|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع والعشرون صـــ82 الى صـــ 91 (491) فإن شاء البائع ضمنها المشتري ; لأن فعله في القبض مقصور عليه ، وقد قبضه على وجه التملك ، وإن لم يكن راضيا بسببه ، ثم لا يرجع المشتري على المكره بالقيمة ، ولا بالثمن أما القيمة ، فلأنه إنما ضمنها بقبض كان هو فيه عاملا لنفسه ، وأما الثمن ، فلأنه كان مكرها على دفع الثمن بالحبس ، وذلك لا يوجب نسبة الفعل إلى المكره في حكم الضمان ، وفي هذا طعن أبو حازم رحمه الله أيضا كما في الهبة ، ولو كان أكره البائع بالحبس ، وأكره المشتري بالقتل ، فلا ضمان للبائع في العبد على المشتري ، ولا على المكره ; لأن المشتري ملجأ إلى القبض ، فلا يكون ضامنا شيئا ، والبائع ما كان ملجأ إلى الدفع من جهة المكره ، فيقتصر [ ص: 83 ] حكم الدفع عليه ، فلهذا لا ضمان على المكره ، وللمشتري أن يضمن الثمن - إن شاء - البائع - وإن شاء - المكره لأنه كان ملجأ إلى دفع الثمن من جهة المكره ، وكان البائع غير ملجأ إلى قبضه ، فاقتصر حكم فعله بالقبض عليه ، وللمشتري الخيار ، فإن ضمن المكره رجع به على البائع ; لأنه قام مقام من ضمنه ، ولأنه ملك المضمون بالضمان ، ولم ينفذ البيع من جهة من تملك الثمن ، فرجع على البائع بالثمن ، والله أعلم بالصواب . ( قال رحمه الله ) وإذا أكره الرجل بوعيد تلف ، أو غير تلف على أن يقر بعتق ، أو طلاق ، أو نكاح ، وهو يقول لم أفعله ، فأقر به مكرها فإقراره باطل ، والعبد عبده كما كان ، والمرأة زوجته كما كانت ; لأن الإقرار خبر متمثل بين الصدق ، والكذب ، والإكراه الظاهر دليل على أنه كاذب فيما يقر به قاصد إلى دفع الشر عن نفسه ، والمخبر عنه إذا كان كذبا ، فبالإخبار لا يصير صدقا . ( ألا ترى ) أن فرية المفترين ، وكفر الكافرين لا يصير حقا بإخبارهم به ، والدليل عليه أنه لو أقر به طائعا ، وهو يعلم أنه كاذب في ذلك ، فإنه يسعه إمساكها فيما بينه ، وبين الله تعالى إلا أن القاضي لا يصدقه على ذلك ; لأنه مأمور باتباع الظاهر ، والظاهر أن الإنسان لا يكذب فيما يلحق الضرر به ، فإذا كان مكرها ، وجب تصديقه في ذلك لوجود الإكراه ، فلهذا لا يقع به شيء . والإكراه بالحبس ، والقتل في هذا سواء ; لأن الإقرار تصرف من حيث القول ، ويعتمد تمام الرضا ، وبسبب الإكراه بالحبس ينعدم ذلك ، وكذلك الإقرار بالرجعة ، أو الفيء في الإيلاء ، أو العفو عن دم العمد ، فإنه لا يصح مع الإكراه لما قلنا ، وكذلك الإقرار في عبده أنه ابنه ، أو جاريته أنها أم ولده ; لأن هذا إخبار عن أمر سابق خفي ، فالإكراه دليل على أنه كاذب فيما يخبر به ، فإن قيل : أليس عند أبي حنيفة رحمه الله إذا قال لمن هو أكبر سنا منه هذا : ابني يعتق عليه ، وهناك يتيقن بكذبه فيما قال فوق ما يتيقن بالكذب عند الإقرار مكرها ، فإذا نفذ العتق ثمة ينبغي أن ينفذ هنا بطريق الأولى قلنا أبو حنيفة رحمه الله يجعل ذلك الكلام مجازا عن الإقرار بالعتق كأنه قال : عتق علي من حين ملكته ، وباعتبار هذا المجاز لا يظهر رجحان جانب الكذب في إقراره ، فأما عند الإكراه ، فأكثر ما فيه أن يجعل هذا مجازا عن الإقرار بالعتق ، ولكن الإكراه يمنع صحة الإقرار بالعتق كما يمنع صحة الإقرار [ ص: 84 ] بالنسب . . ، ولو أكره نصرانيا على الإسلام ، فأسلم كان مسلما لوجود حقيقة الإسلام مع الإكراه ، فإن ذلك بالتصديق بالقلب ، والإقرار باللسان ، وقد سمعنا إقراره بلسانه ، وإنما يعبر عما في قلبه لسانه ، فلهذا يحكم بإسلامه ، والأصل فيه قوله تعالى { وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها } وقال عليه الصلاة والسلام { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله } ، وقد قبل من المنافقين ما أظهروا من الإسلام مع علمه أنهم أظهروا ذلك خوفا من السيف ، وهذا في أحكام الدنيا ، فأما فيما بينه ، وبين ربه إذا لم يكن يعتقد فيما يقول لا يكون مسلما ، والذمي في هذا ، والحربي سواء عندنا والشافعي رحمه الله يفرق بينهما باعتبار أن إكراه الحربي على الإسلام إكراه بحق ، وقد قررناه فيما سبق ، وفرق بين الإكراه على الإسلام ، وبين الإكراه على الردة ، وقال : الردة إنما تحصل بتبديل الاعتقاد ، والإكراه دليل ظاهر على أنه غير مبدل لاعتقاده ، فأما الإسلام في أحكام الدنيا ، فإنما يثبت بالإقرار باللسان مع التصديق بالقلب ، ولا طريق لنا إلى الوقوف على ما في قلبه ، وقد سمعنا إقراره مع الإكراه ، فلذلك حكمنا بإسلامه ، فإن رجع عنه إلى النصرانية أجبر على الإسلام ، ولم يقتل استحسانا ، وفي القياس يقتل ; لأنه بدل الدين ، وقد قال عليه الصلاة والسلام { من بدل دينه ، فاقتلوه } ، وهذا ; لأن الإكراه لما لم يمنع صحة الإسلام كان المكره كالطائع فيه ، ولكنه استحسن إسقاط القتل عنه للشبهة التي فعلت ; لأنا لا نعلم سره حقيقة ، والأدلة قد تعارضت ، فكون الإسلام مما يجب اعتقاده دليل على أنه معتقد ، والإكراه دليل على أنه غير معتقد بما يقول ، وتعارض الأدلة شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات ، وهذا نظير القياس ، والاستحسان في المولود بين المسلمين إذا بلغ مرتدا يجبر على الإسلام ، ولا يقتل استحسانا ، والذي أسلم بنفسه في صغره إذا بلغ مرتدا يجبر على الإسلام ، ولا يقتل للشبهة المتمكنة فيه بسبب اختلاف العلماء . رحمهم الله . ولو كان أكرهه على الإقرار - بإسلام ماض منه ، فالإقرار باطل ; لأن الإكراه دليل على أنه كاذب فيما أخبر به من الإقرار بالإسلام ماضيا ، وكذلك لو أكره بوعيد تلف ، أو غير تلف على أن يقر بأنه لا قود له قبل هذا الرجل ، ولا بينة له عليه به ، فالإقرار باطل ; لأن الإكراه دليل على أنه كاذب فيما يقر به بخلاف ما إذا أكره على إنشاء العفو ، فإن أعاده بعد ذلك ، وأقام البينة عليه به حكم له بالقود ; لأن ما سبق منه من الإقرار بالعفو قد بطل ، فكان وجوده كعدمه ، وكذلك لو أكرهه على أن يقر بأنه لم يتزوج هذه المرأة ، وأنه لا بينة له عليها بذلك ، أو على أن هذا ليس بعبده ، وأنه حر [ ص: 85 ] الأصل فإقراره بذلك باطل ; لأن الإكراه دليل على أنه كاذب فيما أقر به ، فلا يمنع ذلك قبول بينته على ما يدعيه من النكاح ، والرق بعد ذلك . ( ألا ترى ) أنه لو أقر بشيء من هذا هازلا لا يلزمه شيء فيما بينه ، وبين ربه ، ولو أقر به طائعا ، وهو يعلم أنه كاذب فيما قال وسعه إمساك المرأة ، والعبد فيما بينه ، وبين ربه بخلاف الإنشاء ، فمن هذا الوجه يقع الفرق بين هذه الفصول ، والله أعلم بالصواب . ( قال رحمه الله ) ولو أن رجلا أكره بوعيد تلف حتى خلع امرأته على ألف درهم ، ومهرها الذي تزوجها عليه أربعة آلاف ، وقد دخل بها ، والمرأة غير مكرهة ، فالخلع ، واقع ; لأن الخلع من جانب الزوج طلاق ، والإكراه لا يمنع وقوع الطلاق بغير جعل ، فكذلك بالجعل ، وللزوج على امرأته ألف درهم ; لأنها قد التزمت الألف طائعة بإزاء ما سلم لها من البينونة ، ولا شيء على المكره للزوج ; لأنه أتلف عليه ملك النكاح ، وقد بينا أنه لا قيمة لملك النكاح عند الخروج من ملك الزوج ، وأنه ليس بمال ، فلا يكون مضمونا بالمال أصلا بل عند الحاجة إلى الصيانة ، والمضمون المحل المملوك لا الملك الوارد عليه ، ولهذا جاز إزالة الملك بغير شهود ، ولا عوض ، وكذلك لو أكره ، ولي العمد على أن يصالح منه على ألف درهم ، فالإكراه لا يمنع إسقاط القود بالعفو ، فكذلك لا يمنع إسقاطه بالصلح ، ولا شيء له سوى الألف على الذي كان قبله الدم ، ولا شيء لصاحب الدم على الذي أكرهه ; لأن القاتل ما التزم الزيادة على الألف ، والمكره أتلف عليه ما ليس بمال متقوم ، وهو ملك استيفاء القود ، وهذا ملك غير مضمون بالعفو مندوب إليه شرعا ، وبه ، فارق النفس ، فإنها مضمونة بالمال عند الإتلاف خطأ صيانة لها عن الإهدار . ولو أكره على أن يعتق عبده على مائة درهم ، وقبله العبد ، وقيمته ألف ، والعبد غير مكره ، فالعتق جائز على المائة ; لأن الإكراه لا يمنع صحة إسقاط الرق بالعتق ، والعبد التزم المائة طوعا ، ثم يتخير مولى العبد ، فإن شاء ضمن الذي أكرهه قيمة العبد ; لأنه أتلف عليه ملكه في العبد بالإكراه الملجئ ، وملكه في العبد ملك مال متقوم ، فيكون مضمونا على المتلف بخلاف ما سبق ، ثم يرجع المكره على العبد بمائة ; لأن المولى أقامه مقام نفسه حين ضمنه القيمة في الرجوع على العبد بالمسمى ، وإن شاء المولى أخذ العبد بالمائة ، ورجع على المكره [ ص: 86 ] بتسعمائة تمام القيمة ; لأن ما زاد على قدر المسمى من المالية أتلفه المكره عليه بغير عوض . فإن قيل : لماذا كان له أن يرجع بجميع الألف على المكره ، وقد أتلف عليه مقدار المائة بعوض قلنا ; لأن هذا العوض في ذمة مفلسه ، فإن العبد يخرج من ملك المولى ، ولا شيء له ، فهو كالتاوي ، فإن قيل : لماذا لم يجعل اختياره للمسمى إبراء منه للمكره قلنا في مقدار المائة يجعل هكذا ; لأن له أن يرجع بها على أيهما شاء ، فأما في الزيادة على ذلك ، فحقه متعين في ذمة المكره ، ولو كان أكرهه على العتق بألفي درهم إلى سنة ، وقيمته ألف ، فالمولى بالخيار إن شاء ضمن المكره قيمة عبده ; لأنه أتلف عليه ماليته ببدل لا يصل إليه إلا بعد مضي الأجل ، وإن شاء أتبع العبد بالألفين بعد مضي السنة ; لأنه التزم ذلك طوعا ، فإن اختار تضمين المكره قام المكره مقام المولى في الرجوع على العبد بالمسمى عند حلول الأجل ، فإذا أخذ ذلك منه أمسك ألفا مقدار ما غرم ، وتصدق بالفضل ; لأنه حصل له بكسب خبيث ، وإن اختار إتباع العبد ، فلا شيء له على المكره بعد ذلك ; لأنه صار راضيا بما صنع حين اختار إتباع العبد ، فإن كان الألفان نجوما ، فحل نجم منها ، فطلب المولى العبد بذلك النجم بغير إكراه ، فهذا منه اختيار لإتباع العبد ، ولا ضمان له على المكره بعد ذلك ; لأن مطالبته إياه بذلك النجم دليل الرضا منه بما سبق ، فيكون كالتصريح بالرضا ، وذلك يسقط حقه في تضمين المكره . ولو أكرهت امرأة بوعيد تلف ، أو حبس حتى تقبل من زوجها تطليقة على ألف درهم فقبلت ذلك منه ، وقد دخل بها ، ومهرها الذي تزوجها عليه أربعة آلاف أو خمسمائة ، فالطلاق رجعي ، ولا شيء عليه من المال ; لأن التزام البدل يعتمد تمام الرضا ، وبالإكراه ينعدم الرضا سواء كان الإكراه بحبس ، أو بقتل ، ولكن وقوع الطلاق يعتمد وجود القبول لا وجود المقبول . ( ألا ترى ) أنه لو طلق امرأته الصغيرة على مال فقبلت وقع الطلاق ، ولم يجب المال ، وبسبب الإكراه لا ينعدم القبول ، فلهذا كان الطلاق واقعا ، ثم الواقع بصريح اللفظ يكون رجعيا إذا لم يجب العوض بمقابلته ، وهنا لا عوض عليه ، فكان الطلاق رجعيا ، وقد ذكر في الجامع الصغير إذا شرطت الخيار لنفسها ثلاثة أيام في الطلاق بمال عند أبي حنيفة لا يقع الطلاق ما لم يسقط الخيار وعندهما الطلاق واقع ، والمال لازم ، وكذلك لو هزلت بقبول الطلاق بمال ، واتفقا على ذلك عند أبي حنيفة لا يقع الطلاق ما لم يرض بالتزام المال . وعندهما الطلاق واقع ، والمال واجب ، فبالكل حاجة إلى الفرق بين مسألة الإكراه ، ومسألة الخيار ، والهزل ، فأما أبو حنيفة رحمه الله ، فقال الإكراه لا يعدم [ ص: 87 ] الاختيار في السبب ، والحكم ، وإنما يعدم الرضا بالحكم ، فلوجود الاختيار في السبب ، والحكم تم القبول ، ووقع الطلاق ، ولانعدام الرضا لا يجب المال ، فكأن المال لم يذكر أصلا ، فأما خيار الشرط ، فلانعدام الاختيار ، والرضا بالسبب ، وبعدم الاختيار ، والرضا بالحكم يتوقف الحكم ، وهو وقوع الطلاق ، ووجوب المال على وجود الاختيار ، والرضا به ، وكذلك الهزل لا ينافي الاختيار ، والرضا بالسبب ، وإنما يعدم الرضا ، والاختيار بالحكم ، فتوقف الحكم لانعدام الاختيار في حقه ، وصح التزام المال به موقوفا على أن يلزمه عند تمام الرضا به ، وهما يقولان : الإكراه يعدم الرضا بالحكم ، ولا يعدم الاختيار في السبب ، والحكم جميعا ، فيثبت الحكم ، وهو الطلاق ، ولا يجب المال لانعدام الرضا به ، فكأنه لم يذكر ، فأما الهزل ، وشرط الخيار ، فلا يعدم الرضا بالسبب ، والحكم لا ينفصل عن السبب ، فالرضا بالسبب فيهما يكون رضا بالحكم فيقع الطلاق ، ويجب المال ; لأن المال صار تبعا للطلاق في الحكم ، وفي الإكراه انعدم الرضا بالسبب ، فلا يثبت ما يعتمد ثبوته الرضا ، وهو المال ، ويثبت من المال ما لا يعتمد ثبوته الرضا ، وهو الطلاق ، فإن قالت بعد ذلك قد رضيت بتلك التطليقة بذلك المال جاز ، ولزمها المال ، وتكون التطليقة بائنة في قول أبي حنيفة ، وقال محمد إجازتها باطلة ، وهي تطليقة رجعية ، ولم يذكر قول أبي يوسف ، فقيل قوله كقول محمد رحمهما الله . والأصح أن قوله كقول أبي حنيفة رحمه الله ، فمن جعل قوله كقول محمد قال : المسألة فرع لما بينا في كتاب الطلاق إذا قال لامرأته : أنت طالق كيف شئت عند أبي حنيفة تقع تطليقة رجعية ، ولها الخيار في جعلها بائنة وعندهما لا يقع عليها شيء ما لم تشأ ، فمن أصله أنه يقع أصل الطلاق ، ويبقى لها المشيئة في الصفة فهنا أيضا وقع أصل الطلاق بقبولها ، وبقي لها المشيئة في صفته ، فإذا التزمت المال طوعا صارت تطليقة بائنة وعندهما لا يجوز أن يبقى لها مشيئة بعد وقوع أصل الطلاق بقبولها ، فلا رأي لها بعد ذلك في التزام المال لتغير صفة تلك التطليقة ، ومن قال إن قول أبي يوسف كقول أبي حنيفة جعل المسألة ، فرعا ; لما بيناه في كتاب الدعوى أن من طلق امرأته تطليقة رجعية ، ثم قال : جعلتها بائنة عند أبي حنيفة وأبي يوسف تصير بائنا ، وعند محمد لا تصير بائنا ، فلما كان من أصلهما أن للزوج أن يجعل الواقع بصفة الرجعية بائنا ، فكذلك للمرأة ذلك بالتزام المال ، وعند محمد لما لم يكن للزوج ولاية جعل التطليقة الرجعية بائنة ، فكذلك لا يكون لها ذلك بالتزام المال ، ولو كان مكان التطليقة خلع بألف درهم كان الطلاق بائنا ، ولا شيء عليها ; لأن الواقع بلفظ الخلع بائن من غير اعتبار وجوب المال ، فإن الخلع مشتق من الخلع ، والانتزاع [ ص: 88 ] ففي اللفظ ما يوجب البينونة ، ولهذا لو خلع الصغيرة على مال ، وقبلت كان الواقع بائنا بخلاف لفظ صريح الطلاق ، وكذلك الصلح عن دم العمد إذا أكره القاتل بقتل ، أو حبس على أن يصالح الولي على أكثر من الدية ، أو أقل منها ، فصالحه بطل الدم لوجود القبول مع الإكراه ، وليس على القاتل من المال شيء ; لأن التزام المال يعتمد تمام الرضا ، وينعدم بالإكراه . ولو خلع امرأته قبل أن يبلغ ، وقد دخل بها على ألف درهم ، فقبلت ، وقع الخلع لوجود القبول منها ، ولم يجب المال ; لأن الصغر لا ينافي التكلم بالقبول ، ولكن ينافي صحة التزام المال . ( ألا ترى ) أن التزام المال منه عوضا عن مال لا يكون صحيحا ، فعن غير مال أولى ، ولذلك لو كان لرجل على رجل دم عمد ، فصالحه عنه غلام لم يبلغ على مال ضمنه له الغلام على إن عفا جاز العفو لوجود القبول ممن شرط عليه الضمان ، ولا شيء عليه ; لأن الصغر ينافي التزام المال بجهة الضمان ، وإنما ، أورد هذا لإيضاح مسألة الإكراه ، وكذلك لو أكره العبد على أن يقبل العتق من مولاه بمال قليل ، أو كثير عتق لوجود القبول ، ولا شيء عليه من المال لانعدام الرضا من العبد بالتزام المال . ولو أكره الزوج على أن يطلق امرأته بألف درهم ، وأكرهت المرأة على أن تقبل ذلك ، ففعلا وقع الطلاق بغير مال ; لأن الإكراه لا ينافي الاختيار في الإيجاب ، والقبول ، وإنما يعدم الرضا به ، والمال لا يجب بدون الرضا به ، وكذلك هذا في الصلح من القود ، والعتق على مال ; لأن للمولى أن يضمن المكره قيمة عبده إن كان أكرهه بوعيد قتل ، وإن كان أكرهه بحبس لم يضمن شيئا ; لما بينا أن الإتلاف إنما يصير منسوبا إلى المكره عند الإلجاء التام ، وذلك الإكراه بالقتل دون الإكراه بالحبس . ( قال رحمه الله ) كان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولا لو أن سلطانا ، أو غيره أكره رجلا حتى زنى ، فعليه الحد ، وهو قول زفر رحمه الله ، ثم رجع ، فقال لا حد عليه إذا كان المكره سلطانا ، وهو قولهما : وجه قوله الأول أن الزنا من الرجل لا يتصور إلا بانتشار الآلة ، ولا تنتشر آلته إلا بلذة ، وذلك دليل الطواعية ، فمع الخوف لا يحصل انتشار الآلة ، وفرق على هذا القول بين الرجل والمرأة قال المرأة في الزنا محل الفعل ، ومع الخوف يتحقق التمكين منها . ( ألا ترى ) أن فعل الزنا يتحقق ، وهي نائمة ، أو مغمى عليها لا تشعر بذلك بخلاف جانب الرجل ، وفرق على هذا القول [ ص: 89 ] بين الإكراه على الزنا ، وبين الإكراه على القتل قال : لا قود على المكره ، وعليه الحد ، ففي كل واحد من الموضعين الحرمة لا تنكشف بالإكراه ، ولكن القتل فعل يصلح أن يكون المكره فيه آلة للمكره ، فبسبب الإلجاء يصير الفعل منسوبا إلى المكره ، ولهذا لزمه القصاص ، وإذا صار منسوبا إلى المكره صار المكره آلة ، فأما الزنا ، ففعل لا يتصور أن يكون المكره فيه آلة للمكره ; لأن الزنا بآلة الغير لا يتحقق ، ولهذا لا يجب الحد على المكره ، فبقي الفعل مقصورا على المكره ، فيلزمه الحد ووجه قوله الآخر أن الحد مشروع للزجر ، ولا حاجة إلى ذلك في حالة الإكراه ; لأنه منزجر إلى أن يتحقق الإلجاء ، وخوف التلف على نفسه ، فإنما كان قصده بهذا الفعل دفع الهلاك عن نفسه لا اقتضاء الشهوة ، فيصير ذلك شبهة في إسقاط الحد عنه ، وانتشار الآلة لا يدل على انعدام الخوف ، فقد تنتشر الآلة طبعا بالفحولة التي ركبها الله تعالى في الرجال ، وقد يكون ذلك طوعا . ( ألا ترى ) أن النائم تنتشر آلته طبعا من غير اختيار له في ذلك ، ولا قصد ، ثم على القول الآخر قال أبو حنيفة رحمه الله إن كان المكره غير السلطان يجب الحد على المكره ، وقال أبو يوسف ومحمد إذا كان قادرا على إيقاع ما هدده به ، فلا حد على المكره سواء كان المكره سلطانا ، أو غيره قيل : هذا اختلاف عصر ، فقد كان السلطان مطاعا في عهد أبي حنيفة ، ولم يكن لغير السلطان من القوة ما يقدر على الإكراه ، فأجاب بناء على ما شاهد في زمانه ، ثم تغير حال الناس في عهدهما ، وظهر كل متغلب في موضع ، فأجابا بناء على ما عاينا ، وقيل بل هو اختلاف - حكم ، فوجه قولهما أن المعتبر في إسقاط الحد - هو الإلجاء ، وذلك بأن يكون المكره قادرا على إيقاع ما هدد به ; لأن خوف التلف للمكره بذلك يحصل . ( ألا ترى ) أن السلطان لو هدده ، وهو يعلم أنه لا يفعل ذلك به لا يكون مكرها ، وخوف التلف يتحقق عند قدرة المكره على إيقاع ما هدده به بل خوف التلف بإكراه غير السلطان أظهر منه بإكراه السلطان ، فالسلطان ذو أناة في الأمور لعلمه أنه لا يفوته ، وغير السلطان ذو عجلة في ذلك لعلمه أنه يفوته ذلك بقوة السلطان ساعة فساعة . وأبو حنيفة لا يقول الإلجاء لا يتحقق بإكراه غير السلطان ، وإنما يتحقق بإكراه السلطان ; لأنه لا يتمكن من دفع السلطان عن نفسه بالالتجاء إلى من هو أقوى منه ، ويتمكن من دفع اللص عن نفسه بالالتجاء بقوة السلطان ، فإن اتفق في موضع لا يتمكن من ذلك ، فهو نادر ، والحكم إنما ينبني على أصل السبب لا على الأحوال ، وباعتبار الأصل يمكن دفع إكراه غير السلطان بقوة السلطان ، ولا يمكن دفع إكراه السلطان بشيء ، ثم ما يكون [ ص: 90 ] مغيرا للحكم يعتبر فيه السلطان كتغيير الفرائض من الأربع إلى الركعتين يوم الجمعة ، وإقامة الخطبة مقام الركعتين يعتبر فيه السلطان ، ولا يقوم في ذلك غير مقامه ، وفي كل موضع ، وجب الحد على المكره لا يجب المهر لها ، وقد بينا هذا في الحدود إذ الحد ، والمهر لا يجتمعان عندنا بسبب فعل واحد خلافا للشافعي رحمه الله ، وفي كل موضع سقط الحد ، وجب المهر ; لأن الواطئ في غير الملك لا ينفك عن حد ، أو مهر ، فإذا سقط الحد ، وجب المهر لإظهار خطر المحل ، فإنه مصون عن الابتذال محترم كاحترام النفوس ، ويستوي إن كانت أذنت له في ذلك ، أو استكرهها أما إذا استكرهها ، فغير مشكل ; لأن المهر يجب عوضا عما أتلف عليه ، ولم يوجد الرضا منها بسقوط حقها ، وأما إذا أذنت له في ذلك ، فلأنه لا يحل لها شرعا أن تأذن في ذلك ، فيكون إذنها لغوا لكونها محجورة عن ذلك شرعا بمنزلة إذن الصبي ، والمجنون في إتلاف ماله ، أو هي متهمة في هذا الإذن لما لها في هذا الإذن من الحظ ، فجعل الشرع إذنها غير معتبر للتهمة ، ووجوب الضمان لصيانة المحل عن الابتذال ، والحاجة إلى الصيانة لا تنعدم بالإذن . ( ألا ترى ) أنها لو زوجت نفسها بغير مهر ، وجب المهر ، ولو مكنت نفسها بعقد فاسد حتى وطئها الزوج ، ولم يكن سمى لها مالا وجب المال ، فهذا مثله ، وهو واجب في الوجهين . أما إذا استكرهها ، فإنه ظالم ، وحرمة الظلم حرمة باتة ، وكذلك إذا أذنت له في ذلك ; لأن إذنها لغو غير معتبر ، ثم حرمة الزنا حرمة باتة لا استثناء فيها ، ولم يحل في شيء من الأديان بخلاف حرمة الميتة ، ولحم الخنزير ، فتلك الحرمة مقيدة بحالة الاختيار لوجود التنصيص على استثناء حالة الضرورة في قوله تعالى { إلا ما اضطررتم إليه } ، وإن امتنع من الزنا حتى قتل كان مأجورا في ذلك ; لأنه امتنع من ارتكاب الحرام ، وبذل نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالى في الوقوف على حد الدين بالتحرز عن مجاوزته ، وفيما يرخص له فيه ، وهو إجراء كلمة الشرك ، وقد بينا أنه إذا امتنع حتى قتل كان مأجورا ، فما لا رخصة فيه أولى ، وإن كان الإكراه على الزنا بحبس ، ففعل ذلك كان عليه الحد ; لأن تمكن الشبهة باعتبار الإلجاء ، وبسبب الإكراه بالحبس لا يتحقق الإلجاء فوجوده وعدمه في حق الحكم سواء . . ولو قال له : لأقتلنك ، أو لتقطعن يد هذا الرجل ، فقال له ذلك الرجل : قد أذنت لك في القطع ، فاقطعه ، وهو غير مكره لا يسع المكره أن يقطع يده ; لأن هذا من المظالم ، وليس المقصود بالفعل أن يأذن في ذلك شرعا ; لأنه يبذل طرفه لدفع الهلاك عن غيره ، وذلك لا يسعه كما لو رأى مضطرا ، فأراد أن يقطع يد نفسه ليدفعها إليه حتى يأكلها ، ولا يسعه ذلك فهذا مثله ، ولو لم [ ص: 91 ] يوجد الإذن لم يسعه الإقدام على القطع ، فكذلك بعد الإذن ، وإن قطعها ، فلا شيء عليه ، ولا على الذي أكرهه ; لأن القاطع لو لم يكن مكرها ، وقال له إنسان اقطع يدي ، فقطعه لم يلزمه شيء ، فإذا كان القاطع مكرها أولى ، وهذا ; لأن الحق في الطرف لصاحب الطرف ، وقد أسقطه بالإذن في الابتداء ، ولو أسقطه بالعفو في الانتهاء لا يجب شيء ، فكذلك الإذن في الابتداء ، والدليل عليه أن الطرف يسلك به مسلك الأموال من وجه ، وفي الأموال البدل مفيد عامل في الإباحة ، والبدل الذي هو سعته عامل في إسقاط الضمان حتى إذا قال له : أحرق ثوبي هذا لا يباح له أن يفعله ، ولكن لا يلزمه شيء إن فعله ، فكذلك في الطرف البدل المفيد عامل في الإباحة ، وهو إذا وقع في يده أكلة ، فأمر إنسانا أن يقطع يده ، فالبدل الذي هو سعته يكون مسقطا للضمان فيه أيضا ، فلهذا لا يجب على القاطع ، ولا على المكره شيء ، وإن كان صاحب اليد مكرها أيضا من ذلك المكره ، أو من غيره على الإذن في القطع بوعيد تلف ، فالقصاص على المكره ; لأن بسبب الإلجاء يلغو إذنه ، وفعل القطع منسوب إلى المكره ; لأن المكره يصلح أن يكون آلة في ذلك ، فلهذا كان عليه القود . ولو قال له لأقتلنك ، أو لتقتلنه ، فقال له المقصود اقتلني ، فأنت في حل من ذلك ، وهو غير مكره ، فقتله بالسيف ، فعلى الآمر الدية في ماله ; لأن المباشر ملجأ إلى القتل ، فيصير الفعل منسوبا إلى الملجئ ، وصار هذا بمنزلة ما لو قتل إنسانا بإذنه ، وفي هذا يجب الدية عليه دون القصاص في ظاهر الرواية ، وعلى قول زفر رحمه الله عليه القصاص ، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله لا شيء عليه ، أو رده في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله إلا أن هذا إنما يتحقق في حق من باشر القتل بنفسه لا في حق المكره ، فإن زفر لا يرى القود على المكره ، وأورد على هذا أيضا أنه إذا قال : اقتل أبي ، أو ابني ، فقتله ، فعليه القصاص في قول زفر رحمه الله ، وقال أبو يوسف رحمه الله أستحسن أن يكون عليه الدية في ماله إذا كان هو الوارث . وذكر الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله في قوله اقتل ابني كقول زفر ، وفي قوله اقتلني كقول أبي يوسف أنه لا شيء عليه وجه تلك الرواية أن الإذن في الابتداء كالعفو في الانتهاء ، وبعدما جرحه لو عفي عن الجناية ، ومات لم يجب شيء ، فكذلك إذا أذن في الابتداء ; وهذا لأن الحق في بدل نفسه له حتى يقضي منه ديونه ، فيسقط بإسقاطه كما في الطرف : وجه قول زفر أن بدل النفس إنما يجب بعد زهوق الروح ، والحق عند ذلك للوارث ، فإذنه في القتل صادف محلا هو حق الغير ، فكان لغوا ، وعليه القصاص بخلاف بدل الطرف [ ص: 92 ] فإن الحق له بعد تمام الفعل فيعتبر إسقاطه ، وهذا بخلاف العفو ، فإن العفو إسقاط بعد وجود السبب ، والإسقاط بعد وجود السبب ، وقبل الوجوب يصح ، فأما الإذن ، فلا يمكن أن يجعل إسقاطا ; لأن السبب لم يوجد بعد ، وباعتبار عينه الإذن لاقى حق الغير ، فلا يصح ، ووجه ظاهر الرواية أن إذنه في القتل باعتبار ابتدائه صادف حقه ، وباعتبار مآله صادف حق الوارث ، فلاعتبار الابتداء يمكن شبهة ، والقصاص يسقط بالشبهة ، ولاعتبار المال تجب عليه الدية في ماله . ولهذا قال أبو يوسف في الآذن في قتل أبيه ، أو ابنه أنه باعتبار الابتداء لاقى حق الغير ، وباعتبار المآل لاقى حقه ، فيصير المال شبهة في إسقاط القود ، ويجب عليه الدية . . ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |