المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         رؤية شرعية في سلوك الترجل عند الفتيات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          خطر القدوة السيئة على الجيل الناشئ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          الصيام بعد منتصف شعبان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          أخطار الربا وأضراره (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          التوبة والندم على ما فات واستقبال شهر رمضان بقلب متلهف للطاعات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          البكور: لحياة تبدأ من الفجر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          {ويريدُ الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          من سبيل المجرمين أولياء الشيطان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          الفرح بقدوم شهر رمضان المبارك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          وقولوا للناس حُسنًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 25-12-2025, 04:59 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث والعشرون

صـــ 92الى صـــ 101
(471)


فإن الأصل في العقود الصحة ، وحاجة المزارع إلى دفع استحقاق رب الأرض ، والظاهر يكفي لذلك ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المزارع أيضا ; لأنه يثبت ببينته اشتراط نصف الخارج ، ورب الأرض ليس يثبت ببينته ما شهد به الشهود ; لأنهم شهدوا باشتراط عشرين قفيزا ، وذلك لا يستحق بالشرط بل يفسد به العقد ، فيجب أجر المثل ، فتترجح بينة من تثبت بينته صحة العقد وصحة الشرط ، ولو لم يزرع حتى اختلفا كان القول قول رب الأرض ، وإن ادعى أنه دفعها بأقفزة معلومة ; لأن المزارع يدعي عليه استحقاق منفعة الأرض ووجوب تسليمها إليه ، ورب الأرض منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه وإن ادعى رب الأرض أنه دفنها فالقول قول المزارع أنه أخذها بعشرين قفيزا مع يمينه على ما ادعى رب الأرض ; لأن رب الأرض يدعي استحقاق بعض الخارج عليه ، والمزارع منكر لذلك وقيل لا معنى ليمين المزارع هنا ; لأنه متمكن من فسخ العقد قبل إلقاء البذر في الأرض ، وقد ادعى ما يفسد العقد ، فكان ذلك بمنزلة الفسخ منه ثم اليمين إنما تنبني على دعوى ملزمة ، ودعوى رب الأرض لا تلزمه شيئا قبل الزراعة ، فلا معنى لاستحلافه ، فإن كان البذر من صاحب الأرض فلما أدرك الزرع قال العامل : شرطت لي النصف ، وقال رب الأرض : شرطت لك عشرين قفيزا من الخارج ، فالقول قول رب الأرض ، والبينة بينة العامل ; لأن العامل يدعي استحقاق جزء من الخارج على رب الأرض بالشرط ، ورب الأرض منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه ، والبينة بينة العامل ; لأنها تثبت الاستحقاق له ، وإن لم تخرج الأرض شيئا ، فقال العامل : [ ص: 93 ] شرطت لي عشرين ; قفيزا ، وقال رب الأرض : شرطت لك النصف ، فالقول قول رب الأرض ; لأن العامل يدعي أجر العمل دينا في ذمته ، وهو منكر لذلك ، والبينة بينة رب الأرض أيضا ; لأنه يثبت ببينته صحة العقد ، ويشهد شهوده باشتراط ما يثبت بالشرط في المزارعة ، والآخر إنما يشهد شهوده باشتراط ما لا يثبت بالشرط في المزارعة ، فكان الإثبات في بينة رب الأرض أظهر ، ولو لم يزرع حتى اختلفا ، فالقول قول الذي يدعي الفساد منهما مع يمينه ; لأنه ينكر وجوب تسليم شيء عليه ، ولو أقاما البينة فالبينة بينة الذي يدعي المزارعة بالنصف أيهما كان ; لأنه يثبت ببينته صحة العقد ، وكونه سببا للاستحقاق ، فتترجح بينته بذلك ، ولو أخرج زرعا كثيرا ، فقال لصاحب الأرض والبذر : شرطت لك النصف وزيادة عشرة أقفزة ، وقال العامل : شرطت لي النصف فالقول قول العامل ; لأنهما اتفقا على اشتراط النصف ثم ادعى رب الأرض زيادة على ذلك ، والعامل منكر لتلك الزيادة ، ثم رب الأرض متعنت في كلامه ; لأنه يقر له بزيادة ليبطل به أصل استحقاقه ، لا ليثبت حقه فيما أقر له به ، وقول المتعنت غير مقبول ، وإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة رب الأرض ; لأنه يثبت ببينته زيادة الشرط ; ولأنه يثبت ببينته فساد العقد بعد ما ظهر باتفاقهما ما هو شرط الصحة ، وهو اشتراط نصف الخارج فالزيادة هاهنا في بينته ، ولو ادعى رب الأرض أنه اشترط له نصف ما تخرج الأرض إلا خمسة أقفزة ، وقال العامل : لم يستثن شيئا فالقول قول رب الأرض ; لأن الكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء المستثنى ، فالمزارع يدعي عليه استحقاق نصف كامل بالشرط ، ورب الأرض ينكر الشرط في بعض ذلك النصف معنى ، فالقول قوله ; لإنكاره ، والبينة بينة المزارع ; لأنه يثبت صحة المزارعة ، والفضل فيما يدعيه لنفسه إن لم تخرج الأرض شيئا ، وقال المزارع : شرطت لي النصف وزيادة عشرة أقفزة ، وقال رب الأرض : شرطت لك النصف فالقول قول رب الأرض ; لاتفاقهما على اشتراط النصف ، وتفرد المزارع بدعوى الزيادة لا ليستحقها ، بل ليبطل العقد بها ، والبينة بينة المزارع ; لأنه يثبت زيادة شرط ببينته ، ويثبت لنفسه أجر المثل دينا في ذمة رب الأرض ، ولو قال المزارع : شرطت لي النصف إلا عشرة أقفزة ، وقال رب الأرض : شرطت لك النصف ، ولم تخرج الأرض شيئا فالقول قول رب الأرض ; لأن المزارع يدعي الأجر دينا في ذمة رب الأرض ، ورب الأرض منكر لذلك ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة رب الأرض أيضا ; لأنه يثبت ببينته شرط صحة العقد ، وإن اختلفا قبل العمل فقال المزارع : شرطت لي [ ص: 94 ] النصف وزيادة عشرة أقفزة ، وقال رب الأرض : شرطت لك النصف فالقول قول رب الأرض في قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - على قول من يرى جواز المزارعة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد : القول قول المزارع ، وهذا ; لأن رب الأرض يدعي صحة العقد ، ومن أصل أبي حنيفة أن القول قول من يدعي الصحة . بيانه فيما تقدم في السلم إذا ادعى أحد المتعاقدين الأجل في السلم ، وأنكره الآخر أن عند أبي حنيفة القول قول من يدعي الأجل أيهما كان ; لأنه يدعي صحة العقد ، وعندهما القول قول رب السلم ; لأن المسلم إليه إذا كان يدعي الأجل ، ورب السلم منكر لدعواه فالقول قوله ، وإن كان في إنكاره إفساد العقد ، وإن كان المسلم إليه منكرا للأجل فهو متعنت في هذا الإنكار ; لأن رب السلم يقر له بالأجل ، وهو ينكر ذلك تعنتا ليفسد به العقد فهنا كذلك عند أبي حنيفة - رحمه الله - يجعل القول قول رب الأرض ; لأنه يدعي صحة العقد ، وعندهما يجعل القول قول المزارع ; لأن كلامهما خرج مخرج الدعوى والإنكار ، فرب الأرض يدعي على المزارع استحقاق تسليم النفس لإقامة العمل ، وهو منكر فالقول قوله مع يمينه ، وإن كان في إنكاره إفساد العقد ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المزارع في قولهم جميعا ; لأنه يثبت السبب المفسد بعد تصادقهما على ما هو شرط الصحة ، ولا يثبت الفضل فيما شرط له ولو قال المزارع : شرطت لي النصف إلا عشرة أقفزة ، وقال رب الأرض : شرطت لك النصف فالقول قول رب الأرض عندهم جميعا أما عند أبي حنيفة - رحمه الله - ; فلأنه يدعي الصحة ، وأما عندهما ; فلأن المزارع متعنت ; لأن رب الأرض يقر له بزيادة فيما شرط له ، والمزارع يكذبه فيما أقر له به ، ليفسد به العقد ، فكان متعنتا ، فإن أقاما البينة فالبينة بينة رب الأرض ; لأنه يثبت شرط صحة العقد ، واستحقاق العمل على المزارع ببينته ، ولو قال المزارع قبل العمل : شرطت لي النصف وقال رب الأرض شرطت لك النصف وزيادة عشرة أقفزة فالقول قول المزارع ; لأنهما اتفقا على شرط صحة العقد ، وهو اشتراط النصف ثم رب الأرض يدعي شرط الزيادة على ذلك ; ليفسد به العقد ، والمزارع منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه ، والبينة بينة رب الأرض ; لإثباته الشرط المفسد مع تصادقهما على ما هو شرط صحة العقد ، ولو قال رب الأرض : شرطت لك النصف إلا عشرة أقفزة ، وقال المزارع : شرطت لي النصف فالقول قول رب الأرض ; لأن المزارع يدعي زيادة أقفزة فيما شرط ، ورب الأرض منكر ; لما قلنا : إن الكلام المصدر بالاستثناء يصير عبارة عما وراء المستثنى ، والبينة بينة المزارع ; لأنه يثبت الفضل [ ص: 95 ] في المشروط له ببينته ، ولو كان البذر من قبل العامل كان حاله في جميع هذه الوجوه بمنزلة حال رب الأرض حتى كان البذر من قبله للمعنى الذي أشرنا إليه
وإذا دفع الرجل إلى رجلين أرضا وبذرا على أن يزرعاها سنتهما هذه ، فما أخرج الله - تعالى - من ذلك فلأحدهما بعينه الثلث منه ولرب الأرض الثلثان ، وللآخر على رب الأرض أجر مائة درهم فهو جائز على ما اشترطوا ; لأنه استأجر أحدهما ببدل معلوم لعمل مدة معلومة واستأجر الآخر بجزء من الخارج مدة معلومة ، وكل واحد من هذين العقدين جائز عند الانفراد ، فكذا عند الجمع بينهما ، فإن أخرجت الأرض زرعا كثيرا فاختلف العاملان ، فقال كل واحد منهما : أنا صاحب الثلث فالقول قول رب الأرض في ذلك ; لأن كل واحد منهما يدعي استحقاق الثلث عليه بالشرط فإذا صدق أحدهما فقد أقر له بالثلث وأنكر استحقاق الآخر فالقول قوله ، ثم لما كان كل واحد منهما يستحق عليه كان القول قوله في بيان ما يستحقه كل واحد منهما عليه من الأجر أو ثلث الخارج ، وإن أقام كل واحد منهما البينة أنه صاحب الثلث أخذ الذي أقر له رب الأرض الثلث بإقراره وأخذ الآخر الثلث ببينته ; لأنه أثبت ما ادعاه بالبينة ، ولا شيء له من الأجر ; لأن من ضرورة استحقاقه ثلث الخارج ابتغاء الأجر الذي به أقر له رب الأرض ، ولو لم تخرج الأرض شيئا ، فقال كل واحد منهما : أنا صاحب الأجر فالقول قول رب الأرض لما قلنا ، وإن أقاما البينة فلكل واحد منهما على رب الأرض مائة درهم لأحدهما بإقرار رب الأرض له ، وللآخر بإثباته بالبينة ، ولا يلتفت إلى بينة رب الأرض في هذا الوجه ، ولا في الوجه الأول مع بينتهما ; لأنهما المدعيان للحق قبله والبينة على المدعي دون المنكر ، ولو كان دفع الأرض إليهما على أن يزرعاها ببذرهما على أن ما خرج منه فلأحدهما بعينه نصفه ، ولرب الأرض عليه أجر مائة درهم ، وللآخر ثلث الزرع ، ولرب الأرض سدس الزرع فهذا جائز ; لأنه أجر الأرض منهما نصفها من أحدهما بمائة درهم ، ونصفها من الآخر بثلث ما يخرجه ذلك النصف ، وكل واحد من هذين العقدين صحيح عند الانفراد ، وقد بينا أن باختلاف البدل لا تتفرق الصفقة في حق صاحب الأرض ، فإن زرعها ، فلم تخرج الأرض شيئا ، فقال كل واحد منهما لرب الأرض : أنا شرطت لك سدس الزرع فالقول قول كل واحد منهما فيما زعم أنه شرط له ; لأن رب الأرض يصدق أحدهما في ذلك ، ويدعي على الآخر وجوب الأجر دينا في ذمته ، وهذا منكر لذلك فالقول قوله ; لإنكاره مع يمينه ، وإن أقاما البينة أخذ ببينة رب الأرض [ ص: 96 ] لأنه يثبت للآخر ببينته دينا في ذمته ، ولو أخرجت زرعا كثيرا ، فادعى كل واحد منهما أنه هو الذي شرط له الأجر ، وادعى صاحب الأرض على أحدهما الأجر ، وعلى الآخر سدس الزرع ، فإنه يأخذ الأجر من الذي ادعاه عليه لتصادقهما على ذلك ، وفي حق رب الأرض يدعي عليه استحقاق بعض الخارج ، وهو منكر فالقول قوله ، ويقال لرب الأرض : أقم البينة على السدس الذي ادعيته عليه ، وإن أقام البينة أخذ ببينة رب الأرض ; لأنه هو المدعي المثبت لحقه ببينته
ولو دفع رجل إلى رجل أرضا على أن يزرعها ببذره وعمله ، فما خرج منه فثلثاه للعامل ، والثلث لأحد صاحبي الأرض بعينه ، وللآخر مائة درهم أجر نصيبه فهو جائز ; لأنه استأجر من أحدهما نصيبه بأجر مسمى ، واستأجر من الآخر نصيبه بثلث ما يخرجه نصيبه ، وكل واحد منهما مستقيم ، فإن أخرجت زرعا كثيرا ، فادعى كل واحد من صاحبي الأرض أنه صاحب الثلث فالقول قول الزارع ; لأن كل واحد منهما يدعي استحقاق الخارج عليه ، وإن أقام كل واحد من صاحبي الأرض البينة كان لكل واحد منهما ثلث الخارج ; لأنه أقر لأحدهما بثلث الخارج ، والآخر أثبت ببينته استحقاق ثلث الخارج ، ولا يلتفت إلى بينة المزارع مع بينتهما ; لأنهما المدعيان ، والبينة في جانب المدعي دون المنكر
وإذا دفع الرجل إلى رجلين أرضا وبذرا على أن لأحدهما بعينه ثلث الخارج وللآخر عشرين قفيزا من الخارج ، ولرب الأرض ما بقي ، فزرعاها ، فأخرجت الأرض زرعا كثيرا فالثلث للذي سمي له الثلث ، والثلثان لصاحب الأرض ، وللآخر أجر مثله : أخرجت الأرض شيئا ، أو لم تخرج ; لأن عقد المزارعة بينه وبين الذي شرط له الثلث صحيح ، وبينه وبين الآخر فاسد ; لأنه شرط له شرطا يؤدي إلى قطع الشركة في الخارج مع حصوله ، والمزارعة بمثل هذا الشرط تفسد ، ولكن عقده مع أحدهما معطوف على العقد مع الآخر بحرف العطف ، وليس بمشروط فيه ، ففساد العقد بينه وبين أحدهما لا يفسد العقد بينه وبين الآخر ، فإن اختلفا في الذي شرط له الثلث منهما فالقول قول رب الأرض ; لأن كل واحد منهما يدعي الاستحقاق عليه بالشرط ، وإن أقاما البينة كان لكل واحد منهما ثلث الخارج لأحدهما بإقرار رب الأرض له به ، وللآخر بإثباته بالبينة ، ولو لم تخرج الأرض شيئا كان القول قول رب الأرض في الذي له أجر مثله منهما ، فإن أقام كل واحد منهما البينة على ما ادعى فالبينة بينة رب الأرض ; لأن رب الأرض صدق أحدهما فيما ادعى عليه من أجر المثل ، وإنما بقيت الدعوى بينه وبين الآخر ، ورب الأرض ببينة تثبت شرط [ ص: 97 ] صحة العقد بينه وبين الآخر والآخر ينفي ذلك ببينته ، وقد بينا أن البينة التي تثبت شرط صحة العقد تترجح بخلاف ما سبق ، فهناك كل واحد من العقدين صحيح ، فلا يكون رب الأرض ببينته مثبتا شرط صحة العقد ، ولو كان صاحب الأرض اثنين على مثل هذا الشرط دفعاه إلى واحد ، والبذر من قبل المزارع كان في جميع هذه الوجوه مثل ما بينا من حكم صاحب الأرض حين كان البذر من قبله ; لاستوائهما في المعنى ، وذلك يتضح لك إذا تأملت . والله أعلم

( قال - رحمه الله ) - : وإذا دفع رجل إلى رجل أرضا سنته هذه على أن يزرعها ببذره وعمله بالنصف ، فأخرجت الأرض زرعا كثيرا ، والأرض أرض عشر ، ففي قياس قول أبي حنيفة على قول من أجاز المزارعة يكون للمزارع نصف الخارج كاملا ، ويأخذ السلطان عشر جميع الخارج من نصيب صاحب الأرض ، إن كانت تشرب سحا أو تسقيها السماء ، وإن كانت تسقى بدلو ، أو دالية فنصف عشر جميع الخارج على صاحب الأرض ; لأنه مؤاجر لأرضه بجزء من الخارج ، ومن أصل أبي حنيفة - رحمه الله - أن من أجر أرضه العشرية فالعشر يكون على الآخر ، وعندهما العشر في الخارج على المستأجر ، فهنا أيضا عندهما العشر على كل واحد منهما في الخارج نصفان ، وإن سرق الخارج قبل القسمة أو بعد القسمة فلا عشر عليهما لفوات محل الحق ، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - عشر جميع الخارج على رب الأرض ، فإن سرق الطعام بعد ما حصد أو حرق قبل أن يأخذ السلطان العشر يبطل عن رب الأرض نصفه ، ولزمه في ماله نصفه ; لأن حصة النصف الذي صار للمزارع من العشر صار دينا في ذمة رب الأرض ، فلا يسقط ذلك عنه بهلاك الخارج ، وفي النصف الذي هو ملك رب الأرض العشر باق في عينه ، فإذا هلك سقط عشر ذلك عنه ; لفوات المحل وكذلك لو كان البذر من قبل رب الأرض ، فإنه مستأجر للعامل بنصف الخارج ، فيكون عشر الكل عليه عند أبي حنيفة ; لأن العشر مؤنة الأرض النامية ، كالخراج ، وهو المالك للأرض ، فإذا سرق الطعام بعد الحصاد سقط عنه النصف حصة نصيبه من الخراج ، وأما حصة نصيب المزارع فصارت دينا في ذمته بتمليكه إياه من المزارع فلا يسقط ذلك عنه بهلاك الخارج ، ولو أجر أرضه من رجل بمائة درهم يزرعها هذه السنة ، فأخرجت زرعا كثيرا ثم توي الأجر على المستأجر - فعشر جميع الطعام على رب الأرض [ ص: 98 ] في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وقد صار ذلك دينا في ذمته ، وللآخر دين له على المستأجر ، فإن توي دينه على المستأجر فإن سرق طعام المستأجر لا يسقط عن المؤاجر العشر الذي صار دينا عليه . ولو استحصد الزرع فلم يحصد حتى هلك فالأجر واجب ; لأن وجوب الأجر بالتمكن من استيفاء المعقود عليه ، وقد تمكن المستأجر من ذلك وقد استوفاه حقيقة ، ولا عشر على واحد منهما ; لأن وجوب العشر عند الحصاد ، قال الله تعالى : { وآتوا حقه يوم حصاده } وإنما يصير دينا في ذمة الآجر بعد وجوبه ، فإذا هلك الخارج قبل الحصاد لم يكن عليه شيء ، بخلاف ما إذا هلك بعد الحصاد ; لأن العشر قد تقرر وجوبه هنا وصار دينا في ذمة الآجر . وكذلك في المزارعة إذا هلك الزرع بعد ما استحصد قبل أن يحصد فلا عشر على واحد منهما في القولين جميعا ، سواء كان البذر من قبل رب الأرض أو من قبل المزارع ; لأن المحل فات قبل أن يأتي وقت وجوب العشر ، فهو بمنزلة ما لو استهلك النصاب قبل تمام الحول ، والهلاك هنا في حق المؤاجر بمنزلة الاستهلاك في مال الزكاة حتى إذا استهلك بعد تمام الحول فالزكاة دين عليه ، فإذا هلك هنا بعد الحصاد يكون العشر دينا عليه ، وكذلك الجواب في معاملة النخيل والكروم ، وهو مثل الجواب في المزارعة أنه إذا هلك قبل الجذاذ فلا عشر على رب النخيل ، وإن هلك بعد الجذاذ فعشر نصيب العامل دين عليه في قول أبي حنيفة ، فإن الجذاذ في الثمار بمنزلة الحصاد في الزرع ، وإن استهلكه رجل فليس على رب النخيل في حصته شيء من العشر إلا أن يستوفي بدله من المستهلك ، فحينئذ يؤدي عشره ; لأن المحل فات وأخلف بدلا ، وإن استوفى منه بعض البدل يؤدي العشر بقدر ذلك اعتبارا للجزء بالكل . ولو صالح الإمام قوما من أهل الحرب على أن صاروا ذمة له ، ووضع على رءوسهم شيئا معلوما ، وجعل خراج أراضيهم ونخيلهم وأشجارهم المناصفة - فذلك جائز ; لأنه نصب ناظرا للمسلمين ، وربما يكون خراج المقاسمة أنفع للفريقين من خراج الوظيفة .
فإذا دفع رجل أرضا مزارعة والبذر منه أو من العامل ، أو أجرها بدراهم ، أو أعارها رجلا ليزرعها لنفسه ، أو دفع الأشجار معاملة - كان الجواب في جميع ذلك على نحو ما بينا في العشر ; لأن الخراج هنا بجزء من الخارج لا يجب إلا بعد حصول الخارج حقيقة ، فيكون بمنزلة العشر في التخريج على القولين كما بينا ، بخلاف خراج الوظيفة ، فإنه يجب بالتمكن من الانتفاع ، وإن لم يزرع كان على رب الأرض في الوجوه كلها .
وإذا دفع أرضا من أرض العشر وبذرا إلى رجل على أن يزرعها سنته هذه ، على أن للمزارع [ ص: 99 ] عشرين قفيزا من الخارج فأخرجت الأرض زرعا كثيرا - فللعامل أجر مثله وعلى رب الأرض عشر جميع الخارج ; لأنه استأجر العامل إجارة فاسدة ، ولو استأجره إجارة صحيحة بدراهم مسماة للعمل - كان عشر جميع الخارج على رب الأرض فكذلك هنا ، ولا يرفع مما أخرجت الأرض نفقة ولا أجر عامل ; لأن بإزاء ما غرم من الأجر دخل في ملكه العوض وهو منفعة العامل ، وصار إقامة العمل بأجيره كإقامته بنفسه . ولو زرع الأرض كان عليه عشر جميع الخارج من غير أن يرفع من ذلك بذرا أو نفقة أنفقها فكذلك أجر العامل ، ولو كان البذر من العامل كان الخارج له وعليه أجر مثل الأرض ، ثم في قول أبي حنيفة - رحمه الله - عشر جميع الخارج على رب الأرض ، وعندهما العشر في الخارج اعتبارا للإجارة الفاسدة بالإجارة الصحيحة في القولين . ولو دفع إليه الأرض على أن يزرعها ببذر منهما ، فما خرج فهو بينهما نصفان - فالمزارعة فاسدة ؟ لأنه جعل منفعة نصف الأرض للعامل مقابلة عمله في النصف الآخر لرب الأرض ، ثم الخارج بينهما نصفان ; لأن البذر بينهما نصفان ، والخارج نماء البذر ، وعشر الطعام كله على رب الأرض في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ; لأنه صار مؤاجرا نصف الأرض بما شرط بمقابلته من عمله في النصف الآخر ، فهو بمنزلة ما لو أجرها بدراهم ، وعندهما العشر في الخارج ولرب الأرض نصف أجر مثل أرضه ; لأنه استوفى منفعة نصف الأرض بحكم عقد فاسد ، ولهذا المعنى يكون العشر في نصيب العامل على رب الأرض في قول أبي حنيفة ; لأنه قد حصل له منفعة ذلك النصف من الأرض وهو أجر المثل ، ولا أجر للعامل ; لأنه عمل فيما هو شريك فيه فلا يستوجب الأجر على غيره .
ولو دفع إلى رجل أرض عشر على أن يزرعها ببذره وعمله بالنصف فاستحصد الزرع ولم يحصد حتى استهلكه رجل أو سرقه وهو مقر به - فلا عشر على واحد منهما حتى يؤدي المستهلك ما عليه ، وما أدى من شيء كان على رب الأرض عشره في قول أبي حنيفة - رحمه الله - سواء كان البذر من قبل العامل أو من قبل رب الأرض ; لأن حكم البدل حكم المبدل ، وسلامته بأن يستوفى ممن عليه ، فأما ما كان دينا في ذمته فهو كالتاوي ، وفي قولهما : ما خرج من شيء أخذ السلطان عشر ذلك والباقي بينهما نصفان ، وكذلك لو كانت الأرض مما صالح الإمام أهلها على أن جعل خراجها نصف الخارج - فإن خراج المقاسمة بمنزلة العشر . وكذلك لو كان أجر أرضه العشرية بدراهم فزرعها المستأجر فاستحصد زرعها ثم استهلكها مستهلك - فلا عشر على واحد منهما حتى يؤدي المستهلك ما عليه [ ص: 100 ] من البدل ، فإذا أدى شيئا منه فعند أبي حنيفة عشر مقدار ما وصل إلى المستأجر على رب الأرض ، وعندهما عشر ذلك القدر في الخارج ; لأن رب الأرض في حكم العشر بمنزلة ما لو كان زرعها بنفسه عند أبي حنيفة - رحمه الله .

وإذا غصب الرجل أرض عشر أو خراج فزرعها فأخرجت زرعا كثيرا ، ولم تنقصها الزراعة شيئا - فالخارج على الزارع ، والعشر عليه في الخارج ; لأن رب الأرض لم يسلم له شيء من منفعة الأرض ، ولا كان متمكنا من الانتفاع بها مع منع الغاصب إياه من ذلك ، فلا يلزمه عشر ولا خراج ، فإذا تعذر إيجاب ذلك عليه وجب على الغاصب ; لأن المنفعة سلمت له من غير عوض ، فكما التحق هو بالمالك في سلامة منفعة الأرض له بغير عوض ، فكذلك في وجوب العشر والخراج عليه . ولو كانت المزارعة نقصت الأرض فعلى الزارع غرم النقصان ; لأن ذلك الجزء تلف بفعله فيجب عليه ضمانه ، ثم في قول أبي حنيفة - رحمه الله - على ما ذكره أبو يوسف : عشر جميع ما أخرجت الأرض على رب الأرض . وكذلك إن كانت له أرض خراج فعليه خراجها ; لأن ما استوفى هو من قيمة النقصان منفعة سلمت له باعتبار عمل الزراعة ، فكان بمنزلة ما لو أجر الأرض بذلك القدر ، فعليه العشر والخراج ، سواء كان ما وصل إليه مثل العشر أو الخراج الواجب أو أقل أو أكثر . وهذا يقوي قول من يقول من أصحابنا - رحمهم الله - : إن نقصان الأرض عوض عن منفعتها ، وإن الطريق في معرفة النقصان أن ينظر بكم تؤجر الأرض قبل المزارعة وبعدها فمقدار التفاوت هو نقصان الأرض . وفي هذا اختلاف بين أئمة بلخي ، فإن بعضهم يقولون : إن المنفعة عندنا لا تضمن بالإتلاف ، ولكن النقصان في حكم بدل جزء فائت من العين ، وطريق معرفته أن ينظر بكم كانت تشترى تلك الأرض قبل الزراعة وبكم تشترى بعدها ، فتفاوت ما بينهما هو النقصان ، والقول الأول أقرب إلى الصواب بناء على الجواب الذي ذكره هنا ، فإنه جعل النقصان بمنزلة الأجرة عند أبي حنيفة . وأما في قول محمد فإن كان نقصان الأرض مثل الخراج أو أكثر فلرب الأرض قيمة النقصان على الغاضب ، والخراج على رب الأرض . يعطيه بما يستوفي ، وإن كانت قيمة النقصان أقل من الخراج فالخراج على الغاصب وليس عليه شيء من النقصان لرب الأرض ، فكأنه استحسن ذلك لدفع الضرر عن رب الأرض ، فإنه لا يمكن إيجاب موجبين على الغاصب بسبب زراعة واحدة ، فيجعل كأنه لم يتمكن نقصان في الأرض حتى يجب الخراج على الغاصب ، ولا يتضرر به رب الأرض . وأما العشر على قوله وعلى قول أبي يوسف ففي الخارج ، والخارج للغاصب فيؤدي [ ص: 101 ] عشر الخارج ويغرم لصاحب الأرض النقصان مع ذلك كما يغرم الأجر لو كان استأجرها منه . وقع في بعض نسخ الأصل الجمع بين الخراج والعشر في تخريج قول محمد - رحمه الله - وهو سهو ، إنما الصحيح ما ذكرناه . والله أعلم .
[ قال رحمه الله ] : وإذا دفع إلى رجل نخلا معاملة سنين معلومة بالنصف - فهو جائز على قول من يرى جواز المزارعة . وكذلك معاملة الشجر والكرم والرطاب في قول علمائنا - رحمهم الله - . وقال الشافعي : لا تجوز المعاملة إلا في النخيل والكروم خاصة ; لأن جواز ذلك بالأثر ، وإنما ورد الأثر في النخيل والكروم ، وهو ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، ولكن هذا فاسد ، فقد كان أهل خيبر يعملون في الأشجار والرطاب أيضا كما يعملون في النخيل والكروم ، ثم هذا الكلام إنما يستقيم ممن لا يرى تعليل النصوص ، فإذا كان الشافعي يرى تعليل النصوص فلا يستقيم منه معنى ; فيصير حكم المعاملة على النخيل والكروم باعتبار أن الأثر ورد فيها ، فإن أراد صاحب النخيل أن يخرج العامل لم يكن له ذلك إلا من عذر ، بخلاف ما لو دفع الأرض والبذر مزارعة ; لأن صاحب البذر يحتاج إلى أن يلقي بذره في الأرض وفيه إتلاف ملكه ; فله أن لا يرضى به ، وهنا صاحب النخيل لا يحتاج في إيفاء العقد إلى إتلاف شيء من ماله ، فيلزمه العقد في الجانبين بنفسه ، ولا ينفرد أحدهما بفسخه إلا بعذر كسائر الإجارات ، والعذر هنا أن يلحقه دين فادح لا وفاء عنده إلا ببيع النخيل ، أو يكون العامل سارقا معروفا بالسرقة فخاف منه على أخذ سعف النخل وسرقته أو على سرقته الثمار قبل الإدراك وقد بينا أن هذا عذر في سائر الإجارات نحو إجارة الظئر لما يلحقه فيه من ضرر لم يلزمه بالعقد ، فكذلك في المعاملة . وإن كان الثمر قد خرج ولم يبلغ ، ثم لحقه دين لا وفاء عنده إلا ببيع النخيل ، لم يكن له أن ينقض المعاملة ، ولا يبيعه حتى يبلغ الثمر ، فيباع نصيب صاحب النخل من النخل من الثمر في الدين وتنتقض المعاملة فيما بقي ، وقد تقدم نظيره في المزارعة والمعنى فيهما سواء ، فإن الشركة انعقدت بينهما في الثمر ، ولإدراكه نهاية معلومة ففي الانتظار توفير المنفعة ، ودفع الضرر من الجانبين ، وفي نقض المعاملة في الحال إضرار بالعامل من حيث إن فيه إبطال حقه من نصيب الثمر ، فلدفع الضرر قلنا : يخرج رب النخيل من الشجر وتبقى المعاملة بينهما إلى أن يدرك ما خرج [ ص: 102 ] من الثمر ، ولو أراد العامل ترك العمل قبل خروج الثمر لم يكن له ذلك ، إلا أن يمرض مرضا يضعف عن العمل معه فيكون ذلك عذرا ، ولا يقال : ينبغي أن يؤمر في المرض أن يستأجر عاملا ليقيم العمل ; لأن في ذلك إلحاق ضرر به لم يلتزمه بعقد المعاملة ، وإذا كان عليه في إيفاء العقد ضرر فوق ما التزمه يصير ذلك عذرا في فسخ المعاملة ، قال في الأصل : أو يريد سفرا أو يترك ذلك العمل فيكون هذا عذرا له . وقد بينا في أول الكتاب أن في هذا الفصل روايتين ، وتأويل ما ذكر هنا أن العمل كان مشروطا بيده .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,463.53 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,461.81 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.12%)]