|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثالث من صــ 46الى صــ 60 الحلقة (61) مال امرئٍ مسلم؛ إلاَّ عن طيب نفس» (١). قلت: وقد ورَدَت كلمتا (تجارة) و(زكاة) في الكتاب والسُّنّة، ولم تُجمع هاتان الكلمتان (زكاة التجارة)، في الكتاب أو السُّنّة مع شيوع التجارة وكثرتها، والنّبيّ - ﷺ - يوحى إِليه والقرآن يتنزَّل! * وقد صحّ عن رسول الله - ﷺ - ما يدلّ على أنَّه لا زكاة في عروض التجارة، وهو أنّه قد صحّ (٢) عن النّبيّ - ﷺ -: «ليس فيما دون خمس ذود (٣) صدقةً من الإِبل، وليس فيما دون خمس أواق (٤) صدقة» (٥). وأنّه أسقط الزكاة عمّا دون الأربعين من الغنم، وعمّا دون خمسة أوسق من التمر والحبّ، فمن أوجَب زكاةً في عروض التجارة؛ فإِنه يوجبها في كلّ ما نفى عنهعليه الصلاة والسلام- الزكاة ممّا ذكرنا. وصحّ عنه -عليه السلام-: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه --------------------- (١) أخرجه أحمد وغيره، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(١٤٥٩)، وتقدّم. (٢) كذا الأصل. (٣) قال الحافظ في»الفتح«(٣/ ٣٢٣):»الأكثر على أنَّ الذود من الثلاثة إِلى العشرة ... وقال أبو عبيد: من الثنتين إِلى العشرة، قال؛ وهو يختصّ بالإناث وقال القرطبي: أصله ذاد يذود: إِذا دفَع شيئًا فهو مصدر، وكأن من كان عنده؛ دفع عن نفسه مَعَرّة الفقر وشدّة الفاقة والحاجة«. (٤) قال الحافظ في»الفتح«(٣/ ٣١٠):»مقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق والمراد بالدرهم: الخالص من الفضة". (٥) أخرجه البخاري: ١٤٤٧، ومسلم: ٩٧٩. صدقة، إلاَّ صدقة الفطر«(١). وأنّه -عليه السلام- ذكَر حقّ الله تعالى في الإِبل والبقر والغنم والكنز ... فسُئِل عن الحُمُر فقال:»ما أنزل عليّ فيها شيء إِلا هذه الآية الفاذّة (٢) الجامعة: ﴿فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره﴾ (٣) «(٤). فمن أوجَب الزكاة في عروض التجارة؛ فإِنه يوجبها في الخيل والحُمُر والعبيد، وقد قطع رسول الله - ﷺ -؛ بأنه لا زكاة في شيء منها؛ إِلا صدقة الفطر في الرقيق. فلو كانت في عروض التجارة، أو في شيء ممّا ذَكَر -عليه السلام- زكاة إِذا كان لتجارة -لبيّن ذلك بلا شكّ، فإِذْ لم يُبيِّنه -عليه السلام- فلا زكاة فيها أصلًا»* (٥). وقد يحتجّ بعض العلماء بحديث قيس بن أبي غَرَزَة -رضي الله عنه- قال: «مرّ بنا رسول الله - ﷺ - فقال: يا معشر التّجار، إِنّ البيع يحضره اللغو والحلف؛ فَشُوبُوه بالصدقة» (٦). --------------------- (١) أخرجه مسلم: ٩٨٢. (٢) أي: المنفردة في معناها. (٣) الزلزلة: ٧. (٤) أخرجه البخاري: ٢٨٦٠، ومسلم: ٩٨٧. (٥) ما بين نجمتين من كلام ابن حزم -رحمه الله- في «المُحلّى» (٥/ ٣٥٣)، خلا الأحاديث؛ فإِنها خُرّجت من مصادرها المذكورة. (٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٨٤٥) والترمذي والنسائي وابن ماجه وصحّح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في «المشكاة» (٢٧٩٨). قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٥/ ٣٤٩): «فهذه صدقةٌ مفروضة غير محدودة؛ لكن ما طابت به أنفسهم، وتكون كفّارة لما يشوب البيع مما لا يصحّ؛ من لغو وحَلِف». وربما احتجّ بعض العلماء بقول ابن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: «ليس في العروض زكاة؛ إِلا ما كان للتجارة» (١). قال شيخنا -رحمه الله- في «تمام المِنَّة» (ص ٣٦٤) بعد أن ذَكر ما ذكرْته في بداية المبحث من عدم ورود دليل على زكاة العروض من الكتاب والسّنّة، ومنافاة ذلك البراءة الأصلية مُدعمًا بالحديث المتقدّم: «فإِنّ دماءَكم وأموالكم ...» قال -رحمه الله-: «ومِثل هذه القاعدة ليس من السهل نقضها، أو على الأقلّ تخصيصها ببعض الآثار ولو صحّت» وذكَر هذا الأثر«. ثم قال -رحمه الله-:»ومع كونه موقوفًا غير مرفوع إلى النّبي - ﷺ - فإِنّه ليس فيه بيان نصاب زكاتها ولا ما يجب إِخراجه منها، فيُمكِن حمْله على زكاة مطلقة، غير مقيّدة بزمن أو كمّية، وإنما بما تطيب به نفس صاحبها، فيدخل حينئذ في عموم النصوص الآمرة بالإِنفاق، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفِقوا ممّا رزقناكم ...﴾، وقوله -جلّ وعلا-: ﴿وآتوا حقّه يوم حَصاده﴾، وكقول النّبيّ - ﷺ -: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلاَّ ملكان يَنزِلان، فيقول أحدهما: اللهمّ أَعْطِ مُنفِقًا خَلَفًَا، ويقول الآخر: اللهمّ أعط -------------------- (١) أخرجه الإِمام الشافعي في»الأمّ«بسند صحيح، وانظر»تمام المِنّة" (ص ٣٦٤). مُمْسِكًا تَلَفًَا». رواه الشيخان (١) وغيرهما، وهو مُخرَج في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» برقم (٩٢٠). وقد صحّ شيء مما ذكرْتُه عن بعض السلف، فقال ابن جريج: قال لي عطاء: «لا صدقة في اللؤلؤ، ولا زبرجد، ولا ياقوت، ولا فصوص، ولا عَرْض (٢)، ولا شيء لا يدار (أي: لا يتاجَر به)، وإن كان شيئًا من ذلك يدار؛ ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع». أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٨٤/٧٠٦١)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٤٤)، وسنده صحيح جدًا. والشاهد منه قوله: «ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع». فإِنه لم يَذكُر تقويمًا، ولا نصابًا، ولا حولًا، ففيه إِبطال لادِّعاء البغوي في «شرح السنة» (٦/ ٥٣) الإِجماع على وجوب الزكاة في قيمة عروض التجارة؛ إِذا كانت نصابًا عند تمام الحول! كما زعم أنه لم يخالِف في ذلك إِلا داود الظاهري! وإنّ ممّا يبطل هذا الزعم أنّ أبا عبيد -رحمه الله- قد حكى في كتابه «الأموال» (٤٢٧/ ١١٩٣) عن بعض الفقهاء؛ أنّه لا زكاة في أموال التجارة. ومن المستبعَد جدًا؛ أنْ يكون عنى بهذا البعض داود نفسه؛ لأنّ عمره ---------------------- (١) انظر «صحيح البخاري» (١٤٤٢)، و«صحيح مسلم» (١٠١٠). (٢) المتاع. كان عند وفاة الإِمام أبي عبيد أربعًا وعشرين سنة أو أقلّ؛ ومن كان في هذا السنّ؛ يبعد عادة أن يكون له شُهْرة علمية؛ بحيث يحكي مثل الإِمام أبي عبيد خلافه، وقد تُوفّي سنة (٢٢٤)، وولد داود سنة (٢٠٠) أو (٢٠٢)، فتأمّل. ولعلّ أبا عبيد أراد بذاك البعض؛ عطاء بن أبي رباح، فقد قال إِبراهيم الصائغ: «سُئل عطاء: تاجر له مال كثير في أصناف شتّى، حضَر زكاته، أعليه أنْ يقوِّم متاعه على نحو ما يعلم أنه ثمنه، فيُخرِج زكاته؟ قال: لا، ولكن ما كان من ذهبٍ أو فضةٍ أخرج منه زكاته، وما كان من بيع أخرج منه إِذا باعه». أخرجه ابن زنجويه في كتابه «الأموال» (٣/ ٩٤٦/ ١٧٠٣) بسند حسن كما قال المعلّق عليه الدكتور شاكر ذيب فياض، وهو شاهد قوي لرواية ابن جريج المتقدمة. وجملة القول؛ أنّ المسألة لا يصح ادّعاء الإِجماع فيها، لهذه الآثار وغيرها ممّا ذكَره ابن حزم في «المحلّى»، الأمر الذي يُذكّرنا بقول الإِمام أحمد -رحمه الله تعالى-: «من ادّعى الإِجماع، فهو كاذب، وما يدريه لعلّهم اختلفوا». وصدَق -جزاه الله خيرًا- فكم من مسألة ادُّعي فيها الإِجماع، ثمّ تبيّن أنّها من مسائل الخلاف، وقد ذكَرنا أمثلة منها في بعض مؤلفاتنا، مِثل «أحكام الجنائز» و«آداب الزفاف»، وغيرهما«. وقال -رحمه الله- (ص ٣٦٧):»قد يَدّعي بعضهم أنّ القول بعدم وجوب زكاة عروض التجارة فيه إِضاعة لحق الفقراء والمساكين في أموال الأغنياء والمُثرين، والجواب من وجهين: الأول: أنّ الأمر كله بيد الله تعالى، فليس لأحد أنْ يشرع شيئًا من عنده بغير إِذنٍ من الله -عز وجل- ﴿وربُّك يخلُق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخِيرَة سبحانه وتعالى عمَّا يشركون﴾ (١). ألا ترى أنّهم أجمَعوا على أنّه لا زكاة على الخَضْراوات؛ على اختلافٍ كثيرٍ بينهم؛ مذكورٍ عند المصنّف (٢) وغيره، واتفقوا على أنه لا زكاة على القصب والحشيش والحطب؛ مهما بلغَت قيمتها، فما كان جوابهم عن هذا كان الجواب عن تلك الدعوى! على أنّ المؤلف قد جزَم أنّه لم تكن تُؤخَذ الزكاة من الخَضْراوات ولا من غيرها من الفواكه إلاَّ العنب والرّطب. فأقول: فهذا هو الحقّ، وبه تبطُل الدعوى من أصلها. والآخر: أنّ تلك الدعوى قائمة على قصر النظر في حكمة فرض الزكاة؛ أنها لفائدة الفقراء فقط، والأمر على خلافه كما في قوله تعالى: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ...﴾ (٣) الآية. فإِذا كان الأمر كذلك، ووسَّعْنا النظر في الحكمة قليلًا، وجدنا أنّ الدعوى المذكورة باطلة؛ لأنّ طرْح الأغنياء أموالهم ومتاجرتهم بها أنفع -------------------- (١) القصص: ٦٨. (٢) أي: الشيخ السيد سابق -رحمه الله تعالى-. (٣) التوبة: ٦٠. للمجتمع -وفيه الفقراء- مِنْ كَنْزِها، ولو أخرجوا زكاته. ولعلّ هذا يُدركه المتخصصون في علم الاقتصاد أكثر من غيرهم، والله ولي التوفيق». وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٦): «وأمّا مالك فمذهبه أنّ التجّار على قسمين: متربّص، ومدير. فالمتربّص (١): وهو الذي يشتري السلع، وينتظر بها الأسواق، فربَّما أقامت السلع عنده سنين، فهذا عنده لا زكاة عليه، إِلا أنْ يبيع السلعة فيزكّيها لعام واحد. وحُجّته أنّ الزكاة شُرعت في الأموال النامية، فإِذا زَكّى السلعة كلّ عام - وقد تكون كاسدة- نقصت عن شرائها فيتضرر، فإِذا زُكّيت عند البيع؛ فإِنْ كانت ربحت فالربح كان كامنًا فيها، فيُخرج زكاته، ولا يُزكّي حتى يبيع بنصاب؛ ثم يُزكّي بعد ذلك ما يبيعه من كثير وقليل. وأمّا المدير: وهو الذي يبيع السلع في أثناء الحول، فلا يستقر بيده سلعة، فهذا يُزكّي في السَّنة الجميع، يجعل لنفسه شهرًا معلومًا، يحسب ما بيده من السِّلَع والعين، والدّين الذي على المليء الثقة، ويزكي الجميع، هذا إِذا كان ينضُّ (٢) في يده في أثناء السَّنة، ولو درهم، فإِن لم يكن يبيع بعين ------------------- (١) وقال (ص ٤٥) في تعريف المتربص:»وهو الذى يشترى التجارة وقت رُخصها ويدّخرها إِلى وقت ارتفاع السعر«. (٢) نضّ الشيء: حصَل وتيسّر.»الوسيط". أصلًا، فلا زكاة عليه عنده» (١). وقال الشوكاني -رحمه الله- في «السّيل الجرار» (٢/ ٢٧) -بعد تحقيق وتخريج النصوص المتعلقة بالموضوع-: «والحاصل أنّه ليس في المقام ما تقوم به الحُجّة، وإِنْ كان مذهب الجمهور كما حكاه البيهقي في»سننه«فإِنه قال: إِنه قول عامّة أهل العلم والدّين». انتهى. وهناك أمر هامّ؛ وهو أنّ من أوجَب الزكاة على عروض التجارة بنسبة ٢.٥% فماذا إِذا ربح التاجر وحال الحول على مبلغٍ ما عنده؛ أفلا يكون قد أوجب الزكاة عليه مرّتين؟ فمن أين هذا الإيجاب؟ وما الدليل عليه؟ والخلاصة: «إِنّه لا يحل مال امرئ مسلم إلاَّ عن طيب نفس»، وأنّه لم يرد نصٌ في الكتاب أو السُّنَة الصحيحة يوجب زكاة العروض مع كثرة متاجرات الصحابة -رضي الله عنهم- وأنّه قد ورَدت بعض الآثار التي تفيد ورود ذلك. بيْد أنّها لم تبلغ مبلغًا ينقض ما اتفق من القواعد، أو يجعلنا نطمئنّ بإِيجاب هذه الزكاة، مع مناقشة أهل العلم لأفراد هذه الآثار. وكذلك قد ورَد في نصوص عديدة بيان زكوات أشياء عديدة، كزكاة النقدين، وما يؤخَذ من الزروع والثمار؛ كالحنطه والشعير والتمر والزبيب، وزكاة المواشي: الإِبل والبقر والغنم، وفيها بيان النصاب ومقدار الواجب في كلّ ذلك، وورد في نصوص عديدة ما لا يُؤخَذ فيه زكاة؛ كالخَضْراوات، --------------------- (١) ويميل شيخ الإِسلام -رحمه الله- إِلى وجوب الزكاة في عروض التجارة، وانظر -إِن شئت- «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٥). والخيل، والرقيق إلاَّ زكاة الفطر، ودون خمسة أوسق من التمر ... «ودون الأربعين من سائمة الغنم. وسكت الشرع عن أشياء غير نسيان (١)، وقد قال الله تعالى: ﴿وما كان ربُّك نَسِيّا﴾ (٢). ودلّ هذا على عدم إِيجاب الزكاة -يعني المقنّنة التي يشترط فيها الحول والنصاب- وإنما تُدفع صدقة من الصدقات والله -تعالى- أعلم». وسألْت شيخنا -رحمه الله- مَنْ مِنْ السّلف قال بهذا القول؟ فكان من إِجابته: «... إنّ بعض التُّجار قد جاءوا من الشام إلى عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ومعهم خيل للبيع للتجارة، فقالوا له: يا أمير المؤمنين! خُذ منّا زكاتها. فقال -رضي الله عنه-: إِنّه لم يفعل ذلك صاحباي من قبلي. فألحّوا مُصرِّين وألحّ هو كذلك، وكان في المجلس علي بن أبي طالب --------------------- (١) وفي الحديث:»ما أحلَّ الله في كتابه فهو حلال، وما حَرَّم فهو حرام، وما سكَت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإِن الله لم يكن لينسى شيئًا، وتلا: ﴿وما كان ربك نسيًّا﴾«. أخرجه الحاكم في»المستدرك«وغيره، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»غاية المرام«(٢). وثبث عن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قال:»الحلال ما أحلّ الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو عفو«.»غاية المرام" (٣). (٢) مريم: ٦٤. -رضي الله عنه- فقال: يا أمير المؤمنين! خُذها منهم على أنّها صدقة من الصدقات، فأخَذَها فطابت قلوبهم. والحديث في «مسند الإِمام أحمد»، ففيه بيان وتوضيح أنّ الخيل التي كانت تُربَّى وتشرى من أجل المتاجرة بها؛ لا زكاة عليها؛ كالذي فرَض رسول الله - ﷺ - زكاته على الحيوانات الأخرى؛ كالغنم والبقر والإِبل، وبيّن شيخنا -رحمه الله- أن ابن حزم ذكَر ذلك«. انتهى. قلت: والذي ذكَره ابن حزم -رحمه الله- في»المحلّى«(٥/ ٣٣٩) وقد ذكر أنه لا زكاة في الخيل-:»وقد صحّ أنّ عمر إِنّما أخَذها على أنها صدقة تطوُّع منهم؛ لا واجبة. ... عن شبيل بن عوف -وكان قد أدرك الجاهلية- قال: أمَر عمر بن الخطاب الناس بالصدقة؛ فقال الناس: يا أمير المؤمنين، خيل لنا، ورقيق، افرِضْ علينا عشرة عشرة! فقال عمر: أمّا أنا فلا أفرض ذلك عليكم. ثمّ قال: ... عن حارثة -هو ابن مضرب- قال: «حَججتُ مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فأتاه أشراف أهل الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين، إِنّا أصبنا رقيقًا ودوابّ؛ فخُذ مِن أموالنا صدقةً تُطهّرنا، وتكون لنا زكاة! فقال: هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قبلي» (١). ------------------------- (١) وقال شيخنا -رحمه الله- في بعض إِجابات السائلين: «فيه رجل يكنّى بأبي إِسحاق السبيعي، وهو ثقة حُجّة من رجال الشيخين، ولكنه متَّهم بأمرين؛ الأول: التدليس، والثاني: الاختلاط، وبعضهم يغضّ النظر عن مِثل هذه العِلّة فيَحكُم على الإِسناد بالصحة، ولكن لا بأس من إِيراد هذا الأثر مع بيان حقيقته ...». ثم قال: ... هذه أسانيد في غاية الصحّة والإِسناد، فيه أنّ رسول الله - ﷺ - لم يأخذ من الخيل صدقة، ولا أبو بكر بعده؛ وأنّ عمر لم يفرض ذلك، وأنّ عليًا بعده لم يأخذها». زكاة الزروع والثمار وجوبها قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مِن طيّبات ما كسبتُم وممّا أَخرجْنا لكم من الأرض﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وهو الذي أنشَأ جنّاتٍ (٢) معروشات وغيرَ معروشات (٣) والنخل والزرع مختلفًا أُكُله (٤) والزيتون والرُّمان متشابهًا (٥) وغير ---------------------- (١) البقرة: ٢٦٧. (٢) الجنات: هي البساتين. (٣) معروشات وغير معروشات: أي: مسموكات مرفوعات، وغير مرفوعات، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: معروشات: ما انبسط على وجه الأرض فانتشر ممّا يعرش؛ مِثل الكرم والقرع والبطيخ وغيرها. وغير معروشات: ما قام على ساق ونسَق [ما كان على نظام واحد] مِثل النخل والزرع وسائر الأشجار، وقال الضحاك: كلاهما من الكرم خاصَّة؛ منها ما عُرش ومنها ما لم يُعرش«،»تفسير البغوي". (٤) مختلفًا أُكُله: أي: ثمره وطعمه منها الحلو والحامض ... (٥) متشابهًا: أي: في النظر. متشابه (١) كلوا من ثمره إذا أثمَر وآتوا حقّه يوم حَصادِه﴾ (٢). عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ﴿وآتوا حقّه يوم حصادِه﴾: «الزكاة المفروضة يوم يُكال ويُعلم كيلُه» (٣). الأصناف التي تُؤخَذ منها تُؤخَذ زكاة الزروع والثمار من الحنطة والشعير والتمر والزبيب فقط. عن أبي موسى ومعاذ -رضي الله عنهما- حين بعَثهما رسول الله - ﷺ - إِلى اليمن يُعلّمان النّاس أمر دينهم: «لا تأخذوا الصدقة إِلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر» (٤). جاء في «تمام المِنّة» (ص ٣٧٢): «قال أبو عبيد وابن زنجويه في»كتابيهما«:»والذي نختاره في ذلك الاتباع لسُنّة رسول الله - ﷺ -، والتمسّك بها، أنّه لا صدقة في شيء من الحبوب إِلا في البُرّ والشعير، ولا صدقة في شيء من الثمار إِلا في النخل والكرم. لأنّ رسول الله - ﷺ - لم يسمِّ إلاَّ إِيّاها، مع قول من قال به من الصحابة والتابعين، ثم اختيار ابن أبي ليلى وسفيان إِياه، لأن رسول الله - ﷺ - حين خصّ ----------------------- (١) وغير متشابه: أي: في الطعم مثل الرمّانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف. «تفسير البغوي». (٢) الأنعام: ١٤١. (٣) تفسير ابن كثير. (٤) أخرجه الدارقطني والحاكم وغيرهما، وصححه شيخنا في «الإِرواء» (٨٠١) و«الصحيحة» (٨٧٩). هذه الأصناف الأربعة للصدقة، وأعرض عمّا سِواها، قد كان يعلم أنّ للناس أموالًا وأقواتًا، ممّا تخرج سواها، فكان ترْكه ذلك وإعراضه عنه؛ عفوًا منه كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق«. قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-] وهذه الحُجّة الأخيرة؛ تنسحب أيضًا على عروض التجارة (١)، فإِنها كانت معروفة في عهد النّبيّ - ﷺ -، وذُكِرت في القرآن والأحاديث مرارًا كثيرة، وبمناسبات شتّى، فسكوته - ﷺ - عنها، وعدم تحدُّثه عنها بما يجب عليها من الزكاة التي ذهب إِليها بعضهم؛ فهو عفو منه أيضًا لحكمة بالغة، سبق لفت النظر إِلى شيء منها ممّا ظهر لنا، والله -سبحانه وتعالى- أعلم». وسألتُ شيخنا -رحمه الله- عن أخْذِ الأصناف التي تشبه المذكورات «الحنطة والشعير والتمر والزبيب» وما اشتق منها، كالخوخ ونحوه. فقال: ما قيل في عروض التجارة؛ أي: الزكاة غير المقنّنة. هل في العنب زكاة؟ عن موسى بن طلحة قال: «أمَر رسول الله - ﷺ - معاذ بن جبل حين بعثه إِلى اليمن؛ أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير والنخل والعنب». * وهذا سند صحيح مرسل، وهو صريح في الرفع، ولا يضر إِرساله لأمرين: الأول: أنّه صحَّ موصولًا عن معاذ كما تقدّم (٢) من رواية ابن مهدي عن سفيان عن عمرو بن عثمان. --------------------- (١) وتقدّم الكلام عنها. (٢) تحت رقم (٨٠١) من «الإرواء». الثاني: أن عبد الله بن الوليد العدني -وهو ثقة- رواه عن سفيان به وزاد فيه: «قال: بَعث الحجّاج بموسى بن المغيرة على الخضر والسواد، فأراد أن يأخذ من الخضر الرطاب والبقول، فقال موسى بن طلحة عندنا كتاب معاذ عن رسول الله - ﷺ - أنّه أمرَه أن يأخذ من الحنطة والشعير والتمر والزبيب. قال: فكتَب إِلى الحجّاج في ذلك، فقال: صدَق ...»* (١). وسألتُ شيخنا -رحمه الله-: هل تجب الزكاة في العنب؟ فأجاب: تجب الزكاة فيه إِذا أراد بيعه قبل أن يصبح زبيبًا؛ كما تجب فيه الزكاة وهو زبيب. لا تُؤخذ الزكاة من الخَضْراوات. عن معاذ أنه كتب إِلى النّبيّ - ﷺ - يسأله عن الخَضْراوات -وهي البقول- فقال: «ليس فيها شيء» (٢). قال أبو عيسى: «والعمل على هذا عند أهل العلم؛ أنه ليس في الخَضْراوات صدقة». وروى موسى بن طلحة أنّ معاذًا لم يأخذ من الخَضْراوات صدقة«(٣). هل في السُّلت زكاة؟ نعم فيه زكاة؛ وهو ضرب من الشعير أبيض لا قشر له (٤) لأنه صنف من --------------------- (١) ما بين نجمتين من»الإِرواء«(٣/ ٢٧٨). (٢) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٥١٩) وغيره. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(٨٠١). (٤) انظر»النهاية". الأصناف الأربعة المذكورة في الحديث (١). هل في الزيتون زكاة؟ وسألت شيخنا -رحمه الله- عن الزيتون، هل يرى عدم إِخراج الزكاة عنه؟ فأجاب -رحمه الله-: لا تجب فيه الزكاة المقنّنة، أمّا الزكاة العامّة فتجب لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقّه يوم حصاده﴾ (٢). النّصاب يُشترط لإِيجاب الزكاة في الثمار والزروع المنصوص عليها؛ أن تبلغ خمسة أوسُق (٣). عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقة من الإِبل، وليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة» (٤). المقدار الواجب: ْيختلف المقدار الواجب إِخراجه باختلاف وسيلة السقي؛ فإِنْ كان يُسقَى بماء السماء والعيون والأنهار؛ فزكاته العُشر. ---------------------- (١) انظر -إِن شئت- للمزيد من الفائدة «تمام المِنّة» (ص ٣٧٠). (٢) الأنعام: ١٤١. (٣) الوَسْق: ستون صاعًا والأصل في الوَسْق: الحِمل، وكلّ شيء وسَقْته فقد حَمَلْته، ْوالوَسق أيضًا: ضمّ الشيء إِلى الشيء. «النهاية». (٤) أخرجه البخاري: ١٤٤٧، ومسلم: ٩٧٩. ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |