المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5222 - عددالزوار : 2544607 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4818 - عددالزوار : 1884332 )           »          So when you want to recite the Quran, seek refuge with Allah (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 91 )           »          الأكاذيب الصادقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 96 )           »          {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 100 )           »          بين الاستثناء والوصف والبدلية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 93 )           »          أفرأيتم الماء الذي تشربون؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 117 )           »          Lessons taken from Allah’s Saying: "And were it not that mankind would have become on (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 96 )           »          دروس وعبر من قوله تعالى: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة..} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 109 )           »          وقفات بعد رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 97 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 24-12-2025, 04:18 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,761
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون

صـــ 82الى صـــ 91
(451)



وكذلك لو كان المضارب باعها بألفين وقبض الثمن إلا درهما ثم اشتراها المضارب لنفسه ، أو اشتراها رب المال لنفسه بأقل من الثمن الأول لم يجز ; لأن المنع من الشراء بأقل من الثمن الأول حكم ثبت لعدم قبض الثمن فيبقى ما بقي شيء من الثمن غير مقبوض كحق الحبس للبائع في المبيع ، وكذلك لو اشتراها أحدهما بدنانير ، قيمتها أقل من الثمن الأول ; لأن الدراهم والدنانير في هذا الحكم كجنس واحد استحسانا ، وقد بيناه في البيوع .

وكذلك لو اشتراها ابن أحدهما ، أو أبوه ، أو عبده ، أو مكاتبه في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قولهما شراء هؤلاء جائز إلا المكاتب والعبد ، وقد بينا هذا في البيوع .

ولو وكل المضارب ابنه بشرائها أو ابن رب المال لم يجز الشراء في قول أبي حنيفة للوكيل ، وللموكل ; لأن هذا الوكيل لا يملك شراءها لنفسه بهذا الثمن فلا يملك شراءها لغيره أيضا كالمسلم في الخمر ، بخلاف ما إذا وكل أجنبيا ، فإن الأجنبي يملك شراءها لنفسه بأقل من الثمن الأول فيصح منه شراؤها للمضارب أيضا بناء على أصل أبي حنيفة في المسلم يوكل ذميا بشراء الخمر والخنزير ، وقد بينا في البيوع الفرق بين شراء الوكيل للبائع ، وبين شراء ابن الآمر لنفسه على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - ، ولو وكل المضارب رب المال أن يشتريها له ، أو وكل رب المال المضارب بذلك لم يجز ; لأن كل واحد منهما لا يملك شراءها لنفسه .

وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة على أن يشتري بها من الهروي خاصة ، والربح بينهما نصفان ، وما يشتري بها من الناشئ فالربح كله لرب المال ، وما يشت ري بها من الزطي فالربح كله للمضارب فهو على ما سمى ; لأنه فوض إلى رأيه ثلاثة أنواع من العمل إما العمل على طريق المضاربة ، أو على سبيل البضاعة ، أو على سبيل القرض لنفسه ، وكل ذلك معلوم عند مباشرته العمل ، والجهالة عند العقد لا تفضي إلى تمكن المنازعة بينهما فيصح ، فإن كان اشترى الهروي فهو على المضاربة كما اشترطا .

وإن كان اشترى بها النسائي فهو بضاعة في يده والربح لرب المال ، والوضيعة عليه ، فإن كان اشترى بها الزطية فالمال [ ص: 83 ] قرض عليه ، والربح له ، والوضيعة عليه

وإذا اشترى المضارب بمال المضاربة جاريتين تساوي كل واحدة منهما ألف درهم ، ثم باع إحداهما بألف والأخرى بألفين وقبضهما المشتري ثم لقيه المضارب وقال : زدني في ثمنها فزاده مائة درهم ، وقبضها المضارب ثم وجد المشتري بأحدهما عيبا ردها بثمنها ونصف المائة ; لأن الزيادة أضيفت إليهما ، والتزمها المشتري بمقابلها فيتوزع على قيمتهما كأصل الثمن إذا سمي بمقابلهما جملة وقيمتهما سواء فانقسمت الزيادة عليهما نصفين .

ولو كان المشتري طعن فيهما بعيب فصالحه المضارب على أن حط من الثمن مائة درهم ، ثم وجد المشتري بعد ذلك بالذي اشتراها بألف درهم عيبا ردها بألف غير ثلاثة وثلاثين وثلث ; لأنه حط المائة من الثمنين فيقسم على قدر الثمنين ثلثاه من ثمن التي باعها بألفين ، وثلثه من ثمن التي باعها بألف ، وثلث المائة ثلاثة وثلاثون وثلث فلهذا ينتقص من ثمنها وهو ألف هذا المقدار .

وهذا لما قدمنا في الباب الأول أن الحط من الثمن ، والزيادة ليست من الثمن إنما هي مال التزمه المشتري بمقابلة الجاريتين فهو كالمال الذي اشترى به الجاريتين ولو كان المضارب اشترى الجاريتين من المشتري بربح مائة درهم على ما باعهما به ، ثم وجد بإحداهما عيبا ردها بثمنها ، وحصتها من الربح إذا قسمت على الثمنين لما بينا أن الثمن في بيع المرابحة مبني على الثمن الأول أصله وربحه .

ولو كان المشتري اشترى إحدى الجاريتين بألف والأخرى بألفين ، ثم أراد أن يبيعهما مرابحة على ثلاثة آلاف درهم فله ذلك ; لأن حاصل ما غرم في ثمنهما ثلاثة آلاف درهم ، وإن باع كل واحدة منهما على حدة مرابحة على ثمنها جاز عند أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، وقد بينا هذا في البيوع .

فإن زاد في ثمنهما مائة درهم وأراد أن يبيعهما مرابحة باعهما جميعا على ثلاثة آلاف درهم ، ومائة درهم ; لأنه تيقن بمقدار ما غرم في ثمنهما ، فيبيعهما على ذلك مرابحة ، وإن أراد أن يبيع إحداهما مرابحة على حدة لم يكن له ذلك ; لأن المائة الزائدة إنما تقسم على قيمتها ، وطريقة معرفة القيمة الحزر والظن وذلك يمنعه من بيع المرابحة ، كما لو كان اشتراهما بثمن واحد ، له أن يبيعهما جميعا مرابحة على الثمن وليس له بيع إحداهما مرابحة على حصتها من الثمن والله أعلم

( قال رضي الله عنه ) : وإذا وقعت المضاربة على أن يعمل رب المال مع المضارب فالمضاربة فاسدة ; لأن من شرط صحتها التخلية بين المضارب وبين رب المال ، وهذا الشرط بعدم التخلية [ ص: 84 ] وإنما قلنا ذلك ; لأن من حكم المضاربة أن يكون رأس المال أمانة في يد المضارب ، ولا يتحقق ذلك إلا بأن يخلي رب المال بينه وبين المال كالوديعة ، وإذا اشترط عمل نفسه معه تنعدم هذه التخلية ; لأن المال في أيديهما يعملان فيه يوضحه أن المضاربة فارقت الشركة في الاسم ، فينبغي أن تفارقها في الحكم ، وشرط العمل عليهما من حكم الشركة فلو جوزنا ذلك في المضاربة لاستوت المضاربة والشركة في العمل وشرط الربح ، فلا يبقى لاختصاص المضاربة بهذا الاسم فائدة
وإذا أخرج الرجل من ماله ألف درهم ، وقال لرجل : اعمل بهذه مضاربة فاشتر بها وبع على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بيننا نصفان ، ولم يدفع إليه المال مضاربة فالمضاربة فاسدة ; لأن المال غير مدفوع إلى المضارب ، وقد بينا أن من شرط المضاربة دفع المال إلى المضارب ليكون أمانة في يده ، فبقي هذا استئجارا على البيع والشراء بأجرة مجهولة ، فإذا تصرف كان الربح كله لرب المال والوضيعة عليه وللعامل أجر مثله فيما عمل .

ولو دفع المال إليه على أن يعمل به المضارب وعبد رب المال على أن لرب المال نصف الربح ، وللمضارب والعبد نصف الربح فهذه مضاربة جائزة ، والربح على ما اشترطا سواء كان على العبد دين أو لم يكن ; لأن عبد رب المال في حكم المضاربة كعبد أجنبي آخر . ( ألا ترى ) أن لرب المال أن يدفع ماله إليه مضاربة فما هو شرط للمضاربة يوجد مع اشتراط عمل رب المال ، وهو التخلية بين المضارب والمال ، بخلاف شرط عمل رب المال فإنه لا يدفع المال إلى نفسه مضاربة وهذا ; لأن للعبد يدا معتبرة في كسبه ، وليست يده بيد رب المال فيتحقق خروج المال من يد رب المال مع اشتراط عمل عبده ، وإذا ثبت هذا في عبده فهو في مكاتبه ، وابنه ، وأبيه أظهر . ولو اشترط أن يعمل معه شريك مفاوض لرب المال فالمضاربة فاسدة ; لأن المفاوضين فيما بينهما من المال كشخص واحد ، فكل واحد منهما إنما يستحق الربح الحاصل بعمل المضارب بملكه رأس المال ، فاشتراط عمل شريكه كاشتراط عمل نفسه ; لأن بهذا الشرط تبقى المرابحة لمالك المال مع المضارب في اليد فتنعدم به التخلية .

وإن كان شركة عنان فإن كان المال من شركتهما فالمضاربة فاسدة ; لأن كل واحد منهما يستحق الربح بملكه في بعض رأس المال ، وإن لم يكن من شركتهما فهي مضاربة جائزة ; لأن ما ليس من شركتهما ينزل كل واحد منهما من صاحبه منزلة الأجنبي . ( ألا ترى ) أن لأحدهما أن يدفع إلى صاحبه مالا من غير شركتهما مضاربة .
وإذا دفع الرجل مال ابنه الصغير مضاربة إلى رجل على أن يعمل معه الأب بالمال [ ص: 85 ] على أن للمضارب ثلث الربح ، وللابن ثلثه وللأب ثلثه جاز على ما اشترطا .

وكذلك الوصي ; لأن الأب أو الوصي لو أخذ مال الصبي مضاربة ليعمل فيه بنصف الربح جاز كما لو دفعه إلى أجنبي مضاربة ، وكل مال يجوز أن يكون الإنسان فيه مضاربا وحده يجوز أن يكون مضاربا فيه مع غيره وهذا ; لأنهما يستحقان الربح بالعمل لا بملك المال فكانا في ذلك كأجنبي آخر وما هو شرط المضاربة ؟ وهو كون المال أمانة في يد المضارب لا ينعدم بهذا ; لأن يدهما بعد هذا الشرط يد المضارب على المال كيد المضارب الآخر .

ولو كان الأب اشترط الابن مع مضارب كانت المضاربة فاسدة ; لأن الابن لا يجوز أن يكون مضاربا بالعمل في مال نفسه ; ولأنه يستحق الربح بملك المال سواء كان الدافع هو أو أباه أو وصيه ولو كان الدافع هو بعد بلوغه أو أباه أو وصيه وشرط عمل نفسه مع المضارب بطلت المضاربة ، فكذلك أبوه أو وصيه ثم أجر مثل المضارب في عمله على الأب ، أو الوصي يؤديان ذلك من مال الابن ; لأنه أجير في العمل ، فإنما يطالب بالأجر من استأجره ، والأب استأجره للعمل للابن فيؤدى أجره من مال الابن .

وإذا دفع لرجل مالا مضاربة بالنصف فرده المضارب على رب المال ، وأمره أن يشتري به ويبيع على المضاربة ففعل رب المال ذلك فربح ، ولم يل المضارب شيئا من العمل فهذه مضاربة جائزة ; لأن رب المال معين للمضارب في إقامة العمل ، والمال في يده على سبيل البضاعة في حق المضارب .

ولو أبضعه غيره كان الربح بينهما على الشرط ، فكذلك إذا أبضعه رب المال ، وعلى قول زفر - رحمه الله - رده المال على رب المال نقض منه للمضاربة ; لأن رأس المال في المضاربة من جانب العامل - عمله ، ورب المال لا يجوز أن يكون عاملا في مال نفسه لغيره فكان ذلك بمنزلة نقض المضاربة ، ولكنا نقول : منافع رب المال لم يتناولها عقد المضاربة كمنافع أجنبي آخر ، فكما يجوز إقامة عمل أجنبي آخر مقام عمل المضارب ما استعان به بعد فكذلك تجوز إقامة عمل رب المال من منزل المضارب بغير أمره فاشترى به وباع وربح فقد انتقضت المضاربة والربح ، كله لرب المال ; لأن عمله هنا لا يمكن أن يجعل كعمل المضارب فإنه ما استعان به .

( ألا ترى ) أنه لو فعل ذلك أجنبي آخر كان غاصبا عاملا لنفسه ضامنا لرب المال ، فإذا فعل رب المال ذلك كان عاملا لنفسه أيضا فانتقضت المضاربة لفوات العمل حقيقة وحكما بخلاف الأول على ما بينا .

وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى بها المضارب جارية وقبضها وأخذها رب المال وباعها بغير أمر المضارب فربح فيها جاز بيعه والربح ، على ما اشترطا [ ص: 86 ] ولا يكون بيعه الجارية نقضا للمضاربة أما جواز البيع ; فلأنه مالك للجارية قادر على تسليمها ، ثم قد بينا أنه بعد ما صار المال عروضا لا يملك رب المال نقض المضاربة ومنع المضارب من التصرف ، فلا يكون بيعه نقضا للمضاربة أيضا ، بل يكون نظرا منه للمضارب ولنفسه ، فربما يخاف أن يفوته هذا المشتري لو انتظر حضور المضارب فأعانه في بيعها بخلاف الأول فإن المال ما دام نقدا في يده فهو متمكن من نقض المضاربة ، فيجعل إقدامه على الشراء نقضا للمضاربة .

يوضح الفرق أن استحقاق المضارب الربح باعتبار ضمانه الثمن بالشراء في ذمته ، فإن ربح ما لم يضمن منهي عنه ، ولهذا لم تجز المضاربة بالعروض ، فإذا كان المضارب هو المشتري فقد تأكد به سبب استحقاقه لحصة من الربح إذا ظهر ، فلا يبطل ذلك بيع رب المال الجارية ، فأما قبل الشراء فلم يتأكد سبب ثبوت الحق للمضارب في الربح إذا ظهر ، فلا يثبت ذلك بشراء رب المال ، قال : باع رب المال الجارية بألفي درهم ، ثم اشترى بألفين جارية أخرى فباعها بأربعة آلاف درهم ضمن رب المال للمضارب خمسمائة درهم ، حصته من الربح على الجارية الأولى ، ولا حق له في ثمن الجارية الأخيرة ; لأن ببيع الجارية الأولى صار المال نقدا في يد رب المال ، فهو بمنزلة ما لو كان نقدا قبل شراء المضارب الجارية بالمال .

وقد بينا هناك أن عمل رب المال في المال يكون لنفسه ، ويكون نقضا للمضاربة إذا عمل بغير أمر المضارب ، فهنا أيضا شراء الجارية الأخيرة بغير أمره لنفسه ، وقد نقد ثمنها حصة المضارب من الربح وهو خمسمائة فيضمن له ذلك القدر ، وثمن الجارية الأخيرة كلها له ; لأنه عمل لنفسه في ماله في شرائها وبيعها .

ولو كان المضارب دفع الجارية إلى رب المال وأمره أن يبيعها ويشتري بثمنها ، ويبيع على المضاربة جاز ما صنع على المضاربة ، وما ضاع في يد رب المال من ذلك ضاع من الربح ; لأنه فيه بمنزلة أجنبي آخر استعان به المضارب في العمل ، فكما أن الأجنبي إذا استعان به المضارب يكون أمينا في المال ، وما يهلك في يده يجعل كالمالك في يد المضارب ، فكذلك رب المال ، ولو كان رب المال أخذ الجارية بغير أمر المضارب فباعها بغلام أو عرض أو شيء من المكيل والموزون يساوي ألف درهم ، وقبضها وباعها بأربعة آلاف درهم فذلك كله على المضارب ; لأن رب المال لا يتمكن من نقض المضاربة ما دام المال عروضا .

( ألا ترى ) أنه لو نهى المضارب عن التصرف لا يعمل نهيه وإن حوله المضارب من عرض إلى عرض لم يصر المال نقدا ، فكذلك لا تنتقض المضاربة بتحويل رب المال من عرض إلى عرض بغير أمر المضارب ولكنه ، فيما يباشر من التصرف بمنزلة الأجنبي يعقد [ ص: 87 ] للمضارب ، فجميع ما يحصل يكون على المضاربة ، ولو كان رب المال باع الجارية الأولى بمائتي دينار ثم اشترى بها جارية أخرى كان هذا بمنزلة بيعه لها بالدراهم ، والجارية الأخرى له دون المضارب ; لأن الدراهم والدنانير في حكم المضاربة كجنس واحد .

( ألا ترى ) أنه بعد ما نهى المضارب عن التصرف لو صار المال في يده دنانير عمل نهي رب المال حتى لا يملك أن يشتري بها عرضا بمنزلة ما لو صار المال في يده دراهم ، فكذلك هنا لما صار المال في يد رب المال دنانير انتقضت المضاربة ، بمنزلة ما لو صار دراهم ، فكان هو في شراء الجارية الأخيرة عاملا لنفسه ، والذي قلنا أن تأكيد السبب في حق المضارب بضمان الثمن بالشراء وذلك ينعدم في شراء رب المال بالدنانير ، كما ينعدم في شرائه بالدراهم بخلاف العروض ، وفي بيع المقابضة واحد من المتعاقدين لا يلتزم إلا تسليم التي من جهته سواء كان المضارب هو المباشر لهذا العقد ، أو رب المال فالتزام تسليم العين يكون بصفة واحدة ، فلهذا كان العرض المشترى بمقابلة العرض على المضارب .

ولو لم يشتر بالدنانير جارية ولكنه اشترى بها ثلاثة آلاف درهم كانت على المضاربة يستوفي رب المال منها رأس ماله والباقي بينهما على الشرط ; لأنه في هذا التصرف خاصة معين للمضارب .

( ألا ترى ) أنه بعد ما نهاه عن التصرف ، أو مات رب المال وبطلت المضاربة بموته يملك المضارب هذا التصرف ليحصل به جنس رأس المال ، فكذلك رب المال يكون معينا للمضارب في هذا التصرف ، والحاصل أن كل تصرف صار مستحقا للمضارب على وجه لا يملك رب المال منعه منه ، فرب المال في ذلك يكون معينا له سواء باشره بأمره أو بغير أمره ، وكل تصرف يتمكن رب المال أن يمنع المضارب منه فهو في ذلك التصرف بغير أمر المضارب عامل لنفسه إلا أن يكون بأمر المضارب فحينئذ يكون معينا له .

وإذا دفع العبد المأذون إلى رجل مالا مضاربة فهو جائز ; لأن هذا من صنيع التجار وهو منفك الحجر عنه فيما هو من صنيع التجار فإن اشترط أن يعمل مولاه معه على أن للعبد نصف الربح ، وللمضارب ربعه ، وللمولى ربعه ولا دين على العبد ، فالمضاربة فاسدة ; لأن المولى يستحق الربح هنا بملك المال فلا يجوز اشتراط عمله فيه .

وإن كان الدافع عبده ; ولأنه لا يجوز أن يكون هو مضاربا لعبده في عمله في المال هنا لو دفعه إليه وحده ، فلهذا كان اشتراط عمله مفسدا للعقد .

وإن كان عليه دين جاز على ما اشترطوا ; لأن عند أبي حنيفة - رحمه الله - المولى لا يملك كسب عبده المديون فهو إنما يستحق الربح بعمله هنا لا بملك المال كأجنبي آخر .

وعندهما وإن كان هو يملك كسب عبده إلا أن حق [ ص: 88 ] الغرماء في كسبه مقدم على حق المولى ، ويجوز أن يكون المولى مضاربا وحده في هذا المال لاعتبار حق الغرماء ، فكذلك يجوز اشتراط عمله مع المضارب ، ويكونان كالمضاربين في هذا المال ، ولو كان العبد اشترط عمل نفسه مع المضارب ولا دين عليه فالمضاربة فاسدة ; لأن العبد متصرف لنفسه بحكم انفكاك الحجر عنه فهو كالمالك في هذا المال ، ويده فيه يد نفسه ، فاشتراط عمله بعد التخلية بين المضارب والمال فلهذا فسدت المضاربة وللمضارب أجر مثل عمله على العبد ; لأنه هو الذي استأجره للعمل .

ولو كان الدافع مكاتبا واشترط أن يعمل مولاه مع المضارب جاز ; لأن المولى من كسب مكاتبه أبعد منه من كسب العبد المديون ، وهو يجوز أن يكون مضاربا في هذا المال وحده ، فكذلك مع غيره فإن عجز قبل العمل ولا دين عليه فسدت المضاربة ; لأن المال صار مملوكا للمولى ، وصار بحيث يستحق ربحه بملكه المال ، وقد بينا أن الفساد الطارئ بعد العقد قبل حصول المقصود به كالمقترن بالعقد ; فلهذا فسدت المضاربة فإن اشتريا بعد ذلك وباعا وربحا فالربح كله لرب المال ، والأجر للمضارب في عمله ; لأن رب المال لم يستأجره للعمل والمكاتب بالعجز صار عبدا محجورا عليه ، واستئجار العبد المحجور عليه غيره للعمل في مال مولاه باطل ، واستئجار المكاتب لو كان صحيحا في حال الكتابة يبطل بعجزه فكيف يثبت حكم الاستئجار بعد عجزه ؟ ، موجبا للأجر عليه ، ولو كانا اشتريا بالمال جارية ثم عجز المكاتب فباعا الجارية بغلام ، ثم باعا الغلام بأربعة آلاف درهم فإن المولى يستوفي منها رأس ماله وما بقي فهو بينهما على ما اشترطا ; لأن عجز المكاتب هنا بمنزلة موته ، أو بمنزلة موت الحر ، والموت لا يبطل المضاربة ما دام المال عروضا وإنما يبطل إذا صار المال نقدا فهنا كذلك .
ولو دفع مالا إلى رجل مضاربة بالنصف وأمره أن يعمل فيه برأيه فدفعه المضارب إلى رجل آخر مضاربة على أن يعمل المضارب الأول معه ، وللمضارب الآخر ربع الربح ، وللأول ربعه ، ولرب المال نصفه فالمضاربة فاسدة ; لأن المضارب الأول في عمله في المال بمنزلة المالك فاشتراط عمله يعدم التخلية بين المال وبين المضارب الآخر ، وذلك شرط صحة المضاربة الثانية ، والدليل عليه أن المضارب لا يعاقد نفسه في هذا المال عقد المضاربة وحده ، فكذلك لا يعاقد غيره على شرط عمله معه ، فإن عملا فللآخر أجر مثله ; لأنه أوفى عمله بعقد فاسد .

والربح بين الأول ورب المال على شرطهما ، والوضيعة على رب المال ; لأن المضارب الآخر أجير للأول إجارة فاسدة .

ولو استأجره إجارة صحيحة للعمل في المال كان يعطي أجره من المال ، والربح بين المضارب ورب [ ص: 89 ] المال على الشرط ، فكذلك هنا فإن دفعه المضارب الأول إلى رب المال مضاربة بالثلث فعمل به فربح ، أو وضع فإنه يقسم على شرط المضاربة الأولى ، والمضاربة الأخيرة باطلة ، والمال في يد رب المال بمنزلة البضاعة ، وعلى قول زفر - رحمه الله - الثانية تنقض الأولى ، والربح كله لرب المال وعندنا رب المال ، في العمل معين للمضارب ; لأن المضارب قد استعان به فيكون عمله كعمل المضارب ، والربح بينهما على الشرط ، ولا تصح المضاربة الأخيرة ; لأن رب المال مالك للمال يستحق الربح باعتبار ملكه فلا يجوز أن يكون مضاربا فيه ; لأن المضارب من يستحق الربح بعمله لا بملكه المال ، فالمضاربة الثانية لم تصادف محلا فكانت باطلة .

( ألا ترى ) أن المضارب لو استأجر رب المال أن يشتري له ويبيع بعشرة دراهم في الشهر فاشترى له فربح ، أو وضع كان ما صنع من ذلك جائزا على المضارب ولا أجر له ; لأنه عامل في مال نفسه ، فلا يستوجب على عمله أجرا بالشرط ، وبه تبين الفرق بينه وبين الأجنبي ، ولو دفعه المضارب إلى رجل مضاربة بالربع على أن يعمل هو ورب المال فعملا فالمضاربة الثانية فاسدة ; لأن رب المال يستحق الربح بملكه المال ، ولا يجوز أن يكون مضاربا في هذا المال وحده ، فاشتراط عمله بعدم التخلية ، فإذا فسدت المضاربة الثانية فللمضارب الآخر أجر مثله ، والربح بين الأول وبين رب المال على ما اشترطا والله أعلم .

( قال رضي الله عنه ) : وإذا قال المضارب بعد حصول الربح : شرطت لي نصف الربح وقال رب المال : شرطت لك ثلث الربح فالقول قول رب المال مع يمينه ; لأن الربح بما ملك رب المال ، وإنما يستحقه المضارب بالشرط فهو يدعي الزيادة فيما شرط له ورب المال منكر فالقول قوله مع يمينه ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المضارب لإثباته الزيادة في حقه ببينة .
وإن قال رب المال لم أشترط لك الربح ، أو قال : اشترطت لك مائة درهم من الربح ، وقال المضارب : شرطت لي نصف الربح ، فالقول قول رب المال لإنكاره استحقاق شيء من ربح ماله عليه ، وللمضارب أجر مثله فيما عمل ، أما في قوله : " شرطت لك مائة درهم " فظاهر فالمضاربة بهذا الشرط تصير إجارة فاسدة ، وكذلك في قوله : " لم أشترط ربحا " ; لأنهما اتفقا على أن الدفع إليه كان بطريق المضاربة ، فإذا لم يبين نصيب المضارب كانت إجارة فاسدة ، وقد وفى العمل فاستحق [ ص: 90 ] أجر المثل .
ولو قال المضارب : شرطت لي ثلث الربح ، وقال رب المال : شرطت لك ثلث الربح وزيادة عشرة دراهم فالقول قول المضارب ; لأنهما تصادقا على أنه شرط له ثلث الربح ، ثم أقر رب المال بزيادة على ذلك لا يستحقها المضارب ، بل ليفسد العقد ويبطل استحقاق المضارب ، فهو متعنت في هذا فلا يقبل قوله ، ويجعل القول قول من يدعي جواز العقد ; لأن الأصل في العقود الصحة ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة رب المال ; لأنه يثبت ببينته زيادة الشرط المفسد للعقد ، فهو كما لو أثبت أحد المتعاقدين خيارا أو أجلا مجهولا لا ببينة .
ولو قال رب المال : شرطت لك ثلث الربح إلا مائة ، وقال المضارب : شرطت ثلث الربح فالقول قول رب المال ; لأن المضارب يدعي عليه زيادة ، فإن الكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء المستثنى فالمضارب يدعي أن المشروط له ثلث كامل ، ورب المال ينكر ذلك ، والقول قول المنكر ; لأنه غير متعنت في ذلك ، والبينة في هذا الفصل بينة المضارب لإثباته الزيادة في حقه بالبينة .
ولو وضع في المال فقال رب المال : شرطت لك نصف الربح ، وقال المضارب : شرطت لي مائة درهم ، أو دفعته إلي مضاربة ، ولم تشترط لي شيئا فلي أجر المثل ، فالقول قول رب المال ; لأن المضارب يدعي لنفسه دينا في ذمته ، وهو أجر المثل ، ورب المال ينكر ذلك فالقول قوله ، فإن أقام رب المال البينة أنه شرط له ثلث الربح ، وأقام المضارب البينة أنه لم يشترط له شيئا ، فالبينة بينة رب المال ; لأنها قامت لإثبات شرط نصف الربح ، وبينة المضارب قامت على نفي الشرط ، والشهادة على النفي لا تقبل فلهذا كانت البينة بينة رب المال ، والقول قوله .
وإن كان أقام المضارب البينة أنه شرط له ربح مائة درهم ، وأقام رب المال البينة أنه شرط له نصف الربح فالبينة بينة المضارب ; لأن البينتين استوتا في إثبات الشرط فرجحت بينة المضارب ; لأنها تثبت دينا مضمونا في ذمة رب المال ; ولأن المضارب هو المحتاج إلى البينة ، وذكر نظير هذه المسألة في المزارعة أن رب الأرض والبذر إذا قال للعامل : شرطت لك نصف الخارج ، وقال العامل : شرطت لي مائة أقفزة من الخارج ، ولم يحصل الخارج وأقاما البينة فالبينة بينة رب الأرض والبذر ، وأكثر مشايخنا - رحمهم الله - قالوا : جوابه في كل واحد من الفصلين جواب في الفصل الآخر ، وفي المسألتين روايتان : وجه هذه الرواية ما ذكرنا ، ووجه رواية المزارعة : أن رب المال يثبت صحة العقد فترجح بينته ; لذلك ، وأصح الجوابين ما ذكر هنا .

قال الشيخ الإمام الأجل - رحمه الله - : والأصح عندي الفرق بين المضاربة والمزارعة ; لأن عقد المزارعة يتعلق بها اللزوم .

( ألا ترى ) [ ص: 91 ] أنه ليس للعامل أن يمتنع من إقامة العمل فترجح فيه البينة المثبتة لصحة العقد لما فيها من الإلزام ، وأما المضاربة فلا تكون لازمة ، فإن للمضارب أن يمتنع من العمل ويفسخ العقد متى شاء فترجح هنا البينة التي فيها إلزام وهي المثبتة للدين في ذمة رب المال .

وإذا ادعى المضارب أنه شرط له نصف الربح ، أو شرط له مائة درهم وقال رب المال : إنما دفعت إليك المال بضاعة لتشتري به وتبيع فالقول قول رب المال ; لأن المضارب يدعي استحقاق جزء من ربح ماله ، أو استحقاق الأجر دينا في ذمته ورب المال ينكر ذلك بإنكاره سببه فالقول قوله ، والبينة في هذا الفصل بينة المضارب ; لأنها تثبت حقه على رب المال ، وبينة رب المال تنفي ذلك .
ولو كانت المضاربة بالنصف فجاء المضارب بألفي درهم فقال رب المال : دفعت إليك ألفين ، وقال المضارب : دفعت إلي ألف درهم ، وربحت ألف درهم فالقول قول المضارب في قول أبي حنيفة الآخر ، وهو قول أبي يوسف ومحمد - رحمهم الله - وفي قوله الأول القول قول رب المال وهو قول زفر - رحمه الله - وجه قوله الأول : أن المضارب أقر أن جميع ما في يده مال المضاربة والأصل في مال المضاربة حق رب المال فإذا ادعى بعد ذلك استحقاق بعض المال لنفسه لا يقبل قوله إلا بحجة ، والقول قول رب المال لإنكاره كما في مسألة البضاعة ، بخلاف ما إذا قال المضارب : ألف من الألفين خلطته لي بمال المضاربة وقد كان قال له اعمل فيه برأيك ; لأن هناك لم يقر أن جميع ما في يده مال المضاربة .

والأصل أن القول قول المرء فيما في يده من المال ، بخلاف ما لو ادعى رب المال رأس المال أكثر مما جاء به المضارب وأنه قد استهلك بعضه فإن هناك هو يدعي دينا على المضارب ، والمضارب ينكر والقول قول المنكر ، وجه قوله الآخر : أن الاختلاف بينهما في مقدار المقبوض من رأس المال ، والقابض هو المضارب فيكون القول قوله في مقدار المقبوض ; لأن رب المال يدعي زيادة فيما أعطاه وهو ينكر ; لأنه لو أنكر أصل القبض كان القول قوله ، فكذلك إذا أنكر زيادة القبض يوضحه أن المال في يده فالقول قوله في بيان جهة حصوله في يده ، كما لو قال : ألف من المال لي خلطته بمال المضاربة فإن اختلفا مع ذلك فيما شرط له من الربح فقال رب المال : شرطت لك الثلث ، وقال المضارب : شرطت لي النصف فالقول قول المضارب في رأس المال ، والقول قول رب المال فيما شرط له من الربح ; لأن المضارب يدعي الزيادة فيما شرط له ، ورب المال ينكر ولو أنكر أصل الشرط بأن قال : كان المال في يدي بضاعة فالقول قوله ، فكذلك إذا أنكر الزيادة فيما شرط له ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة رب [ ص: 92 ] المال في مقدار ما سلم إليه من رأس المال ، ويأخذ الألفين برأس ماله ; لأنه أثبت زيادة فيما دفعه إليه .

وإن كان المال ثلاثة آلاف كانت البينة بينة المضارب فيما ادعى من الربح حتى إن الألف الفاضلة عن الألفين بينهما نصفان ; لأن المضارب يثبت ببينته زيادة في حصته من الربح .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,460.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,459.24 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.12%)]