الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 116 - عددالزوار : 3575 )           »          7 حيل نفسية تساعد طفلك على حب الدراسة.. لو بيحس بملل ومش عايز يذاكر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          طريقة عمل مينى باتيه بالجبنة بخطوات بسيطة.. ينفع فى الفطار والعشاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          7 فوائد تعود عليك من عدم تأجيل عمل اليوم للغد.. قاوم كسل البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          طريقة عمل الحلبسة فى المنزل.. مشروب يدفيك فى ليالى البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          طرق علاج تشقق الشفاه فى 3 أيام فقط.. هتخليها ناعمة ورطبة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          5 أفكار ديكور منزلى تساعد على الشعور بالدفء داخل المنزل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          طريقة عمل شوربة الجزر بالكريمة بخطوات سريعة.. تدفى فى عز البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          وصفات طبيعية لترطيب اليدين بمكونات منزلية.. مش هتحتاجى تشترى من برا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          بتعانى من النحافة ومش لاقى حل.. نظام غذائى لمدة أسبوع لزيادة وزنك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 14-01-2026, 02:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,662
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 271الى صــ 285
الحلقة (101)




قد حلَلْتِ من حجك وعُمرتك جميعًا].
١١١ - [قالت: يا رسول الله! أتنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟!] [قال: إِن لك مثل ما لَهُم].
١١٢ - [فقالت: إِني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حجَجت]!
١١٣ - [قال: وكان رسول الله - ﷺ - رجلًا سهلًا، إِذا هوِيَتِ الشيء تابعَها عليه] (١).
١١٤ - [قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن! فأعمِرها من التنعيم.
١٥٠ - [فاعتمرت بعد الحج]، [ثمّ أقبلت] وذلك ليلة الحَصْبة (٢)].
١١٦ - [وقال جابر: طاف رسول الله - ﷺ - بالبيت في حَجّة الوَداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس، وليَشْرُفَ وليسألوه؛ فإِنّ الناس غَشُوه].
١١٧ - [وقال: رفعَت امرأة صبيًّا لها إِلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! ألهذا حجٌّ؟ قال: نعم، ولكِ أجر].

--------------------
(١) معناه: إِذا هويت شيئًا لا نقص فيه في الدين -مثل طلبها الاعتمار وغيره؛ أجابها إِليه. وفيه حُسن معاشرة الأزواج، قال الله تعالى: ﴿وعاشروهنّ بالمعروف﴾؛ لا سيما فيما كان من باب الطاعة. «نووي».
(٢) بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملة، وهي التي بعد أيام التشريق، وسميت بذلك؛ لأنهم نفروا من منى فنزلوا في المُحَصَّب وباتوا به. «نووي». والمُحَصَّب: هو الشِّعب الذي مخرجه إِلى الأبطح بين مكة ومنى. كما في «النهاية».



المواقيت
المواقيت: جمع ميقات؛ كمواعيد وميعاد، وأصل التوقيت: أن يُجعل للشيء وقت يختصّ به، ثمّ اتسع فيه؛ فأطلق على المكان أيضًا (١).
وبهذا؛ فالمواقيت نوعان: زمانية ومكانية.

المواقيت الزمانيّة:
قال الله -تعالى-: ﴿يسألونك عن الأهلة (٢) قل هي مواقيتُ للنّاس والحج﴾ (٣).
وقال الله -تعالى-: ﴿الحجّ أشهر معلومات﴾ (٤).
فلا يصح الحجّ إلاَّ في أشهر الحجّ.
قلت: وأيّ مدلول لكلمة ﴿معلومات﴾ المذكورة في الآية الكريمة إِذا أهلّ بالحجّ وأحرم قبل وقته؟!
وهي على الراجح -والله أعلم-: شَوَّالٌ وذو القَعْدَةِ وصدر ذي الحِجَّةِ.
جاء في «المحلّى» (٧/ ٦٢): «ورُوِّينا عن الحسن: شوال وذو القعدة وصدر

-------------------------
(١)»فتح الباري«(٣/ ٣٨٣ و٣/ ٣٨٥) ملتقطًا.
(٢) أي: عدم بقاء الهلال على حالة واحدة. قال البغوي -رحمه الله-:»سُمّي هلالًا؛ لأنّ الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته، مِن قولهم: استهلّ الصبي؛ إذا صرخ حين يولد، وأهلّ القوم بالحجّ؛ إِذا رفعوا أصواتهم بالتلبية".
(٣) البقرة: ١٨٩.
(٤) البقرة: ١٩٧.



ذي الحجة» (١).
عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: «أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة» (٢).
وقال ابن عباس -رضي الله عنه-: «من السّنّة: أن لا يحرم بالحج إِلا في أشهر الحج» (٣).

المواقيت المكانية (٤):
هي الأماكن التي يحرم منها من يريد الحج أو العمرة، ولا يجوز لحاج أو معتمر أن يتجاوزها، دون أن يحرم، وقد بيّنها رسول الله - ﷺ -:
فجعل ميقات أهل المدينة «ذا الحليفة»: موضع يقع في شمال مكّة.
ووقت لأهل الشام «الجُحْفَةَ»: موضع في الشمال الغربي من مكة، وهي قريبة من «رابغ»، وقد صارت «رابغ» ميقات أهل مصر والشام ومن يمر عليها بعد ذهاب معالم «الجحفة».
وميقات أهل نجد «قرن منازل»: جبل شرقيّ مكة، يطلُّ على عرفات.

----------------------
(١) يرجّح ابن حزم -رحمه الله- أنها ثلاثة أشهر كما في «المحلّى» (٧/ ٦٢).
(٢) رواه البخاري معلقًا في «كتاب الحج» (باب - ٢٣)، ووصله الطبري والدارقطني بسند صحيح، وانظر «مختصر البخاري» (١/ ٣٧٢).
(٣) رواه البخاري معلقًا في «كتاب الحجّ» (باب - ٢٣)، ووصَلَه ابن خزيمة والدارقطني والحاكم بسند صحيح عنه، وانظر «مختصر البخاري» (١/ ٣٧٢).
(٤) عن «فقه السّنّة» (١/ ٦٥٢) بتصرّف.



وميقات أهل اليمن «يَلَمْلَم»: جبل يقع جنوب مكة.
وميقات أهل العراق «ذاتَ عِرْقٍ»: موضع في الشمال الشرقي لمكة.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحفة (١)، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم» (٢).
وعن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: «لما فُتح هذان المصران؛ أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين! إِنّ رسول الله - ﷺ - حدّ لأهل نجد قرْنًا؛ وهو جَوْرٌ (٣) عن طريقنا، وإِنا إِن أردنا قرْنًا شَقّ علينا؟! قال: فانظروا حذْوَها من طريقكم، فحدّ لهم ذات عرق» (٤).
وقد نظمها بعضهم فقال:
عِرْقُ العراقِ يَلَمْلَمُ اليَمَنِ ... وبذِي الحُلَيفةِ يُحرمُ المدَنِي
والشامُ جحفةُ إِنْ مَرَرْتَ بها ... ولأهلِ نَجْد قَرْنُ فاسْتَبِنِ
هذه هي المواقيت التي عيّنها رسول الله - ﷺ -، وهي مواقيت لأهل البلاد

-------------------
(١) سُمّيت الجُحفة؛ لأًنَّ السيل أجحف بها. قاله النووي ونحوه المنذري، انظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢/ ٥٨).
(٢) أخرجه البخاري: ١٥٣٠، ومسلم: ١١٨١.
(٣) قال الحافظ -رحمه الله-: «أي مَيْل، والجور: الميل عن القصد، ومنه قوله -تعالى-: ﴿ومنها جائر﴾».
(٤) أخرجه البخاري: ١٥٣١.



المذكورة، ولمن مرّ بها.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ رسول الله - ﷺ - وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرنًا؛ فهنّ لهنّ، ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ، ممنّ كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهنّ؛ فمن أهله؛ حتى إِنّ أهل مكة يهلّون منها» (١).
وإن لم يكن من أهل تلك الآفاق المعينة؛ فإِنه يحرم منها إِذا أتى مكة قاصدًا النسك.
ومن كان بمكة وأراد الحج، فميقاته منازل مكة.
ومن كان بين الميقات وبين مكة، فميقاته من منزله.
قال ابن حزم -رحمه اللهتعالى- في «المحلّى» (٧/ ٦٤): «ومن كان طريقه لا تمرّ بشيء من هذه المواقيت؛ فليحرم من حيث شاء، برًّا أو بحرًا».

الإِحرام قبل الميقات:
إِذا أحرم المرء قبل الميقات فإِنّه يجزئ، لكنه مخالف للسُّنّة.
قال شيخنا -رحمه الله-: «وقد روى البيهقي كراهة الإِحرام قبل الميقات عن عمر وعثمان -رضي الله عنهما-، وهو الموافق لحكمة تشريع المواقيت.
وما أحسن ما ذكر الشاطبي -رحمه الله- في»الاعتصام«(١/ ١٦٧)، ومن قبله الهروي في»ذم الكلام«(٣/ ٥٤/‏١) عن الزُّبيْرِ بن بَكَّارٍ قال: حدثني سفيان بن عيينة قال:»سمعت مالك بن أنس، وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٥٢٩، ومسلم: ١١٨١.


الله! من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله - ﷺ -. فقال: إِني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر؟! قال: لا تفعل؛ فإِني أخشى عليك الفتنة! قال: وأي فتنة في هذه؟ إِنما هي أميال أزيدها! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إِلى فضيلة قصّر عنها رسول الله - ﷺ -؟! إِني سمعت الله يقول: ﴿فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم (١)﴾ (٢).

أنواع الإِحرام (٣)
الإِحرام ثلاثة أنواع:
*١ - تمتُّع: وهو أن يحرم الآفاقي (٤) بالعمرة وحدها في أشهر الحج من الميقات، ويقول عند التلبية: «لبيك اللهم بعمرة». ثمّ يدخل مكة ويتم عمرته، فيطوف ويسعى ويقصّر، ويخرج من إِحرامه، ثمّ يبقى حلالًا حتى يحج، وعليه أن يذبح ما استيسر من الهدي. وسمّي بالتمتُّع؛ لأنّه يتمتّع بعد

----------------------
(١) النور: ٦٣.
(٢) «الضعيفة» (١/ ٣٧٧ تحت الحديث ٢١٠)، وانظر «الإِرواء» (٤/ ١٨١/تحت الحديث (١٠٠٢).
(٣) ما بين نجمتين ملتقط من «الروضة الندية» (١/ ٥٩٠) و«المنهج لمريد العمرة والحجّ» للإِمام العثيمين -رحمه الله- (ص ٩). بتصرّف وزيادة.
(٤) نسبة إِلى الآفاق؛ وهي نواحي الأرض والأقطار، مفردها: أُفق. والمراد أنه ليس من أهل مكة أو ممّن يقيمون فيها.



التحلُّل من إِحرامه بما يتمتع به غير المحرم من لُبس الثياب والطيب وغير ذلك.
٢ - قِران: وهو أن يحرم الآفاقي بالحج والعمرة معًا، ويقول عند التلبية: «لبيك اللهمّ بحجّ وعمرة»، ثمّ يدخل مكة، ويبقى على إِحرامه حتى يفرغ من أفعال الحج والعمرة، ثمّ يذبح ما استيسر من الهدي، فإِذا أراد أن ينفر من مكة طاف للوداع.
وقد ذهب الجمهور من العلماء إِلى أنّه يكفيه عمل الحجّ؛ فيطوف طوافًا واحدًا -وهو طواف الإِفاضة- بعد الوقوف بعرفة، ويسعى سعيًا واحدًا للحج والعمرة.
٣ - الإِفراد: أن يُحرم -من يريد الحجّ- من الميقات بالحجّ وحده، ويقول في التلبية: «لبيك اللهمّ بحجّ»؛ ويبقى مُحرمًا حتى تنتهي أعمال الحج.
وعمل القارِن كعمل المفرد سواءً؛ إِلا أن القارن عليه الهدي، والمفرد لا هدي عليه*.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - للحج على أنواع ثلاثة: فمنا من أهَلَّ بحج وعمرة معًا، ومنّا من أهل بحج مفرد، ومنّا من أهل بعمرة مفردة، فمن كان أهل بحج وعمرة معًا؛ لم يَحْلِل من شيء مما حرم منه حتى يقضي مناسك الحج، ومن أهل بالحج مفردًا؛ لم يَحْلل من شيء مما حرُم منه، حتى يقضي مناسك الحج، ومن أهل بعمرة مفردة فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة؛ حل ما حرم عنه حتى يستقبل حجًّا» (١).

-----------------
(١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٩٥).


أيّ أنواع النُّسك أفضل؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب، والراجح فيها نسك التمتع، كما هو مذهب الإِمام أحمد وغيره، بل ذهب بعض العلماء المحققين إِلى وجوبه إِذا لم يَسق معه الهدي، منهم ابن حزم وابن القيم؛ تبعًا لابن عباس وغيره من السلف (١).
قال شيخنا -رحمه الله- في «حجّة النّبيّ - ﷺ -» (ص ١١): «لا شّك أنّ الحجّ كان -في أول استئنافه - ﷺ - إِياه- جائزًا بأنواعه الثلاثة المتقدّمة، وكذلك كان أصحابه - ﷺ -؛ منهم المتمتع، ومنهم القارن، ومنهم المفرد؛ لأنّه - ﷺ - خيّرهم في ذلك كما في حديث عائشة -رضي الله عنها-:»خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فقال: من أراد منكم أن يهلّ بحجّ وعُمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهلّ ... «الحديث؛ رواه مسلم (٢).
وكان هذا التخيير في أول إِحرامهم عند الشجرة (٣)؛ كما في رواية لأحمد (٦/ ٢٤٥)، ولكن النّبيّ - ﷺ - لم يستمر على هذا التخيير، بل نَقَلهم إِلى ما هو أفضل؛ وهو التمتع، دون أن يعزم بذلك عليهم أو يأمرهم به، وذلك في مناسبات شتّى في طريقهم إِلى مكة.
فمن ذلك: حينما وصلوا إِلى (سَرِف)، وهو موضع قريب من التنعيم، وهو من مكة على نحو عشرة أميال، فقالت عائشة -رضي الله عنها- في رواية

---------------------
(١) انظر»حجّة النّبيّ - ﷺ -" (ص ١٠) بتصرّف.
(٢) برقم: ١٢١١.
(٣) أي: عند ذي الحليفة.



عنها:
«.. فنزلنا سَرِف، قالت: فخرج إِلى أصحابه فقال: من لم يكن منكم أهدى، فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا. قالت: فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه [ممن لم يكن معه هدي] ...» الحديث؛ متفق عليه، والزيادة لمسلم.
ومن ذلك لما وصل - ﷺ - إِلى (ذي طُوى)، وهو موضع قريب من مكة، وبات بها، فلمّا صلّى الصّبح قال لهم: «من شاء أن يجعلها عمرة؛ فليجعلها عمرة» أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس.
ولكنّا رأيناه - ﷺ - لما دخل مكّة وطاف هو وأصحابه طواف القدوم؛ لم يدَعْهم على الحكم السابق وهو الأفضلية؛ بل نقَلهم إِلى حُكم جديد وهو الوجوب؛ فإِنّه أمَر من كان لم يَسُق الهدي منهم أن يفسخ الحج إِلى عمرة ويتحلل، فقالت عائشة -رضي الله عنها-:
«خرجنا مع رسول الله - ﷺ - ولا نرى إِلا أنّه الحج، فلما قدمنا مكة تطوَّفنا بالبيت، فأَمَر رسول الله - ﷺ - من لم يكن ساق الهدي أن يحل، قالت: فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن الهدي، فأحللن (١).» الحديث، متفق عليه. وعن ابن عباس نحوه بلفظ:

-------------------
(١) في رواية عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - محرمين فقال النّبيّ - ﷺ -:»من كان معه هدي؛ فليُقم على إِحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل. قالت: ولم يكن معي هدي فأحللت، وكان مع الزبير هدى، فلم يَحِلَّ، فلبست ثيابي وجئت إِلى الزبير فقال: قومي عني، فقلت: أتخشى أن أثب عليك؟! أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤١٦).


«فأَمَرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أيّ الحلّ؟ قال: الحلّ كلّه»؛ متفق عليه. وفي حديث جابر نحوه وأوضح منه؛ كما يأتي فقرة (٣٣ - ٤٥) (١).
قلت [أي: شيخنا]: فمن تأملّ في هذه الأحاديث الصحيحة؛ تبيّن له - بيانًا لا يشوبه ريب- أن التخيير الوارد فيها إِنما كان منه - ﷺ - لإِعداد النفوس وتهيئتها؛ لتقبُّل حُكمٍ جديدٍ، قد يصعب ولو على البعض تقبّله بسهولة لأول وَهْلَةٍ، ألا وهو الأمر بفسخ الحج إِلى العمرة، لا سيّما وقد كانوا في الجاهلية كما هو ثابت في «الصحيحين» - يرون أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج، وهذا الرأي -وإن كان رسول الله - ﷺ - قد أبطله باعتماره - ﷺ - ثلاث مرات في ثلاث سنوات كلها في شهر ذي القعدة-؛ فهذا وحده وإن كان كافيًا في إِبطال تلك البدعة الجاهلية؛ فإِنه لا يكفي -والله أعلم- لإِعداد النفوس لتقبل الحكم الجديد، فلذلك مهّد له - ﷺ - بتخييرهم بين الحج والعمرة مع بيان ما هو الأفضل لهم، ثمّ أتبع ذلك بالأمر الجازم بفسخ الحج والعمرة.
فإِذا عرفنا ذلك؛ فهذا الأمر للوجوب قطعًا، ويدل على ذلك الأمور الآتية:
الأول: أن الأصل فيه الوجوب إِلا لقرينة، ولا قرينة هنا، بل والقرينة هنا تؤكده، وهي الأمر التالي وهو:
الثاني: أنه - ﷺ - لما أمرهم تعاظم ذلك عندهم، كما تقدّم آنفًا، ولو لم يكن للوجوب لم يتعاظموه، ألم تر أنه - ﷺ - قد أمرهم من قَبْلُ ثلاث مرات أَمْرَ تخيير، ومع ذلك لم يتعاظموه، فدل على أنهم فهموا من الأمر الوجوب، وهو

---------------------
(١) انظر (ص ٦٠) منه بعنوان «الأمر بفسخ الحجّ إِلى العمرة».


المقصود.
الثالث: أن في رواية في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «.. فدخل عليّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك يا رسول الله! أدخله الله النار! قال: أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر؛ فإِذا هم يترددون؟! ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثمّ أحل كما حلوا». رواه مسلم والبيهقي وأحمد (٦/ ١٧٥).
ففي غضبه - ﷺ - دليل واضح على أن أمره كان للوجوب، لا سيّما وأن غضبه - ﷺ - إِنما كان لترددهم، لا من أجل امتناعهم من تنفيذ الأمر، وحاشاهم من ذلك، ولذلك حلوا جميعًا؛ إِلا من كان معه هدي كما يأتي في الفقرة (٤٤) (١).
الرابع: قوله - ﷺ - لما سألوه عن الفسخ الذي أمرهم به: ألعامنا هذا أم لأبد الأبد؟ فشبَّك - ﷺ - أصابعه واحدة في أخرى وقال: «دخَلَت العمرة في الحجّ إِلى يوم القيامة، لا بل لأبد أبد، لا بل لأبد أبد».
فهذا نص صريح على أن العمرة أصبحت جزءًا من الحج لا يتجزأ، وأن هذا الحكم ليس خاصًّا بالصحابة كما يظنّ البعض، بل هو مستمر إِلى الأبد.
[الخامس]: أن الأمر لو لم يكن للوجوب؛ لكفى أن ينفذه بعض الصحابة، فكيف وقد رأينا رسول الله - ﷺ - لا يكتفي بأمر الناس بالفسخ أمرًا عامًّا، فهو تارة يأمر بذلك ابنته فاطمة -رضي الله عنه- كما يأتي (فقرة ٤٨) (٢)، وتارة

--------------------
(١) انظر (ص ٦٥) منه بعنوان «خطبته - ﷺ - بتأكيد الفسخ وإطاعة الصحابة له».
(٢) انظر (ص ٦٧) منه.



يأمر به أزواجه، كما في «الصحيحين» عن ابن عمر: أن النّبيّ - ﷺ - أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع، قالت حفصة: فقلت: ما يمنعك أن تحل؟ قال: «إِني لبَّدت رأسي ...» الحديث. ولما جاءه أبو موسى من اليمن حاجًّا، قال له - ﷺ -: «بم أهللت؟». قال: أهللت بإِهلال النّبيّ - ﷺ -. قال: هل سقت من هدي؟ قال: لا، قال: «فطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، ثمّ حِلّ ...» الحديث.
فهل هذا الحرص الشديد من النّبيّ - ﷺ - على تبليغ أمره بالفسخ إِلى كل مكلف لا يدل على الوجوب؟ اللهم إِن الوجوب ليثبت بأدنى من هذا! انتهى.
وجاء (ص ١٩) منه: «وخلاصة القول: أن على كل من أراد الحج أن يلبي عند إِحرامه بالعمرة، ثمّ يتحلل منها بعد فراغه من السعي بين الصفا والمروة؛ بقص شعره، وفي اليوم الثامن من ذي الحجة يحرم بالحج، فمن كان لبَّى بالقران أو الحج المفرد؛ فعليه أن يفسخ ذلك بالعمرة؛ إِطاعةً لنبيه - ﷺ -؛ والله -عز وجل- يقول: ﴿من يُطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (١)، وعلى المتمتع بعد ذلك أن يقدم هديًا يوم النحر، أو في أيام التشريق، وهو من تمام النسك، وهو دم شُكْران وليس دم جُبْران، وهو -كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- بمنزلة الأضحية للمقيم، وهو من تمام عبادة هذا اليوم، فالنسك المشتمل على الدم بمنزلة العيد المشتمل على الأضحية، وهو من أفضل الأعمال، فقد جاء من طرق أن النّبيّ سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: العجُّ (٢) والثجّ (٣)؛ وصححه

-------------------
(١) النساء: ٨٠.
(٢) رفْع الصوت بالتلبية.
(٣) الثجّ: سيلان دم الهدي والأضاحي.»النهاية".



ابن خزيمة وحسّنه المنذري«.

باب ما جاء في التمتع:
عن سالم بن عبد الله؛ أنه سمع رجلًا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إِلى الحج؟ فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، فقال الشامي: إِن أباك قد نهى عنها! فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إِن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله - ﷺ -؛ أَمْرُ أبي يُتبع، أم أمر رسول الله - ﷺ -؟ فقال الرجل: بل أَمْرُ رسول الله - ﷺ -. فقال: لقد صنعها رسول الله - ﷺ -» (١).
قال أبو عيسى: «واختار قوم من أهل العلم، من أصحاب النّبيّ - ﷺ - وغيرهم: التمتع بالعمرة.
والتمتع: أن يدخل الرجل بعمرة في أشهر الحج، ثمّ يقيم حتى يحج، فهو متمتع، وعليه دم ما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع إِلى أهله، ويستحب للمتمتع إِذا صام ثلاثة أيام في الحج أن يصوم في العشر، ويكون آخرها يوم عرفة، فإِن لم يصم في العشر؛ صام أيام التشريق في قول بعض أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، منهم: ابن عمر، وعائشة. وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال بعضهم: لا يصوم أيام التشريق، وهو قول أهل الكوفة.
قال أبو عيسى: وأهل الحديث يختارون التمتع بالعمرة في الحج. وهو قول

---------------------
(١) أخرجه أحمد، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٦٥٨)، وانظر»صفة الصلاة" (ص ٥٤).


الشافعي وأحمد وإسحاق» (١).

من اعتمر بعد الحجّ بغير هدي (٢):
فيه قصة عائشة -رضي الله عنها- المعروفة حين نفست في حجّها، وفيه:
«فأهلّت بعمرة مكان عمرتها، فقضى الله حجّها وعُمرتها. [ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم]» (٣).
وليس هذا على إِطلاقه، وإنما في أحوال ضيّقة وأمّا فِعله للتهرب من الهدي فلا يجوز.

ليس لحاضري المسجد الحرام إِلاّ الإِفراد:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنه سُئل عن متعة الحجّ؟ فقال: أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النّبيّ - ﷺ - في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة؟ قال رسول الله - ﷺ -: اجعلوا إِهلالَكم بالحجّ عمرة؛ إِلا من قلّد الهدي (٤). فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: من قلّد الهدي؛ فإِنه لا يحلّ له حتى يبلغ الهدي محِلَّه (٥). ثمّ أمرنا عشية التّروية أن



------------------
(١) انظر «صحيح سنن الترمذي» (١/ ٢٤٨).
(٢) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب العمرة) (باب - ٧).
(٣) أخرجه البخاري: ١٧٨٦، ومسلم: ١٢١١ - ١١٧، وما بين معقوفين من كلام هشام بن عروة، كما في «صحيح مسلم».
(٤) جاء في «الوسيط»: «قلّد البَدَنة: علَّقَ في عُنُقها شيئًا ليُعْلَمَ أنّها هدي.
(٥) وهو يوم النحر، انظر»تفسير العلامة السعدي" -رحمه الله- وما فيه من فوائد في هذه الآية.



نهل بالحجّ، فإِذا فرغنا من المناسك؛ جئنا فطفنا بالبيت وبالصّفا والمروة، وقد تمَّ حجُّنا وعلينا الهدي كما قال الله -تعالى-: ﴿فما استيسر (١) من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحجِّ وسبعة إِذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلى أمصاركم، الشاة تجزي، فجمعوا نُسكين في عام بين الحجّ والعمرة؛ فإِنّ الله -تعالى- أنزله في كتابه وسنّة نبيّه - ﷺ -، وأباحه للناس؛ غير أهل مكة، قال الله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، وأشهر الحجّ التي ذكر الله -تعالى-؛ «شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم» (٢).

من هم حاضرو المسجد الحرام؟
جاء في «تفسير ابن كثير» -رحمه الله- بحذف: «في قوله -تعالى-: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله: ﴿لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ بعد إجماع جميعهم على أنّ أهل الحرم معنيّون به، وأنه لا متعة لهم: فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصّة دون غيرهم.
ثمّ ساق بإِسناده إِلى سفيان الثوري قال: قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم.
وقال عبد الرزاق: حدثنا معْمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: المتعة للناس -لا

-------------------
(١) أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي، وهو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة، أو شاة يذبحها المحصِر.»تفسير السعدي" أيضًا.
(٢) أخرجه البخاري: ١٥٧٢.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 10 ( الأعضاء 0 والزوار 10)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,284.53 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,282.81 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.13%)]