|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثالث من صــ 196الى صــ 210 الحلقة (71) ٢ - وعن عمرو بن مرَّة الجهَنيّ -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله أرأيت إِن شهدْتُ أن لا إِله إِلا الله، وأنّك رسول الله، وصلّيتُ الصلوات الخمس، وأدّيتُ الزكاة، وصمت رمضان، فممّن أنا؟ قال: من الصدِّيقين والشُّهداء» (١). ٣ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أتاكم رمضان شهرٌ مبارَك، فرض الله -عز وجل- عليكم صيامه، تُفْتَح فيه أبواب السَّماء، وتُغلَقُ فيها أبواب الجحيم وتُغَلُّ (٢) فيه مردَةُ (٣) الشياطين (٤)، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرِم» (٥). ٤ - وعن عرفجة قال: عُدنا عتبة بن فرقد: فتذاكَرنا شهر رمضان، فقال: ما تذْكرون؟ قلنا: شهر رمضان. قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «تُفتَح فيه أبواب الجنَّة، وتُغلَق فيه أبواب النار، وتُغَلُّ فيه الشياطين، وينادي منادٍ كلَّ ليلة: يا باغي الخير (٦) ------------------- (١) أخرجه البزار وابن خزيمة وابن حبان في»صحيحيهما«واللفظ لابن حبان، وصحّحه شيخنا في»صحيح الترغيب والترهيب«(٩٨٩). (٢) تُغَلّ: من الإِغلال، وهو وضْع الغُلّ أو الطوق في يده أو عُنقه. (٣) مرَدة: جمع المارد وهو العاتي الشديد، وانظر»النهاية«. (٤) قال في»المرقاة«(٤/ ٤٥١):»يُفهم من هذا الحديث أن المقيَّدين هم المَردة فقط«. (٥) أخرجه أحمد والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٩٩٢)، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٩٨٥)، و»المشكاة«(١٩٦٢) و»تمام المنّة" (٣٩٥). (٦) أي: يا طالب. هَلُمَّ، ويا باغيَ الشّرّ أقْصِر (١) «(٢). قال ابن خزيمة -رحمه الله- في»صحيحه«(٣/ ١٨٨):»باب ذِكر البيان أنّ النّبيّ - ﷺ - إِنَّما أراد بقوله: «وصُفِّدت الشياطين» مرَدة الجِنّ منهم؛ لا جميع الشياطين، إِذ اسم الشياطين قد يقع على بعضهم، وذَكَر دعاء الملَك في رمضان إِلى الخيرات، والتقصير عن السيِّئات، مع الدليل على أنّ أبواب الجنان إِذا فُتحت لم يغلق منها باب، ولا يُفتَح باب من أبواب النيران إِذا أُغلقت في شهر رمضان. ثمّ روى إِسناده إِلى أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: إِذا كان أوَّل ليلة من رمضان، صُفِّدت الشياطين مرَدة الجِنّ، وغُلِّقت أبواب النار، فلم يُفتَح منها باب، وفتِّحت أبواب الجنان فلم يُغلَق منها باب، ونادى منادٍ يا باغيَ الخير أقبل، ويا باغيَ الشَّرِّ أقْصِر، ولله عُتَقاء من النار» (٣). ٥ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «الصلوات الخمس والجُمُعة إِلى الجُمُعة ورمضان إِلى رمضان، مكفِّرات ما بينهن، إِذا اجتُنبت الكبائر» (٤). ------------------- (١) أي: أمسِك. (٢) أخرجه أحمد والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٩٩٣)، وغيرهما. (٣) قال شيخنا -رحمه الله- (١٨٨٣): إِسناده حسن، للخلاف في أبي بكر بن عيَّاش من قِبَل حِفْظِه. (٤) أخرجه مسلم: ٢٣٣، ولشيخنا -رحمه الله- كلام طيِّب في هذا الحديث فانظره -إِن شئت- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١/ ٢١٢) تحت رقم (٣٤٨)، وانظر للمزيد من الأحاديث «صحيح الترغيب والترهيب» (صيام رمضان احتسابًا ...). الترهيب مِن الفِطْر في رمضان عن أبي أُمامَة الباهليِّ -رضي الله عنه- قال: سمِعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «بينا أنا نائم أتاني رجلان، فأخذا بضَبْعَيَّ (١) فأتيا بي جَبَلًا وعرًا، فقالا: اصعد. فقلت: إِني لا أُطِيقه. فقال: إِنّا سنسهِّلُه لك. فصعدت، حتى إِذا كنتُ في سواء الجبل إِذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عُواء أهل النار. ثمّ انطلق بي، فإِذا أنا بقوم معلَّقين بعراقيبهم (٢)، مشقَّقة أشداقهم (٣)، تسيل أشداقهم دمًا، قال: قلت: مَنْ هؤلاء؟ قال: الذين يُفطرون قبل تحلَّة صومِهم (٤).» (٥) الحديث. بمَ يثبُت الشهر؟ يثبت شهر رمضان برؤية الهلال من واحد عَدْل، أو بإِكمال عدّة شعبان ثلاثين يومًا. -------------------- (١) ضبْعيّ: مثنى ضبْع -بسكون الباء- وسط العضد وقيل: هو ما تحت الإِبْط، وانظر «النهاية». (٢) العراقيب: مفردها العُرقوب: وهو الوَتَر خلفَ الكعبين بين مَفْصِل القدم والساق. وانظر «النهاية». (٣) الأشداق: جوانب الفم. (٤) أي: يفُطرون قبل وقت الإِفطار، والتاء في التحلَّة زائدة. (٥) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» وغيرهما وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (٩٩١). عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «تراءى (١) الناس الهلال فأخبرْتُ النّبيّ - ﷺ - أنِّي رأيته، فصام وأمَر الناس بصيامه» (٢). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «صوموا لرؤيته (٣)، وأَفطِروا لرؤيته (٤) فإِن غُبّي (٥) عليكم فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين» (٦). وقد ورد في بعض النصوص الأمر بصيام رمضان برؤية شاهدين؛ لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «ألا إِني جالَسْت أصحاب رسول الله - ﷺ - وساءَلتُهم، وإنهم حدّثوني أنّ رسول الله - ﷺ - قال:»صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا (٧) لها، فإِنْ غمّ عليكم فأكمِلوا ----------------- (١) تراءى: أي: تكلّفوا النظر إِليه هل يرونه أم لا، وانظر «النهاية». (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٥٢)، وغيره، وصححه شيخنا - رحمه الله- في «الإرواء» (٩٠٨). (٣) أي: لرؤية البعض ولو واحد. (٤) أي: لرؤية البعض وأقلّهم اثنان. (٥) غُبِّي: من الغباوة وهو عدم الفِطنة، يقال: غبِي عليّ بالكسر: إِذا لم يعرفه، ومن التغبية، قاله الكرماني، وفي «النهاية»: غَبي [بالتخفيف: أي: خفي ورواه بعضهم غُبّي - بضمّ الغين وتشديد الباء المكسورة- لما لم يسمّ فاعله من الغباء: يشبه الغبَرة في السماء«. اهـ. وفي بعض الروايات في»الصحيحين«:»غُمّي«، وعند مسلم: (١٠٨١):»وأُغمي«. (٦) أخرجه البخاري: ١٩٠٩، ومسلم: ١٠٨١. (٧) قال السّندي -رحمه الله- في حاشيته على»النسائي«(٤/ ١٣٣):»المراد: الحج، أي: الأضحية". ثلاثين، فإِن شهد شاهدان فصوموا وأفطِروا«(١). وعن حسين بن الحارث الجدلي -من جديلة قيس-: أنّ أمير مكّة خطب، ثمّ قال: عَهِدَ إِلينا رسول الله - ﷺ -، أن نَنْسُكَ للرؤية، فإِنْ لم نره، وشهد شاهدَا عَدْل نسَكْنا بشهادتهما. فسألت (٢) الحسين بن الحارث: مَن أمير مكّة؟ قال: لا أدري، ثمّ لقِيَني بعدُ فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمّد بن حاطب. ثمّ قال الأمير: إِنّ فيكم من هو أعلم بالله ورسوله منِّي، وشهد هذا من رسول الله - ﷺ -، وأومأ بيده إِلى الرجل. قال الحسين: فقلت لشيخ إِلى جنبي: من هذا الذي أومأ إِليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدَق، كان أعلم بالله منه، فقال (٣): بذلك أَمَرَنا رسول الله - ﷺ -» (٤). وجاء في «تحفة الأحوذي» (٣/ ٣٧٣): «وقال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله- بعد حديث كريب (٥):»والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، قالوا: تُقبَل شهادة رجل واحد في الصِّيَام، وبه يقول ابن المبارك ------------------- (١) أخرجه أحمد والنسائي والسياق له، وغيرهما، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٩٠٩): «وهذا سند صحيح رجاله ثقات كلهم». (٢) السائل: هو أبو مالك الأشجعي الراوي عن حسين بن الحارث الجدلي. (٣) القائل: عبد الله بن عمر. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٥٠) وغيره. (٥) سيأتي بعد قليل إِن شاء الله -تعالى- وهو يفيد قبول شهادة رجل واحد في الصيام. والشافعي وأحمد. وقال إِسحاق: لا يصام إِلا بشهادة رجلين، ولم يختلف أهل العلم في الإِفطار؛ أنّه لا يُقبل فيه إِلا شهادة رجلين. وأجاب من قال بقَبول شهادة رجل في الصيام عن هذين الحديثين: بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديث ابن عبّاس وحديث ابن عمر المذكورين؛ يدلاّن على قَبوله بالمنطوق ودلالة المنطوق أرجح». فائدة: قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٣٢): «فإِناّ نعلم بالإِضطرار من دين الإِسلام؛ أنَّ العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العِدَّة أو الإِيلاء، أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب؛ أنَّه يرى أو لا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النّبيّ - ﷺ - بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه. ولا يُعرف فيه خلاف قديم أصلًا، ولا خلاف حديث: إِلا أنّ بعض المتأخّرين من المتفقّهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنّه إِذا غُمّ الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حقّ نفسه بالحساب، فإِن كان الحساب دلّ على الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول وإنْ كان مقيَّدًا بالإِغمام ومختصًّا بالحاسب فهو شاذّ، مسبوق بالإِجماع على خلافه، فأمَّا اتباع ذلك في الصَّحو، أو تعليق عموم الحكم العام به؛ فما قاله مسلم». إِذا رأى الهلالَ أهلُ بلد هل يلزم سائر البلاد الموافقة؟ اختلف العلماء على مذاهب؛ فيما إِذا رأى الهلالَ أهلُ بلد، هل هذا خاصٌّ بأهل البلد الذين رأوه؟ أم هو عامّ لجميع البلاد؟ وقد ذكَرها النووي -رحمه الله- في «المجموع» (٦/ ٢٧٣) والحافظ في «الفتح» (٤/ ١٢٣) وغيرهما. وجاء في «نيل الأوطار» (٤/ ٢٦٧): «وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب؛ ذكَرها صاحب»الفتح": أحدها: أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا يلزمهم رؤية غيرهم. حكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم بن محمّد وسالم وإِسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحْكِ سِواه، وحكاه الماوردي وجهًا للشافعية. وثانيها: أنه لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم؛ إِلا أن يثبت ذلك عند الإِمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم، لأنَّ البلاد في حقِّه كالبلد الواحد، إِذ حُكمه نافذ في الجميع، قاله ابن الماجشون. وثالثها: أنَّها إِنْ تقاربت البلاد؛ كان الحُكم واحد، وإِنْ تباعدت فوجهان؛ لا يجب عند الأكثر. قاله بعض الشافعية واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي. وفي ضبط البعيد أوجه: أحدها: اختلاف المطالع؛ قطع به العراقيون والصيدلاني، وصحّحه النووي في «الرّوضة» و«شرح المهذَّب». وثانيها: مسافة القصر، قطع به البغوي وصحّحه الرافعي والنووي. ثالثها: باختلاف الأقاليم حكاه في «الفتح». رابعها: أنه يلزم أهل كلّ بلد؛ لا يتصور خفاؤه عنهم، بلا عارض دون غيرهم، حكاه السرخسي. خامسها: مِثل قول ابن الماجشون المتقدّم. سادسها: أَنّه لا يلزم إِذا اختلفت الجهتان ارتفاعًا وانحدارًا؛ كأن يكون أحدهما سهلا والآخر جبلًا، أو كان كل بلد في إِقليم، حكاه المهدي في البحر؛ عن الإِمام يحيى والهادوية. وحُجّة أهل هذه الأقوال؛ حديث كريب (١). ووجه الاحتجاج به أنَّ ابن عبّاس لم يعمل برؤية أهل الشام. وقال في آخر الحديث: «هكذا أمَرنا رسول الله - ﷺ -»، فدل ذلك على أنَّه قد حفظ من رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم- أنه لا يلزم أهل بلدٍ العمل برُؤية أهل بلد آخر«. وقد تقدّم قوله - ﷺ -:»صوموا لرؤيته وأفطرِوا لرؤيته«. فهذا خطاب لجميع الأمّة، فكما أنَّ رؤية الواحد كالرؤية لأهل البلد؛ كانت الرؤية في البلد؛ كالرؤية في كلّ البلاد. وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»مجموع الفتاوى«(٢٥/ ١٠٧): ------------------- (١) انظر ما فصّله الحافظ -رحمه الله- في»الفتح" (٤/ ١٢٣). «... فالضابط أنَّ مدار هذا الأمر على البلوغ؛ لقوله - ﷺ -:»صوموا لرؤيته«فمن بلغه أنه رؤي؛ ثبت في حقّه؛ من غير تحديدٍ بمسافة أصلًا ...». وقال -رحمه الله- (ص ١١١): «... ومن حدّد ذلك بمسافة قصر أو إِقليم؛ فقوله مخالفٌ للعقل والشرع». وجاء في «الروضة النديّة» (١/ ٥٣٧): «وإذا رآه أهل بلدٍ؛ لزم سائر البلاد الموافقة، وجْهُهُ الأحاديث المصرحة بالصيام لرؤيته والإِفطار لرؤيته، وهي خطاب لجميع الأمّة، فمن رآه منهم في أيّ مكان كان ذلك رؤيةً لجميعهم». وقد استدلّ من رأى أنَّ لأهل كل بلد رؤيتهم، وأنّه لا يلزمهم رؤية غيرهم؛ بحديث كُريب "أنَّ أمّ الفضل بنت الحارث بعَثته إِلى معاوية بالشام. قال: فقدِمتُ الشام، فقضيتُ حاجتها واسْتُهِلَّ (١) عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيتُ الهلال ليلة الجمعة، ثمّ قدِمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عبّاس -رضي الله عنهما- ثمّ ذكَر الهلال فقال: رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه. ------------------- (١) أي: ظهر عليّ هلال رمضان. فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا؛ هكذا أمَرنا رسول الله - ﷺ -. وشك يحيى بن يحيى في: نكتفي أو تكتفي» (١). جاء في «الشرح الكبير» لشمسِ الدين بن قدامة (٣/ ٨): «... فأما حديث كريب؛ فإِنما دل على أنّهم لا يفطرون بقول كريب وحده -ونحن نقول به- وإنما محلّ الخلاف وجوب قضاء اليوم الأول، وليس هو في الحديث». وجاء في «الروضة النديّة» (١/ ٥٣٧): «وأمَّا استدلال من استدل بحديث كريب ... أنّه استهلَّ عليه رمضان وهو بالشام، فرأى الهلال ليلة الجمعة، فقدم المدينة فأخبر بذلك ابن عبّاس فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نُكْمِل ثلاثين أو نراه. ثمّ قال: هكذا أمَرنا رسول الله - ﷺ - ... فغير صحيح (٢)، لأنه لم يُصرّح ابن عبّاس بأنّ النّبيّ- صلى الله تعالى عليه وسلم- أمَرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أراد ابن عبّاس أنه أمرهم بإِكمال الثلاثين أو يروه، ظنًّا منه أنّ المراد بالرؤية رؤية أهل المحلّ. وهذا خطأ في الاستدلال؛ أوقع الناس في الخبط والخلط حتى تفرّقوا في ذلك على ثمانية مذاهب. وقد أوضح الماتن المقام في الرسالة التي سمّاها»إِطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال". ------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٠٨٧. (٢) أي: في الاستدلال به لا في الحُكم على صحّة الحديث. قال في «المسوى»: «لا خلاف في أنّ رؤية بعض أهل البلد موجبة على الباقين، واختلفوا في لزوم رؤية أهل بلد أهل بلد آخر. والأقوى عند الشافعي؛ يلزم حُكم البلد القريب دون البعيد، وعند أبي حنيفة يلزم مطلقًا». وجاء في «نيل الأوطار» (٤/ ٢٦٧): «واعلم أن الحجَّة إِنِّما هي في المرفوع من رواية ابن عبّاس؛ لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس والمشار إِليه بقوله هكذا أمَرنا رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلمهو قوله:»فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، والأمر الكائن من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هو ما أخرَجه الشيخان وغيرهما بلفظ: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإِن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». وهذا لا يختص بأهل ناحية؛ على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكلّ من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد، أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنّه إِذا رآه أهل بلد؛ فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزِمهم. ولو سلم توجُّه الإِشارة في كلام ابن عبّاس إِلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر؛ لكان عدم اللزوم مقيّدًا بدليل العقل، وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع. وعدم عمل ابن عبّاس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف؛ عملٌ بالاجتهاد وليس بحُجّة ...«. وقال شيخنا -رحمه الله- في»تمام المِنّة«(ص ٣٩٨):»... إِنّ حديث ابن عبّاس ورَد فيمن صام على رؤية بلده، ثمّ بلَغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة؛ يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا ثلاثين، أو يروا هلالهم، وبذلك يزول الإِشكال. ويبقى حديث أبي هريرة وغيره على عمومه؛ يشمل كل من بلَغه رؤية الهلال من أي بلد أو إِقليم؛ من غير تحديد مسافة أصلًا؛ كما قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٧)، وهذا أمر متيسِّر اليوم كما هو معلوم، ولكنّه يتطلّب شيئًا من اهتمام الدول الإِسلامية حتى تجعله حقيقة واقعية إِن شاء الله -تبارك وتعالى-. وإلى أن تجتمع الدول الإِسلامية على ذلك؛ فإِنّي أرى على شَعْب كل دولة أن يصوم مع دولته، ولا ينقسم على نفسه، فيصوم بعضهم معها، وبعضهم مع غيرها -تقدّمت في صيامها أو تأخّرت- لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في الشَّعب الواحد، كما وقع في بعض الدول العربية، منذ بضع سنين. والله المستعان«. انتهى. وعن الحسن في رجل كان بمصر من الأمصار، فصام يوم الاثنين، وشهد رجلان أنهما رأيا الهلال ليلة الأحد. فقال: لا يقضي ذلك اليوم الرجل، ولا أهلُ مِصره، إِلا أن يعلموا أنَّ أهل مصر من أمصار المسلمين؟ قد صاموا يوم الأحد فيقضونه» (١). -------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٤٥)، وقال شيخنا -رحمه الله-: صحيح مقطوع. إِذا أُغْمِيَ هلال شوال وأصبح النَّاس صيامًا عن أبي عُمير بن أنس بن مالك قال: «حدَّثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا: أُغْمِي علينا هلال شوّال، فأصبحنا صيامًا، فجاء رَكْب من آخر النَّهار، فشَهِدوا عند النّبيّ - ﷺ - أنَّهم رأوا الهلال بالأمس. فأمَرهم رسول الله - ﷺ - أن يفطروا، وأن يخرجوا إِلى عيدهم من الغد» (١). هل يصوم أو يُفطر مَنْ رأى الهلال وحده؟ اختلف العلماء في هذا، فمنهم من رأى إِيجاب الصوم والفطر لمن انفرد برؤية الهلال؛ استنادًا إِلى الحديث المتقدّم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». ومنهم من رأى أنه لا يصوم ولا يُفطر إلاَّ مع الناس؛ استنادًا لقوله - ﷺ -: «الصوم يومَ تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون» (٢). وعن مسروق قال: «دخلت على عائشة يوم عرفة، فقالت: اسقوا مسروقًا سويقًا، وأكثروا حلواه. قال: فقلت: إِنِّي لم يمنعني أن أصوم اليوم إلاَّ أنّي خفْتُ أن يكون يوم النحر، فقالت عائشة: النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس» (٣). ----------------------- (١) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣٤٠) وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٦٣٤). (٢) أخرجه الترمذي وغيره، وانظر «الصحيحة» (٢٢٤). (٣) وحسنه شيخنا -رحمه الله- لغيره في «الصحيحة» تحت الحديث (٢٢٤). قال شيخنا -رحمه الله- عقب حديث:»الصوم يوم تصومون ... «في»الصحيحة«(١/ ٤٤٣):»... قال الترمذي عقب الحديث: «وفسّر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إِنّما معنى هذا؛ الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَم الناس». وقال الصنعاني في «سبل السلام» (٢/ ٧٢): «فيه دليل على أن يُعتَبر في ثبوت العيد الموافقة للناس، وأنّ المتفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره، ويلزمه حُكمهم في الصلاة والإِفطار والأضحية. وذكَر معنى هذا ابن القيم -رحمه الله- في»تهذيب السنن«(٣/ ٢١٤)، وقال:»وقيل: فيه الردُّ على من يقول: إِنَّ مَنْ عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل، جاز له أن يصوم ويفطر؛ دون مَنْ لم يعلم. وقيل: إِنَّ الشاهد الواحد إِذا رأى الهلال، ولم يحكم القاضي بشهادته أنّه لا يكون هذا له صومًا، كما لم يكن للناس. وقال أبو الحسن السندي في «حاشيته على ابن ماجه» -بعد أن ذكَر حديث أبي هريرة عند الترمذي-: «والظاهر أنه معناه أنَّ هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل، وليس لهم التفرُّد فيها؛ بل الأمر فيها إِلى الإمام والجماعة، ويجب على الآحاد اتباعهم للإِمام والجماعة. وعلى هذا؛ فإِذا رأى أحد الهلال، وردَّ الإِمام شهادته؛ ينبغي أن لا يثبت في حقّه شيء من هذه الأمور، ويجب عليه أن يتَّبع الجماعة في ذلك». قلت: -أي شيخنا رحمه الله-: وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث، ويؤيده احتجاج عائشة به على مسروق؛ حين امتنع من صيام يوم عرفة، خشية أن يكون يوم النحر، فبيّنت له أنه لا عبرة برأيه، وأنّ عليه اتباع الجماعة؟ فقالت: «النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس». قلت: -أي شيخنا رحمه الله-: وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة؛ التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم، وإبعادهم عن كل ما يفرّق جمْعهم من الآراء الفردية، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد -ولو كان صوابًا من وِجهة نظره- في عبادة جماعية؛ كالصوم والتَّعييد وصلاة الجماعة. ألا ترى أنّ الصحابة -رضي الله عنهم- كان يصلّي بعضهم وراء بعض، وفيهم من يرى أنّ مسّ المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يُتمّ في السفر، ومنهم من يقصر؟! فلم يكن اختلافهم هذا وغيره؛ ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإِمام الواحد، والاعتداد بها، وذلك لعلمهم بأن التفرُّق في الدين شرٌّ من الاختلاف في بعض الآراء. ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأي المخالف لرأي الإِمام الأعظم في المجتمع الأكبر كـ (منى)، إِلى حدّ ترْك العمل برأيه إِطلاقًا في ذلك المجتمع؛ فرارًا ممّا قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه. فروى أبو داود (١/ ٣٠٧) أنَّ عثمان -رضي الله عنه- صلّى بمنى أربعًا، فقال عبد الله بن مسعود مُنكِرًا عليه: صلّيتُ مع النّبيّ - ﷺ - ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرًا من إِمارته ثمّ ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |