|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد السادس والعشرون صـــ102 الى صـــ 111 (531) وعندنا الواجب هو القود لا غير فالمال الذي يلتزمه يكون عوضا عن القود ، ولا ربا بين ما ليس بمال وبين ما هو مال ، والدليل على جواز هذا الصلح ما روي أن فارسا من فرسان المسلمين قتل رجلا فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص فلما خرج ليقتل رأت الصحابة الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا وصالحوا أولياء القتيل على ديتين دية يعطيها القاتل ودية يتبرع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأدائها فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو صالحه في الخطأ أو العمد على خمسين من الإبل جاز أما في العمد فلا يشكل ، وفي الخطأ ; لأنه أسقط بعض الواجب . ولو أسقط الكل بالعفو لجاز ، فكذلك إذا أسقط البعض ، وكذلك لو صالحه على خمسمائة دينار قبل أن يقضي عليه بالدراهم ، وقال : إنما صالحتك عن الدية على ذلك فهو جائز بطريق الإسقاط كأنهما عينا الدنانير ثم أسقط عنه النصف ورضي بالنصف [ ص: 103 ] ويكون الباقي مؤجلا في ثلاث سنين سواء ذكر الأجل أو لم يذكره أما إذا لم يذكر الأجل فلأن هذا الصلح إبراء عن البعض ، وليس فيه تعرض لما بقي فيبقى ما بقي على الوجه الذي كان عليه الكل في الابتداء ، وهو أنه مؤجل في ثلاث سنين ، وكذلك إن شرط الأجل فيما بقي من ثلاث سنين ; لأن هذا الشرط يقرر مقتضى مطلق العقد ، ولا يقال هذا في معنى نسيئة بنسيئة ; لأن ذلك عند تمكن المبادلة ، ولا مبادلة هاهنا إنما هو إسقاط نصف الواجب فقط ، فأما إذا كان من أهل الإبل فقضى عليه بالإبل فصالحه من ذلك على شيء من العروض أو الحيوان بعينه بعد أن لا يكون مما فرض عليه الدية كان جائزا ، وإن كان أكثر من الدية أضعافا ويأخذه حالا ; لأن هذا استبدال بدين لا يستحق قبضه في المجلس ، ولا هو في حكم المبيع ، فيكون ذلك صحيحا وبنفس الاستبدال يملكه عينا ، والأجل في العين لا يتحقق ، وكذلك لو كان من أهل الورق أو الذهب فقضى عليه بشيء من ذلك ثم صالحه على عين من جنس آخر جاز ، وإن جعل لما وقع عليه الصلح أجلا بأن صالحه على طعام موصوف في الذمة مؤجل لا يجوز ; لأنه بدل عما قضى عليه به من الدراهم أو الدنانير ، فيكون هذا شراء دين بدين ، وذلك حرام ، وكذلك إن قضى عليه بدراهم ثم صالحه على دنانير بعينها أكثر من ألف دينار أو أقل من ألف دينار يجوز بعد أن يقبض ذلك في المجلس ، وإن صالحه على دنانير مؤجلة لا يجوز ; لأنه صرف ولأنه دين بدين ، وإذا أقر الرجل أنه قتل رجلا خطأ ، وادعى وليه العمد فله الدية في ماله استحسانا ، وفي القياس لا شيء له قول زفر رحمه الله . وجه القياس : أن الولي ادعى عليه القود وهو منكر ، وهو أقر له بالمال ، وقد كذبه الولي في ذلك فلا يجب شيء . ( ألا ترى ) أنه لو أقر بالعمد وادعى الولي الخطأ لم يجب شيء فكذلك هاهنا وجه الاستحسان أن الولي يتمكن من أخذ المال الذي أقر له به القاتل مع إصراره على دعواه بأن يقول حقي في القصاص ، ولكنه طلب مني أن آخذ المال عوضا عن القصاص ، وذلك جائز فعرفنا أنه ما صار مكذبا له فيما أقر به فأما إذا ادعى الولي الخطأ ، وأقر القاتل بالعمد فإن الولي لا يمكنه أن يأخذ المال ; لأن القاتل يجحد موجب ذلك ، ولا يمكنه أن يأخذ القصاص مع إصراره على الدعوى ; لأن استيفاء القصاص عوض عن المال . يوضح الفرق أن الولي حين ادعى العمد فقد ادعى أصل القتل ، والصفة ، والمقر بالخطأ صدقه فيما ادعى من أصل القتل وجحد ما ادعى من صفة العمدية فلا يعتبر تصديقه في أصل القتل بعد ما كذبه في الصفة ; لأن موجب الأصل الذي صدقه فيه يخالف موجب الأصل بالصفة التي [ ص: 104 ] كذبه فيها ، وكذلك هذا الحكم فيما دون النفس مما يجب في العمد منه القصاص ، وإذا قتل النائم إنسانا بأن سقط عليه أو كان بيده شيء فضربه وهو نائم فعلى عاقلته الدية وعليه الكفارة قال : وهذا خطأ وقد بينا أنه في معنى الخطأ في الحكم دون الخطأ حقيقة فإن النائم ليس من أهل القصد أصلا إلا أنه أوجب عليه الكفارة وجعله محروما من الميراث ; لتوهم أن يكون تناوم ، ولم يكن نائما حقيقة ، وهذا معتبر في حرمان الإرث ، وأما الكفارة فلتركه التحرز في موضع يتوهم أن يصير قاتلا لإنسان في نومه بهذه الطريقة وقد بينا أن الكفارة في الخطأ إنما وجبت لترك التحرز والله أعلم بالصواب . ( قال : رحمه الله ) وإذا شهد شاهدان على رجل بالقتل خطأ وشهد الآخر على إقرار القاتل بذلك فهذا باطل ; لأنهما اختلفا في المشهود به فإن أحدهما شهد بفعل ، والآخر بقول ، والقول غير الفعل ، وواحد منهما لا يثبت عند القاضي إلا باتفاق الشاهدين عليه ، وكذلك لو شهدا على القتل واختلفا في الوقت ، أو المكان فإن الشهادة لا تقبل ; لأن الفعل لا يحتمل التكرار خصوصا القتل في محل واحد فكل واحد منهما يشهد بفعل غير ما يشهد به صاحبه وذلك يمنع قبول الشهادة كشهود الغصب إذا اختلفوا في المكان ، والزمان ، ثم هاهنا القاضي يوقن بكذب أحدهما ; لأنه بعدما قبل في يوم وفي مكان لا يتصور أن يقبله في مكان آخر في يوم آخر وبعدما تيقن القاضي بكذب الشاهد لا يجوز له أن يقضي بشهادته ، وكذلك لو اختلفا فيما قتله به فقال أحدهما : كان بحجر وقال الآخر : بعصا ; لأنهما اختلفا في المشهود به ، فالقتل بالحجر غير القتل بالعصا حقيقة ، وإن كان حكمهما واحدا . وكذلك لو قال : أحدهما قتله عمدا وقال الآخر : قتله خطأ ، فقد اختلفا في المشهود به ; لأن الخطأ غير العمد وحكمهما مختلف ، وكذلك لو قال أحدهما : قتله بعصا وقال الآخر : لا أحفظ الذي كان به القتل ; لأن الذي قال : لا أحفظ ضيع بعض شهادته ولأنه شاهد بفعل غير الفعل الذي شهد به صاحبه ( ألا ترى ) أنه يتمكن من أن يبين أنه قتله بالسلاح ولا يكون هذا البيان منه مخالفا لأول كلامه ولو قال الآخر مثل ذلك كان مناقضا في كلامه فعرفنا أنه شاهد بفعل غير الفعل الذي شهد به صاحبه فلا تقبل الشهادة ، وإن قالا جميعا : لا ندري بم قتله ، فهو مثل الأول في القياس ; لأنهما أقرا أنهما ضيعا شهادتهما [ ص: 105 ] ولأن شرط قبول الشهادة اتفاقهما على فعل واحد ولا يكون ذلك إلا بأن يتفقا على آلة واحدة ; لأن الفعل بدون الآلة لا يتحقق واتفاقهما على آلة واحدة لا يثبت بدون التنصيص فأما إذا قالا : لا ندري فبهذا اللفظ لا يثبت الاتفاق على آلة واحدة لجواز أنهما إذا بين كل واحد منهما ولم يكن بيانه ذلك مخالفا لأول كلامه ، والمحتمل لا يثبت إلا بحجة ، ولكنا نستحسن أن نجيز شهادتهما ونوجب عليه الدية في ماله ; لأن الشرط اتفاقهما فيما صرحا به في شهادتيهما وذلك أصل القتل ، وقد ثبت بنص لا احتمال فيه وأصل القتل موجب للدية فاتفاقهما عليه يكون اتفاقا على هذا الموجب فأما القصاص فإنما يجب باعتبار صفة العمدية ولم يتعرض الشهود لذلك وباختلاف الآلة إنما يختلف حكم القصاص . فتوهم اختلاف الآلة إنما يعتبر في المنع من الحكم بالقصاص لا في المنع من الحكم بالمال فإنه لا أثر لاختلاف الآلة في ذلك ، ولكن الدية هنا في ماله ; لأن في تحمل العاقلة عنه معنى الشك ، والاحتمال فإنه إذا كان عمدا لا تتحملها العاقلة ومع الشك يتعذر إيجابها على العاقلة فكانت في ماله يوضحه : أن الظاهر أن الشاهدين عرفا الآلة ، وأن الفعل كان عمدا بسلاح ; لأنهما شهدا بقتل مطلق ، والفعل المطلق يكون بآلته وآلة القتل السلاح ، وكذلك الفعل المطلق يكون من العامد إلا أنهما سترا ذلك لدرء القود ويحمل الولي على أن يكتفي بالدية ، وقد ندبا إلى ذلك بالشرع فلا يكون مبطلا شهادتهما ، بل - يقضي بالدية في مال القاتل كما هو موجب شهادتهما . وشهادة امرأتين مع رجل جائزة في قتل الخطأ وفي كل ما ليس فيه قصاص ولا تجوز فيما فيه قصاص ، وكذلك الشهادة على الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي ; لأن القصاص عقوبة تندرئ بالشبهات وفي شهادة النساء ضرب شبهة ; لأن الضلالة ، والنسيان يغلب عليهن ، وكذلك في الشهادة على الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي ; لأنهما بدل وفي البدل القائم مقام الأصل ضرب شبهة فلا يثبت به ما يندرئ بالشبهات ويثبت به ما لا يندرئ بالشبهات ، وهو المال ، ثم بهذه الشهادة إذا تعذر القضاء بالقصاص لا يقضي بالمال بخلاف مسألة الإقرار فإن القاتل إذا أقر بالخطأ بعد ما ادعى الولي العمد يقضي بالمال ; لأن هاهنا تعذر القضاء بالقود لمعنى من جهة الولي ، وهو اشتغاله بإقامة حجة فيها شبهة ، والولي لا ينفرد بأخذ المال بدون رضا القاتل وهناك تعذر القضاء بالقود لمعنى من جهة القاتل ، وهو إقراره بالخطأ ، فينزل ذلك منزلة الرضا منه بأخذ المال وللولي أن يأخذ المال مكان القصاص برضا القاتل . يوضحه : أن الإقرار موجب للحق بنفسه من غير قضاء القاضي فيتمكن الولي من أخذ ما أقر به القاتل ، وهو [ ص: 106 ] المال فأما الشهادة فلا توجب شيئا بدون قضاء القاضي ، والقاضي إنما يقضي بما شهد به الشهود ، وقد تعذر عليه القضاء بذلك هاهنا لمكان الشبهة فلا يقضي بشيء ، وإن شهد عليه رجلان بالعمد حبس حتى يسأل عنهما ; لأنه صار متهما بالدم ، والسبيل في المتهم أن يحبس لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في التهمة } وروي أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا يعدو عليه ويقول أجرني يا أمير المؤمنين فقال من ماذا فقال من الدم فقال احبسوه الحديث . وقد بينا في أول كتاب الحدود أن أخذ الكفيل في العقوبات غير ممكن لما في ذلك من معنى التوثق ، والاحتياط ، وأنه يصار فيه إلى الحبس ، فإن شهد عليه رجل واحد عدل حبسه أيضا أياما ; لأنه صار متهما بالدم فإن خبر الواحد ، وإن كان لا يتم بالحجة فتثبت به التهمة خصوصا إذا كان المخبر عدلا ; ولأن للشهادة شرطين : العدد ، والعدالة ، وقد وجد أحد الشرطين هاهنا ، وهو العدالة ، فهو بمنزلة ما لو تم عدد الشهود ولم تظهر عدالتهم فكما يحبس هناك فكذلك يحبس هاهنا ، فإن جاء شاهد آخر وإلا خلى سبيله ، والعمد في ذلك ، والخطأ وشبه العمد سواء . وكان ينبغي في القياس أن لا يحبس في الخطأ وشبه العمد ; لأن الواجب فيهما المال وفي الديون التي هي غير المؤجلة لا يحبس ما لم تتم الحجة لظهور عدالة الشهود ففيما يكون مؤجلا إلى العاقلة أولى ، ولكنه ترك القياس لما ذكرنا أن المتهم بالدم يحبس فإن القتل أمر عظيم إلى أن يتبين موجبه ; لظهور عذر القاتل ، أو انتفاء عذره ، فإذا ادعى ولي القتيل بينة حاضرة في المصر ، والقتل خطأ أخذ به من المدعى عليه كفيلا إلى ثلاثة أيام بخلاف ما إذا زعم أن بينته غيب ; لأن الدعوى دعوى الدين ، فالخطأ موجب الدية دينا . وأخذ الكفيل بالنفس في دعوى الديون صحيح إذا ادعى بينة حاضرة في المصر فأما في العمد فلا يصار إلى أخذ الكفيل قبل إقامة البينة ولا بعدها ، ولكن قبل إقامة البينة يلازمه المدعي وبعد إقامة البينة يحبسه على سبيل التعزير ، فإن ظهرت عدالة الشهود كان القتل موجبا للقود وقضى عليه بالقود . والله أعلم بالصواب . ( قال : رحمه الله ) وإذا وجد الرجل قتيلا في محلة قوم فعليهم أن يقسم منهم خمسون رجلا بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ، ثم يغرمون الدية . بلغنا هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا أحاديث مشهورة منها حديث سهل بن أبي حثمة { أن عبد الله بن سهل وعبد الرحمن بن سهل [ ص: 107 ] وحويصة ومحيصة خرجوا في التجارة إلى خيبر وتفرقوا بحوائجهم فوجدوا عبد الله بن سهل قتيلا في قليب من قلب خيبر يتشحط في دمه فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبروه فأراد عبد الرحمن ، وهو أخو القتيل أن يتكلم فقال عليه الصلاة والسلام الكبر الكبر ، فتكلم أحد عميه حويصة ومحيصة ، وهو الأكبر منهما وأخبره بذلك ، قال : ومن قتله قالوا : ومن يقتله سوى اليهود قال : تبركم اليهود بأيمانها ، فقالوا : لا نرضى بأيمان قوم كفار لا يبالون ما حلفوا عليه قال : عليه السلام أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم ، فقالوا : كيف نحلف على أمر لم نعاين ولم نشاهد فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة } . وذكر الزهري عن سعيد بن المسيب { أن القسامة كانت من أحكام الجاهلية فقررها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتيل من الأنصار وجد في حي ليهود } وذكر الحديث إلى أن قال : فألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود الدية والقسامة وفي رواية { فكتب إليهم إما أن يدوه ، أو يأذنوا بحرب من الله ورسوله } . وذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل خيبر إن هذا قتيل وجد بين أظهركم فما الذي يخرجه عنكم فكتبوا إليه إن مثل هذه الحادثة وقعت في بني إسرائيل فأنزل الله على موسى عليه السلام أمرا ، فإن كنت نبيا فاسأل الله مثل ذلك فكتب إليهم أن الله تعالى أراني أن أختار منكم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ، ثم يغرمون الدية قالوا : لقد قضيت فينا بالناموس يعني بالوحي } وروى حنيف عن زياد بن أبي مريم قال : { جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني وجدت أخي قتيلا في بني فلان فقال : اختر من شيوخهم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا قال : وليس لي من أخي إلا هذا قال : نعم ومائة من الإبل } وفي الحديث أن رجلا وجد بين وداعة وأرحب وكان إلى وداعة أقرب فقضى عليهم عمر رضي الله عنه بالقسامة ، والدية فقال حارث بن الأصبع الوادعي : يا أمير المؤمنين لا أيماننا تدفع عن أموالنا ولا أموالنا تدفع عن أيماننا فقال : حقنتم دماءكم بأيمانكم وأغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم فهذه الآثار تدل على ثبوت حكم القسامة ، والدية في القتيل الموجود في المحلة على أهلها ونوع من المعنى يدل عليه أيضا ، وهو أن الظاهر أن القاتل منهم ; لأن الإنسان قلما يأتي من محلة إلى محلة ; ليقتل مختارا فيها ، وإنما تمكن القاتل منهم من هذا الفعل بقوتهم ونصرتهم فكانوا كالعاقلة فأوجب الشرع الدية عليهم صيانة لدم المقتول عن [ ص: 108 ] الهدر وأوجب القسامة عليهم لرجاء أن يظهر القاتل بهذا الطريق فيتخلص غير الجاني إذا ظهر الجاني ; ولهذا يستحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ، ثم على أهل كل محلة حفظ محلهم عن مثل هذه الفتنة ; لأن التدبير في محلتهم إليهم فإنما وقعت هذه الحادثة لتفريط كان منهم في الحفظ حين تغافلوا عن الأخذ على أيدي السفهاء منهم ، أو من غيرهم فأوجب الشرع القسامة والدية عليهم لذلك ، ووجوب القسامة والدية على أهل المحلة مذهب علمائنا وقال مالك رضي الله عنه إذا كان بين أهل القتيل وأهل المحلة عداوة ظاهرة ولوث وتأثيره وكان العهد قريبا بدخوله في محلتهم إلى أن وجد قتيلا يؤمر الولي بأن يعين القاتل منهم باعتبار اللوث ، وتفسير اللوث : أن يكون عليه علامة القاتلين أو يكون هو مشهورا بعداوته ، ثم يحلف الولي خمسين يمينا بالله أنه قتله ، فإذا حلف اقتص له من القاتل ، وهو قول الشافعي في القديم وقال في الجديد : فإذا حلف قضي له بالدية في ماله ، وإذا انعدمت هذه المعاني أو أبى الولي أن يحلف ، فالحكم فيه ما هو الحكم في سائر الدعاوى واحتج مالك رضي الله عنه بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث سهل بن أبي حثمة { أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم . وفي رواية تحلفون وتستحقون . } وهذا تنصيص على أن اليمين على الولي ، وأنه يستحق القصاص . وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قضى بالقود في القسامة } وقضى به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وعن بعض الصحابة قال : قتلنا قاتل ولينا في القسامة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا حجة سوى اللوث وفي الحديث المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر إلا في القسامة } ففي هذا الاستثناء تنصيص على أن في القسامة اليمين على المدعي ، فإذا حلف ترجح معنى الصدق في جانبه فيستحق المدعى ، وهو القود ، ثم قال الشافعي رضي الله عنه نرجح جانبه ، ولكن بحجة فيها ضرب شبهة ، والقصاص عقوبة يندرئ بالشبهة فيجب المال وهذا ; لأن اليمين حجة من يشهد له الظاهر كما في سائر الدعاوى فإن الظاهر يشهد للمدعى عليه ; لأن الأصل براءة ذمته فأما في القسامة ، فالظاهر يشهد للمدعي عند قيام اللوث وقرب العهد فيكون اليمين حجة له وحجتنا ما روينا من الآثار المشهورة وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { لو أعطي الناس بدعواهم } الحديث . وقد بينا في كتاب الدعوى أن اليمين ليست بحجة صالحة لاستحقاق فلس بها فكيف تكون حجة لاستحقاق نفس خصوصا في موضع يتيقن بأن الحالف مجازف يحلف على ما لم يعاينه بحال محتمل في نفسه ، وهو اللوث ، وإنما اليمين مشروعة لإبقاء ما كان على ما كان فلا [ ص: 109 ] يستحق بها ما لم يكن مستحقا ، فأما قوله أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم فلا تكاد تصح هذه الزيادة ، وقد قال جماعة من أهل الحديث ، أوهم سهل بن أبي حثمة ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم } ولو ثبت فإنما قال ذلك على طريق الإنكار عليهم لا على طريق الأمر لهم بذلك فإنه لو كان على سبيل الأمر لكان يقول أتحلفون فتستحقون دم صاحبكم فأما قوله أتحلفون وتستحقون فعلى سبيل الإنكار كقوله تعالى { أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم } الآية ، وكذلك قوله تحلفون معناه أتحلفون كقوله { تريدون عرض الدنيا } معناه أتريدون وكان عليه الصلاة والسلام رأى منهم الرغبة في حكم الجاهلية حين أبوا أيمان اليهود وبقولهم : لا نرضى بيمين قوم كفار . فقال ذلك على سبيل الزجر فلما عرفوا كراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك رغبوا عنه بقولهم : كيف نحلف على أمر لم نعاين ولم نشاهد ، ثم يحتمل أن يكون اليهود ادعوا عليهم بنقل القتيل من محلة أخرى إلى محلتهم فصاروا مدعى عليهم ; فلهذا عرض عليهم اليمين ، والحديث الآخر لا يكاد يصح لما روي عن أيوب مولى أبي قلابة قال : كنت عند عمر بن عبد العزيز وعنده رؤساء الناس فخوصم إليه في قتيل وجد في محلة وأبو قلابة جالس عند السرير أو خلف السرير فقال الناس قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقود في القسامة وأبو بكر وعمر ، والخلفاء بعدهم فنظر إلى أبي قلابة ، وهو ساكت فقال : ما تقول قال : عندك رؤساء الناس وأشراف العرب أرأيتم لو شهد ثم رجلان من أهل دمشق على رجل من أهل حمص أنه سرق ولم يرياه أكنت تقطعه فقال : لا قال : أرأيتم لو شهد أربعة من أهل حمص على رجل من أهل دمشق أنه زنى ولم يروه أكنت ترجمه فقال : لا فقال : والله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسا بغير نفس إلا رجلا كفر بالله بعد إيمانه ، أو زنى بعد إحصانه ، أو قتل نفسا بغير نفس ، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسامة ، والدية على أهل خيبر في قتيل وجد بين أظهرهم فانقاد عمر بن عبد العزيز لذلك وهذا ; لأن أمراء بني أمية كانوا يقضون بالقود في القسامة على ما روي عن الزهري قال : القود في القسامة من أمور الجاهلية أول من قضى به معاوية ; فلهذا بالغ أبو قلابة في إنكار ذلك وقوله صلى الله عليه وسلم إلا في القسامة يعني الأيمان مكررة في القسامة بخلاف سائر الدعاوى معناه لا تنقطع الخصومة باليمين في القسامة ، بل يقضى بالدية بعدها بخلاف سائر الدعاوى ، ثم إنما يقضى بالدية على عاقلة أهل المحلة في ثلاث سنين ; لأن حالهم هنا دون حال من باشر القتل خطأ [ ص: 110 ] وإذا كانت الدية هناك على عاقلته في ثلاث سنين فهاهنا أولى . ، فإن لم يكمل العدد خمسون رجلا كررت عليهم الأيمان حتى يكملوا خمسين يمينا لما روي أن الذين جاءوا إلى عمر رضي الله عنه من أهل وداعة كانوا تسعة وأربعين رجلا منهم فحلفهم ، ثم اختار منهم واحدا فكرر عليه اليمين وهذا ; لأن عدد اليمين في القسامة منصوص عليه ولا يجوز الإخلال بالعدد المنصوص عليه ويجوز تكرار اليمين من واحد كما في كلمات اللعان ولأولياء القتيل أن يختاروا في القسامة صالحي العشيرة من الذين وجد بين أظهرهم القتيل فيحلفونهم ; لأن { النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخ القتيل اختر منهم خمسين رجلا } فدل أن الخيار إليه ، وهو حقه يستوفى بطلبه وإليه تعيين من يستوفي منه حقه وله أن يختار الشبان ، والفسقة منهم ; لأن تهمة القتيل عليهم أظهر وله أن يختار المشايخ ، والصلحاء منهم ; لأنهم يتحرزون عن اليمين الكاذبة أكثر مما يتحرز الفسقة ، فإذا علموا القاتل منهم أظهروه ولم يحلفوا وفي ظاهر الرواية القسامة على أهل المحلة ، والدية على عواقلهم وذكر في اختلاف زفر ويعقوب أن على قول زفر القسامة ، والدية على عاقلة أهل المحلة قياسا لأحد الموجبين على الآخر وعلى قول أبي يوسف لا قسامة على العاقلة ; لأن التحمل يجري في الدية ولا يجري التحمل في اليمين . ولو اختاروا في القسامة أعمى ، أو محدودا في قذف كان ذلك لهم ; لأنهم أسوة غيرهم في الأهلية لليمين ، والنكول ، والخيار فيه إليهم دون الإمام ; لأن الحق لهم ، وإنما أراد بهذا الفرق بين هذا وبين اللعان فإن اللعان شهادة ، والمحدود في القذف ، والأعمى ليس لهما شهادة الأداء فأما هذه فيمين محضة قال في الأصل وكل ما يلزم العاقلة يلزم أهل الديوان ، والمعاقلة من أهل الديوان ولا يلزم النساء ، والذرية من ذلك شيء ولا يؤخذ من الرجل في كل سنة إلا ثلاثة دراهم ، أو أربعة لما روي أن عمر رضي الله عنه لما دون الدواوين وفرض الأعطيات جعل المعاقل عليهم في أعطياتهم على كل رجل في كل سنة ثلاثة دراهم ، أو أربعة وهذا عندنا وعند الشافعي رضي الله عنه العاقلة هم العشيرة على ما كان عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا ترى ) أنه قال في حديث الجنين لأولياء الضاربة قوموا فدوه ، ولكنا نقول ما كانت الدواوين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما كانوا يتناصرون بالقرابة بعد الدين فلما دون عمر رضي الله عنه الدواوين جعل التعاقل بالديوان ; لأنه باعتبار التناصر ، والتناصر بالديوان دون القبيلة فإن أهل الديوان ، وإن كانوا من قبائل شتى يقوم بعضهم بنصرة بعض وربما تظهر العداوة مع من هو من قبيلته من أهل ديوان آخر أكثر مما تظهر مع غيره على ما [ ص: 111 ] روي أنه في الجمل وصفين كان يقوم أهل كل قبيلة من أحد الصفين بمقاتلة تلك القبيلة من الصف الآخر ، ثم الأخذ من العاقلة على وجه لا يؤدي إلى الإجحاف بهم وذلك في أن يؤخذ منهم في كل سنة القدر الذي سمي ، فإن لم يسع ديوان أولئك القوم ضم إليهم أقرب القبائل إليهم في النسب حتى لا يقع على كل واحد منهم إلا ثلاثة دراهم ، أو أربعة ولا يدخل في ذلك النساء ، والذراري ; لأنهم أتباع لا تقوم النصرة بهم وتمام بيان هذا الكلام في هذا الفصل في كتاب المعاقل ، والقبائل . والذي حلف في القسامة والذي لم يقبل ، ولم يشهد في ذلك كل سواء الدية عليهم على أهل الديوان ; لأنها مأخوذة من أعطياتهم ، وقد استوى في الأعطيات من شهد منهم ، ومن غاب ، وكذلك في ظاهر الرواية من كان غائبا ، ومن كان حاضرا من أهل المحلة في القسامة سواء ، وعن أبي يوسف رحمه الله قال : من علمت أنه كان غائبا حين وقعت هذه الحادثة لا أدخله في القسامة ; لأنه ليس عليه من تهمة القتل شيء ولم يكن قائما في حفظ المحلة ، والتدبير فيها حين وقعت هذه الحادثة ووجه ظاهر الرواية أن السبب كونه من أهل المحلة لا تهمة القتل فإن الفقهاء ، والمشايخ وصالحي أهل المحلة يحلفون ، وليس عليهم من تهمة القتل شيء وهذا السبب لا ينعدم بكونه غائبا عن المحلة . ، وإذا وجد القتيل بين قريتين ، أو سكتين فإلى أيهما كان أقرب كان عليهم القسامة ، والدية لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه { أن قتيلا وجد بين قريتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر أن يمسح بينهما فوجد إلى إحدى القريتين أقرب بشبر فقضى عليهم بالقسامة ، والدية } ، وعن عمر رضي الله عنه في القتيل الموجود بين وداعة وأرحب أمر بأن يقاس بين القبيلتين وكان إلى وداعة أقرب فجعلها عليهم ولأن من يقرب من موضع ، فهو أحق بحفظ ذلك الموضع ، والتدبير فيه ممن يكون أبعد من ذلك الموضع ، فإن نكلوا عن اليمين حبسوا حتى يحلفوا ; لأن الأيمان في القسامة حق مقصود لتعظيم أمر الدم ، ومن لزمه حق مقصود لا تجري النيابة في إيفائه ، فإذا امتنع منه فإنه يحبس ليوفي كما كلمات اللعان . وإذا وجد القتيل في قرية أصلها لقوم شتى فيهم المسلم ، والكافر ، فالقسامة على أهل القرية المسلم منهم ، والكافر فيه سواء ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أوجب القسامة على أهل خيبر وكانوا من اليهود } ، ثم يعرض عليهم الدية فما أصاب المسلمين من ذلك فعلى عواقلهم وما أصاب أهل الذمة ، فإن كانت لهم معاقل فعليهم وإلا ففي أموالهم كما لو باشروا بأيديهم القتل خطأ . ، وإذا وجد القتيل في قبيلة بالكوفة وفيها سكان وفيها من قد اشترى من دورهم [ ص: 112 ] فالقسامة ، والدية على أهل الخطة دون السكان ، والمشترين وهذه فصول أحدها أنه ما بقي في المحلة أحد من أصحاب الخطة فليس على المشترين من ذلك شيء في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وفي قول أبي يوسف ، وهو قول ابن أبي ليلى المشترون في ذلك كأصحاب الخطة ; لأنهم قاموا مقام البائع ولأنهم ملاك لبعض المحلة كأصحاب الخطة وفيما يجب باعتبار الملك لا يختلف باختلاف سبب الملك كاستحقاق الشفعة ( ألا ترى ) أن في القتيل الموجود في دار رجل لا فرق بين أن يكون صاحب الدار مشتريا ، أو صاحب خطة فكذلك في القتيل الموجود في المحلة وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا : صاحب الخطة أخص بتدبير المحلة من المشترين . ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 33 ( الأعضاء 0 والزوار 33) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |