المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5306 - عددالزوار : 2704235 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4907 - عددالزوار : 2052878 )           »          كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 79 - عددالزوار : 61890 )           »          خلاف الفقهاء في حكم ينتقض الوضوء بالنوم؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »          ميزة جديدة من جوجل لحل مشاكل البلوتوث فى هواتف بيكسل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 58 )           »          آبل تؤكد: ميزة وضع الإغلاق تحصن أجهزتها ضد أخطر برامج التجسس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 48 )           »          واتساب يطلق تحديثًا يدمج الذكاء الاصطناعى لتسهيل كتابة الرسائل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 55 )           »          تحديث واتساب الجديد.. الذكاء الاصطناعى يساعدك فى الرد بسهولة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 52 )           »          إنستجرام يستعد لثورة جديدة: مشاهدة ريلز بدون إنترنت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 59 )           »          تقرير: تطبيقات الذكاء الاصطناعى ذات الاستخدام المزدوج تثير مخاوف عالمية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 48 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 25-12-2025, 05:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,820
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع والعشرون

صـــ62 الى صـــ 71
(489)





( قال رحمه الله ) ولو أن رجلا أكره بوعيد قتل على عتق عبده ، فأعتقه نفذ العتق عندنا لما بينا أنه في التكلم بالعتق لا يمكن أن يجعل آلة للمكره ، فيبقى تكلمه مقصورا عليه ، ويصير به معتقا ; لأن الإكراه ، وإن كان يفسد اختياره لكن لا يخرجه من أن يكون مخاطبا ، وفيما يمكن نسبته إلى المكره يجعل المكره آلة له ، فرجح الاختيار الصحيح على الاختيار الفاسد ، وفيما لا يمكن نسبته إلى المكره يبقى مضافا إلى المكره بما له من الاختيار الفاسد ، وعلى المكره ضمان قيمته ; لأن في حكم الإتلاف المكره يصبح آلة للمكره ، فيصير الإتلاف مضافا إلى المكره ترجيحا للاختيار الصحيح على الاختيار الفاسد ، ويستوي إن كان المكره موسرا ، أو معسرا ; لأن وجوب هذا الضمان باعتبار مباشرة الإتلاف ، فيكون جبرانا لحق المتلف عليه ، وذلك لا يختلف باليسارة ، والعسرة ، ولا سعاية على العبد ; لأنه نفذ العتق فيه من جهة مالكه ، ولا حق لأحد في ماله بخلاف المريض يعتق عبده ، وعليه دين ، فهناك يجب السعاية لحق الغرماء ، وكذلك إذا أعتق المرهون ، وهو معسر ، فإنه يجب السعاية على العبد لحق المرتهن ، والمحجور عليه للسفه إذا أعتق عبده تجب السعاية على العبد في قول محمد ، وهو قول أبي يوسف الأول رحمه الله ; لأن بالحجر عليه صار هو في حكم التصرف ناقص الملك لوجوب النظر له شرعا ، وهنا بعذر الإكراه لم يصر ناقص الملك ، ومعنى النظر يتم بإيجاب الضمان على المكره ، ثم الولاء يكون للمكره ; لأنه هو المعتق ، والولاء لمن أعتق ، وثبوت الولاء له يبطل حقه في تضمين المكره كما لو شهد شاهدان على رجل أنه أعتق عبده ، ثم رجعا بعد القضاء ضمنا قيمته ، والولاء ثابت للمولى ، وهذا ; لأن الولاء كالنسب ليس بمال متقوم ، وليس للمكره أن يرجع على العبد بشيء ; لأنه قام مقام المولى ، ولا سبيل للمولى على العبد في الاستسعاء ; ولأن المكره لم يصر مالكا للعبد بالضمان .

( ألا ترى ) أن الولاء للمكره ، فإن كان العبد بين رجلين ، فأكره أحدهما حتى أعتقه جاز عتقه ، ثم على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله العتق لا يتجزأ ، فيعتق العبد [ ص: 63 ] كله ، والولاء للمعتق ، وعلى المكره إن كان موسرا ضمان جميع القيمة بينهما نصفين ; لأنه صار متلفا الملك عليهما ، وإن كان معسرا ضمن نصيب المكره ; لأنه باشر إتلاف نصيبه ، ويستسعى العبد في قيمة نصيب الشريك الآخر ; لأنه لم يوجد من المكره إتلاف نصيب الشريك قصدا ، ولكنه تعدى إليه التلف حكما ، فيكون هو بمنزلة شريك المعتق ، والمعتق إذا كان معسرا لا يجب عليه ضمان نصيب شريكه ، ولكن يجب على العبد السعاية في نصيب شريكه ; لأنه قد سلم له ذلك القدر من رقبته ، ولا يرجع ، واحد منهما على صاحبه بشيء .

أما على العبد ، فلأنه سعى في بدل ما سلم له ، وأما المكره ، فلأنه ضمن بمباشرة الإتلاف ، وأما في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله ، فالمكره ضامن لنصيب المكره موسرا كان ، أو معسرا ، وفي نصيب الساكت إن كان المكره موسرا ، فالساكت بالخيار إن شاء أعتق نصيبه ، وإن شاء استسعاه في نصيبه ، وإن شاء ضمن المكره قيمة نصيبه ، فإن ضمنه يرجع المكره بهذا النصف من القيمة على العبد فاستسعاه فيه ; لأنه قام مقام الساكت في ذلك ، وصار متملكا لنصيبه بأداء الضمان ، والولاء بين المكره ، والمكره نصفان ، وإن كان المكره معسرا ، فللساكت حق الاستسعاء ، والإعتاق ، والولاء بينه ، وبين المكره نصفان لأنه عتق نصيب كل واحد منهما على ملكه .

، ولو أكره بوعيد تلف على أن يطلق امرأته ثلاثا ففعل ولم يدخل بها بانت منه لما قلنا ، وعلى الزوج نصف الصداق إن كان سمى لها مهرا ، والمتعة إن لم يكن سمى لها مهرا ، ويرجع بذلك على المكره ; لأنه هو الذي ألزمه ذلك المال حكما ، فإن وقوع الفرقة قبل الدخول في حال الحياة مسقط لجميع الصداق إلا إذا كان بسبب مضاف إلى الزوج ، فحينئذ يجب نصف الصداق بالنص ، والمكره هو الذي جعل الفرقة مضافة إلى الزوج بإكراهه ، فكأنه ألزم الزوج ذلك المال ، أو فوت يده من ذلك المال ، فيلزمه ضمانه كالغاصب ، وبهذا الطريق يضمن شاهدا الطلاق قبل الدخول .

، ولو كان الزوج قد دخل بها لم يرجع على المكره بشيء ; لأن الصداق كله تقرر على الزوج بالدخول ، والمكره إنما أتلف عليه ملك النكاح ، وملك النكاح لا يتقوم بالإتلاف على الزوج عندنا ، ولهذا لا نوجب على شاهدي الطلاق بعد الدخول ضمانا عند الرجوع ، ولا على المرأة إن ارتدت بعد الدخول ، ولا على القاتل لمنكوحة الغير خلافا للشافعي رحمه الله ، فإنه يجعل البضع مضمونا بمهر المثل عند الإتلاف على الزوج كما هو مضمون بمهر المثل عند دخوله في ملك الزوج ، ولكنا نقول البضع ليس بمال متقوم ، فلا يجوز أن يكون مضمونا [ ص: 64 ] بالمال ; لأنه لا مماثلة بين ما هو مال ، وبين ما ليس بمال ، وتقومه عند النكاح لإظهار خطر المملوك ، وهذا الخطر للمملوك لا للملك الوارد عليه .

( ألا ترى ) أن إزالة الملك بغير شهود ، وبغير ، ولي صحيح ، فلا حاجة إلى إظهار الخطر عند الإتلاف ، فلهذا لا يضمن المتلف شيئا . .

. ولو أن رجلا أكره امرأة أبيه فجامعها يريد به الفساد على أبيه ، ولم يدخل بها أبوه كان لها على الزوج نصف المهر ; لأن الفرقة ، وقعت بسبب مضاف إلى الأب ، وهو حرمة المصاهرة ، ويرجع بذلك على ابنه ; لأنه هو الذي ألزمه ذلك حكما ، وإن كان الأب قد دخل بها لم يرجع على الابن بشيء لما قلنا ، وهذا الفصل ، أورده لإيضاح ما سبق ، وقوله بريد به الفساد أي يكون قصده إفساد النكاح ، فأما الزنا ، فلا يكون إفسادا . .
ولو أكره بوعيد قتل ، أو حبس حتى تزوج امرأة على عشرة آلاف درهم ، ومهر مثلها ألف درهم جاز النكاح ; لما بينا أن الجد ، والهزل في النكاح ، والطلاق ، والعتاق سواء ، فكذلك الإكراه ، والطواعية ، وللمرأة مقدار مهر مثلها ; لأن التزام المال يعتمد تمام الرضا ، ويختلف بالجد ، والهزل ، فيختلف أيضا بالإكراه ، والطوع ، فلا يصح من الزوج التزام المال مكرها إلا أن مقدار مهر المثل يجب لصحة النكاح لا محالة .

( ألا ترى ) أن بدون التسمية يجب ، فعند قبول التسمية فيه مكرها ، أولى أن يجب ، وما زاد على ذلك يبطل لانعدام الرضا من الزوج بالتزامه ، ولو أن المرأة هي التي أكرهت ببعض ما ذكرنا على أن تزوج نفسها منه بألف ، ومهر مثلها عشرة آلاف فزوجها أولياؤها مكرهين ، فالنكاح جائز ، ولا ضمان على المكره فيه ; لأن البضع ليس بمال متقوم ، وتقومه على المتملك باعتبار ثبوت الملك فيما هو مصون عن الابتذال ، وهذا المعنى لا يوجد في حق المكره ، ثم يقول القاضي للزوج : إن شئت ، فأتمم لها مهر مثلها ، وهي امرأتك إن كان كفؤا لها ، فإن أبى فرق بينهما ، ولا شيء لها ، والحاصل أن الزوج إن كان كفؤا لها ثبت لها الخيار ; لما يلحقها من الضرر بنقصان حقها عن صداق مثلها ، والزوج متمكن من إزالة هذا الضرر بأن يلتزم لها كمال مهر مثلها ، فإن التزم ذلك فالنكاح بينهما لازم ، وإن أبى ، فرق بينهما ، ولا شيء لها إن لم يكن دخل بها ، وإن كان دخل بها مكرهة ، فلها تمام مهر مثلها لانعدام الرضا منها بالنقصان ، ولا خيار لها بعد ذلك ; لأن الضرر اندفع حين استحقت كمال مهر مثلها ، وإن دخل بها ، وهي طائعة ، أو رضيت بما سمى لها ، فعند أبي حنيفة للأولياء حق الاعتراض ، وعندهما ليس لهم ذلك ، وأصله فيما إذا زوجت المرأة نفسها من كفؤ بدون صداق مثلها ، وقد بيناه في كتاب النكاح . ، وإن لم يكن الزوج كفؤا لها ، فلها [ ص: 65 ] أن لا ترضى بالمقام معه سواء التزم الزوج لها كمال مهر المثل ، أو لم يلتزم دخل بها ، أو لم يدخل بها ; لما يلحقها من الضرر من استفراش من لا يكافئها ، فإن دخل بها ، وهي طائعة ، أو رضيت ، فللأولياء أن يفرقوا بينهما ; لأن للأولياء حق طلب الكفاءة .

( ألا ترى ) أنها لو زوجت نفسها طائعة من غير كفؤ كان للأولياء حق الاعتراض ، فهنا أيضا لم يوجد من الأولياء الرضا بسقوط حقهم في الكفاءة ، والزوج لا يتمكن من إزالة عدم الكفاءة ، فيكون للأولياء أن يفرقوا بينهما سواء رضي بأن يتم لها مهر مثلها ، أو لم يرض بذلك .

ولو أن رجلا ، وجب له على رجل قصاص في نفس ، أو فيما دونها ، فأكره بوعيد قتل ، أو حبس حتى عفا فالعفو جائز ; لأن العفو عن القصاص نظير الطلاق في أن الهزل ، والجد فيه سواء ، فإنه إبطال ملك الاستيفاء ، وليس فيه من معنى الملك شيء ، ولا ضمان له على الجاني ; لأن الجاني لم يلتزم له عوضا ، ولم يتملك عليه شيئا ، وتقوم النفس بالمال عند الخطأ لصيانة النفس عن الإهدار ، وهذا لا يوجد عند الإسقاط بالعفو ; لأنه مندوب إليه في الشرع ، والبدل فيه صحيح ، ولا ضمان على المكره ; لأنه لم يستهلك عليه مالا متقوما ، فإن التمكن من استيفاء القصاص ليس بمال متقوم ، ولهذا لا يضمن شهود العفو إذا رجعوا ، ومن عليه القصاص إذا قتله إنسان لا يضمن لمن له القصاص شيئا ، وكذلك إذا مات من عليه القصاص لا يكون ضامنا لمن له القصاص شيئا ، فكذلك المكره .
ولو ، وجب لرجل على رجل حق من مال ، أو كفالة بنفس ، أو غير ذلك ، فأكره بوعيد قتل ، أو حبس حتى أبرأ من ذلك الحق كان باطلا ; لأن صحة الإبراء تعتمد تمام الرضا ، وبسبب الإكراه ينعدم الرضا ; وهذا لأن الإبراء عن الدين ، وإن كان إسقاطا ، ولكن فيه معنى التمليك ، ولهذا يرتد برد المديون ، وإبراء الكفيل ، فرع لإبراء الأصيل ، والكفالة بالنفس من حقوق المال ; لأن صحتها باعتبار دعوى المال ، فلهذا لا تصح البراءة في هذه الفصول مع الإكراه كما لا تصح مع الهزل ، وكذلك لو أكره على تسليم الشفعة بعد ما طلبها ; لأن تسليم الشفعة من باب التجارة كالأخذ بالشفعة ، ولهذا ملكه الأب ، والوصي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله .

والتجارة تعتمد تمام الرضا ، وذلك يعتمد بالإكراه ، ولو كان الشفيع حين علم بها أراد أن يتكلم بطلبها ، فأكره حتى سد فمه ، ولم يتركه ينطق يوما ، أو أكثر من ذلك كان على شفعته إذا خلى عنه ، فإن طلب عند ذلك ، وإلا بطلت شفعته ; لأن المسقط للشفعة ترك الطلب بعد التمكن منه .

( ألا ترى ) أن ترك الطلب قبل العلم بالبيع لا يبطل الشفعة لانعدام تمكنه من الطلب [ ص: 66 ] وهو لم يكن متمكنا من الطلب هنا حين سد ، فمه ، أو قيل : له لئن تكلمت بطلب شفعتك لنقتلنك ، أو لنحبسنك ، فهذا لا يبطل شفعته ، فأما بعد زوال الإكراه إذا لم يطلب بطلت شفعته لترك الطلب بعد التمكن ، فإن قيل : أليس أن الإكراه بمنزلة الهزل ، والهازل بتسليم الشفعة تبطل شفعته ، فكذلك المكره على تسليم الشفعة قلنا إذا هزل بتسليم الشفعة قبل الطلب بطلت شفعته لترك الطلب مع الإمكان لا بالهزل بالتسليم ، فأما إذا طلب الشفعة ، ثم سلمها هازلا ، واتفقا أنه كان هازلا في التسليم لم تبطل شفعته ; لما بينا أنه بمنزلة التجارة يعتمد تمام الرضا .

فإن قال المشتري : إنه لم يكف عن الطلب للإكراه ، ولكنه لم يرد أخذها بالشفعة ، وقال الشفيع : ما كففت إلا للإكراه فالقول قول الشفيع ; لأن قيام السيف على رأسه دليل ظاهر على أنه إنما كف عن الطلب للإكراه ، ولكنه يحلف بالله ما منعه من طلب الشفعة إلا الإكراه ; لأن المشتري ادعى عليه ما لو أقر به لزمه ، فإذا أنكره استحلف عليه . .

ولو أن رجلا أكرهه أهل الشرك على أن يكفر بالله ، وله امرأة مسلمة ، ففعل ، ثم خلي سبيله ، فقالت : قد كفرت بالله تعالى ، وبنت منك ، وقال الرجل : إنما أظهرت ذلك ، وقلبي مطمئن بالإيمان ، ففي القياس القول قولها ، ويفرق بينهما ; لأنه لا طريق لنا إلى معرفة سره ، فوجب بناء الحكم على ظاهر ما نسمعه منه ، وهذا ; لأن الشرع أقام الظاهر الذي يوقف عليه مقام الخفي الذي لا يمكن الوقوف عليه للتيسير على الناس ، فباعتبار الظاهر قد سمع منه كلمة الردة ، فتبين منه امرأته ، ولكنه استحسن ، فقال : القول قوله مع يمينه ; لأن النبي عليه الصلاة والسلام { قبل قول عمار رضي الله عنه ، ولم يجدد النكاح بينه ، وبين امرأته } ، ولأن الظاهر شاهد له ، فإن امتناعه من إجراء كلمة الشرك حتى تحقق الإكراه دليل على أنه مطمئن القلب بالإيمان ، وأنه ما قصد بالتكلم إلا دفع الشر عن نفسه ، وهذا بخلاف ما إذا أكره على الإسلام ، فإنه يحكم بإسلامه ; لأن الإسلام مما يجب اعتقاده ، فذلك دليل على أنه قال ما قال معتقدا ، وهو معارض للإكراه ، فعند تعارض الدليلين يصار إلى ظاهر ما سمع منه ، فأما الشرك مما لا يجوز اعتقاده ، والإكراه ، فدليل على أنه معتقد ، فلهذا لا يحكم بردته إذا أجرى كلمة الشرك مكرها ، والله أعلم .
( قال رحمه الله ) ولو أن رجلا أكرهه لص بالقتل على قطع يد نفسه ، فهو إن شاء الله [ ص: 67 ] في سعة من ذلك ; لأنه ابتلي ببليتين ، فله أن يختار أهونهما عليه لحديث عائشة رضي الله عنها قالت { : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما } ، ثم حرمة الطرف تابعة لحرمة النفس ، والتابع لا يعارض الأصل ، ولكن يترجح جانب الأصل ، ففي إقدامه على قطع اليد مراعاة حرمة نفسه ، وفي امتناعه من ذلك تعريض النفس ، وتلف النفس يوجب تلف الأطراف لا محالة ، ولا شك أن إتلاف البعض لإبقاء الكل يكون ، أولى من إتلاف الكل .

( ألا ترى ) أن من ، وقعت في يده أكلة يباح له أن يقطع يده ليدفع به الهلاك عن نفسه ، وقد ، فعله عروة بن الزبير رضي الله عنه ، فهذا المكره في معنى ذلك من وجه ; لأنه يدفع الهلاك عن نفسه بقطع طرفه إلا أنه قيده بالمشيئة هنا ; لأن هذا ليس في معنى الأكلة من كل وجه ، وحرمة الطرف كحرمة النفس من وجه ، فلهذا تحرز عن الإثبات في الجواب ، وقال إن شاء الله في سعة من ذلك ، فإن قطع يد نفسه ، ثم خاصم المكره فيه قضى القاضي له على المكره بالقود ; لأن القطع صار منسوبا إلى المكره لما تحقق الإكراه على ما بينه في مسألة المكره على القتل ، فكأن المكره باشر قطع يده ، وهذا ظاهر على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وإنما الإشكال على قول أبي يوسف رحمه الله ، فإنه لا يوجب القود على المكره ، فقيل في هذا الفصل لا قود عليه عند أبي يوسف أيضا ، ولكن يلزمه أرش اليد في ماله ، وقيل هنا يجب القود عنده ; لأنه إنما يجعل المكره آلة في قتل الغير لكونه آثما لا يحل له الإقدام على القتل ، وهنا يحل للمكره الإقدام على قطع يده ، فكان هو آلة بمنزلة المكره على إتلاف المال ، فيجب القود على المكره . .

، ولو أكرهه على أن يطرح نفسه في النار بوعيد قتل ، فهو إن شاء الله في سعة من ذلك أما إن كان يرجو النجاة من النار ، فإنه يلقي نفسه على قصد النجاة ، وإن كان لا يرجو النجاة ، فكذلك الجواب ; لأن من الناس من يختار ألم النار على ألم السيف ، ومنهم من يختار ألم السيف ، وربما يكون في النار بعض الراحة له ، وإن كان يأتي على نفسه ، وقيل على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يسعه أن يلقي نفسه إذا كان لا يرجو النجاة فيه ; لأنه لو ألقى نفسه صار مقتولا بفعل نفسه ، ولو امتنع من ذلك صار مقتولا بفعل المكره ، وحيث يسعه الإلقاء ، فلوليه القود على المكره ، وهذا لا يشكل عند أبي حنيفة ومحمد ، وكذلك عند أبي يوسف في الصحيح من الجواب ; لأنه لما أبيح له الإقدام صار آلة للمكره ، وكذلك لو أكرهه على أن يطرح نفسه من ، فوق بيت إلا أن في هذا الموضع عند أبي حنيفة لا يجب القود كما لو ألقاه المكره بنفسه .

، وعندهما إذا كان [ ص: 68 ] ذلك مما يقتل غالبا فهو ، وإلقاء النفس في النار سواء ، وكذلك لو أكرهه على أن يطرح نفسه في ماء ، وهنا القود لا يجب على المكره عند أبي حنيفة كما لو ألقاه بنفسه ، وكذلك عندهما إذا كان يرجى النجاة منه ، وإن كان مما يقتل غالبا يجب القود على المكره ، واستدل بحديث زيد بن ، وهب قال استعمل عمر بن الخطاب رجلا على جيش ، فخرج نحو الجبل ، فانتهى إلى نهر ليس عليه جسر في يوم بارد ، فقال أمير ذلك الجيش لرجل انزل فابغ لنا مخاضة نجوز فيها ، فقال الرجل : إني أخاف إن دخلت الماء أن أموت قال ، فأكرهه ، فدخل الماء قال يا عمراه ، يا عمراه ثم لم يلبث أن هلك فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه ، وهو في سوق المدينة قال يا ليتكاه ، يا ليتكاه ، ، فبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه ، وقال : لولا أن يكون سنة لأقدته منك ، ثم غرمه الدية ، وقال : لا تعمل لي عملا أبدا قال ، وإنما أمره الأمير بهذا على غير إرادة قتله بل ليدخل الماء ، فينظر لهم مخاضة الماء ، فضمنه عمر رضي الله عنه ديته ، فكيف بمن أمره ، وهو يريد قتله بذلك ، وفيه دليل على أنه يجب القود على المكره ، وأنه يجب بغير السلاح ، ومعنى قوله أن يكون سنة يعني في حق من لا يقصد القتل ، ويكون مخطئا في ذلك ، فهو تنصيص على أنه إذا كان قاصدا إلى قتله بما لا يلجئه ، فإنه يستوجب القود وأبو حنيفة يقول : إنما قال عمر رضي الله عنه ذلك على سبيل التهديد ، وقد يهدد الإمام بما لا يتحقق ، ويتحرز فيه عن الكذب ببعض معاريض الكلام . .

ولو قال لتقطعن يد نفسك ، أو لأقطعنها أنه لم يسعه قطعها ; لأنه ليس بمكره ، فالمكره من ينجو عما هدد به بالإقدام على ما طلب منه ، وهنا في الجانبين عليه ضرر قطع اليد ، وإذا امتنع صارت يده مقطوعة بفعل المكره ، وإذا أقدم عليه صارت مقطوعة بفعل نفسه ، وهو يتيقن بما يفعله بنفسه ، ولا يتيقن بما هدده به المكره ، فربما يخوفه بما لا يحققه ، فلهذا لا يسعه قطعها ، ولو قطعها لم يكن على الذي أكرهه شيء ; لأن نسبة الفعل إلى المكره عند تحقق الإكراه ، والإكراه أن يدفع عن نفسه ما هو أعظم مما يقدم عليه ، وذلك لا يوجد هنا ، فإذا لم يكن مكرها اقتصر حكم فعله عليه ، وكذلك لو قال له لتقتلن نفسك بهذا السيف ، أو لأقتلنك به لم يكن هذا إكراها لما قلنا .
، ولو قال له لأقتلنك بالسياط ، أو لتقتلن نفسك بهذا السيف ، أو ذكر له نوعا من القتل هو أشد عليه مما أمره أن يفعل بنفسه ، فقتل نفسه قتل به الذي أكرهه ; لأن الإكراه هنا تحقق ، فإنه قصد بالإقدام على ما طلب منه دفع ما هو أشد عليه ، فالقتل بالسياط أفحش ، وأشد على البدن من القتل بالسيف ; لأن القتل بالسيف يكون في لحظة ، وبالسياط يطول ، ويتوالى الألم ، وإليه [ ص: 69 ] أشار حذيفة رضي الله عنه حيث قال : فتنة السوط أشد من فتنة السيف ، وكذلك ما دون النفس لو قيل : له لتحرقن يدك بالنار ، أو لتقطعنها بهذا الحديد ، فقطعها قطعت يد الذي أكرهه إن كان واحدا لتحقق الإكراه منه ، وإن كان عددا لم يكن عليهم في يده قود ، وعليهم دية اليد في أموالهم بخلاف النفس .

، وأصل هذا الفرق في المباشرة حقيقة ، فإنه لو قطع جماعة يد رجل لم يلزمهم القود عندنا ، ولو قتلوا رجلا كان عليهم القود ، ويأتي هذا الفرق في كتاب الديات إن شاء الله تعالى .

، ولو أكره بوعيد قتل على أن يطرح ماله في البحر ، أو على أن يحرق ثيابه ، أو يكسر متاعه ، ففعل ذلك ، فالمكره ضامن لذلك كله ; لأن إتلاف المال مما يصلح أن يكون المكره فيه آلة للمكره ، فعند تحقق الإلجاء يصير الفعل منسوبا للمكره ، فكأنه باشر الإتلاف بيده والشافعي في هذا لا يخالفنا ; لأن المكره يباح له الإقدام على إتلاف المال سواء كان له أو لغيره ، وإذا صار الإقدام مباحا له كان هو آلة للمكره ، فالضمان على المكره خاصة ، وأصحابه خرجوا له قولين سوى هذا : أحدهما أن الضمان يجب على المكره لصاحب المال ; لأنه هو المتلف حقيقة ، ثم يرجع هو على المكره ; لأنه هو الذي ، أوقعه في هذه الورطة ، والثاني أن الضمان عليهما نصفان ; لأن حقيقة الإتلاف وجد من المكره ، والقصد إلى الإضرار وجد من المكره ، فكانا بمنزلة الشريكين في الإتلاف ، ولكن الأول أصح ; لما قلنا ، وإن أكرهه على ذلك بحبس ، أو قيد ، ففعله لم يكن في المكره ضمان ، ولا قود ; لأن المكره إنما يصير كالآلة عند تمام الإلجاء ، وهو ما إذا خاف التلف على نفسه ، وليس في التهديد بالحبس ، والقيد معنى خوف التلف على نفسه ، فيبقى الفعل مقصورا على المكره ، فيؤاخذ بحكمه ، وهذا ; لأنه ليس في الحبس ، والقيد إلا هم يلحقه ، ومن يتلف مال الغير اختيارا ، فإنما يقصد بذلك دفع الغم الذي يلحقه بحسده إياه على ما آتاه الله تعالى من المال ، فلا يجوز أن يكون ذلك مسقطا للضمان عنه . .
ولو أكرهه بتلف على أن يأكل طعاما له ، أو يلبس ثوبا له ، فلبسه مكرها حتى تخرق لم يضمن المكره شيئا ; لأنه ليس بفساد بل أمره أن يصرف مال نفسه إلى حاجته ، وذلك لا يكون ، فسادا .

( ألا ترى ) أن الأب ، والوصي يفعلان ذلك للصبي ، ولا يكون فسادا منهما ، ثم هذا من وجه أمر بالمعروف ، فإن التقتير وترك الإنفاق على نفسه بعد وجود السعة منهي عنه ، وفي الأمر بالمعروف دفع الفساد ، فعرفنا أن ما أمره به ليس بفساد ، فلا يكون سببا لوجوب الضمان على المكره بخلاف إحراق المال بالنار أو طرحه في الماء ، فإن ذلك ، فساد لا انتفاع بالمال . .
ولو أكرهه بوعيد قتل على أن يقتل عبده بالسيف ، أو [ ص: 70 ] على أن يقطع يده لم يسعه أن يفعل ذلك ; لأن العبد في حكم نفسه باق على أصل الحرية على ما بينا أن ذمته لا تدخل تحت القهر ، والملك ، فكما لا يسعه الإقدام على أن يفعل شيئا من ذلك بحر لو أكره عليه ، فكذلك العبد بخلاف سائر الأموال .

( ألا ترى ) أن عند ضرورة المخمصة يجوز له أن يصرف ماله إلى حاجته ، وليس له أن يقتل عبده ليأكل من لحمه ، فإن ، فعله كان له أن يأخذ الذي أكرهه بقتله قودا بعبده إن كان مثله ، ويأخذ دية يده إن كان قطع يده بمنزلة ما لو باشر المكره ذلك بنفسه بناء على أصلنا أن القود يجري بين الأحرار ، والمماليك في النفس ، ولا يجري فيما دون النفس ، وإن كان الإكراه بحبس لم يكن على المكره شيء ، وإنما عليه الأدب بالضرب ، والحبس ، والإلجاء لم يتحقق ، فكان فعل القتل مقصورا على المولى ، فلا يرجع على المكره بشيء ، وليس على المولى سوى الإثم ; لأن الحق في بدل نفس العبد للمولى ، ولا يستوجب هو على نفسه عقوبة ، ولا مالا ، فأما الإثم ، فهو حق الشرع ، فكما يصير آثما بالإقدام على قتل الحر مكرها ; لأنه يؤثر روحه على روح من هو مثله في الحرمة ، ويطيع المخلوق في معصية الخالق ، وقد نهاه الشرع عن ذلك ، فكذلك المولى يكون آثما بهذا الطريق .

، ولو أن قاضيا أكره رجلا بتهديد ضرب ، أو حبس ، أو قيد حتى يقر على نفسه بحد ، أو قصاص كان الإقرار باطلا ; لأن الإقرار متمثل بين الصدق ، والكذب ، وإنما يكون حجة إذا ترجح جانب الصدق على جانب الكذب ، والتهديد بالضرب ، والحبس يمنع رجحان جانب الصدق على ما قال عمر رضي الله عنه : ليس الرجل على نفسه بأمين إذا ضربت أو أوثقت ، ولم ينقل عن أحد من المتقدمين من أصحابنا رحمهم الله صحة الإقرار مع التهديد بالضرب ، والحبس في حق السارق ، وغيره إلا شيء روي عن الحسن بن زياد رضي الله عنه أن بعض الأمراء بعث إليه ، وسأله عن ضرب السارق ليقر ، فقال ما لم يقطع اللحم أو يبين العظم ، ثم ندم على مقالته ، وجاء بنفسه إلى مجلس الأمير ليمنعه من ذلك ، فوجده قد ضربه حتى اعترف ، وجاء بالمال ، فلما رأى المال موضوعا بين يدي الأمير قال : ما رأيت ظلما أشبه بالحق من هذا ، فإن خلي سبيله بعد ما أقر مكرها ، ثم أخذ بعد ذلك ، فجيء به ، فأقر بما كان تهدد عليه بغير إكراه مستقل أخذ بذلك كله ; لأن إقراره الأول كان باطلا ، ولما خلي سبيله ، فقد انتهى حكم ذلك الأخذ ، والتهديد ، فصار كأن لم يوجد أصلا حتى أخذ الآن فأقر بغير إكراه ، وإن كان لم يخل سبيله ، ولكنه قال : له ، وهو في يده بعدما أقر إني لا أؤاخذك بإقرارك الذي أقررت به ، ولا أضربك ، ولا أحبسك ، ولا أعرض [ ص: 71 ] لك ، فإن شئت فأقر ، وإن شئت ، فلا تقر ، وهو في يد القاضي على حاله لم يجز هذا الإقرار ; لأن كينونته في يده حبس منه له ، وإنما كان هدده بالحبس ، فما دام حابسا له كان أثر ذلك الإكراه باقيا ، وقوله لا أحبسك نوع غرور ، وخداع منه ، فلا ينعدم به أثر ذلك الإكراه ، ولأن الظاهر أنه إنما أقر لأجل إقراره المتقدم ، فإنه علم أنه لا ينفعه الإنكار ، وأنه إذا تناقض كلامه يزداد التشديد عليه بخلاف الأول ، فهناك قد خلي سبيله ، وصار بحيث يتمكن من الذهاب إن شاء ، فينقطع به أثر ذلك الإكراه .

وإن خلي سبيله ، ولم يتوار عن بصر القاضي حتى بعث من أخذه ، ورده إليه ، فأقر بالذي أقر به أول مرة من غير إكراه جديد ، فإن هذا ليس بشيء ; لأنه ما لم يتوار عن بصره ، فهو متمكن من أخذه ، وحبسه ، فيجعل ذلك بمنزلة ما لو كان في يده على حاله ، وإن كان حين رده أول مرة لم يحبسه ، ولكنه هدده ، فلما أقر قال : إني لست أصنع بك شيئا ، فإن شئت فأقر ، وإن شئت فدع ، فأقر لم يأخذه بشيء من ذلك ; لأنه ما دام في يده ، فكأنه محبوس في سجنه ، فكان أثر التهديد الأول قائما أرأيت لو خلى سبيله ، ثم بعث معه من يحفظه ، ثم رده إليه بعد ذلك ، فأقر أكان يؤخذ بشيء من ذلك ؟ أو لا يؤخذ به ؟ ; لأن يد من يحفظه له كيده في ذلك . .
ولو أكرهه قاض بضرب ، أو حبس حتى يقر بسرقة ، أو زنا ، أو شرب خمر ، أو قتل ، فأقر بذلك ، فأقامه عليه ، فإن كان رجلا معروفا بما أقر له به إلا أنه لا بينة عليه ، فالقياس أن يقتص من المكره فيما أمكن القصاص فيه ، ويضمن من ماله ما لا يستطاع القصاص فيه ; لأن إقراره كان باطلا ، والإقرار الباطل وجوده كعدمه ، فبقي هو مباشرا للجناية بغير حق ، فيلزمه القصاص فيما يستطاع فيه القصاص ، ولكن يستحسن أن يلزمه ضمان جميع ذلك في ماله ، ويدرأ القصاص ; لأن الرجل إذا كان معروفا بما أقر به على نفسه ، فالذي يقع في قلب كل سامع أنه صادق في إقراره لما أقر به ، وذلك يورث شبهة ، والقصاص مما يندرئ بالشبهات ; ولأن على قول أهل المدينة رحمهم الله للإمام أن يجبر المعروف بذلك الفعل على الإقرار بالضرب ، والحبس ، فإن مرتكب الكبيرة قلما يقر على نفسه طائعا ، وإذا أقر به مكرها عندهم يصح إقراره ، وتقام عليه العقوبة ، فيصير اختلاف العلماء رحمهم الله شبهة ، والقاضي مجتهد في ما صنع ، فهذا اجتهاد في موضعه من وجه ، فيكون مسقطا للقود عنه ، ولكن يلزمه المال ; لأن المال مما يثبت مع الشبهات ، وبالإقرار الباطل لم تسقط حرمة نفسه ، وأطرافه ، فيصير ضامنا له مراعاة لحرمة نفسه ، وطرفه .

وإن كان المكره غير معروف بشيء مما رمي به أخذت فيه بالقياس [ ص: 72 ] وأوجبت القصاص على القاضي في ما يستطاع فيه القصاص ; لأنه إذا كان معروفا بالصلاح ، فالذي يسبق إليه ، أوهام الناس أنه بريء الساحة مما رمي به ، وإنما أقر على نفسه كاذبا بسبب الإكراه ، ونظير هذا ما قيل : فيمن دخل على إنسان بيته شاهرا سيفه مادا رمحه فقتله صاحب البيت ، ثم اختصم ، أولياؤه مع صاحب البيت ، فقال أولياؤه كان هاربا من اللصوص ملتجئا إليك ، وقال صاحب البيت : بل كان لصا قصد قتلي ، فإن كان المقتول رجلا معروفا بالصلاح ، فالقول قول الأولياء ، ويجب القصاص على صاحب البيت ، وإن كان متهما بالدعارة ، ففي القياس كذلك ، وفي الاستحسان القول قول صاحب البيت ، ولا قصاص ، ولكن عليه الدية في ماله .

، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة لا شيء عليه ; لأن الظاهر شاهد عليه أنه كان دخل عليه مكابرا ، وأنه قد أهدر دمه عليه بذلك ، ولكن في ظاهر الرواية يقول : مجرد الظاهر لا يسقط حرمة النفوس المحترمة ، ولا يجوز إهدار الدماء المحقونة ، ولكن يصير الظاهر شبهة في إسقاط القود عنه ، فيجب عليه الدية في ماله صيانة لدم المقتول عن الهدر ، فكذلك ما سبق ، والله أعلم .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,487.82 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,486.10 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.12%)]