|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث والعشرون صـــ 162الى صـــ 171 (478) ، وعمله في موضع البئر خاصة فكان ينبغي أن لا يستحق شيئا من الحريم ، ولكنا تركنا القياس بالنص فبقدر ما اتفقت عليه الآثار ثبت الاستحقاق ، وما زاد على ذلك مما اختلف فيه الأثر لا يثبت استحقاقه بالشك هذا أصل أبي حنيفة رحمه الله في مسائل الحريم ، ولهذا لم يجعل للنهر حريما ، وكذلك في غير هذا الموضع فإنه قال : لا يستحق الغازي لفرسه إلا سهما واحدا ; لأن استحقاقه ثبت بخلاف القياس بالنص فلا يثبت إلا القدر المتيقن به فأما حريم العين خمسمائة ذراع كما ورد به الحديث ; لأن الآثار اتفقت عليه . [ ص: 163 ] ولكن عند بعضهم الخمسمائة في الجوانب الأربعة من كل جانب مائة وخمسة وعشرون ذراعا والأصح أن له خمسمائة ذراع من كل جانب ، وقد ذكر أبو يوسف في الأمالي هذا مفسرا في بئر الناضح قال : يتقدر حريمه بستين ذراعا من كل جانب إلا أن يكون الرشا أطول من ذلك ، فهذا دليل على أن المذهب التقدير من كل جانب بما سمي من الذرعان ، ثم الاستحقاق من كل جانب في الموات من الأرض بما لا حق لأحد فيه . أما فيما هو حق الغير فلا حتى لو حفر إنسان بئرا ، فجاء آخر وحفر على منتهى حد حريمه بئرا ; فإنه لا يستحق الحريم من الجانب الذي هو حريم صاحب البئر الأول وإنما يستحقه من الجوانب الأخر فيما لا حق فيه ; لأن في ذلك الجانب الأول قد سبق إليه ، وقد ثبت استحقاقه كما قال عليه الصلاة والسلام { : منا مباح من سبق } فلا يكون لأحد أن يبطل عليه حقه ، ويشاركه فيه . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال أسفل النهر آمر على أهل أعلاه حتى يرووا . وفيه دليل أنه ليس لأهل الأعلى أن يسكروا النهر ويحبسوا الماء عن أهل الأسفل ; لأن حقهم جميعا ثابت فلا يكون لبعضهم أن يمنع حق الباقين ويختص بذلك . وفيه دليل على أنه إذا كان الماء في النهر حيث لا يجري في أرض كل واحد منهم إلا بالسكر ، فإنه يبدأ بأهل الأسفل حتى يرووا ، ثم بعد ذلك لأهل الأعلى أن يسكروا ليرتفع الماء إلى أراضيهم ، وهذا ; لأن في السكر إحداث شيء في وسط النهر المشترك ، ولا يجوز ذلك في حق جميع الشركاء ، وحق أهل الأسفل ثابت ما لم يرووا ، فكان لهم أن يمنعوا أهل الأعلى من السكر ، ولهذا سماهم آمرا ; لأن لهم أن يمنعوا أهل الأعلى من السكر ، وعليهم طاعتهم في ذلك ، ومن تلزمك طاعته فهو أميرك . بيانه في قوله عليه الصلاة والسلام { صاحب الدابة القطوف أمير على الراكب } ; لأنه يأمرهم بانتظاره ، وعليهم طاعته بحق الصحبة في السفر ، وفيه حكاية أبي يوسف رحمه الله حين ركب مع الخليفة يوما فتقدمه الخليفة لجودة دابته فناداه أيها القاضي الحق بي فقال أبو يوسف : إن دابتك إذا حركت طارت ، وإن دابتي إذا حركت قطفت ، وإذا تركت وقفت فانتظرني فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال { صاحب الدابة القطوف أمير على الراكب } فأمر بأن يحمل أبو يوسف رحمه الله على جنبة له وقال : أحمل إياك على هذا أهون من تأميرك علي . وعن محمد بن إسحاق يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم { قال : إذا بلغ الوادي الكعبين لم يكن لأهل الأعلى أن يحبسوه عن الأسفل } ، والمراد به الماء في الوادي والوادي اسم لموضع في أسفل الجبل ينحدر الماء من كل جانب من الجبل فيجتمع [ ص: 164 ] فيه ، ويجري إلى الموضع الذي ينتفع به الناس فقوله : إذا بلغ الوادي الكعبين ليس بتقدير لازم بالكعبين بل الإشارة إلى كثرة الماء ; لأن في موضع الوادي سعة ، فإذا بلغ الماء فيه هذا المقدار فهو كثير يتوصل كل واحد منهم إلى الانتفاع به بقدر حاجته عادة فإذا أراد أهل الأعلى أن يحبسوه عن أهل الأسفل فإنما قصدوا بذلك الإضرار بأهل الأسفل فكانوا متعنتين في ذلك لا منتفعين بالماء ، وإذا كان الماء دون ذلك فربما لا يفضل عن حاجة أهل الأعلى فهم منتفعون بهذا الحبس ، والماء الذي ينحدر من الجبل إلى الوادي على أصل الإباحة فمن يسبق إليه فهو أحق بالانتفاع به ، بمنزلة النزول في الموضع المباح . كل من سبق إلى موضع فهو أحق به ، ولكن ليس له أن يتعنت ، ويقصد الإضرار بالغير في منعه عما وراء موضع الحاجة ، فعند قلة الماء بدا أهل الأعلى أسبق إلى الماء فلهم أن يحبسوه عن أهل الأسفل . به { قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير بن العوام رضي الله عنه في حادثة معروفة } ، وعند كثرة الماء يتم انتفاع صاحب الأعلى من غير حبس فليس له أن يتعنت بحبسه عن أهل الأسفل . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلإ والنار } وفي الروايات : الناس شركاء في ثلاث ، وهذا أعم من الأول ففيه إثبات الشركة للناس كافة : المسلمين والكفار في هذه الأشياء الثلاثة ، وهو كذلك ، وتفسير هذه الشركة في المياه التي تجري في الأودية ، والأنهار العظام كجيحون وسيحون ، وفرات ، ودجلة ، ونيل فإن الانتفاع بها بمنزلة الانتفاع بالشمس ، والهواء ويستوي في ذلك المسلمون ، وغيرهم ، وليس لأحد أن يمنع أحدا من ذلك ، وهو بمنزلة الانتفاع بالطرق العامة من حيث التطرق فيها . ، ومرادهم من لفظة الشركة بين الناس بيان أصل الإباحة ، والمساواة بين الناس في الانتفاع لا أنه مملوك لهم فالماء في هذه الأودية ليس بملك لأحد . فأما ما يجري في نهر خاص لأهل قرية ففيه نوع شركة لغيرهم ، وهو حق السعة من حيث الشرب ، وسقي الدواب فإنهم لا يمنعون أحدا من ذلك ، ولكن هذه الشركة أخص من الأول فليس لغير أهل القرية أن يسقوا نخيلهم ، وزروعهم من هذا النهر ، وكذلك الماء في البئر فيه لغير صاحب البئر شركة لهذا القدر ، وهو السعة ، وكذلك الحوض فإن من جمع الماء في حوضه ، وكرمه ، فهو أخص بذلك الماء مع بقاء حق السقي فيه للناس ، حتى إذا أخذ إنسان من حوضه ماء للشرب فليس له أن يسترده منه ، وإذا أتى إلى باب كرمه ليأخذ الماء من حوضه للشرب فله أن يمنعه من أن يدخل كرمه ; لأن هذا ملك خاص له . ولكن إن كان يجد الماء قريبا [ ص: 165 ] من ذلك الموضع في غير ملك أحد يقول له : اذهب إلى ذلك الموضع ، وخذ حاجتك من الماء ; لأنه لا يتضرر بذلك ، وإن كان لا يجد ذلك فإما أن يخرج الماء إليه أو يمكنه من أن يدخل فيأخذ بقدر حاجته ; لأن له حق السعة في الماء الذي في حوضه عند الحاجة . فأما إذا أحرز الماء في جب أو جرة أو قربة فهو مملوك له حتى يجوز بيعه فيه ، وليس لأحد أن يأخذ شيئا منه إلا برضاه ، ولكن فيه شبهة الشركة من وجه ، ولهذا لا يجب القطع لسرقته ، وعلى هذا حكم الشركة في الكلإ في المواضع التي لا حق لأحد فيها بين الناس فيه شركة عامة ، فلا يكون لأحد أن يمنع أحدا من الانتفاع به . فأما ما نبت من الكلإ في أرضه مما لم ينبته أحد فهو مشترك بين الناس أيضا حتى إذا أخذه إنسان فليس لصاحب الأرض أن يسترده منه ، وإذا أراد أن يدخل أرضه ليأخذ ذلك فلصاحب الأرض أن يمنعه من الدخول في أرضه ، ولكن إن كان يجد ذلك في موضع آخر يأمره بالذهاب إلى ذلك الموضع ، وإن كان لا يجد ، وكان بحيث يخاف على ظهره ، فإما أن يخرج إليه مقدار حاجته أو يمكنه من أن يدخل أرضه فيأخذ مقدار حاجته . فأما ما أنبته صاحب الأرض بأن سقى أرضه ، وكربها لنبت الحشيش فيها لدوابه فهو أحق بذلك ، وليس لأحد أن ينتفع بشيء منه إلا برضاه ; لأنه حصل بكسبه ، والكسب للمكتسب ، وهذا الجواب فيما لم ينبته صاحب الأرض من الحشيش دون الأشجار ، فأما في الأشجار فهو أحق بالأشجار النابتة في أرضه من غيره ; لأن الأشجار تحرز عادة ، وقد صار محرزا له من يده الثابتة على أرضه ، فأما الحشيش فلا يحرز عادة . وتفسير الحشيش ما تيسر على الأرض مما ليس له ساق ، والشجر ما ينبت على ساق ، وبيان ذلك في قوله تعالى { والنجم والشجر يسجدان } والنجم ما ينجم فتيسر على الأرض ، والشجر ما له ساق . وبيان الشركة في النار أن من أوقد نارا في صخر لا حق لأحد فيه فلكل واحد أن ينتفع بناره من حيث الاصطلاء بها ، وتجفيف الثياب ، والعمل بضوئها ، فأما إذا أراد أن يأخذ من ذلك الجمر فليس له ذلك إذا منعه صاحب النار ; لأن ذلك حطب أو فحم قد أحرزه الذي أوقد النار ، وإنما الشركة التي أثبتها رسول الله صلى الله عليه وسلم في النار ، والنار جوهر الحر دون الحطب ، والفحم فإن أخذ شيئا يسيرا من ذلك الجمر نظر فإن كان ذلك ما له قيمة إذا جعله صاحبه فحما كان له أن يسترده منه ، وإن كان يسيرا لا قيمة له فليس له أن يسترده منه . وله منه أن يأخذه من غير استئذان ; لأن الناس لا يمنعون هذا القدر عادة ، والمانع يكون متعنتا لا منتفعا ، وقد بينا أن المتعنت ممنوع [ ص: 166 ] من التعنت شرعا . ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع بقع الماء } يعني المستنقع في الحوض ، وبه نأخذ فإن البيع تمليك فيستدعي محلا مملوكا ، والماء في الحوض ليس بمملوك لصاحب الحوض فلا يجوز بيعه فلظاهر الحديث لا يجوز بيع الشرب وحده ; لأن ما يجري في النهر الخاص ليس بمملوك للشركاء ، والبيع لا يسبق الملك ، وإنما الثابت للشركاء في النهر الخاص حق الاختصاص بالماء من حيث سقي النخيل ، والزرع ، ولصاحب المستنقع مثل ذلك ، وبيع الحق لا يجوز ، وعن الهيثم أن قوما ، وردوا ماء فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر فأبوا ، فسألوهم أن يعطوهم دلوا ، فأبوا أن يعطوهم فقالوا لهم : إن أعناقنا ، وأعناق مطايانا قد كادت تقطع ، فأبوا أن يعطوهم فذكروا ذلك لعمر رضي الله عنه فقال لهم عمر فهلا ، وضعتم فيهم السلاح . وفيه دليل أنهم إذا منعوهم ليستقوا الماء من البئر فلهم أن يقاتلوهم بالسلاح فإذا خافوا على أنفسهم أو على ظهورهم من العطش كان لهم في البئر حق السعة ، فإذا منعوا حقهم ، وقصدوا إتلافهم كان لهم أن يقاتلوهم عن أنفسهم ، وعن ظهورهم كما لو قصدوا قتلهم بالسلاح ، فأما إذا كان الماء محرزا في إناء فليس للذي يخاف الهلاك من العطش أن يقاتل صاحب الماء بالسلاح على المنع ، ولكن يأخذ منه فيقاتله على ذلك بغير سلاح ، وكذلك في الطعام ; لأنه ملك محرز لصاحبه ، ولهذا كان الآخذ ضامنا له فإذا جاز له أخذه لحاجته فالمانع يكون دافعا عن ماله . وقال عليه الصلاة والسلام { من قتل دون ماله فهو شهيد } فكيف يقاتل من إذا قتله كان شهيدا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما البئر مباح غير مملوك لصاحب البئر فلا يكون هو في المنع دافعا عن ملكه ، ولكنه مانع عن المضطر حقه فكان له أن يقاتله بالسلاح ، وللأول أن يقاتل بما دون السلاح ; لأن صاحب الماء مأمور بأن يدفع إليه بقدر ما يدفع به الضرورة عنه فهو في المنع مرتكب ما لا يحل فيؤدبه على ذلك بغير سلاح ، وليس مراد عمر رضي الله عنه المقاتلة بالسلاح على منع الدلو فإن الدلو كان ملكا لهم . ولو كان المراد ذلك فتأويل قوله فهلا وضعتم فيهم السلاح أي رهنتم عندهم ما معكم من السلاح ليطمئنوا إليكم فيعطونكم الدلو لا أن يكون المراد الأمر بالقتال . ، وعن عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم { قال : من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق } ، وفيه دليل على أن الموات من الأراضي يملك بالإحياء . وأصح ما قيل في حد الموات أن يقف الرجل في طرف العمران فينادي بأعلى صوته فإلى أي موضع ينتهي صوته ، يكون من فناء العمران ; لأن سكان ذلك الموضع يحتاجون إلى ذلك [ ص: 167 ] لرعي المواشي ، وما أشبه ذلك ، وما وراء ذلك من الموات ثم عند أبي حنيفة رحمه الله إنما يملكها بالإحياء بعد إذن الإمام ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا حاجة فيه إلى إذن الإمام ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن في ذلك ، وملكها ممن أحياها أو ; لأنه لا حق لأحد فيها فكل من سبقت يده إليها ، وتم إحرازه لها فهو أحق بها كمن أخذ صيدا ، أو حطبا أو حشيشا أو وجد معدنا ، أو ركازا في موضع لا حق لأحد فيه وأبو حنيفة استدل بقوله عليه الصلاة والسلام { : ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه } ، وهذا وإن كان عاما فمن أصله : أن العام المتفق على قبوله يترجح على الخاص . وقال صلى الله عليه وسلم { إلا أن عادي الأرض هي لله ، ورسوله ثم هي لكم من بعد } فما كان مضافا إلى الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم فالتدبير فيه إلى الإمام فلا يستبد أحد به بغير إذن الإمام كخمس الغنيمة فرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أشار إلى أن هذه الأراضي كانت في يد المشركين ثم صارت في يد المسلمين بإيجاف الخيل فكان ذلك لهم من الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ، وما كان بهذه الصفة لم يختص أحد بشيء منه دون إذن الإمام كالغنائم . وقوله : صلى الله عليه وسلم { من أحيا أرضا ميتة } لبيان السبب ، وبه نقول إن سبب الملك بعد إذن الإمام هو الإحياء ، ولكن إذن الإمام شرط ، وليس في هذا اللفظ ما ينفي هذا الشرط بل في قوله عليه الصلاة والسلام { : وليس لعرق ظالم حق } إشارة إلى هذا الشرط فالإنسان على رأي الإمام ، والأخذ بطريق التغالب في معنى عرق ظالم ، وقيل معنى قوله : عليه الصلاة والسلام { وليس لعرق ظالم حق } أن الرجل إذا غرس أشجارا في ملكه فخرجت عروقها إلى أرض جاره ، أو خرجت أغصانها إلى أرض جاره فإنه لا يستحق ذلك الموضع من أرض جاره بتلك الأغصان والعروق الظالمة فالظلم عبارة عن تحصيل الشيء في غير موضعه قيل : المراد بعرق ظالم أن يتعدى في الإحياء ما وراء أحد الموات فيدخل في حق الغير ، ولا يستحق بذلك شيئا من حق الغير ، وعن عمر رضي الله عنه قال : من أحيا أرضا ميتة فهي له ، وليس بعد ثلاث سنين حق والمراد بالمحجر المعلم بعلامة في موضع ، واشتقاق الكلمة من الحجر ، وهو المنع فإن من أعلم في موضع من الموات علامة فكأنه منع الغير من إحياء ذلك الموضع فسمي فعله تحجيرا . وبيان ذلك أن الرجل إذا مر بموضع من الموات فقصد إحياء ذلك الموضع ، فوضع حول ذلك الموضع أحجارا أو حصد ما فيها من الحشيش ، والشوك ، وجعلها حول ذلك فمنع الداخل من الدخول فيها فهذا تحجير ، ولا يكون إحياء إنما الإحياء أن يجعلها صالحة للزراعة بأن [ ص: 168 ] كربها أو ضرب عليها المسناة أو شق لها نهرا ثم بعد التحجير له من المدة ثلاث سنين كما أشار إليه عمر رضي الله عنه ; لأنه يحتاج إلى أن يرجع إلى وطنه ، ويهيئ أسبابه ثم يرجع إلى ذلك الموضع فيحييه فيجعل له من المدة للرجوع إلى وطنه سنة ، وإصلاح أموره في وطنه سنة ، والرجوع إلى ذلك الموضع سنة فإلى ثلاث سنين لا ينبغي أن يشتغل بإحياء ذلك الموضع غيره ، ولكن ينتظره ليرجع ، وبعد مضي هذه المدة الظاهر أنه قد بدا له ، وأنه لا يريد الرجوع إليها فيجوز لغيره إحياؤها هذا من طريق الديانة فأما في الحكم إذا أحياها إنسان بإذن الإمام فهي له ; لأن بالتحجير لم تصر مملوكة للأول فسبب الملك هو الإحياء دون التحجير ، وعن طاوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : إن عادي الأرض لله ، ورسوله فمن أحيا أرضا ميتة فهي له } ، والمراد الموات من الأراضي سماه عاديا على معنى أنها ما خربت على عهد عاد ، وفي العادات الظاهرة ما يوصف بطول مضي الزمان عليه ينسب إلى عاد فمعناه ما تقدم خرابه مما يعلم أنه لا حق لأحد فيه ، وعن أبي معسر عن أشياخه رفعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم { أنه قضى في السراج من ماء المطر إذا بلغ الماء الكعبين أن لا يحبسه إلا على جاره } قال أبو معسر السراج : السواقي ، وهي الجداول التي عند سفح الجبل يجتمع ماء السيل فيها ثم ينحدر منها إلى الوادي ، وقد بينا أن مراده من هذا اللفظ العبارة عن كثرة الماء . وعن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : من أخذ شبرا من أرض بغير حق طوقه الله من سبع أرضين } قيل : معناه من تطوق في أرض الغير فالموضع الذي يضع عليه القدم بمنزلة شبر من الأرض ، وقيل معناه من نقص من المسناة في جانب أرضه بأن حول ذلك إلى أرض جاره فذلك قدر شبر من الأرض أخذه أو كان أرضه بجنب الطريق فجعل المسناة على الطريق لتتسع به أرضه فهو في معنى شبر من الأرض أخذه بغير حق ، وهو معنى الحديث الذي روي : لعن الله من غير منار الطريق . يعني العلامة بين الأرضين . وقيل : إنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الشبر على طريق التمثيل للمبالغة في المنع من غصب الأراضي ، وليس المراد به التحقيق ثم في الحديث بيان عظم الماء ثم في غصب الأراضي ، وهو دليل أبي حنيفة رحمه الله في أنه لا ضمان على غاصب الأراضي في الدنيا ; لأن النبي عليه الصلاة والسلام بين جزاء الآخذ بالوعيد الذي ذكره في القيامة ، ولو كان حكم الضمان ثابتا لكان الأولى أن يبينه ; لأن الحاجة إلى معرفته أمس ثم جعل المذكور من الوعيد جميع جزائه فلو أوجبنا الضمان مع ذلك لم يكن الوعد جميع جزائه [ ص: 169 ] وللفقهاء في معنى مثل هذه الألفاظ طريقين أحدهما الحمل على حقيقته أنه يطوق ذلك الموضع في القيامة ليعرف به ما فعله ، ويكون ذلك عقوبة له كما قال عليه الصلاة والسلام { : لكل غادر لواء يوم القيامة يركز عند باب استه تعرف به غدرته } . والمراد به بيان شدة العقوبة لا حقيقة ما ذكر من أنه يطوق ذلك الموضع من الأرض يوم القيامة ، فقد قال الله تعالى { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قال : لا تمنعوا الماء مخافة الكلإ } يريد به أن صاحب البئر إذا كان له مرعى حول بئره فلا ينبغي له أن يمنع من يستقي الماء من بئره لنفسه أو لظهوره مخافة أن يصيب ظهره من ذلك الكلإ ; لأن له في حق الشقة في ماء البئر فلا يمنعه حقه ، ولكن يحفظ جانب أرضه ، وما فيه من الكلإ حتى لا يدخل دابة المستقي في ذلك الموضع ، وإن شق عليه ذلك أخرج إليه من الماء مقدار حاجته ، وحاجة ظهره ، وعن نافع رفع حديثه إلى النبي صلى الله عليه وسلم { قال : لا تمنعوا أحدا ماء ولا كلأ ولا نارا فإنه متاع للمقوين وقوة للمستعينين } ، والمقوي هو الذي فني زاده ، والمستعين هو المضطر المحتاج . وقد بينا أن صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام أثبت بين الناس في هذه الأشياء الثلاثة شركة عامة بطريق الإباحة فلا ينبغي لأحد أن يمنع أحدا مما جعله الشرع حقا له . وإذا كان لرجل نهر أو بئر أو قناة فليس له أن يمنع ابن السبيل أن يسقي منها فيشرب ، ويسقي دابته ، وبعيره ، وشياهه فإن ذلك من الشقة ، والشقة عندنا الشرب لبني آدم ، والبهائم وهذا ; لأن الحاجة إلى الماء تتجدد في كل وقت ، ومن سافر لا يمكنه أن يستصحب الماء من وطنه لذهابه ورجوعه فيحتاج إلى أخذ الماء من الآبار ، والأنهار التي تكون على طريقه ، وفي المنع من ذلك حرج ، وكما يحتاج إلى ذلك لنفسه فكذلك يحتاج إليه لظهره ; لأنه في العادة يعجز عن السفر بغير مركب ، وكذلك يحتاج إلى ذلك للطبخ والخبز ، وغسل الثياب ، وأحد لا يمنع أحدا من ذلك . فإن كان له جدول يجري فيه الماء إلى أرضه ، وبجنب ذلك الموضع صاحب ماشية إذا شربت الماشية منها انقطع الماء لكثرة المواشي ، وقلة ماء الجدول فقد اختلف المتأخرون رحمهم الله في هذا الفصل منهم من يقول : هذا من الشقة ، وليس لصاحب الجدول أن يمنع ذلك ، وأكثرهم على أن له أن يمنع في مثل هذه الصورة ; لأن الشقة ما لا يضر بصاحب النهر والبئر فأما ما يضر به ، ويقطع حقه فله أن يمنع ذلك اعتبارا بسقي الأراضي ، والنخيل والشجر ، والزرع فله أن يمنع من يريد سقي نخله وشجره ، وزرعه من نهره أو قناته أو بئره [ ص: 170 ] أو عينه . وليس لأحد أن يفعل ذلك إلا بإذنه إما لأنه يريد أن يسوي نفسه بصاحب الحق فيما هو المقصود فالنهر والقناة إنما يشق لهذا المقصود ، وليس لغير المستحق أن يسوي نفسه بالمستحق فيما هو المقصود بخلاف الشقة ، فذلك بيع غير مقصود ; لأن النهر ، والقناة لا يشق في العادة لأجله أو لأنه يحتاج إلى أن يحفر نهرا من هذا النهر إلى أرضه فيكسر به ضفة النهر ، وليس له أن يكسر ضفة نهر الغير ، وكذلك في البئر يحتاج إلى أن يشق نهرا من رأس البئر إلى أرضه ، وما حول البئر حق صاحب البئر حريما له فليس لغيره أن يحدث فيه شيئا من ذلك بغير إذنه ، وكذلك إن كان يريد أن يجري ماؤه في هذا النهر مع صاحب النهر ليسقي به أرضه ; لأن النهر ملك خاص لأهل النهر فلا يجوز له أن ينتفع بملك الغير إلا بإذنه فإن كان قد اتخذ شجره أو خضرة في داره فأراد أن يسقي ذلك الموضع بحمل الماء إليه بالجرة فقد استقضى فيه بعض المتأخرين من أئمة بلخي رحمهم الله ، وقالوا ليس له ذلك إلا بإذن صاحب النهر ، والأصح أنه لا يمنع من هذا المقدار ; لأن الناس يتوسعون فيه ، والمنع منه يعد من الدناءة قال عليه الصلاة والسلام { أن الله يحب معالي الأمور ، ويبغض سفسافها } فإن أذن له صاحب النهر في سقي أرضه أو عادة ذلك الموضع فلا بأس بذلك ; لأن المنع كان لمراعاة حقه فإذا رضي به فقد زال المانع . وإن باعه شرب يوم أو أقل من ذلك أو أكثر لم يجز ; لأن ذلك الماء في النهر غير مملوك إنما هو حق صاحب النهر ، وبيع الحق لا يجوز ; ولأنه مجهول لا يدري مقدار ما يسلم له من الماء في المدة المذكورة ، وبيع المجهول لا يجوز ، وهو غرر فلا تدري أن الماء يجري في ذلك الوقت في النهر أو لا يجري ، وإذا انقطع الماء فليس للبائع تمكن إجرائه { ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر } ، وكذلك لو استأجره ; لأنه يلتزم تسليم ما لا يقدر على تسليمه أو تسليم ما لا يعرف مقداره ثم المقصود من هذا الاستئجار الماء ، وهو عين ، والاستئجار المقصود لاستهلاك العين لا يجوز كاستئجار المرعى للراعي ، واستئجار البقرة لمنفعة اللبن بخلاف استئجار الظئر فإن لبن الآدمية في حكم المنفعة ; لأن منفعة كل عضو بحسب ما يليق به فمنفعة الثدي اللبن ، ولهذا لا يجوز بيع لبن الآدمية ; ولأن العقد هناك يرد على منفعة التربية ، واللبن آلة في ذلك بمنزلة الاستئجار على غسل الثياب فالحرض والصابون آلة في ذلك ، والاستئجار لعمل الصناعة فإن الصنع بمنزلة الآلة في ذلك فأما هنا لا مقصود في هذا الاستئجار سوى الماء ، وهو عين ، وكذلك لو شرط في إجارته أو شرابه شرب هذه الأرض ، وهذا الشجر ، وهذا [ ص: 171 ] الزرع أو قال حتى يكتفي فهذا كله باطل لمعنى الجهالة ، والغرر . وإذا اشترى الرجل شرب ماء ، ومعه أرض فهو جائز ; لأن الأرض عين مملوكة مقدورة التسليم فالعقد يرد عليها ، والشرب يستحق بيعا ، وقد يدخل في البيع بيع ما لا يجوز إفراده بالبيع كالأطراف من الحيوانات لا يجوز إفرادها بالبيع ثم يدخل بيعا في بيع الأصل ، وبعض المتأخرين من مشايخنا رحمهم الله أفتى أن يبيع الشرب ، وإن لم يكن معه أرض للعادة الظاهرة فيه في بعض البلدان ، وهذه عادة معروفة بنسف قالوا المأجور الاستصناع للتعامل ، وإن كان القياس يأباه فكذلك بيع الشرب بدون الأرض . وإذا استأجر أرضا مع شربها جاز كما يجوز الشراء ، وهذا ; لأن المقصود الانتفاع بالأرض من حيث الزراعة ، والغراسة ، وإنما يحصل هذا المقصود بالشرب فذكر الشرب مع الأرض في الاستئجار لتحقيق ما هو المقصود بالاستئجار فلا يفسد به العقد . وإذا اشترى الرجل أرضا لم يكن له شربها ، ولا مسك ما بها ; لأن العقد يتناول عين الأرض بذكر حدودها فما يكون خارجا من حدودها لا يدخل تحت العقد إلا بالتسمية ، والشرب والمسيل خارج من الحدود المذكورة فإن اشترط شربها فله الشرب ، وليس له المسيل ; لأن الشرب غير المسيل فالمسيل الموضع الذي يسيل فيه الماء ، والشرب الماء الذي يسيل في المسيل فباشتراط أحدهما لا يثبت له استحقاق الأجر ، وإنما يستحق المشروط خاصة ، ويجعل فيما لم يذكر كأنه لم يشترط شيئا . ولو اشترط مسيل الماء مع الشرب يستحق ذلك كله بالشرط ، ولو اشتراها بكل حق هو لها كان له المسيل ، والشرب ; لأنهما من حقوقها فالمقصود بالأراضي الانتفاع بها ، وإنما يتأتى ذلك بالمسيل ، والشرب فكانت من حقوقها كالطريق للدار ، وكذلك لو اشترط مرافقها ; لأن المرافق ما يترفق به فإنما يتأتى الترفق بالأرض بالشرب ، والمسيل ، وكذلك لو اشترط كل قليل ، وكثير هو فيها أو منها كان له الشرب ، والمسيل ; لأنه من القليل والكثير ثم المراد بقوله منها أي من حقوقها ، ولكنه حذف المضاف ، وأقام المضاف إليه مقامه ، ومثل هذا الحذف عرف أهل اللسان . وإذا استأجر أرضا فليس له مسيل ماء ، ولا شرب في القياس إذا أطلق العقد كما في الشراء فالمستأجر يستحق بالعقد بذكر الحدود كالمشتري فكما أن الشرب ، والمسيل الذي هو خارج عن الحدود المذكورة لا يستحق بالشراء فكذلك بالاستئجار ، ولكنه استحسن فجعل للمستأجر مسيل الماء ، والشرب هنا بخلاف الشراء ; لأن جواز الاستئجار باعتبار التمكن من الانتفاع . ( ألا ترى ) أن ما لا ينتفع به لا يجوز استئجاره كالمهر [ ص: 172 ] الصغير ، والأرض السبخة ، والانتفاع بالأرض لا يتأتى إلا بالشرب ، والمسيل فلو لم يدخلهما يفسخ العقد ، والمتعاقدان قصدا تصحيح العقد فكان هنا ذكر الشرب ، والمسيل بخلاف الشراء فموجبه ملك العين ( ألا ترى ) أن شراء ما لا يملك الانتفاع به جائز نحو الأرض السبخة ، والمهر الصغير فلا يدخل في الشراء ما وراء المسمى بذكر الحدود ، وفي الكتاب ذكر حرفا آخر فقال ; لأن الأرض لم تخرج من يد صاحبها يعني أن بعقد الإجارة لا يتملك المستأجر شيئا من العين ، وإنما يملك الانتفاع به في المدة المذكورة فلو أدخلنا الشرب ، والمسيل لم يتضرر صاحب الأرض بإزالة ملكه عنها ، وفي إدخالهما تصحيح العقد فأما البيع يزيل ملك العين عن البائع ففي إدخال الشرب ، والمسيل في البيع إزالة ملكه عما لم يظهر رضاه به ، وذلك لا يجوز ، وهذا نظير ما تقدم أن الثمار ، والزرع يدخل في رهن الأشجار ، والأرض من غير ذكر ، ولا يدخل في الهبة ، وإذا ثبت أن بدون الشرط يدخل الشرب ، والمسيل في الأشجار فمع الشرط أولى ، وكذلك إن شرط كل حق هو لها أو مرافقها أو كل قليل أو كثير ، هو فيها أو منها فعند ذكر هذه الألفاظ يدخل الشرب ، والمسيل في الشراء ففي الإجارة أولى . ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |