|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#29
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثلاثون صـــ182 الى صـــ 191 (620) وإذا انهدم الحائط فقال أحدهما نبنيه كما كان ونضع عليه جذوعنا كما كانت وأبى الآخر لم يجبر الآخر على البناء معه ; لأنه يحتاج في البناء إلى الإنفاق بماله والإنسان لا يجبر على إتلاف ماله في مثل ذلك فإن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم ذم الإنفاق في البناء فقال { شر المال ما تنفقه في البنيان } وقال عليه السلام { إنما يتلف المال الحرام الربا والبناء } فلهذا لا يجبر أحد الشريكين على ذلك عند طلب الآخر ، وهذا لأنه إنما يجبر الآخر عند طلب أحدهما على قسمة المشترك ولا شركة بينهما فيما ينفق كل واحد منهما على البناء من ملك نفسه ، فإن قال الطالب : أنا أبنيه بنفقتي ، وأضع عليه جذوعي كما كانت فله ذلك ; لأنه ينفق ماله يتوصل إلى الانتفاع بملكه ، ولا ضرر على شريكه في ذلك فلا يمنع منه ، وإذا منعه شريكه من ذلك يكون متعنتا قاصدا إلى الإضرار به فلا يمكن من ذلك ، فإن فعله فأراد الآخر أن يضع عليه جذوعه ، كما كانت فله ذلك بعد ما يرد عليه نصف قيمة البناء ; لأن البناء ملك الثاني ، فيكون له أن يمنع صاحبه من الانتفاع به حتى يرد عليه نصف قيمته ، فإذا رد ذلك يصير متملكا عليه نصف البناء بنصف قيمته ، وهو نظير العلو والسفل إذا انهدما فأبى صاحب السفل أن يبنيه كان لصاحب العلو أن يبني السفل ويبني فوقه بيته ثم يمنع صاحب السفل من الانتفاع بسفله حتى يرد عليه قيمة البناء . وقد بينا هذا في الدعوى إشارة هنا إلى أنه استحسان ، وليس له في القياس أن يبني السفل ; لأنه يضع البناء في ملك غيره ولا ولاية له على الغير في وضع البناء في ملكه ولكنه استحسن ذلك لدفع الضرر عنه فإنه لا يتوصل إلى بناء علوه والانتفاع به ما لم يبن السفل ، وهذا القياس والاستحسان في الحائط المشترك أيضا . وإذا كانت الدار بين رجلين فاقتسماها على نصفين وباع أحدهما حصته ثم استحقت حصة الآخر قال : يرجع على صاحبه بنصف ما باع يعني بنصف قيمة ما باع ; لأن ما أخذ كل واحد منهما ، فإنما أخذ نصفه بقديم ملكه ونصفه عوضا عما سلم لصاحبه من نصيبه ، فكأنه ملك ذلك على صاحبه من جهة المعاوضة [ ص: 193 ] فحين استحقت حصة أحدهما فقد ظهر أن نصف ما أخذه عوضا عما هو مستحق ، وبدل المستحق يملك بالقبض ، وينفذ تصرف القابض فيه بالبيع ثم بعد الاستحقاق وجب عليه رده ، وقد تعذر رد عينه بإخراجه من ملكه فيرد نصف قيمته لهذا ، وإن لم يكن باع رجع عليه بنصف ما في يده من الدار ; لأن المعاوضة قد بطلت بالاستحقاق ولأنه لما استحق نصيب أحدهما فقد بطلت القسمة ، وتبين أن المشترك بينهما النصف الذي هو في يد الآخر فرجع عليه شريكه بنصف ذلك ، وإن لم يستحق إلا بيت واحد أعيدت القسمة على ما بقي نصفين ; لأن باستحقاق بيت واحد يتبين أنه كان لهما في الدار شريكا في البناء والقسمة لا تصح بدون رضاه ; لأن فيما يخص البيت القسمة تبطل فلو بقيت فيما سوى ذلك تضرر به المستحق عليه من حيث إنه يتفرق نصيبه في موضعين والقسمة لدفع الضرر فلهذا تعاد القسمة على ما بقي نصفين . ولو كانت الدار بينهما نصفين فاقتسماها فأخذ أحدهما الثلث من مقدمها بجميع نصيبه وأخذ الآخر الثلثين من مؤخرها بنصيبه ، وباع صاحب الثلثين ثم استحق نصف الثلث قال : يرجع على صاحب الثلثين بربع قيمة الثلثين ، وقال أبو يوسف رحمه الله : يرجع عليه بنصف قيمة الثلثين ، ويكون ما بقي من الثلث بينهما نصفين ، وهو قول محمد رحمه الله فإن قول محمد مع قول أبي حنيفة رحمهما الله ، وقد بينا أصل هذه المسألة في كتاب القسمة أن باستحقاق نصف نصيب أحدهما عند أبي حنيفة لا تبطل القسمة فيما بقي ، وهو الصحيح من قول محمد رحمه الله على ما ذكره الكرخي رحمه الله في كتابه فإن ابن سماعة رحمه الله كتب إلى محمد رحمه الله يسأله عن قوله في هذه المسألة فكتب إليه في جوابه أن قوله كقول أبي حنيفة وعند أبي يوسف رحمه الله تبطل القسمة باستحقاق نصف نصيب أحدهما ، وهذه المسألة تنبني على تلك المسألة فإن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله : لو لم يبع صاحب الثلثين لكانت القسمة تبقى ويتخير المستحق عليه إن شاء رد ما بقي فتبطل القسمة في الكل ، وإن شاء أمضى القسمة ورجع على صاحبه بربع الثلثين ، فإذا باع نصيبه فقد تعذر نقض القسمة لإخراجه نصيبه من ملكه بالبيع ، فإنما يرجع صاحب الثلث عليه بما يخص به المستحق من الثلثين ولو استحق جميع نصيبه رجع على شريكه بنصف قيمة الثلثين ، فإذا استحق نصف نصيبه رجع عليه بربع قيمة الثلثين وعلى قول أبي يوسف رحمه الله القسمة تبطل بظهور شريك ثالث لهما في الدار ، ولكن إخراجه عن ملكه بالبيع كان صحيحا فيرجع عليه بقيمة [ ص: 194 ] نصيبه من ذلك ، وهو نصف قيمة الثلثين ، ويكون ما بقي من الثلث بينهما نصفين على أصل الشركة . ولو كان عشرون جريب أرض بين رجلين نصفين فاقتسما فأخذ أحدهما خمسة عشر جريبا تساوي ألف درهم ، وأخذ الآخر خمسة أجربة تساوي ألف حصته فباع صاحب الخمسة عشر ما في يده واستحق نصف ما في يد الآخر قال : يرد صاحب الخمسة عشر ربع قيمة ما كان في يده على الآخر ; لأنه لو استحق جميع ما في يده رجع على صاحبه بنصف قيمة ما في يده فإن بدل المستحق كان مملوكا له فكان بيعه نافذا فيه ، فإذا استحق نصفه رجع عليه بربع قيمة ما كان في يده ، وهذا لأن ما أخذه البائع كان نصفه له بقديم ملكه ، وأخذ نصفه من نصيب شريكه عوضا عما سلم لصاحبه من نصيبه في الخمسة عشر الأجربة ، وقد استحق نصف الخمسة شائعا فيما كان للمستحق عليه باعتبار قديم ملكه ، وفيما أخذه بطريق المعاوضة فلهذا لا يرجع على صاحبه بربع قيمة ما في يده . ولو كانت الأرض خمسة عشر جريبا بينهما أثلاثا فأخذ صاحب الثلث سبعة أجربة بحصة قيمتها خمسمائة ، وأخذ صاحب الثلثين ثمانية أجربة بحصة قيمتها ألف درهم فباع صاحب الثلث واستحق نصف ما في يد صاحب الثلثين وباع ما بقي فإنه يرجع على صاحب الثلث بثلث قيمة ما كان في يده وذلك مائة وستة وستون وثلثان ، وقد سلم له مما كان في يده خمسمائة فجملة ذلك ستمائة وستة وستون وثلثان ، وإنما سلم لصاحب الثلث ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين وثلثا وبالاستحقاق تبين أن قيمة المشترك بينهما كان ألف درهم ، فإذا سلم لصاحب الثلثين ما يساوي ثلثي الألف وللآخر ما يساوي ثلث الألف استقامت القسمة ، ولأنه لو استحق جميع ما في يد صاحب الثلثين رجع على شريكه بثلثي قيمة ما كان في يده ، فإذا استحق نصفه رجع عليه بنصف ذلك ، وهو ثلث قيمة ما كان في يده ولأن ما أخذه صاحب الثلث ، فإنما سلم ثلثه له بقديم ملكه وثلثيه بطريق المعاوضة ، وقد استحق نصف العوض فرجع بما هو عوض المستحق ، وهو ثلث قيمة ما كان في يده ، وفي جميع هذه الفصول إذا كتب الكاتب بينهما كتاب القسمة ينبغي أن يبين كيفية القسمة بينهما إن وقعت بقضاء القاضي بين ذلك في الكتاب ، وإن كانت بتراضيهما بين ذلك ; لأن الحكم يختلف باختلاف القسمة بقضاء أو غير قضاء حتى إن فيالقسمة بقضاء القاضي إذا ظهر العيب في نصيب أحدهما ترد القسمة ، والقسمة بالتراضي لا ترد لمكان العيب فلهذا ينبغي أن يبين صفة القسمة فيما بينهما . وإذا كانت الدراهم بين رجلين وهي موضوعة عند أحدهما [ ص: 195 ] فقال له الآخر : اقسم ما عندك فأعطني حصتي فأعطاه حصته فهو جائز ; لأن هذه قسمة تمت بين اثنين وتمامها بدفع نصيب صاحبه إليه وإمساكه حصة نفسه بمنزلة أخذه ابتداء بحكم القسمة ; لأن الاستدامة فيما يستدام بمنزلة الإنسان ، وإن قال خذ حصتك ودع ما بقي حتى أقبضها فأخذ حصته لم يكن ذلك قسمة حتى لو هلك ما بقي كان للآخر أن يأخذ من صاحبه نصف ما في يده ; لأن القسمة لا تتم بالواحد فإن تمامها بالحيازة ، وذلك لا يكون إلا بين اثنين فكان شرط سلامة المقبوض للقابض أن يسلم ما بقي للآخر ، فإذا هلك فقد انعدم الشرط ، فكان ما هلك من النصيبين ، وما بقي من النصيبين . وإذا كانت الدار لقوم وأحدهم شاهد ، والآخرون غيب ، فأراد الشاهد أن يسكنها إنسانا أو يؤاجرها إياه ففيما بينه وبين الله - تعالى - لا ينبغي له أن يفعل ذلك ; لأنه يكون معيرا أو مؤجرا نصيب شركائه بغير رضاهم ، ولا ولاية له عليهم وكما لا يتصرف في عين ملكهم بغير رضاهم لا يتصرف في منفعة ملكهم أيضا ، ولا يمكنه أن يتصرف في نصيب نفسه بالإسكان والإجارة إلا بعد القسمة ، والقسمة لا تتم بالواحد ، وأما في القضاء ، فإذا لم يكن لهم خصم يخاصمه لم يحل بينه وبين ذلك ; لأن القاضي لفصل الخصومة لا لإنشائها ، وإذا لم يحضر خصم لا يكون له أن يمنع صاحب اليد من التصرف فيما في يده بالإسكان والإجارة ، ولكنه إذا علم حقيقة الحال أفتاه بالكف عن ذلك كما يفتيه به غيره ، وإن أراد أن يسكنها بنفسه ففي القياس يمنع ذلك فيما بينه وبين ربه ; لأنه يصير مستوفيا منفعة نصيب شركائه ، وهو ممنوع من ذلك شرعا . ( ألا ترى ) لو كانوا حضروا منعوه من ذلك ، فإذا كانوا غيبا لم يبطل حقهم بغيبتهم ، فكان هو ممنوعا من ذلك شرعا ، وفي الاستحسان يرخص له في ذلك ; لأنهم قد رضوا جميع الدار في يده وليس في سكناه إلا إثبات اليد إليه . ( ألا ترى ) أن من لا يضمن العقار باليد لا يضمنه بالسكنى أيضا ; لأن في سكناه منفعة لشركائه ; لأن الدار إذا لم يكن فيها ساكن فإنها تخرب ، وإذا سكنها إنسان كانت عامرة ففي هذا التصرف منفعة لشركائه بخلاف ما تقدم ، فإنه بالإسكان يثبت يد غيره على الدار ، ولم يرض به شركاؤه فربما لا يتمكنون إذا حضروا من إرجاعه واسترداد أنصبائهم ، وإن أجرها الحاضر ، وأخذ الآخر حصة نصيبه من ذلك تطيب له ، وحصة نصيب شركائه لا تطيب ; لأنه بمنزلة الغاصب يؤاجر في حصتهم فلا يطيب له الأجر ولكنه يتصدق به ; لأن ملكه حصل له بسبب خبيث ، ويعطي ذلك شركاءه إن قدر عليهم ; لأن تمكن الخبث كان لمراعاة حقهم فيرتفع بالرد عليهم [ ص: 196 ] ، وقد بينا نظيره في كتاب الغصب . وإذا باع الرجل الأرض ليزرعها كتب إنك أطعمتني أرض كذا لأزرع فيها ما بدا لي من غلة الشتاء والصيف وقال أبو يوسف رحمه الله إذا كتب عارية فهو أحب إلي من أن يكتب أطعمتني ، وهو قول محمد رحمه الله ; لأنه بالإعارة يجعل له منفعة الأرض بغير عوض ، والعارية اسم موضوع لتمليك المنفعة بغير عوض كما أن استعمال هذا اللفظ أولى من استعمال غيره مما لم يوضع لتمليك المنفعة في الأصل ، وهو نظير إعارة الدار وغيرها من الأعيان وأبو حنيفة يقول : لو كتب أعرتني كان المفهوم منه الانتفاع بها من حيث السكنى ، وإذا كتب أطعمتني كان المفهوم التمكن من الزراعة ; لأن الأرض لا يطعم عينها ، وإنما يطعم ما يكون منها ، وذلك لا يحصل إلا بالزراعة ، وإذا كانت الإعارة للسكنى فلفظ الإعارة أقرب في بيان ما هو المقصود ، وإذا كانت الإعارة للزراعة فلفظ الطعمة أقرب إلى بيان ما هو المقصود ، فينبغي أن يستعمل في كل فصل ما هو دليل على المقصود ، وهذه مسألة الجامع الصغير قال : وخراجها على ربها ; لأن الخراج مؤنة الأرض النامية ، وجوابه يعتمد التمكن من الانتفاع بالأرض وبالإعارة لا يزول تمكنه من الانتفاع بها ، وإنما ينتفع بها المستعير بتسليط المعير فهو كانتفاع المعير بها بنفسه ، فإن اشترط على المستعير أداء الخراج ; فبهذا الشرط يخرجه من الطعمة ، وتكون إجارة فاسدة ; لأنه لا يعرف خراجها ، ومعنى هذا : أن الخراج على رب الأرض ، فإذا شرطه على المستعير فكأنه شرط لنفسه عوضا عن المنفعة فيصير العقد به إجارة ، وفسادها لجهالة الخراج قبل هذا في الأراضي الصلحية التي يكون خراج الحماحم والأراضي جملة ثم يقسم على الحماحم والأراضي فعند قلة الحماحم تزداد حصة الأرض ، وعند كثرة الحماحم تنتقص فأما خراج الوظيفة يكون معلوم المقدار ، وقيل : بل المراد الجهالة في روادف الخراج فإن ولاة الجور ألحقوا بالخراج روادف ، وذلك مجهول يزداد ، وينتقص ولإفساد هذا العقد علة أخرى ، وهي أن الخراج في ذمة رب الأرض ، فكأنه شرط على المستأجر أن يتحمل عنه دينا في ذمته وذلك مفسد للإجارة ، وإذا أوصى الرجل بغلة أرضه ، فالخراج على الموصى له بالغلة ; لأن وجوبه باعتبار التمكن من الانتفاع بالأرض ، والموصى له هو المتمكن من الانتفاع بالأرض دون الوارث ، وبه فارق الإعارة ولأن للخراج تعلقا بالغلة . ( ألا ترى ) أنه إن منع الخراج لم تطب له الغلة وللإمام أن يحول بينه وبين الغلة ليؤدي الخراج والموصى له هو المختص بالغلة فيكون الخراج عليه ، ولا وجه لإيجاب الخراج على الورثة ; لأنهم لو زرعوا الأرض [ ص: 197 ] واصطلم الزرع آفة لم يلزمهم الخراج ، فإذا لم يتمكنوا من زراعتها أولى لا يلزمه الخراج . وإذا استأجر رجل من رجل أرضا مدة معلومة فمات أحدهما قبل مضيها ، ولم يستحصد الزرع ترك الزرع فيها إلى وقت الإدراك استحسانا ، وقد بينا هذا في الإجارات قال : وجعل المستأجر آخر ما ترك فيه ، وظاهر هذا اللفظ يدل على أنه يلزمه أجرة المثل ، وهو اختيار بعض مشايخنا رحمهم الله فإن العقد قد انفسخ بموت أحد المتعاقدين ثم يبقى الزرع لدفع الضرر عن المستأجر ودفع الضرر واجب عنه ، وإنما يتحقق ذلك إذا وجب على المستأجر لصاحبها أجر المثل في مدة الترك والأصح : أنه يجب على المستأجر حصة هذه المدة من المسمى ; لأنه لما وجب ابتداء عقد الإجارة لدفع الضرر عن المستأجر فلأن يجب عليهم إبقاؤه بعد ظهور السبب المفسد ، وهو الموت أولى ; لأن بقاء الشيء أهون من ابتدائه ، وإذا بقي العقد الأول ، فإنما يجب باستيفاء المنفعة الأجر المسمى فيه وإن كان فيها كرم أو رطبة لم يترك وقطع ; لأنه لانتهاء ذلك مدة معلومة ، وتطول مدتها ففي إبقاء العقد في هذه المدة الطويلة إضرار بوارث المؤجر بخلاف الأول فلأن لإدراك الزرع نهاية معلومة ، وهي مدة لا تطول عادة . وإذا استأجر دابة ثم جعل عليها سرجا وأجرها بأكثر مما استأجرها طاب له الفضل ; لأن زيادة الأجر في العقد الثاني بإزاء منفعة ما زاد من عنده فلا يتحقق فيه ربح إلا على ضمانه ، وقبل الزيادة إنما كان لا يطيب له الفضل ; لأنه ربح حصل لا على ضمانه ، فإذا انعدم هذا المعنى باعتبار الزيادة كان الفضل طيبا له ، وكذلك لو استأجر بيتا بمائة درهم ثم أجر نصفه بمائة درهم إلا دانقا ومراده : أجر نصفا معينا منه أو نصفا شائعا على قول من يرى جواز إجارة المشاع ، وإنما يطيب له الفضل ; لأن الربح لا يتحقق ، فإنه يمكن أن يجعل الدانق حصة النصف الآخر ليكون مائة درهم إلا دانقا حصة الذي أجره ولا يقال : قد كان بمقابلة كل نصف من البيت في العقد الأول نصف الآخر ; لأن ذلك لم يكن باعتبار تنصيص المتعاقدين بل باعتبار المعاوضة والمساواة وذلك لا يوجد في العقد الثاني ; لأنه أجر فيه النصف فقط ، والحاصل : أن الخبث الذي يمكن في إجارة الشيء بأكثر مما استأجره به يسير فينعدم ذلك باعتبار الإمكان من وجه واحد ولهذا قلنا لو زاد من عنده شيئا قليلا ثم أجره بأضعاف مما استأجره طاب له الفضل فكذلك إذا أجر بعضه بما دون الأجر الأول والنقصان يسير قلنا يطيب له الفضل . ولو استأجر عبدا بمائة درهم ثم أجره بالدنانير بأكثر من ذلك يتصدق [ ص: 198 ] بالفضل وأشار في غير هذا الموضع إلى أنه لا يلزمه التصدق بالفضل ; لأن معنى الخبث ضعيف هنا والدراهم والدنانير في الحقيقة جنسان فباعتبار الحقيقة ينعدم ربح ما لم يضمن لاختلاف الجنس ووجه ما ذكر هنا أن الدراهم والدنانير في الصورة جنسان ، وفي الحكم جنس واحد . ( ألا ترى ) أن في شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن جعلا كجنس واحد فكذلك في الإجارة بأكثر مما استأجر يجعلان كجنس واحد ; لأن المعنى فيهما سواء ، وهو أن الربح يحصل لا على ضمانه ، وإن أجر بثوب قيمته أكثر من مائة لم يتصدق بشيء ; لأن جنس البدلين مختلف حقيقة وحكما فلا يتمكن فيه ربح ما لم يضمن ; لأن تمكن ربح ما لم يضمن إنما يكون بعد عود رأس المال إليه . وإذا استأجر الرجل رجلا يحمل له دن خل فعثر الحمال فانكسر الحمل قد بينا في الإجارات أن الحمال أجير مشترك ، وأن هذا النوع من الانكسار يكون بجناية يده فيكون ضامنا إلا على قول زفر رحمه الله وصاحب الدن بالخيار إن شاء ضمنه قيمته غير محمول ولا أجر عليه ، وإن شاء ضمنه قيمته محمولا إلى الموضع الذي انكسر فيه وأعطاه من الأجر بحساب ما حمل ولو تعمد كسره فكذلك الجواب عندنا . وقال زفر يضمنه قيمته محمولا إلى الموضع الذي كسر فيه وأعطاه الأجر بحساب ما حمل وذكر عيسى بن أبان رحمه الله أن قياس قول أبي حنيفة رحمه الله هكذا ; لأن أجير المشترك عنده أمين لا يضمن باعتبار القبض ، فإنما يلزمه الضمان باعتبار جنايته عند الكسر فلا بد من اعتبار قيمته عند تقرر سبب الضمان ; لأن الحكم لا يسبق سببه ، ولكنا نقول : إذا اختار صاحب الدن أن يضمنه قيمته غير محمول لم يضمنه ذلك باعتبار القبض ، ولا باعتبار جنايته أيضا ، ولكن تفرق عليه الصفقة حين كسره في بعض الطريق فغير عليه شرط عقده فيكون له أن يفسخ العقد في مقدار ما يحمله فيسقط حصة ذلك من الأجر ويضمنه قيمته غير محمول ، فإن قيل : كيف يفسخ العقد في مقدار ما يحمله ، وذلك متلاش غير قائم ؟ قلنا : بل هو قائم حكما ببقاء بدله فإن الحمال ضامن قيمته محمولا إلى هذا الموضع بالاتفاق ، وكما لا يجوز الفسخ عند تفرق الصفقة على العين يجوز فسخه على بدل العين إذا كان قائما كما لو اشترى عبدين فقتل أحدهما قبل القبض ثم مات الآخر كان للمشتري أن يفسخ العقد على القيمة في المنقول كتفرق الصفقة عليه ، ولكن لو انكسر من غير عمله بأن أصابه حجر من مكان أو وقع عليه حائط أو كسره رجل ، وهو على رأسه فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما هو ضامن إذا تلف بما يمكن الاحتراز عنه [ ص: 199 ] وإن لم يكن من عمله ، وإن قال رب الدن عبر فانكسر ، وقال الحمال أصابه حجر فانكسر أو قال كان منكسرا فالقول قول الحمال وله الأجر إلى حيث انكسر ; لأنه ينكر سبب وجوب الضمان عليه فالقول قوله مع يمينه بمنزلة المودع يدعي عليه صاحب الوديعة الاستهلاك ، وهو منكر لذلك ، وأما الأجر إلى حيث انكسر ; لأن صاحب الدن صار مستوفيا ذلك القدر من المعقود عليه فيقرر عليه حصته من الأجر ثم مات ، ولم يخلف بدلا فلا يمكن فسخ العقد فيه باعتبار تفرق الصفقة ; فلهذا كان للحمال الأجر حيث انكسر . وإذا دفع الرجل ثوبا إلى صباغ يصبغه فصبغه فقال رب الثوب : أمرتك أن تصبغه أحمر وقال الصباغ : أمرتني أن أصبغه أسود فالقول قول رب الثوب ; لأن الإذن مستفاد من جهته ، وفيه خلاف ابن أبي ليلى ، وقد بيناه في الإجارات ، فإن اختار أخذ الثوب قوم الثوب أبيض وقوم مصبوغا بذلك الصبغ فأعطاه ما زاد الصبغ فيه ولأنه وافق في أصل الصبغ ، وإن خالف في الصفة ولأن الصبغ عين اتصل به فلا يسلم له مجانا بمنزلة ما لو هبت الريح بثوب إنسان وألقته في صبغ غيره أو غصب ثوبا وصبغه واختار رب الثوب أخذ الثوب فإنه يعطيه ما زاد الصبغ فيه . وإذا تكارى الرجل دابة من البصرة إلى الكوفة فله أن يذهب بها إلى أي نواحيها شاء ; لأن الكوفة اسم للبلدة الواحدة ، وجوانب البلدة الواحدة كمكان واحد . ( ألا ترى ) أن في عقد السلم إذا شرط إبقاء المسلم فيه بالكوفة جاز العقد ، فكذلك في الإجارة إذا استأجرها إلى الكوفة جاز العقد له أن يذهب إلى أي نواحيها شاء باعتبار العادة فإن من استأجر دابة من بلد إلى بلد يبلغ عليها إلى منزله في العادة . ولو استأجر دابة إلى الري لم يكن له أن يذهب بها إلى أي نواحيها شاء ، والكراء إلى الري فاسد في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : هو جائز ، وهو إلى مدينتها دون نواحيها ، وقد روى هشام عن محمد رحمهما الله أن ذلك جائز إلى مدينتها بالاستحسان ، والحاصل أن عند أبي حنيفة ومحمد الري اسم لولاية تشتمل على مدائن ونواحي فلا يجوز العقد للجهالة التي تفضي إلى المنازعة ، وعند أبي يوسف إنما يطلق هذا الاسم على مدينتها في العرف والثابت بالعرف كالثابت بالنص ولو سمى مدينة من مدائنها كان جائزا ، وكذلك خراسان والشام والعراق إن سمى منها مكانا معلوما جاز العقد ، وإن أطلق فسد العقد للجهالة التي تفضي إلى المنازعة ونظير هذا في ديارنا لو استأجر دابة إلى كاشغر جاز العقد فإنه اسم للبلدة خاصة ، ولو استأجرها من كاشغر إلى فرغانة لم يجز العقد ; لأن الاسم [ ص: 200 ] مشتمل على بلاد متباعدة فتمكن فيه جهالة تفضي إلى المنازعة ولو استأجرها إلى أوزجند جاز العقد ، وكذلك إن استأجرها من أوزجند إلى سمرقند ; لأنه اسم للبلدة أو إن استأجرها إلى بخارى فقد اختلف فيه مشايخ بخارى رحمهم الله والأظهر أنه لا يجوز فإن بخارى من كرمينية إلى قرير وهي تشتمل على مواضع متباينة بمنزلة الري فتمكن فيه جهالة تفضي إلى المنازعة بينهما . ولو تكارى دابتين يحمل عليهما إلى المدائن بعشرين درهما فأكرى أحدهما بتسعة عشر درهما بمثل ذلك الشرط طاب له الفضل ; لأنه يمكن أن يجعل هذا القدر من المسمى في العقد الأول خاصة بحصة هذه الدابة فلا يظهر في العقد الثاني ربح ما لم يضمن ولو أكرى أحدهما بأكثر من الأجر كله يتصدق بالفضل وبشيء من رأس المال ; لأنا نعلم أن شيئا من رأس المال بإزاء الدابة الثانية في العقد الأول فيكون ذلك ربحا ما لم يضمن في العقد الثاني مع الزيادة على المسمى في العقد الأول فيتصدق بذلك الفضل . ولو استأجر رجلين يبنيان له حائطا ، فعمله أحدهما ، ومرض الآخر وهما شريكان فالأجر بينهما نصفين استحسانا ، وفي القياس لا أجر للذي لم يعمل ; لأن استحقاق الأجر باعتبار العمل ، ووجه الاستحسان أنهما قبلا العقد جميعا ثم الذي أقام العمل في نصيبه مسلم لما التزمه ، وفي نصيب شريكه نائب عنه فقام مقامه فيكون الأجر بينهما نصفين ، وقد بينا نظائره في الإجارات وذكرنا أن المقصود بالشركة هذا فيما بين الناس . ولو استأجر رجلا يحمل له طعاما معلوما إلى مكان معلوم على دوابه هذه فحمله على غير تلك الدواب فله الأجر كله استحسانا ، وفي القياس لا أجر له ; لأن الإجارة إنما تتناول منافع الدواب التي عينها ، ولم يسلم إليه ذلك ، وفي حق غير تلك الدواب يجعل العقد كأن ليس فكأنه متبرع بحمل طعامه على دوابه فلا أجر له ووجه الاستحسان أنه قبل عمل الحمل في ذمته بعد الإجارة ، وقد أوفى ما قبله سواء حمل الطعام على تلك الدواب أو على غيرها ، وهذا ; لأنه لا حاجة إلى تعيين تلك الدواب في تصحيح العقد بعد إعلام مقدار الطعام . ( ألا ترى ) أنه لو استأجره يحمل له طعاما معلوما إلى مكان معلوم كان العقد جائزا ، وإن لم يعين الدواب ، وكذلك ليس لصاحب الطعام في عين تلك الدواب مقصود ، وإنما مقصوده حمل الطعام ، فإذا سقط اعتبار تعيين الدواب لهذين المعنيين كان له الأجر بإقامة العمل المشروط ، وهو حمل الطعام . ولو استأجره لحمله بنفسه فحمله على دوابه أو عبيده أو على غيرهم ، وذهب معه حتى بلغه ذلك المكان فله الأجر استحسانا لحصول المقصود ; لأن المقصود حمل [ ص: 201 ] الطعام ، وقد أوفاه كما التزم ، وليس هو بمخالف ; لأنه ما فارق الطعام حين ذهب معه ، ولا أخرجه من يده فلا يكون مخالفا ، وكذلك إن اشترط له طريقا فحمله في طريق آخر ; لأن مقصود صاحب الطعام قد حصل حين أوصل الطعام إلى المكان المشروط في أي الطريقين حمله ، وإن حمله في البحر ضمنه إن غرق ; لأنه عرضه للتلف فإن الغالب من حال راكب البحر أنه على شرف الهلاك مع ما معه ، وإن سلم له الأجر استحسانا ، وهو بمنزلة ما لو كان إلى ذلك الموضع طريقان في البر أحدهما : آمن والآخر مخوف فحمله في الطريق المخوف ، فإن تلف كان ضامنا ، وإن سلم استحق الأجر استحسانا ، فكذلك هنا ; لأن البحر بمنزلة الطريق المخوف ; ولهذا لم يكن للمودع أن يسافر الوديعة في طريق البحر كما ليس له أن يسافر بها في الطريق المخوف . ولو استأجر رجلين يحملان له طعاما من الفرات إلى أهله فحمله كله أحدهما ، وهما شريكان في العمل فالأجر بينهما ; لأن وجوب الأجر باعتبار تقبل العمل ، وقد باشراه أو باشره أحدهما بوكالة لصاحبه ; لأن مبنى شركة العنان على الوكالة ثم هو في إقامة العمل نائب عن صاحبه أيضا ، وإن لم يكونا شريكين في العمل فللعامل نصف الأجر في نصف الطعام ; لأنه إنما قبل حمل نصف الطعام بنصف الأجر ، وقد حمله ولا أجر له في النصف الآخر ; لأنه كان في الحمل ضامنا لنصف الأجر بمنزلة أجنبي آخر لو حمله ، وهذا لأنه غير نائب عن الآخر هنا ، فإنه لم يسبق بينهما عقد شركة فلم يجعله نائبا عن نفسه فيكون هو في ذلك كأجنبي آخر . ولو استأجر رجلا ليذهب إلى مكان كذا فيجيء بأهله كلهم ، وهم خمسة ، فذهب وجاء بهم فله الأجر المسمى ; لأنه استؤجر على عمل معلوم ببدل معلوم ، وقد أوفى العمل المشروط عليه بكماله فله الأجر كله ، فإن وجد بعضهم قد مات فجاء بمن بقي منهم فله أجر ذهابه ، وله الأجر بحساب من جاء بهم ; لأنه في الذهاب أقام ما التزم من العمل على نحو ما التزمه فاستوجب أجر الذهاب ، وما يكون من الأجر المسمى ، فإنه يتوزع على حصة من جاء بهم ، ومن ماتوا فيلزمه بحصة من جاء بهم ; لأنه أقام بعض هذا العمل دون البعض فيكون له من الأجر بحساب ما أقام من العمل ، وإن وجدهم كلهم قد هلكوا فعاد بنفسه فله أجر ذهابه ; لأنه في الذهاب أقام ما لزمه بالعقد كما التزمه ، وفي الرجوع هو عامل لنفسه بالعود إلى وطنه ليس بعامل للمستأجر حين لم يأت بأحد من أهله ; فلهذا كان له أجر الذهاب خاصة ; ولأنه إنما يذهب لتحصيل مقصود المستأجر فكان عاملا له في ذلك وليس في رجوعه وحده تحصيل شيء من مقصود المستأجر ، فلم يكن عاملا له في ذلك . [ ص: 202 ] فإن استؤجر على أن يذهب بكتاب له إلى مكان كذا فيدفعه إلى فلان ، فذهب به فوجده قد مات أو تحول إلى بلد آخر فرد الكتاب فلا شيء له ، وإن لم يرد الكتاب فله الأجر بحساب ذهابه معنى هذا أنه استأجره ليذهب بالكتاب إلى فلان ويأتيه بالجواب ، فإذا ذهب به ، ولم يرد الكتاب ، ولم يأته بالجواب فهو في الذهاب عامل للمستأجر ساع في تحصيل مقصوده وليس بعامل في الرجوع فيستحق حصة الذهاب من الأجر ، وإن رد الكتاب فلا شيء له في قول أبي حنيفة ; لأنه فوت على المستأجر ما يحصل له من المقصود حين رد كتابه إليه فخرج من أن يكون عاملا له في الذهاب ، وعلى قول محمد له أجر الذهاب ; لأنه ليس للكتاب حمل ومؤنة ، وإنما يستوجب الأجر باعتبار ذهابه بنفسه ، وقد ذهب فقد تقرر حقه في أجر الذهاب فلا يسقط ذلك بعوده رد الكتاب أو لم يرده ، ولكنا نقول : هو لا يستوجب الأجر بمجرد الذهاب من غير اعتبار الكتاب . ( ألا ترى ) أنه لو ترك الكتاب في أهله ، وذهب بنفسه لم يكن له أجر فكذلك إذا رد الكتاب معه ، وقول أبي يوسف في المسألة مضطرب . ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 20 ( الأعضاء 0 والزوار 20) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |