|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد السادس والعشرون صـــ2 الى صـــ 11 (521) [ ص: 2 ] قال رحمه الله ) : وإذا اشترى المأذون جارية بألف درهم على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما فهو جائز منه بمنزلة اشتراط الخيار ثلاثة أيام كما يجوز من الحر ، وقد بيناه في كتاب البيوع ، وبينا أنه لو كان الشرط إن لم ينقد الثمن إلى أربعة أيام فلا بيع بينهما كان البيع فاسدا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، وفي قول محمد رحمه الله هو جائز على ما اشترطا ووقع في بعض النسخ ، وقال أبو يوسف هو جائز على ما اشترطا وهو غلط ، والصحيح أن أبا يوسف فرق بين هذا وبين اشتراط الخيار أربعة أيام وبينا ذلك في البيوع وكذلك لو اشتراها وقبضها ونقد الثمن على أن البائع إن رد الثمن على المشتري ما بينه وبين ثلاثة أيام فلا بيع بينهما فهو جائز على ما اشترطا ، وهو بمنزلة اشتراط الخيار للبائع ، ولو اشتراها على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما فقبضها وباعها نفذ بيعه ; لأن خيار المشتري لا يمنعه من التصرف فيها والبيع تام لازم من جانب البائع فإن مضت الأيام الثلاثة قبل أن ينقده الثمن فلا سبيل للبائع على الجارية ، ولكنه يتبع المشتري بالثمن ; لأن من ضرورة نفوذ بيعه فيها سقوط خياره ; ولأن امتناعه من إيفاء الثمن في آخر جزء من الأيام الثلاثة بمنزلة فسخ البيع منه ، وفسخه للبيع فيها بعد ما باعها باطل فإذا جاز البيع ، والجارية ملك المشتري الثاني علمنا أنه لا سبيل للبائع عليها . ولكنه يتبع المشتري منه بالثمن ، وكذلك لو قتلها المشتري أو ماتت في يده أو قتلها أجنبي آخر حتى غرم قيمتها في الأيام الثلاثة ; لأن حدوث هذه المعاني في يد المشتري في مدة خياره يكون مسقطا خياره ; لما فيه من فوات محل الفسخ ، وهذا في الموت ظاهر ، وكذلك في قتل الأجنبي ; لأن القيمة الواجبة على القاتل لأجل ملك المشتري ، والعقد فيها فلا ينتهي بالقبض فلا يتحول العقد إلى ملك القيمة . ( ألا ترى ) أنه يجوز الفسخ بالتحالف ، والرد بالعيب باعتبار القيمة الواجبة على القاتل بعد قبض المشتري فكذلك الفسخ بخيار الشرط . فإن كان المشتري [ ص: 3 ] وطئها وهي بكر أو ثيب في الأيام الثلاثة أو جنى عليها جناية أو أصابها عيب من غير فعل أحد ثم مضت الأيام الثلاثة قبل أن ينقد الثمن فالبائع بالخيار إن شاء أخذها ولا شيء له غيرها ، وإن شاء سلمها للمشتري ; لأن امتناع المشتري من نقص الثمن حتى مضت الأيام الثلاثة فسخ منه للبيع ، ولو فسخ البيع قصدا تخير البائع لحدوث ما حدث فيها عند المشتري فكذلك إذا لم ينقد الثمن حتى مضت الأيام ، ولو كان الواطئ أو الجاني أجنبيا فوجب العقر أو الأرش لم يكن للبائع على الجارية سبيل لحدوث الزيادة المنفصلة المتولدة في المشتري فإن ذلك يمنع الفسخ بعد تمام البيع في جانب البائع حق للشرع . وإنما له الثمن على المشتري ، ولو كان حدث فيها عيب من فعل الجاني الأجنبي بعد مضي الأيام الثلاثة فالبائع بالخيار إن شاء أخذ الجارية ، واتبع الجاني بموجب ما أحدثه فيها من وطء أو جناية ، وإن شاء سلمها للمشتري بالثمن فإن سلمها للمشتري بالثمن كان للمشتري أن يتبع الأجنبي بذلك ; لأن بمضي الأيام الثلاثة قبل نقد الثمن انفسخ البيع فبقيت الجارية في يد المشتري مضمونة بعد الفسخ ، فيكون بمنزلة الجارية التي في يد البائع قبل التسليم إذا حدث فيها بفعل الأجنبي شيء من ذلك ، وهناك يتخير المشتري بين أن يأخذها بالزيادة ، وبين أن ينقض البيع فيها فكذلك بعد الفسخ يتخير البائع . وهذا إذا كان الأجنبي وطئها وهي بكر حتى تمكن نقصان في ماليتها بالوطء فإن كانت ثيبا لم ينقصها الوطء أخذها البائع ، وأخذ عقرها من الأجنبي ولا خيار له في تركها ; لأن ثبوت الخيار باعتبار النقصان في المالية في ضمان المشتري ولم يوجد ، وقد طعن عيسى رحمه الله في هذا الجواب ، وقال : للبائع أن لا يقبلها ; لأن الوطء كالجناية ، والمستوفي بالوطء في حكم جزء من العين ، وقيل في تخريجه : إن قياس قول أبي حنيفة رحمه الله بناء على أن المشتري لو كان هو الواطئ بعد مضي الأيام لم يلزمه شيء ، ولم يتخير البائع فإذا كان الواطئ أجنبيا فوجب العقر ، وتمكن البائع من أخذها مع العقد أولى أن لا يثبت له الخيار ، وأصل المسألة في المبيعة إذا وطئها البائع قبل التسليم وهي ثيب لم يتخير المشتري عند أبي حنيفة ، وكذلك إن وطئها أجنبي أخذها المشتري مع عقرها ولم يتخير فكذلك البائع في هذا الفصل . ولو كان المشتري هو الذي قطع يد الجارية أو افتضها ، وهي بكر بعد مضي الأيام الثلاثة فالبائع بالخيار إن شاء سلمها للمشتري بالثمن ، وإن شاء أخذها ، ونصف ثمنها في القطع ; لتغير الجارية في ضمان المشتري بعد الفسخ ، والأوصاف تضمن بالتناول مقصودة فيتقرر على المشتري حصة اليد من الثمن . وكذلك كل جناية جنى عليها [ ص: 4 ] أخذ نقصانها من الثمن إذا اختار البائع أخذها ، وإن كان افتضها لم ينظر إلى عقرها ، ولكن ينظر إلى ما نقصها الوطء من قيمتها فيكون على المشتري حصة ذلك من ثمنها في قول أبي حنيفة وعندهما ينظر إلى الأكثر من عقرها ومما نقص الوطء من قيمتها فيكون على المشتري حصة ذلك من ثمنها ، وإن كان لم ينقصها الوطء شيئا أخذها البائع ، ولا شيء على المشتري في الوطء في قول أبي حنيفة وعندهما يقسم الثمن على قيمتها ، وعلى عقرها فيأخذها البائع ، وحصة العقر من ثمنها . وأصل المسألة في البائع إذا وطئ الجارية المبيعة قبل القبض ، وقد بينا ذلك في البيوع فحال المشتري ههنا بعد الفسخ كحال البائع قبل التسليم هناك ; لأنها في ضمان ملكه حتى لو هلكت قبل الرد كان هلاكها على ملكه كما في المبيعة قبل القبض فيستوي تخريج الفصلين على الاختلاف الذي بينا ، ولو كانت ولدت ولدا في الأيام الثلاثة ثم مضت الأيام ، وهما حيان ولم ينقد الثمن فالجارية وولدها للمشتري بالثمن ، ولا خيار للبائع في ذلك ; لأجل الزيادة المنفصلة المتولدة في يده قبل الفسخ ، ولو لم تلد ، ولكنها قد ازدادت في يده كان للبائع أن يأخذها بزيادتها ; لأن الزيادة المتصلة لا معتبر بها في البيع ، ولا يمنع الفسخ ; لأجلها كما في الفسخ بسبب العيب ، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة : الزيادة المتصلة هنا كالزيادة المنفصلة ، وهو نظير ما بينا من اعتبار الزيادة المتصلة في المنع من الفسخ بسبب التحالف ، وفي المنع من التصرف في الصداق بالطلاق ، ولو كانت ولدت بعد مضي الأيام ، ونقصتها الولادة فالبائع بالخيار للنقصان الحادث فيها من يد المشتري كما لو تعيبت بعيب آخر . وهذا لأن الزيادة المنفصلة بعد الفسخ لا تمنع من استردادها ، وتأثير نقصان الولادة في إثبات الخيار للبائع لا في تعذر الرد به ، ولو ماتت بعد مضي الأيام الثلاثة ، ولم تلد فعلى المشتري الثمن ; لأن العقد ، وإن انفسخ فقد تعيب في ضمان المشتري فإذا هلكت بطل ذلك الفسخ كما إذا هلكت المبيعة قبل القبض بطل البيع ، ولو كانت ولدت بعد مضي الأيام الثلاثة ثم ماتت وبقي ولدها فالبائع بالخيار إن شاء سلم الولد للمشتري وأخذ منه جميع الثمن وإن شاء أخذ الولد ورجع على المشتري بحصة الأم من الثمن وهو لأن الولد لما صار مقصودا بالاسترداد كان له حصة من الثمن وهو بمنزلة المبيعة إذا ولدت قبل القبض ثم ماتت الأم ، وبقي الولد فكما يتخير المشتري هناك يتخير البائع هنا . ولو كان اشترى الجارية بعرض بعينه على أنه إن لم يعط البائع ذلك إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما فهو جائز بمنزلة شرط الخيار فإن حدث بالجارية عيب في يد المشتري أو فقأ عينها أو وطئها ، وهي بكر [ ص: 5 ] أو ثيب أو فعل ذلك أجنبي ثم مضت الأيام قبل أن يعطيه البائع فهذا وما وصفنا من الدراهم سواء ; لاستوائهما في المعنى . ولو مضت الأيام قبل أن يعطي المشتري البائع ما شرطه ثم هلكت الجارية في يد المشتري أوقتلها كان للبائع على المشتري قيمتها ، ولا سبيل له على ثمنها ; لأن بمضي الأيام الثلاثة انفسخ البيع ، وهلاك أحد العوضين في المقابضة بعد الفسخ لا يمنع بقاء الفسخ ; لبقاء العرض الآخر ، وإذا بقي الفسخ تعذر على المشتري رد عينها فيرد قيمتها بخلاف البيع بالدراهم ، ولو ذهبت عينها أو فقأها المشتري أخذ البائع الجارية ، ونصف قيمتها ، ولا سبيل له على الثمن ; لأن العين من الآدمي نصفه ففوات نصفها بعد الفسخ معتبر بفوات كلها ، ولو كان أجنبي فقأ عينها أو قتلها كان البائع بالخيار إن شاء أخذ قيمتها في القتل من مال المشتري حالا ، وإن شاء رجع بها على عاقلة القاتل في ثلاث سنين . فإن أخذها من المشتري رجع بها على عاقلة القاتل ; لأنها بعد الفسخ مملوكة للبائع مضمونة في يد المشتري بنفسها كالمغصوبة ، وأما في فقء العين فإن البائع يأخذ الجارية ويتبع بأرش العين المشتري أو الجاني أيهما شاء حالا كما في المغصوبة إذا فقأ إنسان عينها في يد الغاصب فإن أخذه من المشتري رجع به المشتري على الجاني ، ولا سبيل للبائع في شيء من هذه الوجوه على الثمن ; لأنه لا يتمكن من أخذ ذلك إلا بفسخ ذلك العقد ، وبقاء أحد العوضين يمنعه من ذلك بخلاف ما إذا كان حدوث هذه المعاني قبل مضي الثلاثة ; لأن هناك العقد قائم بينهما حين حدث ما حدث ، ومضي الأيام الثلاثة بمنزلة الفسخ من المشتري قصدا ، وفسخه بعد ما تعيب في يده لا يكون ملزما للبائع فمن هذا الوجه وقع الفرق . ولو باع المأذون أو الحر جارية بألف درهم فتقابضا على أن البائع إن رد البائع الثمن على المشتري إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما ثم أن المشتري وطئ الجارية أو فقأ عينها في الأيام الثلاثة فإن رد الثمن على المشتري كان له أن يأخذ جاريته ، ويضمن المشتري بالوطء عقرها ، وفي الفقء نصف قيمتها ; لأن هذا الشرط بمنزلة خيار البائع ، والمبيعة قائمة على ملك البائع في يده على خياره فإذا تقرر ملكه بفسخ البيع ظهر أن جناية المشتري ووطأه حصلا في ملك الغير فعليه العقر والأرش ، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل أن يرد الثمن تم البيع ، ولا شيء على المشتري من العقر والأرش ; لأن خيار البائع إذا سقط ملكها المشتري من وقت العقد بزيادتها فلا يلزمه العقر والأرش ; لأن فعله حصل في ملكه حكما ، ولو كان أجنبي فعل ذلك ثم رد البائع الثمن في الأيام الثلاثة أخذ جاريته ، ونصف قيمتها ففي فقء العين [ ص: 6 ] إن شاء من المشتري ، ويرجع به المشتري على الفاقئ ، وإن شاء من الفاقئ ; لأنها كانت مملوكة للبائع مضمونة بنفسها في يد المشتري كالمغصوبة . وفي الوطء إن كانت بكرا فكذلك الجواب ; لأن الوطء ينقص ماليتها ، وهي مضمونة في يد المشتري بنفسها ، وإن كانت ثيبا لم ينقصها الوطء أخذها البائع ، واتبع الواطئ بعقرها ، ولا سبيل له على المشتري ; لأن المضمون على المشتري ماليتها ، ولم يتمكن نقصان في ماليتها بهذا الوطء ، وهي كالمغصوبة إذا وطئها أجنبي في يد الغاصب ، وهي ثيب ، ولو لم يرد البائع الثمن حتى مضت الأيام الثلاثة تم البيع ، واتبع المشتري الفاقئ أو الواطئ بالأرش والعقر . لأنه عند سقوط الخيار للبائع ملكها من وقت العقد بزوائدها المنفصلة ، ولو كان البائع هو الذي وطئها وفقأ عينها فقد انتقض البيع رد الثمن بعد ذلك أو لم يرد ، ويأخذ جاريته ; لأن فعله ذلك تقرير لملكه حين عجز نفسه عن تسليمها كما باعها ، ولو فعل ذلك بعد مضي الثلاث ، ولم يرد الثمن فعليه الأرش والعقر للمشتري ; لأن بمضي الثلاث تم البيع وتأكد ملك المشتري بكونها في يده ففعل البائع فيها كفعل أجنبي آخر فيلزمه عقرها ، وأرشها للمشتري والله أعلم . ( قال رحمه الله ) : ولا شفعة للمولى فيما باع عبده المأذون أو اشتراه إذا لم يكن عليه دين ; لأنه يبيع ملك المولي له ، ولا شفعة في البيع لمن وقع البيع له ، ولا فائدة في أخذ ما اشتراه بالشفعة ; لأنه متمكن من أخذه لا بطريق الشفعة فإنه مالك لكسبه إذا لم يكن عليه دين ، والأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء ، وشراؤه كسب عبده إذا لم يكن عليه دين باطل . وكذلك لا شفعة للعبد فيما باع مولاه أو اشتراه ; لأنه إذا لم يكن عليه دين فإنما يأخذ ما باعه المولى بالشفعة له ، ولا شفعة للبائع ، ولا يفيد أخذه بما اشتراه المولى بالشفعة ; لأن المولى متمكن من استرداد ما في يده منه فيكون متمكنا من منعه من إثبات اليد عليه أيضا فإن كان على العبد دين فالشفعة واجبة لكل واحد منهما في جميع هذه الوجوه ; لأن كسبه حق غرمائه ، والمولى كالأجنبي منه فيكون أخذ كل واحد منهما من صاحبه في هذه الحالة مفيدا بمنزلة شرائه ابتداء لا في وجه واحد . وهو ما إذا باع العبد دارا بأقل من قيمتها بما يتغابن الناس أو بغير ذلك لم يكن للمولى فيها الشفعة ; لأنه لو وجبت له الشفعة أخذها من العبد قبل التسليم إلى المشتري فيكون متملكا . [ ص: 7 ] عليه الدار بأقل من قيمتها ، ولو باع العبد منه بالغبن لم يجز ; لحق غرمائه ويستوي في حقهم الغبن اليسير ، والفاحش كما في تصرف المريض في حق غرمائه ، ولا يمكن الأخذ بمثل القيمة ; لأن ما لم يكن ثمنا في حق المشتري لا يثبت ثمنا في حق الشفيع . ولو باع العبد من مولاه دارا ، ولا دين عليه ، والأجنبي شفيعها فلا شفعة له ; لأن ما يجري بينهما ليس ببيع حقيقة فالبيع والثمن كلاهما خالص ملك المولى ، ومبادلة ملكه بملكه لا تجوز ، وقد كان متمكنا من أخذها بدون هذا البيع فلا يكون هذا البيع مفيدا . والأسباب الشرعية تلغو إذا كانت خالية عن فائدة فإذا كان عليه دين ، وكان البيع بمثل القيمة أو أكثر فله الشفعة ; لأن هذا بيع صحيح بينهما فالدار كانت حقا لغرمائه ، وكان المولى ممنوعا من أخذه قبل الشراء وبالشراء يصير هو أحق بها ، وباعتبار البيع الصحيح تجب الشفعة للشفيع ، وإن باعها بأقل من قيمتها فلا شفعة للشفيع فيها في قول أبي حنيفة ; لأن عنده بيع المأذون من مولاه بأقل من قيمته باطل كبيع المريض من وارثه ; وهذا لأن المولى يخلفه في كسبه خلافة الوارث المورث ، فتتمكن التهمة بينهما في حق الغرماء ، والشفعة لا تستحق بالبيع الباطل وعندهما للشفيع أن يأخذها بقيمتها أو يتركها ; لأن من أصلهما أن المحاباة لا تسلم للمولى ، ولكن لا يبطل أصل البيع بسبب المحاباة بل يتخير المولى بين أن يزيل المحاباة فيأخذها بقيمتها ، وبين أن يتركها فكذلك الشفيع يتخير في ذلك ; وهذا لأن الاستحقاق بحكم هذا البيع ثابت للمولى بمثل القيمة إذا رضي به فيثبت ذلك للشفيع ; لأن الشرع قدم الشفيع على المشتري في الاستحقاق الثابت بالبيع فإن تركها الشفيع أخذها المولى بتمام القيمة إن شاء ، وإن كان المولى هو البائع من غيره بمثل قيمته ، ولا دين عليه فلا شفعة فيها ; لأن ما جرى بينهما ليس ببيع مفيد ، وإن كان عليه دين كان البيع صحيحا ; لكونه مفيدا ، والشفعة واجبة للشفيع ، وإن باعها منه بأكثر من قيمتها فعند أبي حنيفة البيع باطل ; لأجل الزيادة وكون العبد متهما في حق مولاه . ( ألا ترى ) أن إقراره لمولاه لا يجوز بشيء إذا كان عليه دين فكذلك المحاباة ، والزيادة منه لمولاه ، وإذا بطل البيع لم تجب الشفعة للشفيع ، وعندهما المولى بالخيار إن شاء سلم الدار للعبد بقدر القيمة ، وإن شاء استردها ; لأن التزام العبد الزيادة لمولاه لم تصح ، وأما أصل البيع بمثل القيمة فصحيح فثبوت الخيار للمولى ; لانعدام الرضا منه بذلك فإن سلمها له بالقيمة أخذها الشفيع بذلك ; لأن الاستحقاق ثابت بالقيمة عند رضاه بها ، وإن أبى كان للشفيع أن يأخذها من المولى بجميع الثمن إن شاء ; لأن رهنا المولى قد تم بالبيع بجميع الثمن وذلك يكفي [ ص: 8 ] لوجوب الشفعة كما لو أقر ببيعها ، وأنكر المشتري ثم عهدة الشفيع على المولى ; لأنه تملكها عليه بالأخذ من يده فهو بمنزلة ما لو اشتراها منه ابتداء . وإذا سلم المأذون شفعة وجبت له ، وعليه دين أو لا دين عليه فتسليمه جائز ; لأنه يملك الأخذ بالشفعة فيملك تسليمها ; لأن كل واحد منها من صنيع التجار كما أن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء فتسليمها بمنزلة ترك الشراء ، والإقالة بعد ذلك ، والمأذون مالك كذلك ، وإن سلمها مولاه جاز تسليمها إن لم يكن عليه دين بمنزلة الإقالة فيما اشتراه العبد ; لأنه لو باعها ابتداء من هذا الرجل أو من غيره بعدما أخذها العبد جاز فكذلك إذا سلم شفيعها له ، وإن كان على العبد دين فتسليم المولى باطل بمنزلة إقالته وبيعه ابتداء ; وهذا لأن كسبه حق غرمائه ، والمولى جعل كالأجنبي بالتصرف فيه فكذلك في إسقاط حقه فإن لم يأخذه العبد حتى استوفى الغرماء دينهم أو أبرءوا العبد من دينهم سلمت الدار ; للمشتري بتسليم المولى الشفعة ; لأن تسليم المولى الشفعة بمنزلة سائر تصرفاته في كسب العبد المديون ، وذلك كله ينفذ بسقوط حق الغرماء ، التبرعات والمعاوضات فيه سواء . ولو حجر المولى عليه بعد وجوب الشفعة له ، وفي يده مال ، وعليه دين أو لا دين عليه لم يكن له أن يأخذها بالشفعة كما لا يكون له أن يشتريها ابتداء بما في يده من المال بعد الحجر عليه ، وإن لم يحجر عليه ، وأراد المولى الأخذ بالشفعة فله ذلك إذا لم يكن على العبد دين ; لأن العبد إنما يأخذ للمولى ، ولأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء وللمولى أن يشتري بكسب عبده إذا لم يكن دين كما يكون ذلك للعبد . فكذلك حكم الأخذ بالشفعة ، وإن كان عليه دين لم يكن له ذلك إلا أن يقضي الغرماء دينهم فإن قضاهم ديونهم كان له أن يأخذ بالشفعة ; لزوال المانع ، وإن كان عليه دين فأراد الغرماء أن يأخذوا بالشفعة لم يكن لهم ذلك ; لأن حق الأخذ بالشفعة باعتبار الجواز ، وذلك ينبني على ملك العين ، والغرماء من ملك عين الدار التي هي كسب العبد كالأجانب حتى لا يكون للغرماء استخلاصها ، وأما حقهم في ماليتها فبمنزلة حق المرتهن ، ولا يستحقون الشفعة بخلاف المولى فإنه مالك للعين إذا لم يكن على العبد دين فيكون له أن يأخذها بالشفعة ; لتقرر السبب في حقهم . ولو حجر عليه بعد وجوب الشفعة ثم أراد المولى أن يأخذها بالشفعة ، ولا دين على العبد فله أن يأخذها إن سلم العبد بعد الحجر أو لم يسلم ; لأن التسليم إنما يصح ممن يملك الأخذ ، والعبد بعد الأخذ لا يملك الأخذ بالشفعة ألا أن يقضي الغرماء دينهم فإن فعل ذلك كان له أن يأخذها بالشفعة ; لزوال المانع سواء سلم العبد الشفعة بعد الحجر أو لم يسلم . [ ص: 9 ] وهذا على أصل أبي حنيفة ومحمد ظاهر ; لأن عندهما المولى مالك ; لكسبه مع قيام الدين عليه ، وإن كان هو ممنوعا منه ، وعند أبي حنيفة ، وإن لم يكن مالكا فهو أحق بكسبه إذا قضى الدين ، والشفعة تستحق عليه كالتركة المستغرقة بالدين إذا بيعت دار بجنب منها كان للوارث أن يأخذها بالشفعة بعد ما قضى الدين . وإذا اشترى المأذون دارا ولها شفيع يريد أخذها فوكل الشفيع مولى العبد يأخذها له ، وبالخصومة فيها ، وعلى العبد دين أو لا دين عليه فالوكالة باطلة ; لأنه لو صح التوكيل ملك الوكيل التسليم في مجلس الحكم ، وفي ذلك منفعة ; للمولى وهذا لا يصلح أن يكون وكيلا في استيفاء حق الغير من عبده فلهذا النوع من المنفعة له في ذلك كما لو وكله غريم العبد باستيفاء دينه من العبد فإن كان عليه دين ، فسلمها العبد للمولى بالشفعة صارت الدار للشفيع ، ولا يجوز قبض المولى الدار من العبد على الشفيع حتى يقبضها الشفيع من المولى ، والعهدة فيما بين العبد ، والشفيع ، ولا عهدة فيما بين المولى وعبده ; لأن الوكالة لما لم تصح صار المولى بمنزلة الرسول ; للشفيع فإذا سلمها العبد إليه ملكها الشفيع بمنزلة ما لو أخذها الشفيع بنفسه . وهو نظير ما لو وكله يقبض دين له على العبد فإنه لا يبرأ العبد بقبض المولى حتى يدفع ذلك إلى الغريم فإذا دفعها إليه برئ العبد بمنزلة ما لو قبضها الغريم بنفسه ، وكذلك لو كان الوكيل بعض غرمائه ; لأن منفعة الغريم في ذلك أظهر من منفعة المولى فإن حقه في كسب العبد مقدم على حق المولى . ولو كان العبد هو الشفيع فوكل مولاه أن يأخذه بالشفعة له أو بعض غرمائه جازت الوكالة ، كان عليه دين أو لم يكن بمنزلة ما لو وكله العبد بقبض دين له على أجنبي ; وهذا لأن في تسليمه إقراره إضرارا بالمولى والغريم ، ولا منفعة لهما فيه فإن سلم المولى الشفعة للمشتري عند القاضي جاز تسليمه . وإن سلمها عند غير القاضي جاز إن لم يكن على العبد دين ، وإن كان على العبد دين فتسليمه باطل في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وليس له أن يأخذ بالشفعة ، ولكن العبد هو الذي يأخذها وفي قول أبي يوسف الآخر : تسليمه جائز عند القاضي وعند غير القاضي وعند محمد تسليمه باطل عند القاضي ، وعند غير القاضي كان على العبد دين ، وأصل المسألة ما بينا في الشفعة أن عند أبي حنيفة وأبي يوسف من ملك الأخذ بالشفعة ملك تسليمها ، وإن كان نائبا كالأب والوصي ، وعند محمد لا يملك ثم عند أبي حنيفة رحمه الله إقرار الوكيل على موكله يجوز في مجلس القاضي ، ولا يجوز في غير مجلسه . فكذلك تسليمه وفي قول أبي يوسف الآخر كما يجوز إقراره عليه في غير مجلس القاضي فكذلك [ ص: 10 ] يجوز تسليمه فإذا عرفنا هذا فنقول عند أبي حنيفة : إذا سلمها في مجلس القاضي جاز ; لأنه مالك للأخذ ، وإذا سلمها في غير مجلس القاضي فإن لم يكن عليه دين جاز باعتبار أن الحق واجب له لا باعتبار الوكالة ، وإن كان عليه دين لا يجوز تسليمه في حق العبد والغرماء ، ولكن يخرج من الخصومة بمنزلة ما لو أقر على موكله في غير مجلس القاضي ، وإذا خرج من الخصومة كان العبد على حقه يأخذها بالشفعة إن شاء ، وفي قول أبي يوسف الآخر يصح تسليمه على كل حال ; لأنه بنفس التوكيل قام مقام الموكل في الأخذ فكذلك التسليم . وعند محمد هو قائم مقام الموكل في الأخذ بالشفعة ، والتسليم إسقاط ، وهو ضد ما وكله به فلا يصح منه إلا إذا لم يكن عليه دين فحينئذ يصح باعتبار ملكه ، ولو كان وكيل العبد بالأخذ بعض غرمائه فتسليمه في مجلس القاضي جائز في قول أبي حنيفة ، وكذلك في غير مجلس القاضي عند أبي يوسف وفي قول محمد هو باطل ، وإن أقر عند القاضي أن العبد قد سلمها قبل أن يتقدم إليه فإقراره في مجلس القاضي جائز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وعند أبي يوسف رحمه الله إقراره بذلك جائز في مجلس القاضي ، وفي غير مجلس القاضي بمنزلة إقرار وكيل المدعى عليه بوجوب الدين ، وإقرار وكيل المدعي بأنه مبطل في دعواه ، وأنه قد أبرأه عن الدين . رجل مات وعليه دين فباع الوصي دارا للميت لها شفيع فوكل الشفيع بعض غرماء الميت أن يأخذ له لم يكن وكيلا في ذلك ; لأن الدار إنما بيعت له ، وكما أن من بيعت له لا يأخذها لنفسه فكذلك لا يأخذها لغيره بوكالته ، وبهذا الطريق قلنا فيما باعه العبد : إن المولى أو الغريم لا يكون وكيلا للشفيع في الأخذ ; لأن تصرفه لغرمائه من وجه ولمولاه من وجه . ولو كان الميت اشترى في حياته دارا ، وقبضها ثم مات وعليه دين ، وطلب الشفيع شفعته ، ووكل في الخصومة فيها بعض غرماء الميت لم يكن وكيلا ; لأنه لو صح التوكيل ملك التسليم ، والإقرار على موكله بالتسليم في مجلس الحاكم وفيه منفعة له فإن - سلمها الوصي بغير خصومه كانت للشفيع ولم يكن للغريم أن يقبضها ، ولكن الشفيع هو الذي يقبضها ، وتكون العهدة فيما بينه وبين الوصي ; لأن الوكالة لما بطلت صار هو بمنزلة الرسول للشفيع ، وكذلك لو وكل وارثا بذلك فإن في التسليم أو الإقرار به على الموكل منفعة الوارث بعد سقوط حق الغريم . ولو باع المأذون دارا وسلمها ولها شفيع فوكل الشفيع بخصومة المشتري مولى العبد ، وعليه دين أو لا دين عليه أو وكل بعض غرماء العبد فالوكالة باطلة ; لأن العبد بائع للدار لغرمائه من وجه فإن ماليتها حقهم ، للمولى من وجه فإن كسبه ملك مولاه إذا [ ص: 11 ] فرغ من الدين ، ومن بيع له ; ليأخذ بالشفعة لغيره كما لا يأخذ ; لنفسه . ( ألا ترى ) أن الوكيل إذا باع دار الرجل بأمره فوكل الشفيع الآمر بخصومة المشتري في ذلك لم يكن وكيلا ; لأنها بيعت له ، وكذلك المضارب إذا باع دارا من المضاربة فوكل شفيعها رب المال بالخصومة ، والأخذ بالشفعة لم يكن وكيلا في ذلك فإن سلمها المشتري له بغير خصومة جاز ، والشفيع هو الذي قبضها ، والعهدة بينه وبين المشتري ; لأن رب المال بمنزلة الرسول له حين يطلب الوكالة ، وعبارة الرسول كعبارة المرسل فكان للشفيع أخذها بنفسه ، والله أعلم . ( قال رحمه الله ) : وإذا باع المأذون من رجل عشرة أقفزة حنطة ، وعشرة أقفزة شعير فقال : أبيعك هذه العشرة إلا قفيز حنطة ، وهذه العشرة الأقفزة شعير ، كل قفيز بدرهم فالبيع جائز ; لأن جملة المبيع معلوم ، والثمن معلوم وكل متى أضيفت إلى ما يعلم منتهاه تتناول الجميع فإن تقابضا ثم وجد بالحنطة عيبا ردها بنصف الثمن على حساب كل قفيز بدرهم ; لأنه كذلك اشترى وعند الرد بالعيب إنما يرد المعيب بالثمن المسمى بمقابلته فإذا كان المسمى بمقابلة كل قفيز من الحنطة درهما ردها بذلك أيضا ، وكذلك لو قال : القفيز بدرهم ; لأن الألف واللام للجنس إذا لم يكن هناك معهود فيتناول كل قفيز من الحنطة ، وكل قفيز من الشعير بمنزلة قوله كل قفيز ، ولو قال : كل قفيز منهما بدرهم وتقابضا ثم وجد بالحنطة عيبا ، فإنه يردها على حساب كل قفيز منهما النصف من الحنطة ، والنصف من الشعير بدرهم ، وذلك بأن يقسم جميع الثمن عشرين درهما على قيمة الحنطة وقيمة الشعير ، فإن كانت قيمة الحنطة عشرين درهما وقيمة الشعير عشرة رد الحنطة بثلثي الثمن ; لأنه أضاف القفيز الذي جعل الدرهم بمقابلته إليهما بقوله منهما . ومطلق هذه الإضافة يقتضي التسوية بينهما فيكون نصف كل قفيز بمقابلة الدرهم من الحنطة ونصف من الشعير ، فلهذا يقسم جملة الثمن على قيمتهما بخلاف الأول فهناك ذكر القفيز مطلقا ، وإطلاقه يقتضي أن يكون بمقابلة كل قفيز من الحنطة درهم ، وبمقابلة كل قفيز من الشعير درهم ، وكذلك لو قال : القفيز منهما بدرهم فهذا وقوله كل قفيز منهما بدرهم سواء كما بينا . ولو قال : أبيعك هذه الحنطة وهذا الشعير ، ولم يسم كيلهما كل قفيز بدرهم فالبيع فاسد في قول أبي حنيفة رحمه الله ; لأن من أصله أنه إذا لم تكن الجملة معلومة ، فإن ما يتناول هذا اللفظ قفيزا واحدا ، وقد بينا له [ ص: 12 ] هذا الأصل في البيوع ، ولا يعلم أن ذلك القفيز من الحنطة أو من الشعير ففسد البيع في ذلك أيضا ; للجهالة حتى يعلم الكيل كله فإن علمه فهو بالخيار إن شاء أخذ كل قفيز حنطة بدرهم ، وكل قفيز شعير بدرهم ، وإن شاء ترك ، وهكذا يكشف الحال عنده إذا صارت جملة الثمن معلومة له الآن فيتخير بين الأخذ ، والترك ، وعندهما البيع جائز كل قفيز من الحنطة بدرهم ، وكل قفيز من الشعير بدرهم ; لأن جهالة الجملة لا تقضي إلى تمكن المنازعة ، ولو قال : كل قفيز منهما بدرهم كان البيع واقعا في قول أبي حنيفة رحمه الله على قفيز واحد نصفه من الحنطة ونصفه من الشعير بدرهم ; لأن هذا معلوم ، وثمنه معلوم ، وفيما زاد على القفيز الواحد إذا علم بكيل ذلك فهو بالخيار إن شاء أخذ كل قفيز منهما بدرهم ، وإن شاء ترك في قول أبي يوسف ومحمد البيع لازم له في جميع ذلك كل قفيز منهما بدرهم نصفه من الحنطة ونصفه من الشعير . ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |