|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع والعشرون صـــ62 الى صـــ 71 (489) ( قال رحمه الله ) ولو أن رجلا أكره بوعيد قتل على عتق عبده ، فأعتقه نفذ العتق عندنا لما بينا أنه في التكلم بالعتق لا يمكن أن يجعل آلة للمكره ، فيبقى تكلمه مقصورا عليه ، ويصير به معتقا ; لأن الإكراه ، وإن كان يفسد اختياره لكن لا يخرجه من أن يكون مخاطبا ، وفيما يمكن نسبته إلى المكره يجعل المكره آلة له ، فرجح الاختيار الصحيح على الاختيار الفاسد ، وفيما لا يمكن نسبته إلى المكره يبقى مضافا إلى المكره بما له من الاختيار الفاسد ، وعلى المكره ضمان قيمته ; لأن في حكم الإتلاف المكره يصبح آلة للمكره ، فيصير الإتلاف مضافا إلى المكره ترجيحا للاختيار الصحيح على الاختيار الفاسد ، ويستوي إن كان المكره موسرا ، أو معسرا ; لأن وجوب هذا الضمان باعتبار مباشرة الإتلاف ، فيكون جبرانا لحق المتلف عليه ، وذلك لا يختلف باليسارة ، والعسرة ، ولا سعاية على العبد ; لأنه نفذ العتق فيه من جهة مالكه ، ولا حق لأحد في ماله بخلاف المريض يعتق عبده ، وعليه دين ، فهناك يجب السعاية لحق الغرماء ، وكذلك إذا أعتق المرهون ، وهو معسر ، فإنه يجب السعاية على العبد لحق المرتهن ، والمحجور عليه للسفه إذا أعتق عبده تجب السعاية على العبد في قول محمد ، وهو قول أبي يوسف الأول رحمه الله ; لأن بالحجر عليه صار هو في حكم التصرف ناقص الملك لوجوب النظر له شرعا ، وهنا بعذر الإكراه لم يصر ناقص الملك ، ومعنى النظر يتم بإيجاب الضمان على المكره ، ثم الولاء يكون للمكره ; لأنه هو المعتق ، والولاء لمن أعتق ، وثبوت الولاء له يبطل حقه في تضمين المكره كما لو شهد شاهدان على رجل أنه أعتق عبده ، ثم رجعا بعد القضاء ضمنا قيمته ، والولاء ثابت للمولى ، وهذا ; لأن الولاء كالنسب ليس بمال متقوم ، وليس للمكره أن يرجع على العبد بشيء ; لأنه قام مقام المولى ، ولا سبيل للمولى على العبد في الاستسعاء ; ولأن المكره لم يصر مالكا للعبد بالضمان . ( ألا ترى ) أن الولاء للمكره ، فإن كان العبد بين رجلين ، فأكره أحدهما حتى أعتقه جاز عتقه ، ثم على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله العتق لا يتجزأ ، فيعتق العبد [ ص: 63 ] كله ، والولاء للمعتق ، وعلى المكره إن كان موسرا ضمان جميع القيمة بينهما نصفين ; لأنه صار متلفا الملك عليهما ، وإن كان معسرا ضمن نصيب المكره ; لأنه باشر إتلاف نصيبه ، ويستسعى العبد في قيمة نصيب الشريك الآخر ; لأنه لم يوجد من المكره إتلاف نصيب الشريك قصدا ، ولكنه تعدى إليه التلف حكما ، فيكون هو بمنزلة شريك المعتق ، والمعتق إذا كان معسرا لا يجب عليه ضمان نصيب شريكه ، ولكن يجب على العبد السعاية في نصيب شريكه ; لأنه قد سلم له ذلك القدر من رقبته ، ولا يرجع ، واحد منهما على صاحبه بشيء . أما على العبد ، فلأنه سعى في بدل ما سلم له ، وأما المكره ، فلأنه ضمن بمباشرة الإتلاف ، وأما في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله ، فالمكره ضامن لنصيب المكره موسرا كان ، أو معسرا ، وفي نصيب الساكت إن كان المكره موسرا ، فالساكت بالخيار إن شاء أعتق نصيبه ، وإن شاء استسعاه في نصيبه ، وإن شاء ضمن المكره قيمة نصيبه ، فإن ضمنه يرجع المكره بهذا النصف من القيمة على العبد فاستسعاه فيه ; لأنه قام مقام الساكت في ذلك ، وصار متملكا لنصيبه بأداء الضمان ، والولاء بين المكره ، والمكره نصفان ، وإن كان المكره معسرا ، فللساكت حق الاستسعاء ، والإعتاق ، والولاء بينه ، وبين المكره نصفان لأنه عتق نصيب كل واحد منهما على ملكه . ، ولو أكره بوعيد تلف على أن يطلق امرأته ثلاثا ففعل ولم يدخل بها بانت منه لما قلنا ، وعلى الزوج نصف الصداق إن كان سمى لها مهرا ، والمتعة إن لم يكن سمى لها مهرا ، ويرجع بذلك على المكره ; لأنه هو الذي ألزمه ذلك المال حكما ، فإن وقوع الفرقة قبل الدخول في حال الحياة مسقط لجميع الصداق إلا إذا كان بسبب مضاف إلى الزوج ، فحينئذ يجب نصف الصداق بالنص ، والمكره هو الذي جعل الفرقة مضافة إلى الزوج بإكراهه ، فكأنه ألزم الزوج ذلك المال ، أو فوت يده من ذلك المال ، فيلزمه ضمانه كالغاصب ، وبهذا الطريق يضمن شاهدا الطلاق قبل الدخول . ، ولو كان الزوج قد دخل بها لم يرجع على المكره بشيء ; لأن الصداق كله تقرر على الزوج بالدخول ، والمكره إنما أتلف عليه ملك النكاح ، وملك النكاح لا يتقوم بالإتلاف على الزوج عندنا ، ولهذا لا نوجب على شاهدي الطلاق بعد الدخول ضمانا عند الرجوع ، ولا على المرأة إن ارتدت بعد الدخول ، ولا على القاتل لمنكوحة الغير خلافا للشافعي رحمه الله ، فإنه يجعل البضع مضمونا بمهر المثل عند الإتلاف على الزوج كما هو مضمون بمهر المثل عند دخوله في ملك الزوج ، ولكنا نقول البضع ليس بمال متقوم ، فلا يجوز أن يكون مضمونا [ ص: 64 ] بالمال ; لأنه لا مماثلة بين ما هو مال ، وبين ما ليس بمال ، وتقومه عند النكاح لإظهار خطر المملوك ، وهذا الخطر للمملوك لا للملك الوارد عليه . ( ألا ترى ) أن إزالة الملك بغير شهود ، وبغير ، ولي صحيح ، فلا حاجة إلى إظهار الخطر عند الإتلاف ، فلهذا لا يضمن المتلف شيئا . . . ولو أن رجلا أكره امرأة أبيه فجامعها يريد به الفساد على أبيه ، ولم يدخل بها أبوه كان لها على الزوج نصف المهر ; لأن الفرقة ، وقعت بسبب مضاف إلى الأب ، وهو حرمة المصاهرة ، ويرجع بذلك على ابنه ; لأنه هو الذي ألزمه ذلك حكما ، وإن كان الأب قد دخل بها لم يرجع على الابن بشيء لما قلنا ، وهذا الفصل ، أورده لإيضاح ما سبق ، وقوله بريد به الفساد أي يكون قصده إفساد النكاح ، فأما الزنا ، فلا يكون إفسادا . . ولو أكره بوعيد قتل ، أو حبس حتى تزوج امرأة على عشرة آلاف درهم ، ومهر مثلها ألف درهم جاز النكاح ; لما بينا أن الجد ، والهزل في النكاح ، والطلاق ، والعتاق سواء ، فكذلك الإكراه ، والطواعية ، وللمرأة مقدار مهر مثلها ; لأن التزام المال يعتمد تمام الرضا ، ويختلف بالجد ، والهزل ، فيختلف أيضا بالإكراه ، والطوع ، فلا يصح من الزوج التزام المال مكرها إلا أن مقدار مهر المثل يجب لصحة النكاح لا محالة . ( ألا ترى ) أن بدون التسمية يجب ، فعند قبول التسمية فيه مكرها ، أولى أن يجب ، وما زاد على ذلك يبطل لانعدام الرضا من الزوج بالتزامه ، ولو أن المرأة هي التي أكرهت ببعض ما ذكرنا على أن تزوج نفسها منه بألف ، ومهر مثلها عشرة آلاف فزوجها أولياؤها مكرهين ، فالنكاح جائز ، ولا ضمان على المكره فيه ; لأن البضع ليس بمال متقوم ، وتقومه على المتملك باعتبار ثبوت الملك فيما هو مصون عن الابتذال ، وهذا المعنى لا يوجد في حق المكره ، ثم يقول القاضي للزوج : إن شئت ، فأتمم لها مهر مثلها ، وهي امرأتك إن كان كفؤا لها ، فإن أبى فرق بينهما ، ولا شيء لها ، والحاصل أن الزوج إن كان كفؤا لها ثبت لها الخيار ; لما يلحقها من الضرر بنقصان حقها عن صداق مثلها ، والزوج متمكن من إزالة هذا الضرر بأن يلتزم لها كمال مهر مثلها ، فإن التزم ذلك فالنكاح بينهما لازم ، وإن أبى ، فرق بينهما ، ولا شيء لها إن لم يكن دخل بها ، وإن كان دخل بها مكرهة ، فلها تمام مهر مثلها لانعدام الرضا منها بالنقصان ، ولا خيار لها بعد ذلك ; لأن الضرر اندفع حين استحقت كمال مهر مثلها ، وإن دخل بها ، وهي طائعة ، أو رضيت بما سمى لها ، فعند أبي حنيفة للأولياء حق الاعتراض ، وعندهما ليس لهم ذلك ، وأصله فيما إذا زوجت المرأة نفسها من كفؤ بدون صداق مثلها ، وقد بيناه في كتاب النكاح . ، وإن لم يكن الزوج كفؤا لها ، فلها [ ص: 65 ] أن لا ترضى بالمقام معه سواء التزم الزوج لها كمال مهر المثل ، أو لم يلتزم دخل بها ، أو لم يدخل بها ; لما يلحقها من الضرر من استفراش من لا يكافئها ، فإن دخل بها ، وهي طائعة ، أو رضيت ، فللأولياء أن يفرقوا بينهما ; لأن للأولياء حق طلب الكفاءة . ( ألا ترى ) أنها لو زوجت نفسها طائعة من غير كفؤ كان للأولياء حق الاعتراض ، فهنا أيضا لم يوجد من الأولياء الرضا بسقوط حقهم في الكفاءة ، والزوج لا يتمكن من إزالة عدم الكفاءة ، فيكون للأولياء أن يفرقوا بينهما سواء رضي بأن يتم لها مهر مثلها ، أو لم يرض بذلك . ولو أن رجلا ، وجب له على رجل قصاص في نفس ، أو فيما دونها ، فأكره بوعيد قتل ، أو حبس حتى عفا فالعفو جائز ; لأن العفو عن القصاص نظير الطلاق في أن الهزل ، والجد فيه سواء ، فإنه إبطال ملك الاستيفاء ، وليس فيه من معنى الملك شيء ، ولا ضمان له على الجاني ; لأن الجاني لم يلتزم له عوضا ، ولم يتملك عليه شيئا ، وتقوم النفس بالمال عند الخطأ لصيانة النفس عن الإهدار ، وهذا لا يوجد عند الإسقاط بالعفو ; لأنه مندوب إليه في الشرع ، والبدل فيه صحيح ، ولا ضمان على المكره ; لأنه لم يستهلك عليه مالا متقوما ، فإن التمكن من استيفاء القصاص ليس بمال متقوم ، ولهذا لا يضمن شهود العفو إذا رجعوا ، ومن عليه القصاص إذا قتله إنسان لا يضمن لمن له القصاص شيئا ، وكذلك إذا مات من عليه القصاص لا يكون ضامنا لمن له القصاص شيئا ، فكذلك المكره . ولو ، وجب لرجل على رجل حق من مال ، أو كفالة بنفس ، أو غير ذلك ، فأكره بوعيد قتل ، أو حبس حتى أبرأ من ذلك الحق كان باطلا ; لأن صحة الإبراء تعتمد تمام الرضا ، وبسبب الإكراه ينعدم الرضا ; وهذا لأن الإبراء عن الدين ، وإن كان إسقاطا ، ولكن فيه معنى التمليك ، ولهذا يرتد برد المديون ، وإبراء الكفيل ، فرع لإبراء الأصيل ، والكفالة بالنفس من حقوق المال ; لأن صحتها باعتبار دعوى المال ، فلهذا لا تصح البراءة في هذه الفصول مع الإكراه كما لا تصح مع الهزل ، وكذلك لو أكره على تسليم الشفعة بعد ما طلبها ; لأن تسليم الشفعة من باب التجارة كالأخذ بالشفعة ، ولهذا ملكه الأب ، والوصي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله . والتجارة تعتمد تمام الرضا ، وذلك يعتمد بالإكراه ، ولو كان الشفيع حين علم بها أراد أن يتكلم بطلبها ، فأكره حتى سد فمه ، ولم يتركه ينطق يوما ، أو أكثر من ذلك كان على شفعته إذا خلى عنه ، فإن طلب عند ذلك ، وإلا بطلت شفعته ; لأن المسقط للشفعة ترك الطلب بعد التمكن منه . ( ألا ترى ) أن ترك الطلب قبل العلم بالبيع لا يبطل الشفعة لانعدام تمكنه من الطلب [ ص: 66 ] وهو لم يكن متمكنا من الطلب هنا حين سد ، فمه ، أو قيل : له لئن تكلمت بطلب شفعتك لنقتلنك ، أو لنحبسنك ، فهذا لا يبطل شفعته ، فأما بعد زوال الإكراه إذا لم يطلب بطلت شفعته لترك الطلب بعد التمكن ، فإن قيل : أليس أن الإكراه بمنزلة الهزل ، والهازل بتسليم الشفعة تبطل شفعته ، فكذلك المكره على تسليم الشفعة قلنا إذا هزل بتسليم الشفعة قبل الطلب بطلت شفعته لترك الطلب مع الإمكان لا بالهزل بالتسليم ، فأما إذا طلب الشفعة ، ثم سلمها هازلا ، واتفقا أنه كان هازلا في التسليم لم تبطل شفعته ; لما بينا أنه بمنزلة التجارة يعتمد تمام الرضا . فإن قال المشتري : إنه لم يكف عن الطلب للإكراه ، ولكنه لم يرد أخذها بالشفعة ، وقال الشفيع : ما كففت إلا للإكراه فالقول قول الشفيع ; لأن قيام السيف على رأسه دليل ظاهر على أنه إنما كف عن الطلب للإكراه ، ولكنه يحلف بالله ما منعه من طلب الشفعة إلا الإكراه ; لأن المشتري ادعى عليه ما لو أقر به لزمه ، فإذا أنكره استحلف عليه . . ولو أن رجلا أكرهه أهل الشرك على أن يكفر بالله ، وله امرأة مسلمة ، ففعل ، ثم خلي سبيله ، فقالت : قد كفرت بالله تعالى ، وبنت منك ، وقال الرجل : إنما أظهرت ذلك ، وقلبي مطمئن بالإيمان ، ففي القياس القول قولها ، ويفرق بينهما ; لأنه لا طريق لنا إلى معرفة سره ، فوجب بناء الحكم على ظاهر ما نسمعه منه ، وهذا ; لأن الشرع أقام الظاهر الذي يوقف عليه مقام الخفي الذي لا يمكن الوقوف عليه للتيسير على الناس ، فباعتبار الظاهر قد سمع منه كلمة الردة ، فتبين منه امرأته ، ولكنه استحسن ، فقال : القول قوله مع يمينه ; لأن النبي عليه الصلاة والسلام { قبل قول عمار رضي الله عنه ، ولم يجدد النكاح بينه ، وبين امرأته } ، ولأن الظاهر شاهد له ، فإن امتناعه من إجراء كلمة الشرك حتى تحقق الإكراه دليل على أنه مطمئن القلب بالإيمان ، وأنه ما قصد بالتكلم إلا دفع الشر عن نفسه ، وهذا بخلاف ما إذا أكره على الإسلام ، فإنه يحكم بإسلامه ; لأن الإسلام مما يجب اعتقاده ، فذلك دليل على أنه قال ما قال معتقدا ، وهو معارض للإكراه ، فعند تعارض الدليلين يصار إلى ظاهر ما سمع منه ، فأما الشرك مما لا يجوز اعتقاده ، والإكراه ، فدليل على أنه معتقد ، فلهذا لا يحكم بردته إذا أجرى كلمة الشرك مكرها ، والله أعلم . ( قال رحمه الله ) ولو أن رجلا أكرهه لص بالقتل على قطع يد نفسه ، فهو إن شاء الله [ ص: 67 ] في سعة من ذلك ; لأنه ابتلي ببليتين ، فله أن يختار أهونهما عليه لحديث عائشة رضي الله عنها قالت { : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما } ، ثم حرمة الطرف تابعة لحرمة النفس ، والتابع لا يعارض الأصل ، ولكن يترجح جانب الأصل ، ففي إقدامه على قطع اليد مراعاة حرمة نفسه ، وفي امتناعه من ذلك تعريض النفس ، وتلف النفس يوجب تلف الأطراف لا محالة ، ولا شك أن إتلاف البعض لإبقاء الكل يكون ، أولى من إتلاف الكل . ( ألا ترى ) أن من ، وقعت في يده أكلة يباح له أن يقطع يده ليدفع به الهلاك عن نفسه ، وقد ، فعله عروة بن الزبير رضي الله عنه ، فهذا المكره في معنى ذلك من وجه ; لأنه يدفع الهلاك عن نفسه بقطع طرفه إلا أنه قيده بالمشيئة هنا ; لأن هذا ليس في معنى الأكلة من كل وجه ، وحرمة الطرف كحرمة النفس من وجه ، فلهذا تحرز عن الإثبات في الجواب ، وقال إن شاء الله في سعة من ذلك ، فإن قطع يد نفسه ، ثم خاصم المكره فيه قضى القاضي له على المكره بالقود ; لأن القطع صار منسوبا إلى المكره لما تحقق الإكراه على ما بينه في مسألة المكره على القتل ، فكأن المكره باشر قطع يده ، وهذا ظاهر على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وإنما الإشكال على قول أبي يوسف رحمه الله ، فإنه لا يوجب القود على المكره ، فقيل في هذا الفصل لا قود عليه عند أبي يوسف أيضا ، ولكن يلزمه أرش اليد في ماله ، وقيل هنا يجب القود عنده ; لأنه إنما يجعل المكره آلة في قتل الغير لكونه آثما لا يحل له الإقدام على القتل ، وهنا يحل للمكره الإقدام على قطع يده ، فكان هو آلة بمنزلة المكره على إتلاف المال ، فيجب القود على المكره . . ، ولو أكرهه على أن يطرح نفسه في النار بوعيد قتل ، فهو إن شاء الله في سعة من ذلك أما إن كان يرجو النجاة من النار ، فإنه يلقي نفسه على قصد النجاة ، وإن كان لا يرجو النجاة ، فكذلك الجواب ; لأن من الناس من يختار ألم النار على ألم السيف ، ومنهم من يختار ألم السيف ، وربما يكون في النار بعض الراحة له ، وإن كان يأتي على نفسه ، وقيل على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يسعه أن يلقي نفسه إذا كان لا يرجو النجاة فيه ; لأنه لو ألقى نفسه صار مقتولا بفعل نفسه ، ولو امتنع من ذلك صار مقتولا بفعل المكره ، وحيث يسعه الإلقاء ، فلوليه القود على المكره ، وهذا لا يشكل عند أبي حنيفة ومحمد ، وكذلك عند أبي يوسف في الصحيح من الجواب ; لأنه لما أبيح له الإقدام صار آلة للمكره ، وكذلك لو أكرهه على أن يطرح نفسه من ، فوق بيت إلا أن في هذا الموضع عند أبي حنيفة لا يجب القود كما لو ألقاه المكره بنفسه . ، وعندهما إذا كان [ ص: 68 ] ذلك مما يقتل غالبا فهو ، وإلقاء النفس في النار سواء ، وكذلك لو أكرهه على أن يطرح نفسه في ماء ، وهنا القود لا يجب على المكره عند أبي حنيفة كما لو ألقاه بنفسه ، وكذلك عندهما إذا كان يرجى النجاة منه ، وإن كان مما يقتل غالبا يجب القود على المكره ، واستدل بحديث زيد بن ، وهب قال استعمل عمر بن الخطاب رجلا على جيش ، فخرج نحو الجبل ، فانتهى إلى نهر ليس عليه جسر في يوم بارد ، فقال أمير ذلك الجيش لرجل انزل فابغ لنا مخاضة نجوز فيها ، فقال الرجل : إني أخاف إن دخلت الماء أن أموت قال ، فأكرهه ، فدخل الماء قال يا عمراه ، يا عمراه ثم لم يلبث أن هلك فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه ، وهو في سوق المدينة قال يا ليتكاه ، يا ليتكاه ، ، فبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه ، وقال : لولا أن يكون سنة لأقدته منك ، ثم غرمه الدية ، وقال : لا تعمل لي عملا أبدا قال ، وإنما أمره الأمير بهذا على غير إرادة قتله بل ليدخل الماء ، فينظر لهم مخاضة الماء ، فضمنه عمر رضي الله عنه ديته ، فكيف بمن أمره ، وهو يريد قتله بذلك ، وفيه دليل على أنه يجب القود على المكره ، وأنه يجب بغير السلاح ، ومعنى قوله أن يكون سنة يعني في حق من لا يقصد القتل ، ويكون مخطئا في ذلك ، فهو تنصيص على أنه إذا كان قاصدا إلى قتله بما لا يلجئه ، فإنه يستوجب القود وأبو حنيفة يقول : إنما قال عمر رضي الله عنه ذلك على سبيل التهديد ، وقد يهدد الإمام بما لا يتحقق ، ويتحرز فيه عن الكذب ببعض معاريض الكلام . . ولو قال لتقطعن يد نفسك ، أو لأقطعنها أنه لم يسعه قطعها ; لأنه ليس بمكره ، فالمكره من ينجو عما هدد به بالإقدام على ما طلب منه ، وهنا في الجانبين عليه ضرر قطع اليد ، وإذا امتنع صارت يده مقطوعة بفعل المكره ، وإذا أقدم عليه صارت مقطوعة بفعل نفسه ، وهو يتيقن بما يفعله بنفسه ، ولا يتيقن بما هدده به المكره ، فربما يخوفه بما لا يحققه ، فلهذا لا يسعه قطعها ، ولو قطعها لم يكن على الذي أكرهه شيء ; لأن نسبة الفعل إلى المكره عند تحقق الإكراه ، والإكراه أن يدفع عن نفسه ما هو أعظم مما يقدم عليه ، وذلك لا يوجد هنا ، فإذا لم يكن مكرها اقتصر حكم فعله عليه ، وكذلك لو قال له لتقتلن نفسك بهذا السيف ، أو لأقتلنك به لم يكن هذا إكراها لما قلنا . ، ولو قال له لأقتلنك بالسياط ، أو لتقتلن نفسك بهذا السيف ، أو ذكر له نوعا من القتل هو أشد عليه مما أمره أن يفعل بنفسه ، فقتل نفسه قتل به الذي أكرهه ; لأن الإكراه هنا تحقق ، فإنه قصد بالإقدام على ما طلب منه دفع ما هو أشد عليه ، فالقتل بالسياط أفحش ، وأشد على البدن من القتل بالسيف ; لأن القتل بالسيف يكون في لحظة ، وبالسياط يطول ، ويتوالى الألم ، وإليه [ ص: 69 ] أشار حذيفة رضي الله عنه حيث قال : فتنة السوط أشد من فتنة السيف ، وكذلك ما دون النفس لو قيل : له لتحرقن يدك بالنار ، أو لتقطعنها بهذا الحديد ، فقطعها قطعت يد الذي أكرهه إن كان واحدا لتحقق الإكراه منه ، وإن كان عددا لم يكن عليهم في يده قود ، وعليهم دية اليد في أموالهم بخلاف النفس . ، وأصل هذا الفرق في المباشرة حقيقة ، فإنه لو قطع جماعة يد رجل لم يلزمهم القود عندنا ، ولو قتلوا رجلا كان عليهم القود ، ويأتي هذا الفرق في كتاب الديات إن شاء الله تعالى . ، ولو أكره بوعيد قتل على أن يطرح ماله في البحر ، أو على أن يحرق ثيابه ، أو يكسر متاعه ، ففعل ذلك ، فالمكره ضامن لذلك كله ; لأن إتلاف المال مما يصلح أن يكون المكره فيه آلة للمكره ، فعند تحقق الإلجاء يصير الفعل منسوبا للمكره ، فكأنه باشر الإتلاف بيده والشافعي في هذا لا يخالفنا ; لأن المكره يباح له الإقدام على إتلاف المال سواء كان له أو لغيره ، وإذا صار الإقدام مباحا له كان هو آلة للمكره ، فالضمان على المكره خاصة ، وأصحابه خرجوا له قولين سوى هذا : أحدهما أن الضمان يجب على المكره لصاحب المال ; لأنه هو المتلف حقيقة ، ثم يرجع هو على المكره ; لأنه هو الذي ، أوقعه في هذه الورطة ، والثاني أن الضمان عليهما نصفان ; لأن حقيقة الإتلاف وجد من المكره ، والقصد إلى الإضرار وجد من المكره ، فكانا بمنزلة الشريكين في الإتلاف ، ولكن الأول أصح ; لما قلنا ، وإن أكرهه على ذلك بحبس ، أو قيد ، ففعله لم يكن في المكره ضمان ، ولا قود ; لأن المكره إنما يصير كالآلة عند تمام الإلجاء ، وهو ما إذا خاف التلف على نفسه ، وليس في التهديد بالحبس ، والقيد معنى خوف التلف على نفسه ، فيبقى الفعل مقصورا على المكره ، فيؤاخذ بحكمه ، وهذا ; لأنه ليس في الحبس ، والقيد إلا هم يلحقه ، ومن يتلف مال الغير اختيارا ، فإنما يقصد بذلك دفع الغم الذي يلحقه بحسده إياه على ما آتاه الله تعالى من المال ، فلا يجوز أن يكون ذلك مسقطا للضمان عنه . . ولو أكرهه بتلف على أن يأكل طعاما له ، أو يلبس ثوبا له ، فلبسه مكرها حتى تخرق لم يضمن المكره شيئا ; لأنه ليس بفساد بل أمره أن يصرف مال نفسه إلى حاجته ، وذلك لا يكون ، فسادا . ( ألا ترى ) أن الأب ، والوصي يفعلان ذلك للصبي ، ولا يكون فسادا منهما ، ثم هذا من وجه أمر بالمعروف ، فإن التقتير وترك الإنفاق على نفسه بعد وجود السعة منهي عنه ، وفي الأمر بالمعروف دفع الفساد ، فعرفنا أن ما أمره به ليس بفساد ، فلا يكون سببا لوجوب الضمان على المكره بخلاف إحراق المال بالنار أو طرحه في الماء ، فإن ذلك ، فساد لا انتفاع بالمال . . ولو أكرهه بوعيد قتل على أن يقتل عبده بالسيف ، أو [ ص: 70 ] على أن يقطع يده لم يسعه أن يفعل ذلك ; لأن العبد في حكم نفسه باق على أصل الحرية على ما بينا أن ذمته لا تدخل تحت القهر ، والملك ، فكما لا يسعه الإقدام على أن يفعل شيئا من ذلك بحر لو أكره عليه ، فكذلك العبد بخلاف سائر الأموال . ( ألا ترى ) أن عند ضرورة المخمصة يجوز له أن يصرف ماله إلى حاجته ، وليس له أن يقتل عبده ليأكل من لحمه ، فإن ، فعله كان له أن يأخذ الذي أكرهه بقتله قودا بعبده إن كان مثله ، ويأخذ دية يده إن كان قطع يده بمنزلة ما لو باشر المكره ذلك بنفسه بناء على أصلنا أن القود يجري بين الأحرار ، والمماليك في النفس ، ولا يجري فيما دون النفس ، وإن كان الإكراه بحبس لم يكن على المكره شيء ، وإنما عليه الأدب بالضرب ، والحبس ، والإلجاء لم يتحقق ، فكان فعل القتل مقصورا على المولى ، فلا يرجع على المكره بشيء ، وليس على المولى سوى الإثم ; لأن الحق في بدل نفس العبد للمولى ، ولا يستوجب هو على نفسه عقوبة ، ولا مالا ، فأما الإثم ، فهو حق الشرع ، فكما يصير آثما بالإقدام على قتل الحر مكرها ; لأنه يؤثر روحه على روح من هو مثله في الحرمة ، ويطيع المخلوق في معصية الخالق ، وقد نهاه الشرع عن ذلك ، فكذلك المولى يكون آثما بهذا الطريق . ، ولو أن قاضيا أكره رجلا بتهديد ضرب ، أو حبس ، أو قيد حتى يقر على نفسه بحد ، أو قصاص كان الإقرار باطلا ; لأن الإقرار متمثل بين الصدق ، والكذب ، وإنما يكون حجة إذا ترجح جانب الصدق على جانب الكذب ، والتهديد بالضرب ، والحبس يمنع رجحان جانب الصدق على ما قال عمر رضي الله عنه : ليس الرجل على نفسه بأمين إذا ضربت أو أوثقت ، ولم ينقل عن أحد من المتقدمين من أصحابنا رحمهم الله صحة الإقرار مع التهديد بالضرب ، والحبس في حق السارق ، وغيره إلا شيء روي عن الحسن بن زياد رضي الله عنه أن بعض الأمراء بعث إليه ، وسأله عن ضرب السارق ليقر ، فقال ما لم يقطع اللحم أو يبين العظم ، ثم ندم على مقالته ، وجاء بنفسه إلى مجلس الأمير ليمنعه من ذلك ، فوجده قد ضربه حتى اعترف ، وجاء بالمال ، فلما رأى المال موضوعا بين يدي الأمير قال : ما رأيت ظلما أشبه بالحق من هذا ، فإن خلي سبيله بعد ما أقر مكرها ، ثم أخذ بعد ذلك ، فجيء به ، فأقر بما كان تهدد عليه بغير إكراه مستقل أخذ بذلك كله ; لأن إقراره الأول كان باطلا ، ولما خلي سبيله ، فقد انتهى حكم ذلك الأخذ ، والتهديد ، فصار كأن لم يوجد أصلا حتى أخذ الآن فأقر بغير إكراه ، وإن كان لم يخل سبيله ، ولكنه قال : له ، وهو في يده بعدما أقر إني لا أؤاخذك بإقرارك الذي أقررت به ، ولا أضربك ، ولا أحبسك ، ولا أعرض [ ص: 71 ] لك ، فإن شئت فأقر ، وإن شئت ، فلا تقر ، وهو في يد القاضي على حاله لم يجز هذا الإقرار ; لأن كينونته في يده حبس منه له ، وإنما كان هدده بالحبس ، فما دام حابسا له كان أثر ذلك الإكراه باقيا ، وقوله لا أحبسك نوع غرور ، وخداع منه ، فلا ينعدم به أثر ذلك الإكراه ، ولأن الظاهر أنه إنما أقر لأجل إقراره المتقدم ، فإنه علم أنه لا ينفعه الإنكار ، وأنه إذا تناقض كلامه يزداد التشديد عليه بخلاف الأول ، فهناك قد خلي سبيله ، وصار بحيث يتمكن من الذهاب إن شاء ، فينقطع به أثر ذلك الإكراه . وإن خلي سبيله ، ولم يتوار عن بصر القاضي حتى بعث من أخذه ، ورده إليه ، فأقر بالذي أقر به أول مرة من غير إكراه جديد ، فإن هذا ليس بشيء ; لأنه ما لم يتوار عن بصره ، فهو متمكن من أخذه ، وحبسه ، فيجعل ذلك بمنزلة ما لو كان في يده على حاله ، وإن كان حين رده أول مرة لم يحبسه ، ولكنه هدده ، فلما أقر قال : إني لست أصنع بك شيئا ، فإن شئت فأقر ، وإن شئت فدع ، فأقر لم يأخذه بشيء من ذلك ; لأنه ما دام في يده ، فكأنه محبوس في سجنه ، فكان أثر التهديد الأول قائما أرأيت لو خلى سبيله ، ثم بعث معه من يحفظه ، ثم رده إليه بعد ذلك ، فأقر أكان يؤخذ بشيء من ذلك ؟ أو لا يؤخذ به ؟ ; لأن يد من يحفظه له كيده في ذلك . . ولو أكرهه قاض بضرب ، أو حبس حتى يقر بسرقة ، أو زنا ، أو شرب خمر ، أو قتل ، فأقر بذلك ، فأقامه عليه ، فإن كان رجلا معروفا بما أقر له به إلا أنه لا بينة عليه ، فالقياس أن يقتص من المكره فيما أمكن القصاص فيه ، ويضمن من ماله ما لا يستطاع القصاص فيه ; لأن إقراره كان باطلا ، والإقرار الباطل وجوده كعدمه ، فبقي هو مباشرا للجناية بغير حق ، فيلزمه القصاص فيما يستطاع فيه القصاص ، ولكن يستحسن أن يلزمه ضمان جميع ذلك في ماله ، ويدرأ القصاص ; لأن الرجل إذا كان معروفا بما أقر به على نفسه ، فالذي يقع في قلب كل سامع أنه صادق في إقراره لما أقر به ، وذلك يورث شبهة ، والقصاص مما يندرئ بالشبهات ; ولأن على قول أهل المدينة رحمهم الله للإمام أن يجبر المعروف بذلك الفعل على الإقرار بالضرب ، والحبس ، فإن مرتكب الكبيرة قلما يقر على نفسه طائعا ، وإذا أقر به مكرها عندهم يصح إقراره ، وتقام عليه العقوبة ، فيصير اختلاف العلماء رحمهم الله شبهة ، والقاضي مجتهد في ما صنع ، فهذا اجتهاد في موضعه من وجه ، فيكون مسقطا للقود عنه ، ولكن يلزمه المال ; لأن المال مما يثبت مع الشبهات ، وبالإقرار الباطل لم تسقط حرمة نفسه ، وأطرافه ، فيصير ضامنا له مراعاة لحرمة نفسه ، وطرفه . وإن كان المكره غير معروف بشيء مما رمي به أخذت فيه بالقياس [ ص: 72 ] وأوجبت القصاص على القاضي في ما يستطاع فيه القصاص ; لأنه إذا كان معروفا بالصلاح ، فالذي يسبق إليه ، أوهام الناس أنه بريء الساحة مما رمي به ، وإنما أقر على نفسه كاذبا بسبب الإكراه ، ونظير هذا ما قيل : فيمن دخل على إنسان بيته شاهرا سيفه مادا رمحه فقتله صاحب البيت ، ثم اختصم ، أولياؤه مع صاحب البيت ، فقال أولياؤه كان هاربا من اللصوص ملتجئا إليك ، وقال صاحب البيت : بل كان لصا قصد قتلي ، فإن كان المقتول رجلا معروفا بالصلاح ، فالقول قول الأولياء ، ويجب القصاص على صاحب البيت ، وإن كان متهما بالدعارة ، ففي القياس كذلك ، وفي الاستحسان القول قول صاحب البيت ، ولا قصاص ، ولكن عليه الدية في ماله . ، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة لا شيء عليه ; لأن الظاهر شاهد عليه أنه كان دخل عليه مكابرا ، وأنه قد أهدر دمه عليه بذلك ، ولكن في ظاهر الرواية يقول : مجرد الظاهر لا يسقط حرمة النفوس المحترمة ، ولا يجوز إهدار الدماء المحقونة ، ولكن يصير الظاهر شبهة في إسقاط القود عنه ، فيجب عليه الدية في ماله صيانة لدم المقتول عن الهدر ، فكذلك ما سبق ، والله أعلم . ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |