. وسيأتي الحديث -إِن شاء الله- المتعلق بشُربه - ﷺ - العسل عند زينب -رضي الله عنها- وانظر ما قاله الحافظ -رحمه الله- تحت الحديثين: (٤٩١٢ و٥٢٦٧). (٣) أخرجه مسلم: ١٤٧٣. (٤) التحريم: ١ - ٢. خاصًّا وهو العسل (١)، الذي حرَّمه على نفسه، أو الأَمَة التي كان يطؤها؛ فلا اعتبار بخصوص السبب، فإِنَّ لفظ: ﴿ما أحل الله لك﴾ عامّ، وعلى فرض عدم العموم فلا فرق بين الأعيان التي هي حلال». وفيه (ص ١٢١): «وفي الباب عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ما ذكرناه، وبالجملة: الحق ما ذكَرناه، وقد ذهب إِليه جماعة من الصحابة، ومن بعدهم، وجميع أهل الظاهر، وأكثر أصحاب الحديث، وهذا إِذا أراد تحريم العين، وأمَّا إِذا أراد الطلاق بلفظ التحريم؛ غير قاصد لمعنى اللفظ؛ بل قصد التسريح فلا مانع من وقوع الطلاق بهذه الكناية كسائر الكنايات». الطلاق بالكتابة: الكتابة من الوسائل التي تُعبّر عمّا في القلب كما يعبّر اللسان، وكثير من الخير والشرّ انتشر عن طريق الكتابة، وتشهد البشريَّة الآن كيف ينتشر الخير ------------------- (١) يشير -رحمه الله - إِلى حديث عائشة -رضي الله عنها- «أن النبي - ﷺ - كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلًا، قالت: فتواطيت أنا وحفصة: أنّ أيّتنا ما دخل عليها النّبي - ﷺ - فَلْتَقُلْ: إِني أجد منك ريح مغافير، أكلتَ مغافير؟ [جمع مغفور وهو صمغ حلو ... وله رائحة كريهة ينضحه شجر يقال له: العُرفُط .. يكون بالحجاز.»النووي«.] فدخل على إِحداهما فقالت ذلك له، فقال: بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود له، فنزل: ﴿لمَ تُحرّم ما أحل الله لك﴾ إلى قوله: ﴿إن تتوبا﴾ (لعائشة وحفصة)، ﴿وإذ أسرَّ النّبيَّ﴾ - ﷺ - ﴿إِلى بعض أزواجه حديثًا﴾ (لقوله: بل شربتُ عسلًا)». أخرجه مسلم: ١٤٧٤. وفي رواية: «لا ولكنّي كنتُ أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحش؛ فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا». أخرجه البخاري: ٤٩١٢. ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |