|
|||||||
| ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() السيرة النبوية (ابن هشام) ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري الجزء الاول الحلقة (51) صــ 481إلى صــ 490 دُونَهُ إلَى أَصْحَابِهِ، فَلَأَوْشَكُوا أَنْ يَثِبُوا عَلَيْكُمْ، فَيَنْزِعُوهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يُكَاثِرُوكُمْ بِهِ، حَتَّى يَغْلِبُوكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، فَانْظُرُوا فِي غَيْرِهِ، فَتَشَاوَرُوا. ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَنَنْفِيهِ مِنْ بِلَادِنَا، فَإِذَا أخرج عنّا فو الله مَا نُبَالِي أَيْنَ ذَهَبَ، وَلَا حَيْثُ وَقَعَ، إذَا غَابَ عَنَّا وَفَرَغْنَا مِنْهُ، فَأَصْلَحْنَا أَمْرَنَا وَأَلْفَتْنَا كَمَا كَانَتْ [١] . فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، أَلَمْ تَرَوْا حُسْنَ حَدِيثِهِ، وَحَلَاوَةَ مَنْطِقِهِ، وَغَلَبَتِهِ عَلَى قُلُوبِ الرِّجَالِ بِمَا يَأْتِي بِهِ، وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا أَمِنْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَى حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَغْلِبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَدِيثِهِ حَتَّى يُتَابِعُوهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسِيرُ بِهِمْ إلَيْكُمْ حَتَّى يَطَأَكُمْ بِهِمْ فِي بِلَادِكُمْ، فَيَأْخُذَ أَمْرَكُمْ مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يَفْعَلَ بِكَمْ مَا أَرَادَ، دَبِّرُوا [٢] فِيهِ رَأْيًا غَيْرَ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاَللَّهِ إنَّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدُ، قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلِيدًا نَسِيبًا وَسِيطًا [٣] فِينَا، ثُمَّ نُعْطِي كُلَّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا، ثُمَّ يَعْمِدُوا إلَيْهِ، فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَقْتُلُوهُ، فَنَسْتَرِيحَ مِنْهُ. فَإِنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ جَمِيعًا، فَرَضُوا مِنَّا بِالْعَقْلِ، فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: الْقَوْلُ مَا قَالَ الرَّجُلُ، هَذَا الرَّأْيُ الَّذِي لَا رَأْيَ غَيْرُهُ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُجْمِعُونَ لَهُ. (خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتِخْلَافُهُ عَلِيًّا عَلَى فِرَاشِهِ): فَأَتَى جِبْرِيلُ عليه السلام رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: لَا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى فِرَاشِكَ الَّذِي كُنْتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ عَتَمَةٌ مِنْ اللَّيْلِ اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرْصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ، فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَانَهُمْ، قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: نَمْ عَلَى فِرَاشِي وَتَسَجَّ [٤] بِبُرْدِي هَذَا ---------------------- [١] صَاحب هَذَا الرأى أَبُو الْأسود ربيعَة بن عَامر، أحد بنى عَامر بن لؤيّ. [٢] فِي أ: «أديروا» . [٣] الْوَسِيط: الشريف فِي قومه. [٤] تسجى بِالثَّوْبِ: غطى بِهِ جسده وَوَجهه. الْحَضْرَمِيِّ الْأَخْضَرِ، فَنَمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ فِي بُرْدِهِ ذَلِكَ إذَا نَامَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ، وَفِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ وَهُمْ عَلَى بَابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّكُمْ إنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ، كُنْتُمْ مُلُوكَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، فَجُعِلَتْ لَكُمْ جِنَانٌ كَجِنَانِ الْأُرْدُنِّ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ لَهُ فِيكُمْ ذَبْحٌ، ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، ثُمَّ جُعِلَتْ لَكُمْ نَارٌ تُحْرَقُونَ فِيهَا. قَالَ: وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، أَنْتَ أَحَدُهُمْ. وَأَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ، فَلَا يَرَوْنَهُ، فَجَعَلَ يَنْثُرُ ذَلِكَ التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُوَ يَتْلُو هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ يس: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ٣٦: ١- ٥ ... إلَى قَوْلِهِ: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ٣٦: ٩ حَتَّى فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ، فَأَتَاهُمْ آتٍ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ: مَا تَنْتَظِرُونَ هَاهُنَا؟ قَالُوا: مُحَمَّدًا، قَالَ: خَيَّبَكُمْ اللَّهُ! قَدْ وَاَللَّهِ خَرَجَ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ مَا تَرَكَ مِنْكُمْ رَجُلًا إلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، وَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، أَفَمَا تَرَوْنَ مَا بِكُمْ؟ قَالَ: فَوَضَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ تُرَابٌ، ثُمَّ جَعَلُوا يَتَطَلَّعُونَ فَيَرَوْنَ عَلِيًّا عَلَى الْفِرَاشِ مُتَسَجِّيًا بِبُرْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَقُولُونَ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا لَمُحَمَّدٌ نَائِمًا، عَلَيْهِ بُرْدُهُ. فَلَمْ يَبْرَحُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحُوا [١] فَقَامَ عَلِيٌّ رضي الله عنه عَنْ الْفِرَاشِ فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ صَدَقَنَا الَّذِي حَدَّثَنَا. -------------------- [١] قَالَ السهيليّ: «وَذكر بعض أهل التَّفْسِير السَّبَب الْمَانِع لَهُم من التقحم عَلَيْهِ فِي الدَّار مَعَ قصر الْجِدَار وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا جَاءُوا لقَتله، فَذكر فِي الْخَبَر أَنهم هموا بالولوج عَلَيْهِ، فصاحت امْرَأَة من الدَّار، فَقَالَ بَعضهم لبَعض: وَالله إِنَّهَا للسبة فِي الْعَرَب أَن يتحدث عَنَّا أَنا تسورنا الْحِيطَان على بَنَات الْعم، وهتكنا ستر حرمتنا، فَهَذَا هُوَ الّذي أقامهم بِالْبَابِ. أَصْبحُوا ينتظرون خُرُوجه، ثمَّ طمست أَبْصَارهم على من خرج» . (مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي تَرَبُّصِ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبِيِّ): قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل مِنْ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَا كَانُوا أَجْمَعُوا لَهُ: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ ٨: ٣٠، وَقَوْلِ اللَّهِ عز وجل: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ. قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ٥٢: ٣٠- ٣١. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَنُونُ: الْمَوْتُ. وَرَيْبُ الْمَنُونِ: مَا يَرِيبُ وَيَعْرِصُ مِنْهَا. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَليُّ: أَمِنْ الْمَنُونِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ ... وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ فِي الْهِجْرَةِ. (طَمَعُ أَبِي بَكْرٍ فِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ النَّبِيِّ فِي الْهِجْرَةِ، وَمَا أَعَدَّ لِذَلِكَ): قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه رَجُلًا ذَا مَالٍ، فَكَانَ حَيْنَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَعْجَلْ، لَعَلَّ اللَّهَ يَجِدُ لَكَ صَاحِبًا، قَدْ طَمِعَ بِأَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إنَّمَا يَعْنِي نَفْسَهُ، حَيْنَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَابْتَاعَ رَاحِلَتَيْنِ، فَاحْتَبَسَهُمَا فِي دَارِهِ، يَعْلِفُهُمَا إعْدَادًا لِذَلِكَ. (حَدِيثُ هِجْرَتِهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ): قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لَا يُخْطِئُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ، إمَّا بُكْرَةً، وَإِمَّا عَشِيَّةً، حَتَّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أُذِنَ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَيْ قَوْمِهِ، أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ، فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَأْتِي فِيهَا. قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: مَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ السَّاعَةَ إلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ. قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ، تَأَخَّرَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ سَرِيرِهِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إلَّا أَنَا وَأُخْتِي أَسَمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَخْرِجْ عَنِّي مَنْ عِنْدَكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ [١]، وَمَا ذَاكَ؟ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الصُّحْبَة. قَالَت: فو الله مَا شَعُرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي يَوْمئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ هَاتَيْنِ رَاحِلَتَانِ قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتهمَا لِهَذَا. فَاسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَطِ- رَجُلًا مِنْ بَنِي الدُّئَلِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مُشْرِكًا- يَدُلُّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ، فَدَفَعَا إلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، فَكَانَتَا عِنْدَهُ يَرْعَاهُمَا لِمِيعَادِهِمَا. (مَنْ كَانَ يَعْلَمُ بِهِجْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ): قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمْ يَعْلَمْ فِيمَا بَلَغَنِي، بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ، حَيْنَ خَرَجَ، إلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ. أَمَا عَلِيٌّ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- أَخْبَرَهُ بِخُرُوجِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بَعْدَهُ بِمَكَّةَ، حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَدَائِعَ، الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُخْشَى عَلَيْهِ إلَّا وَضَعَهُ عِنْدَهُ، لِمَا يُعْلَمُ مِنْ صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ ﷺ. (قِصَّةُ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ): قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخُرُوجَ، أَتَى أَبَا بَكْرِ ابْن أَبِي قُحَافَةَ، فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ، ثُمَّ عَمَدَ إلَى غَارٍ بِثَوْرٍ- جَبَلٍ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ- فَدَخَلَاهُ، وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَسَمَّعَ لَهُمَا مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِمَا نَهَارَهُ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْخَبَرِ، وَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ أَنْ يَرْعَى غَنَمَهُ نَهَارَهُ، ثُمَّ يُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا، يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى فِي الْغَارِ. وَكَانَتْ أَسَمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ تَأْتِيهِمَا مِنْ الطَّعَامِ إذَا أَمْسَتْ بِمَا يُصْلِحُهُمَا. ----------------------- [١] فِي جَامع البُخَارِيّ: «إِنَّمَا هم أهلك» . وَقد كَانَ أَبُو بكر أنكح عَائِشَة من رَسُول الله ﷺ قبل ذَلِك. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيَّ قَالَ: انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ إلَى الْغَارِ لَيْلًا، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَسَ الْغَارَ، لِيَنْظُرَ أَفِيهِ سَبُعٌ أَوْ حَيَّةٌ، يَقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ. (ابْنَا أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ فهَيْرَة يقومُونَ بشئون الرَّسُولِ وَصَاحِبِهِ وَهُمَا فِي الْغَارِ): قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْغَارِ ثَلَاثًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ فِيهِ حِين فقدوه مائَة نَاقَةٍ، لِمَنْ يَرُدُّهُ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَكُونُ فِي قُرَيْشٍ نَهَارَهُ مَعَهُمْ، يَسْمَعُ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَمَا يَقُولُونَ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى فَيُخْبِرُهُمَا الْخَبَرَ. وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، يَرْعَى فِي رَعْيَانِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِذَا أَمْسَى أَرَاحَ عَلَيْهِمَا غَنَمَ أَبِي بَكْرٍ، فَاحْتَلَبَا وَذَبَحَا، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ غَدَا مِنْ عِنْدِهِمَا إلَى مَكَّةَ، اتَّبَعَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ أَثَرَهُ بِالْغَنَمِ حَتَّى يُعَفِّي عَلَيْهِ، حَتَّى إذَا مَضَتْ الثَّلَاثُ، وَسَكَنَ عَنْهُمَا النَّاسُ أَتَاهُمَا صَاحِبُهُمَا الَّذِي اسْتَأْجَرَاهُ بِبَعِيرَيْهِمَا وَبَعِيرٍ لَهُ، وَأَتَتْهُمَا أَسَمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما بِسُفْرَتِهِمَا، وَنَسِيَتْ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا عِصَامًا فَلَمَّا ارْتَحَلَا ذَهَبَتْ لِتُعَلِّقَ السُّفْرَةَ، فَإِذَا لَيْسَ لَهَا عِصَامٌ، [١] فَتَحِلُّ نِطَاقَهَا فَتَجْعَلُهُ عِصَامًا، ثُمَّ عَلَّقَتْهَا بِهِ. (سَبَبُ تَسْمِيَةِ أَسْمَاءَ بِذَاتِ النِّطَاقِ): فَكَانَ يُقَالُ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: ذَاتُ النِّطَاقِ، لِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ. وَتَفْسِيرُهُ: أَنَّهَا لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تُعَلِّقَ السُّفْرَةَ شَقَّتْ نِطَاقَهَا بِاثْنَيْنِ، فَعَلَّقَتْ السُّفْرَةَ بِوَاحِدٍ، وَانْتَطَقَتْ بِالْآخَرِ. (أَبُو بَكْرٍ يُقَدِّمُ رَاحِلَةً لِلرَّسُولِ ﷺ): قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قَرَّبَ أَبُو بَكْرٍ، رضي الله عنه، الرَّاحِلَتَيْنِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَدَّمَ لَهُ أَفَضْلَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: ارْكَبْ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، --------------------- [١] العصام: الْحَبل أَو شبهه يشد على فَم المزادة وَنَحْوهَا ليحفظ بَاقِيهَا أَو تعلق مِنْهَا فِي وتد وَنَحْوه. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي لَا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ لِي، قَالَ: فَهِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ مَا الثَّمَنُ الَّذِي ابْتَعْتهَا بِهِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتهَا بِهِ، قَالَ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ [١] . فَرَكِبَا وَانْطَلَقَا وَأَرْدَفَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ خَلْفَهُ، لِيَخْدِمَهُمَا فِي الطَّرِيقِ. (ضَرْبُ أَبِي جَهْلٍ لِأَسْمَاءِ): قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحُدِّثْتُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ ابْن هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكَ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاَللَّهِ أَيْنَ أَبِي؟ قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً طُرِحَ مِنْهَا قُرْطِي. (خَبَرُ الْهَاتِفِ مِنْ الْجِنِّ عَنْ طَرِيقِ الرَّسُولِ ﷺ فِي هِجْرَتِهِ): قَالَتْ: ثُمَّ انْصَرَفُوا. فَمَكَثْنَا ثَلَاثَ لَيَالٍ. وَمَا نَدْرِي أَيْنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنِّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، يَتَغَنَّى بِأَبْيَاتٍ مِنْ شَعَرِ غِنَاءِ الْعَرَبِ، وَإِنَّ النَّاسَ لَيَتْبَعُونَهُ، يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَمَا يَرَوْنَهُ، حَتَّى خَرَجَ مِنْ أَعَلَى مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ: جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا نَزَلَا بِالْبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا ... فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدٍ لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنَيْنِ بِمَرْصَدِ [٢] (نَسَبُ أُمِّ مَعْبَدٍ): قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّ مَعْبَدٍ [٣] بِنْتُ كَعْبٍ، امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ، مِنْ خُزَاعَةَ. ------------------------- [١] إِنَّمَا لم يقبل رَسُول الله ﷺ الرَّاحِلَة مِنْهُ إِلَّا بِثمنِهَا رَغْبَة مِنْهُ عليه الصلاة والسلام فِي استكمال فضل الْهِجْرَة، وَأَن تكون الْهِجْرَة وَالْجهَاد على أتم أحوالهما. [٢] ويروى أَن حسان بن ثَابت لما بلغه شعر الجنى وَمَا هتف بِهِ فِي مَكَّة قَالَ أبياتا، مطْلعهَا: لقد خَابَ قوم غَابَ عَنْهُم نَبِيّهم ... وَقد سر من يسرى إِلَيْهِم ويغتدى [٣] وَاسم أم معبد: عَاتِكَة بنت خَالِد. ويحكى أَن رَسُول الله ﷺ مر على خيمتها هُوَ وَأَبُو بكر وَمولى أَبى بكر عَامر بن فهَيْرَة وَدَلِيلهمَا، وَكَانَت أم معبد بَرزَة جلدَة تختبئ بِفنَاء الْقبَّة، ثمَّ وَقَوْلُهُ «حلا خَيْمَتي»، و«هما نَزَلَا بِالْبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما: فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ، عَرَفْنَا حَيْثُ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّ وَجْهَهُ إلَى الْمَدِينَةِ وَكَانُوا أَرْبَعَةً: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، وَعَامِرُ ابْن فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَطَ دَلِيلُهُمَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ. (أَبُو قُحَافَةَ وَأَسْمَاءُ بَعْدَ هِجْرَةِ أَبِي بَكْرٍ): قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَاهُ عَبَّادًا حَدَّثَهُ عَنْ جَدَّتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ كُلَّهُ، وَمَعَهُ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّةُ آلَافٍ، فَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدِّي أَبُو قُحَافَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَا أَرَاهُ قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ. قَالَتْ: قُلْتُ: كَلَّا يَا أَبَتِ! إنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا. قَالَتْ: فَأَخَذْتُ أَحْجَارًا فَوَضَعْتهَا فِي كُوَّةٍ فِي الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ أَبِي يَضَعُ مَالَهُ فِيهَا، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا الْمَالِ. قَالَتْ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، إذَا كَانَ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا بَلَاغٌ لَكُمْ. وَلَا وَاَللَّهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُسَكِّنَ الشَّيْخَ بِذَلِكَ. -------------------- [()] تسقى وَتطعم، فَسَأَلُوهَا لَحْمًا وَتَمْرًا يشترونه مِنْهَا، فَلم يُصِيبُوا عِنْدهَا شَيْئا، وَكَانَ الْقَوْم مُرْمِلِينَ مُسنَّتَيْنِ، فَنظر رَسُول الله ﷺ إِلَى شَاة بِكَسْر الْخَيْمَة، فَقَالَ: مَا هَذِه الشَّاة يَا أم معبد؟ قَالَت: شَاة خلفهَا الْجهد عَن الْغنم، فَقَالَ: هَل بهَا من لبن؟ قَالَت: هِيَ أجهد من ذَلِك، قَالَ: أَتَأْذَنِينَ لي أَن أَحْلَبَهَا؟ قَالَت: بِأبي أَنْت وأمى! إِن رَأَيْت بهَا حَلبًا فاحلبها. فَدَعَا بهَا رَسُول الله ﷺ فَمسح بِيَدِهِ ضرْعهَا، فَسمى الله تَعَالَى، ودعا لَهَا فِي شَأْنهَا، فتفاجت عَلَيْهِ، وَدرت واجترت، ودعا بِإِنَاء يريض الرَّهْط، فَحلبَ فِيهِ ثَجًّا، حَتَّى علاهُ لَبنهَا، ثمَّ سَقَاهَا حَتَّى رويت، وَسَقَى أَصْحَابه حَتَّى رووا، وَشرب آخِرهم، ثمَّ أراضوا، ثمَّ صب فِيهِ ثَانِيًا بعد بَدْء حَتَّى مَلأ الْإِنَاء، ثمَّ غَادَرَهُ عِنْدهَا، ثمَّ بَايَعَهَا على الْإِسْلَام، ثمَّ ارتحلوا عَنْهَا. فَمَا لَبِثت حَتَّى جَاءَ زَوجهَا أَبُو معبد يَسُوق أَعْنُزًا عِجَافًا، فَلَمَّا رأى أَبُو معبد اللَّبن عجب وَقَالَ: من أَيْن لَك هَذَا يَا أم معبد؟ وَالشَّاة عَازِب حِيَال، وَلَا حَلُوب فِي الْبَيْت؟ قَالَت: لَا وَالله، إِلَّا أَنه مر بِنَا رجل مبارك، من حَاله كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صَفيه يَا أم معبد، فوصفته لَهُ فِي كَلَام طَوِيل، كُله الْحق، قَالَ أَبُو معبد: هَذَا وَالله صَاحب قُرَيْش، الّذي ذكر لنا من أمره مَا ذكر بِمَكَّة، لقد هَمَمْت أَن أَصْحَبهُ، وَلَأَفْعَلَن إِن وجدت إِلَى ذَلِك سَبِيلا. (سُرَاقَةُ وَرُكُوبُهُ فِي أَثَرِ الرَّسُولِ ﷺ): قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ حَدَّثَهُ. عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ [١]، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرًا إلَى الْمَدِينَةِ، جَعَلَتْ قُرَيْش فِيهِ مائَة نَاقَةٍ لِمَنْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي نَادِي قَوْمِي إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَّا، حَتَّى وَقَفَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَكْبَهُ ثَلَاثَةً مَرُّوا عَلَيَّ آنِفًا، إنِّي لَأَرَاهُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ: فَأَوْمَأْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي: أَنْ اُسْكُتْ، ثُمَّ قُلْتُ: إنَّمَا هُمْ بَنُو فُلَانٍ، يَبْتَغُونَ ضَالَّةً لَهُمْ، قَالَ: لَعَلَّهُ، ثُمَّ سَكَتَ. قَالَ: ثُمَّ مَكَثْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ بَيْتِي، ثُمَّ أَمَرْتُ بِفَرَسِي، فَقُيِّدَ لِي إلَى بَطْنِ الْوَادِي، وَأَمَرْتُ بِسِلَاحِي، فَأُخْرِجَ لِي مِنْ دُبُرِ حُجْرَتِي، ثُمَّ أَخَذْتُ قِدَاحِي الَّتِي أَسَتَقْسِمُ بِهَا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ، فَلَبِسْتُ لَأْمَتِي [٢]، ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِدَاحِي، فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ «لَا يَضُرُّهُ» [٣] . قَالَ: وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى قُرَيْش، فآخذ الْمِائَة النَّاقَةِ. قَالَ: فَرَكِبْتُ عَلَى أَثَرِهِ، فَبَيْنَمَا فَرَسِي يَشْتَدُّ بِي عَثَرَ بِي، فَسَقَطْتُ عَنْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ «لَا يَضُرُّهُ» . قَالَ: فَأَبَيْتُ إلَّا أَنْ أَتَّبِعَهُ. قَالَ: فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهِ، فَبَيْنَا فَرَسِي يَشْتَدُّ بِي، عَثَرَ بِي، فَسَقَطْتُ عَنْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟، قَالَ: ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ «لَا يَضُرُّهُ»، قَالَ: فَأَبَيْتُ إلَّا أَنْ أَتَّبِعَهُ، فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهِ. فَلَمَّا بَدَا لِي الْقَوْمُ وَرَأَيْتهمْ، عَثَرَ بِي فَرَسِي، فَذَهَبَتْ يَدَاهُ فِي الْأَرْضِ، وَسَقَطْتُ عَنْهُ، ثُمَّ انْتَزَعَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ، وَتَبِعَهُمَا دُخَانٌ كَالْإِعْصَارِ [٤] . قَالَ: فَعَرَفْتُ حَيْنَ رَأَيْتُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنِّي، وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ. قَالَ: فَنَادَيْتُ الْقَوْمَ: فَقُلْتُ: أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ: انظرونى أكلمكم، فو الله لَا أَرَيْبُكُمْ، وَلَا يَأْتِيكُمْ مِنِّي شَيْءٌ --------------------- [١] وينتهى نسب سراقَة إِلَى بنى مُدْلِج، وهم بَنو مُدْلِج بن مرّة بن تيم بن عبد منَاف بن كنَانَة. (رَاجع المقتضب، والمعارف، والاستيعاب، وَالرَّوْض) . [٢] اللأمة: الدرْع وَالسِّلَاح. [٣] لَا يضرّهُ: أَي السهْم الْمَكْتُوب فِيهِ هَذِه الْكَلِمَة. [٤] الإعصار: ريح مَعهَا غُبَار. تَكْرَهُونَهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: قُلْ لَهُ: وَمَا تَبْتَغِي مِنَّا؟ قَالَ: فَقَالَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: قُلْتُ: تَكْتُبُ لِي كِتَابًا يَكُونُ آيَةً بَيْنِي وَبَيْنَكَ. قَالَ: اُكْتُبْ لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ. (إسْلَامُ سُرَاقَةَ): (قَالَ) [١]: فَكَتَبَ لِي كِتَابًا فِي عَظْمٍ، أَوْ فِي رُقْعَةٍ، أَوْ فِي خَزَفَةٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ إلَيَّ، فَأَخَذَتْهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي كِنَانَتِي، ثُمَّ رَجَعْتُ [٢]، فَسَكَتُّ فَلَمْ أَذْكُرْ شَيْئًا مِمَّا كَانَ حَتَّى إذَا كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفَرَغَ مِنْ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، خَرَجْتُ وَمَعِي الْكِتَابَ لَأَلْقَاهُ، فَلَقِيتُهُ بِالْجِعْرَانَةِ [٣] . قَالَ: فَدَخَلْتُ فِي كَتِيبَةٍ مِنْ خَيْلِ الْأَنْصَارِ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَقْرَعُونَنِي بِالرِّمَاحِ وَيَقُولُونَ: إلَيْكَ (إلَيْكَ) [١]، مَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى سَاقِهِ فِي غَرْزِهِ [٤] كَأَنَّهَا جُمَّارَةٌ. قَالَ: فَرَفَعْتُ يَدِي بِالْكِتَابِ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كِتَابُكَ (لِي) [١]، أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ، ادْنُهْ. قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَسْلَمْتُ. ثُمَّ تَذَكَّرْتُ شَيْئًا أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ فَمَا أَذْكُرُهُ، إلَّا أَنِّي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الضَّالَّةُ مِنْ الْإِبِلِ تَغْشَى حِيَاضِي، وَقَدْ مَلَأْتهَا لِإِبِلِي، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي أَنْ أَسْقِيَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ. قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى قَوْمِي، فَسُقْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدَقَتِي. -------------------- [١] زِيَادَة عَن أ. [٢] ويحكى أَن أَبَا جهل لَام سراقَة حِين رَجَعَ بِلَا شَيْء، فَقَالَ سراقَة: أَبَا حكم وَالله لَو كنت شَاهدا ... لأمر جوادي إِذْ تَسُوخ قوائمه علمت وَلم تشكك بِأَن مُحَمَّدًا ... رَسُول ببرهان فَمن ذَا يقاومه عَلَيْك بكف الْقَوْم عَنهُ فاننى ... أرى أمره يَوْمًا ستبدو معالمه بِأَمْر يود النَّاس فِيهِ بأسرهم ... بِأَن جَمِيع النَّاس طرا يسالمه (رَاجع الرَّوْض الْأنف) . [٣] الْجِعِرَّانَة (بِكَسْر أَوله، وَقيل: بِكَسْر عينه، وَتَشْديد رائه): مَاء بَين الطَّائِف وَمَكَّة، وَهِي إِلَى مَكَّة أقرب. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) . [٤] الغرز للرحل: بِمَنْزِلَة الركاب للسرج. (تَصْوِيبُ نَسَبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُعْشُمِيِّ): قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ. (طَرِيقُهُ ﷺ فِي هِجْرَتِهِ): قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَطَ، سَلَكَ بِهِمَا أَسْفَلَ مَكَّةَ، ثُمَّ مَضَى بِهِمَا عَلَى السَّاحِلِ، حَتَّى عَارَضَ الطَّرِيقَ أَسْفَلَ مِنْ عُسْفَانَ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا عَلَى أَسْفَلِ أَمَجَ، ثُمَّ اسْتَجَازَ بِهِمَا، حَتَّى عَارَضَ بِهِمَا الطَّرِيقَ، بَعْدَ أَنْ أَجَازَ قُدَيْدًا، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ، فَسَلَكَ بِهِمَا الْخَرَّارَ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّةَ الْمَرَّةِ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا لِقْفا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ، لَفْتَا. قَالَ مَعْقِلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْهُذَلِيُّ: نَزِيعًا مُحْلِبًا مِنْ أَهْلِ لَفْتٍ ... لِحَيٍّ بَيْنَ أَثْلَةَ وَالنِّحَامِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مَدْلَجَةَ لِقْفٍ ثُمَّ اسْتَبْطَنَ بِهِمَا مَدْلَجَةَ مَحَاجَّ- وَيُقَالُ: مِجَاجٍ [١]، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا مَرْجِحَ مَحَاجَّ، ثُمَّ تَبَطَّنَ بِهِمَا مَرْجِحَ مِنْ ذِي الْغَضْوَيْنِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْعُضْوَيْنِ- ثُمَّ بَطْنَ ذِي كَشْرٍ [٢]، ثُمَّ أَخَذَ بِهِمَا عَلَى الْجَدَاجِدِ، ثُمَّ عَلَى الْأَجْرَدِ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ذَا سَلَمٍ، مِنْ بَطْنِ أَعْدَاءِ مَدْلِجَةٍ تِعْهِنِ [٣]، ثُمَّ عَلَى الْعَبَابِيدِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْعَبَابِيبُ، وَيُقَالُ: الْعِثْيَانَةَ. يُرِيدُ: الْعَبَابِيبَ-. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا الْفَاجَّةَ، وَيُقَالُ: الْقَاحَّةُ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ هَبَطَ بِهِمَا الْعَرْجَ، وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْهِمَا بَعْضُ ظَهْرِهِمْ، فَحَمَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهُ: أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ، عَلَى جَمَلٍ لَهُ- يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الرِّدَاءِ- إلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ غُلَامًا لَهُ، يُقَالُ لَهُ: -------------------- [١] قَالَ ياقوت، وَقد ذكر هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ: «وَالصَّحِيح عندنَا فِيهِ غير مَا روياه، جَاءَ فِي شعر ذكره الزبير بن بكار، وَهُوَ مجاح، بِفَتْح الْمِيم ثمَّ جِيم وَآخره حاء. وَالشعر هُوَ: لعن الله بطن لقف مسيلا ... ومجاحا وَمَا أحب مجاحا لقِيت نَاقَتي بِهِ وبلقف ... بَلَدا مجدبا وأرضا شحاحا [٢] فِي الْأُصُول: «كشد»، وَهُوَ تَحْرِيف. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) . [٣] تعهن: اسْم عين مَاء على ثَلَاثَة أَمْيَال من السقيا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |