|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد السادس عشر صـــ 32الى صـــ 41 (331) وإن استأجر نصيبا في أرض غير مسماة لم يجز ، وكذلك العبد والدابة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، ثم رجع أبو يوسف رحمه الله . وقال هو جائز وهو بالخيار إذا علم النصيب وهو قول محمد رحمه الله ، وقد ذكر في آخر الشفعة أنه لو باع نصيبه من الدار والمشتري لا يعلم كم نصيبه لم يجز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وهو قول أبي يوسف الأول رحمه الله ، ثم رجع أبو يوسف . وقال يجوز فأبو حنيفة استمر على مذهبه في الفصلين حيث لم يجوز البيع والإجارة في النصيب المجهول ومسألة الإجارة له أيضا بناء على إجارة المشاع فإنه لا يجوز الإجارة في النصيب الشائع ، وإن كان معلوما . فإذا كان مجهولا أولى وأبو يوسف رحمه الله استمر على مذهبه أيضا فإنه جوز البيع والإجارة في نصيب العاقد ، وإن لم يكن ذلك معلوما للأجير عند العقد ; لأن إعلامه ممكن بالرجوع إلى قول الموجب ومن أصله أيضا جواز الإجارة في الجزء الشائع ومحمد رحمه الله فرق بين البيع والإجارة . وقال في البيع الثمن يجب بنفس العقد فلو صح العقد وجب الثمن بمقابلة مجهول ، وفي الإجارة لا يجب إلا عند استيفاء المنفعة ، وعند ذلك نصيب المؤاجر معلوم فإنما يجب البدل بمقابلة المعلوم ومن أصله جواز الإجارة في المشاع . وإن استأجر مائة ذراع مكسرة من هذه الدار ، أو أجر مائتين من هذه الأرض فإنه لا يجوز في قول أبي حنيفة رحمه الله وهو جائز في قولهما وهو بناء على ما ذكرنا في البيوع إذا باع مائة ذراع من هذه الدار عند أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز ; لأن الذراع اسم لبقعة معلومة يقع عليها الذرع ، وذلك يتفاوت في الدار فكما لا ينعقد البيع صحيحا بهذا اللفظ . فكذلك الإجارة وعندهما ذكر الذراع كذكر السهم حتى ينعقد به البيع صحيحا . فكذلك الإجارة وهو بناء على اختلافهم أيضا في إجارة المشاع ولا يجوز إجارة الشجر والكرم بأجرة معلومة على أن تكون الثمرة للمستأجر ; لأن الثمرة عين لا يجوز استحقاقها [ ص: 33 ] بعقد الإجارة فإنه يجوز بيعه بعد الوجود ، وإنما يستحق بقدر الإجارة مما لا يجوز بيعه بعد الوجود ، ولأن محل الإجارة المنفعة وهي عرض لا يقوم بنفسه ولا يتصور بقاؤها والثمرة تقوم بنفسها كالشجرة فكما لا يجوز أن يتملك الشجرة بعقد الإجارة . فكذلك الثمرة ، ولأن المؤاجر يلتزم ما لا يقدر على إبقائه فربما تصيب الثمرة آفة ، وليس في وسع البشر اتخاذها ، وكذلك ألبان الغنم وصوفها وسمنها وولدها كل ذلك عين يجوز بيعه فلا يتملك بعقد الإجارة . وإن استأجر أرضا فيها زرع ورطبة ، أو شجر ، أو قصب ، أو كرم ، أو ما يمنع من الزراعة فالإجارة فاسدة ; لأن استئجار الأرض لمنفعة الزراعة وهذه المنفعة لا يمكن استيفاؤها مع هذه الموانع فقد التزم بالعقد تسليم ما لا يقدر على تسليمه ، وإن كان مقصود المستأجر ما فيها فهو عين لا يجوز استحقاقه بالإجارة . ولا يجوز إجارة الآجام والأنهار للسمك ولا لغيره ; لأن المقصود استحقاق العين ، ولأن السمك صيد مباح فكل من أخذه فهو أحق به ، وإنما يستحق على المؤاجر بالإجارة ما كان مستحقا له ، ولأن المؤاجر يلتزم ما لا يقدر على إيفائه به فإن أجرها للزراعة فهي ليست بصالحة لذلك ، وإن أجرها للسمك فربما يجده المستأجر ، وليس في وسع الآخر أن يمكنه من تحصيل ذلك . ولو استأجر بئرا شهرين ليسقي منها أرضه وغنمه لم يجز ، وكذلك النهر والعين ; لأن المقصود هو الماء وهو عين لا يجوز أن يتملك بعقد الإجارة ، ولأن الماء أصل الإباحة ما لم يحرزه الإنسان بإنائه وهو مشترك بين الناس كافة قال صلى الله عليه وسلم { الناس شركاء في الثلاث في الماء والكلأ والنار } فالمستأجر فيه والآخر سواء ; فلهذا لا يستوجب عليه أجر بسببه . وإن استأجر نهرا ليجري فيه شربا له إلى أرضه روي عن أبي يوسف رحمه الله إن ذلك لا يجوز قال أرأيت لو استأجر مسيل ماء على سطح ليسيل ما أسطحه فيه أكان يجوز ذلك فهذا كله فاسد وهكذا ذكره محمد في ظاهر الرواية وروى هشام عن محمد رحمهما الله أنه إن استأجر موضعا معينا معلوما لذلك فهو جائز ; لأن الجهالة تزول بتعيين الموضع وهي منفعة مقصودة فالاستئجار لأجله يصح وجه ظاهر الرواية أنه مجهول في نفسه فإن الضرر يتفاوت بقلة الماء وكثرته وإعلام مقدار الماء غير ممكن فربما لا يأخذ الماء جميع الموضع الذي عينه وربما يزداد عليه فللجهالة قلنا لا يجوز الاستئجار . ولو استأجر عبدا بأجر معلوم كل شهر بطعامه لم يجز ; لأن طعامه مجهول وهو على رب العبد . فإذا شرطه على المستأجر كان فاسدا والمجهول متى ضم إلى المعلوم يصير الكل مجهولا به ، وكذلك استئجار الدابة بأجر مسمى وعلفها ، وكذلك كل إجارة [ ص: 34 ] فيها رزق ، أو علف فهي فاسدة إلا في استئجار الظئر بطعامها وكسوتها ، وإن أبا حنيفة رحمه الله قال أستحسن جواز ذلك ، وقد بيناه . واشتراط تطيين الدار ومرمتها أو غلق باب عليها ، أو إدخال جذع في سقفها على المستأجر مفسد للإجارة ; لأنه مجهول فقد شرط الأجر لنفسه على المستأجر ، وكذلك استئجار الأرض بأجر مسمى واشتراط كري نهرها أو ضرب مسناة عليها ، أو حفر بئر فيها ، أو أن يسرقها المستأجر فهذا كله مفسد للإجارة ; لأن أثر هذه الأعمال تبقى بعد انتهاء مدة الإجارة ويسلم ذلك للآجر فيكون في معنى شرط أجرة مجهولة على المستأجر لنفسه ، وكذلك لو اشترط عليه رب الأرض أنه يكون له ما فيها من زرع إذا انقضت الإجارة ، وأن يردها عليه مكروبة فهذا كله مجهول ضمه إلى المعلوم وشرطه لنفسه يفسد العقد به . رجل دفع أرضه إلى رجل يغرس فيها شجرا على أن تكون الأرض والشجر بين رب الأرض والغارس نصفين لم يجز ذلك ; لأنه يكون مشتريا نصف الغراس منه بنصف الأرض والغراس مجهول فلا يصح ذلك هكذا ذكره بعض مشايخنا رحمهم الله . فأما الحاكم رحمه الله في المختصر يقول تأويل المسألة عندي أنه جعل نصف الأرض عوضا عن جميع الغراس ونصف الخارج عوضا لعمله فعلى هذا الطريق يقول اشترى العامل نصف الأرض بجميع الغراس وهي مجهولة فكان العقد فاسدا فإن فعل فالشجر لرب الأرض ; لأن العقد في الشجر كان فاسدا ومذرعته في أرضه بأمره فكأن صاحب الأرض فعل ذلك بنفسه فيصير قابضا للغراس باتصاله بأرضه مستهلكا بالعلوق فيجب عليه قيمة الشجر وأجر ما عمل ; لأنه ابتغى من عمله عوضا وهو نصف الخارج ولم ينل ذلك فكان عليه أجر مثله . فإن ( قيل ) كان ينبغي على قول أبي حنيفة رحمه الله أن يكون نصف الأرض للعامل ; لأنه اشترى نصف الأرض شراء فاسدا ومن اشترى نصف الأرض شراء فاسدا غرس فيها أشجارا فإنه ينقطع فيها حق البائع في الاسترداد عند أبي حنيفة رحمه الله ( قلنا ) هذا أنه لو غرس الأشجار لنفسه وهنا العامل في الغرس يقوم مقام رب الأرض ويعمل له بالأجر فكأن رب الأرض عمل ذلك بنفسه ; فلهذا لا يملك العامل شيئا من الأرض ، وإنما اختار هذا التأويل لإمكان إيجاب أجر العمل فإنه لو جعل مشتريا نصف الغرس كان عاملا فيما هو شريك فيه فلا يستوجب الأجر فلذلك ألزمه قيمة الغرس حين علقت ، ولو كان مشتريا للنصف لكان يلزمه نصف قيمة الغرس حين علقت ونصف قيمة الشجر وقت الخصومة ; لأنها أشجار مشتركة بينهما في أرض أحدهما . فإنما يتملك صاحب الأرض نصيب صاحبه عليه [ ص: 35 ] بالقيمة في الحال ، ثم قال ولا آمره بقلع الأشجار لما يدخل به من الفساد عليهما وبظاهر هذا يتمسك من يختار الطريقة الأولى أنه يكون مشتريا نصف الغرس ; لأنه أشار إلى أن الأشجار تكون مشتركة ، ولكنه لا يقلع لما يدخل به من الفساد عليهما . قال الحاكم رحمه الله تأويل هذا اللفظ فساد القلع على رب الأرض وضياع عمل الأجير بالقلع وبطلان حقه في الأجر ، ولو كان قد أكل الغلة على هذا حسب على الغارس ما أكل من أجره ; لأن الشجرة ملك رب الأرض ، وإنما يملك الثمر بملك الشجر فما أكله العامل من ذلك يكون محسوبا عليه من أجره . ( قال ) رضي الله عنه والأصح عندي أن يقال في تقليل هذه المسألة إن صاحب الأرض استأجره ليجعل أرضه بستانا بآلات نفسه على أن يكون أجره بعض ما يحصل بعمله وهو نصف البستان فهو كما لو استأجر صباغا ليصبغ ثوبه بصبغ نفسه على أن يكون نصف المصبوغ للصباغ ، وذلك فاسد ; لأنه في معنى قفير الطحان ونهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا ; لأن الغرس آلة تصير الأرض بها بستانا كالصبغ للثوب . فإذا فسد العقد بقيت الآلة متصلة بملك صاحب الأرض وهي متقومة فيلزمه قيمتها كما يجب على صاحب الثوب قيمة ما زاد الصبغ في ثوبه إلا أن الغراس أعيان تقوم بنفسها فلا يدخل أجر العمل في قيمتها فيلزمه مع قيمة الأشجار أجر مثل عمله ; لأنه أبقى من عمله عوضا ولم يسلم له ذلك فيستوجب أجر المثل ، ولو دفع الغزل إلى حائك لينسجه بالنصف فهو فاسد ; لأنه في معنى قفيز الطحان ، وقد بينا اختلاف المشايخ رحمهم الله فيه ، وكذلك حمل الطعام في سفينة ، أو على دابة بنصفه غير جائز ، وهذا ; لأنه لو جاز صار شريكا بأول جزء من العمل يقع على العامل فيما هو شريك فيه لا يستوجب الأجر . فإذا لم يصح العقد لم يملك شيئا من المعمول فبقي عمله مسلما إلى صاحبه بعقد فاسد فله أجر مثله لا يجاوز به نصف ذلك لتمام رضاه بذلك القدر . ولو كان طعاما بين رجلين استأجر أحدهما صاحبه ليحمله أو يطحنه لم يجز ذلك عندنا وهو جائز عند الشافعي رحمه الله ; لأن هذا العمل في نصيب شريكه غير مستحق عليه فاستئجاره على ذلك كاستئجاره أجنبيا آخر وشركته في المحل لا تمنع صحة الاستئجار كما لو استأجر أحد الشريكين من صاحبه بيتا ليحفظ فيه الطعام المشترك ، أو دابة لينقل عليها الطعام المشترك صح الاستئجار فهذا مثله ( وحجتنا ) الحديث المشهور في النهي عن قفيز الطحان ، وقد بينا أن معنى النهي أنه لو جاز صار شريكا فذلك دليل على أن تقدم الشركة في المحل يمنع صحة الإجارة ، وهذا ; لأدن العقد يلاقي العمل وهو عامل لنفسه [ ص: 36 ] من وجه وبين كونه عاملا لنفسه وبين كونه عاملا لغيره منافاة والأجير من يكون عاملا لغيره . وفيما يكون عاملا لنفسه لا يصلح أن يكون أجيرا بخلاف البيت والدابة فالعقد هناك يرد على المنفعة والبدل بمقابلتها ولا شركة له في ذلك ( ألا ترى ) أنه لا يتعين عليه حفظ الطعام المشترك في البيت ولو سلم البيت إليه في المدة استوجب الأجر ، وإن لم يحفظ فيه شيئا بخلاف ما نحن فيه فالعقد هنا يرد على العمل في المشترك حتى لا يستوجب الأجر بدون العمل ولا يعمله في محل آخر ، ثم هنا ، وإن أقام العمل فلا أجر له بخلاف مذهب أبي حنيفة رحمه الله في إجارة المشاع فإن هناك باستيفاء المنفعة يجب أجر المثل ، وإن كان العقد فاسدا ; لأن فساد العقد هناك للعجز عن استيفاء المعقود عليه على الوجه الذي أوجبه العقد لا لانعدام الاستيفاء أصلا . فإذا تحقق استيفاء المعقود عليه وجب الأجر وهنا بطلان العقد لتعذر استيفاء المعقود عليه أصلا من حيث إنه في المحل المشترك عامل لنفسه وهو في العمل الواحد لا يكون عاملا لنفسه ولغيره في حالة واحدة وبدون الاستيفاء لا يجب الأجر في العقد الفاسد وعلى هذا نسج الغزل ورعي الغنم التي تكون بينهما فكل من يستوجب الأجر بالعمل فهو داخل في هذا الخلاف . ولو استأجر رحا ماء على أنه إن انقطع الماء عنها فالأجر عليه لم يجز ; لأن هذا الشرط مخالف موجب العقد فهو فاسد مفسد للعقد ; لأن موجب العقد أن لا يجب الأجر إلا بالتمكن من استيفاء المعقود عليه وكل شرط يخالف موجب العقد مفسد للعقد ، ولأن عقد الإجارة لا يتناول وقت انقطاع الماء حتى لا يجب الأجر فيه ، وإن لم يفسخ فكأنه جعل جميع المسمى بمقابلة منفعة الرحا في وقت جريان الماء ولا يدري في كم يكون الماء جاريا وجهالة المنع تمنع صحة الإجارة . ولو استأجر كتبا ليقرأ فيها شعرا أو فقها ، أو غير ذلك لم يجز ; لأن المعقود عليه فعل القارئ والنظر في الكتاب والتأمل فيه ليفهم المكتوب فإن فعله أيضا فلا يجوز أن يجب عليه أجر بمقابلة فعله ، ولأن فهم ما في الكتاب ليس في وسع صاحب الكتاب ولا يحصل ذلك بالكتاب ، ولكن لمعنى في الباطن من حدة الخاطر ونحو ذلك وكأن صاحب الكتاب يوجب له ما لا يقدر على إيفائه فليس في عين الكتاب منفعة مقصودة ليوجب الأجر بمقابلة ذلك فكان العقد باطلا سمى المدة أو لم يسم ولا أجر له ، وإن قرأ ، وكذلك إجارة المصحف والكلام فيه أبين فإن قراءة القرآن من المصحف والنظر فيه طاعة وكان هذا كله نظيره ما لو استأجر كرما ليفتح له بابه فينظر فيه للاستيفاء من غير أن يدخله ، أو استأجر مليحا لينظر إلى وجهه فيستأنس بذلك ، أو استأجر جبا مملوءا من [ ص: 37 ] الماء لينظر فيه إذا سوى عمامته فهذا كله باطل لا أجر عليه بحكم هذه العقود . فكذلك فيما سبق . ولا يجوز أن يستأجر رجلا ليعلم ولده القرآن أو الفقه ، أو الفرائض عندنا . وقال الشافعي رحمه الله يجوز ذلك فالمذهب عندنا أن كل طاعة يختص بها المسلم فالاستئجار عليها باطل وعلى قول الشافعي كل ما لا يتعين على الأجير إقامته فالاستئجار عليه صحيح ، وقد بينا الكلام فيه في كتاب المناسك في الاستئجار على الحج والدليل على أنه لا يجوز الاستئجار على تعليم القرآن حديث عبد الرحمن بن شبل الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به } { . وقال صلى الله عليه وسلم لمدرس العلم إياك والخبز الرقاق والشرط على كتاب الله تعالى } ولما أقرأ أبي بن كعب رضي الله عنه رجلا سورة من القرآن أعطاه على ذلك قوسا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أتحب أن يقوسك الله بقوس من نار فقال لا قال صلى الله عليه وسلم رد عليه قوسه } . ولأن من يعلم غيره القرآن فهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يعمل فإنه بعث معلما وهو ما كان يطمع في أجر على التعليم . فكذلك من يخلفه وعمله ذلك قربة ومنفعة عمل يحصل له فذلك يمنعه من التسليم إلى غيره وبدون التسليم لا يجب الأجر وبعض أئمة بلخي رحمهم الله اختاروا قول أهل المدينة رحمهم الله وقالوا إن المتقدمين من أصحابنا رحمهم الله بنوا هذا الجواب على ما شاهدوا في عصرهم من رغبة الناس في التعليم بطريق الحسبة ومروءة المتعلمين في مجازات الإحسان بالإحسان من غير شرط . فأما في زماننا فقد انعدم المعنيان جميعا فنقول يجوز الاستئجار لئلا يتعطل هذا الباب ولا يبعد أن يختلف الحكم باختلاف الأوقات ( ألا ترى ) أن النساء كن يخرجن إلى الجماعات في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه حين منعهن من ذلك عمر رضي الله عنه وكان ما رواه من ذلك صوابا ولو استأجروا من يؤمهم في رمضان ، أو غيره لم يجز ; لأن المصلي عامل لنفسه فلا يستوجب الأجر على غيره . وكذلك إن استأجروا من يؤذن لهم فالمؤذن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء إلى الله تعالى ومنفعة عمله تحصل له ; لأن بكثرة الجماعة يزداد ثوابه على أداء الصلاة والأصل فيه ما ذكر من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال { كان من آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال صل بالقوم صلاة أضعفهم ، وإن اتخذت مؤذنا فلا تأخذ على الأذان أجرا } وجاء رجل إلى عمر رضي الله عنه فقال إني أحبك فقال عمر رضي الله عنه إني أبغضك في الله قال ولم يا أمير المؤمنين قال بلغني أنك تأخذ على الأذان أجرا . [ ص: 38 ] ولا تجوز الإجارة على شيء من الغناء والنوح والمزامير والطبل وشيء من اللهو ; لأنه معصية والاستئجار على المعاصي باطل فإن بعقد الإجارة يستحق تسليم المعقود عليه شرعا ولا يجوز أن يستحق على المرء فعل به يكون عاصيا شرعا ، وكذلك الاستئجار على الحداء ، وكذلك الاستئجار لقراءة الشعر ; لأن هذا ليس من إجارة الناس والمعتبر في الإجارة عرف الناس ، ولأن ما هو المقصود إنما يحصل بمضي في المستأجر وهو السماع والتأمل والتفهم فلا يكون ذلك موجبا للأجر عليه . وإن أعطى المستأجر شيئا من اللهو يلهو به فضاع ، أو انكسر فلا ضمان عليه ; لأنه قبضه واستعمله بإذن صاحبه فإن العقد ، وإن بطل فالإذن في الاستعمال باق . وإذا استأجر الذمي من المسلم بيعة يصلي فيها لم يجز ; لأنه معصية ، وكذلك إذا استأجرها ذمي من ذمي ، وكذلك الكنيسة وبيت النار فإنهم يعتقدون في هذه البقاع ما يعتقده في المساجد واستئجار المسلم من المسلم مسجدا يصلي فيه مكتوبة أو نافلة لا يجوز . فكذلك لا يمكن تصحيح هذا العقد فيما بينهم بناء على اعتقادهم ، وفي اعتقادنا هذا منهم معصية وشرك فالاستئجار عليه باطل ، ثم استئجار المسجد من المسلم للصلاة فيه كاستئجار مسلم يصلي له ، وقد بينا إن ذلك باطل ; لأنه استئجار على الطاعة فهذا مثله وعلى هذا لو استأجر أهل الذمة ذميا ليصلي بهم ، أو ليضرب لهم الناقوس فهو باطل ; لأنه معصية . وإذا استأجر الذمي من المسلم بيتا ليبيع فيه الخمر لم يجز ; لأنه معصية فلا ينعقد العقد عليه ولا أجر له عندهما ، وعند أبي حنيفة رحمه الله يجوز والشافعي رحمه الله يجوز هذا العقد ; لأن العقد يرد على منفعة البيت ولا يتعين عليه بيع الخمر فيه فله أن يبيع فيه شيئا آخر يجوز العقد لهذا ، ولكنا نقول تصريحهما بالمقصود لا يجوز اعتبار معنى آخر فيه ، وما صرحا به معصية ، وكذلك لو أن ذميا استأجر مسلما يحمل له خمرا فهو على هذا عند أبي يوسف ومحمد رحمهم الله لا يجوزان العقد ; لأن الخمر يحمل للشرب وهو معصية والاستئجار على المعصية لا تجوز والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم { لعن الله في الخمر عشرا } وذكر في الجملة حاملها والمحمولة إليه وأبو حنيفة رحمه الله يقول يجوز الاستئجار وهو قول الشافعي رحمه الله ; لأنه لا يتعين عليه حمل الخمر فلو كلفه بأن يحمل عليه مثل ذلك فلا يستوجب الأجر ، ولأن حمل الخمر قد يكون للإراقة وللصب في الخل ليتخلل فهو نظير ما لو استأجره ليحمل ميتة ، وذلك صحيح فهذا مثله إلا أنهما يفرقان فيقولان الميتة تحمل عادة للطرح وإماطة الأذى . فأما الخمر يحمل عادة للشرب والمعصية . وذكر هشام عن محمد رحمهما الله قال ابتلينا بمسألة وهو أن مسلما استؤجر على أن ينقل جيفة ميتة [ ص: 39 ] من المشركين من بلد إلى بلد . فكذلك قال أبو يوسف رحمه الله لا أجر له ; لأنه إنما يحمل حمل الجيفة إلى المقبرة لإماطة الأذى . فأما حملهما من بلد إلى بلد فهو معصية لا يجوز الاستئجار عليه ( وقلت ) أنا إن كان الأجير عالما بما أمر بحمله فلا أجر له أيضا ، وإن لم يعلم بذلك فله الأجر لمعنى الغرور واستئجار الذمي الدابة من المسلم ، أو السفينة لينقل عليها خمرا على الخلاف الذي بينا ، وإن استأجر ذمي ذميا لشيء من ذلك فهو جائز ، وكذلك لو استأجره يرعى له خنازير ; لأن الخمر والخنزير مال متقوم في حقهم بمنزلة الشاة والبعير في حقنا ، وإن استأجره ليبيع له ميتة ، أو دما لم يجز ; لأن هذا ليس بمال في حق أحد فحكمهم فيها كحكم المسلمين ولا بأس بأن يؤاجر المسلم دارا من الذمي ليسكنها فإن شرب فيها الخمر ، أو عبد فيها الصليب ، أو أدخل فيها الخنازير لم يلحق المسلم إثم في شيء من ذلك ; لأنه لم يؤاجرها لذلك والمعصية في فعل المستأجر وفعله دون قصد رب الدار فلا إثم على رب الدار في ذلك كمن باع غلاما ممن يقصد الفاحشة به ، أو باع جارية ممن لا يشتريها ، أو يأتيها في غير المأتى لم يلحق البائع إثم في شيء من هذه الأفعال التي يأتي بها المشتري ، وكذلك لو اتخذ فيها بيعة ، أو كنيسة أو باع فيها الخمر بعد أن يكون ذلك في السواد ويمنعون من إحداث ذلك في الأمصار ، وقد بينا ذلك الكلام في هذا الفصل فيما سبق واستدل بحديث ثوبة بن نمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا إخصاء ولا كنيسة في الإسلام } ولحديث مكحول أن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه صالحهم بالشام على أن يحصل عن كنائسهم القديمة وعلى أن لا يحدثوا كنيسة في مصر من أمصار المسلمين . وإن استأجر المسلم من المسلم بيتا ليصلي فيه المكتوبة ، أو التراويح لم يجز ولا أجر له لما بينا أن العقد إقامة الطاعة ، ثم يحق على كل مسلم دينا تمكين المسلم من موضع يصلي فيه عند الحاجة فلا يجوز أن يأخذ على ذلك أجرا فلو استأجر رجلا ليقتل له رجلا أو يشجه ، أو يضربه ظالما لم يجز ولا أجر له لما بينا أن العقد إقامة الطاعة ، ثم يحق على كل ; لأنه استئجار على المعصية ، ولو جاز العقد لصار إقامة العمل مستحقا عليه وفعل ما هو ظلم لا يكون مستحقا على أحد شرعا ، ولو أعطاه سلاحا لذلك فضاع أو انكسر لم يضمن ; لأنه قبضه بإذن صاحبه ، ولو أن قاضيا استأجر رجلا ليضرب حدا قد لزمه ، أو ليقبض من رجل ، أو ليقطع يد رجل أو ليقوم عليه في مجلس القضاء شهرا بأجر معلوم فالإجارة جائزة وله الأجر ; لأن المعقود عليه منافعه في المدة حتى يستوجب الأجر بتسلم النفس وهو معلوم ، ثم يحكم أنه ملك منافعه ليستعمله في إقامة الحدود وغير [ ص: 40 ] ذلك ، وإن استأجره لإقامة الحدود ، أو القصاص خاصة لم يجز ذلك ; لأنه مجهول في نفسه ، وإن فعل شيئا من ذلك كان له أجر مثله ; لأنه استوفى منافعه بعقد فاسد فإن ( قيل ) إقامة الحد طاعة فكيف يستوجب الأجر على إقامته عند فساد العقد ( قلنا ) معنى الطاعة فيه غير مقصود ; ولهذا صح من الكافر والمسلم كبناء المسجد ونحوه ولو استصحبه على أن يجعل له رزقا كل شهر فهو جائز أما إن بين مقدار ما يعطيه فالعقد جائز ; لأن المعقود عليه منافعه وهو معلوم ، وإن لم يبين مقدار ذلك فهو في هذا كالقاضي وللقاضي أن يأخذ رزقا بقدر كفايته من بيت المال ، وكذلك من ينوب عن القاضي في شيء من عمله ، وكذلك قسام القاضي إذا استأجره ليقسم كل شهر بأجر مسمى فهو جائز ، وفي حديث علي رضي الله عنه فإنه كان له قاسم يقسم بالأجر ، ولأنه لم يتعين إقامة هذا العمل على أحد دينا فيجوز الاستئجار عليه . ولو قضي لرجل بالقصاص في قتل فاستأجر رجلا يقتل له لم أجعل له أجرا ، وفي السير الكبير قال إذا استأجر رجلا يقتل مرتدا ، أو حربيا أسيرا لم يجز عند أصحابنا رحمهم الله ، ولو استأجره ليقطع طريقا جاز وأما أنا فلا أفرق بينهما وأجوز العقد فيهما ومراده بقوله عند أصحابنا أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فالحاصل أن عند محمد يجوز الاستئجار على ذلك كله ; لأنه عمل معلوم بمحله وإقامته جائز شرعا فيجوز الاستئجار عليه كذبح الشاة وقطع الطرق وكسر الحطب ، وما أشبه ذلك ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ( حرفان ) أشار إلى أحدهما في الكتاب فقال ما قيل إن هذا ليس بعمل يعني أن القتل إزهاق الروح ، وذلك ليس بصنع العباد كما أن إدخال الروح ليس من صنع العباد ولا يتصور الاستئجار عليه . فكذلك الإزهاق بخلاف الذبح فهو عبارة عن تسييل الدم النجس ليتميز به الطاهر من النجس ، وذلك بقطع الحلقوم والأوداج وهو من صنع العباد والقطع كذلك فإنه إبانة الجزء من الجملة ، وذلك يحصل بصنع العبد ، ولأن القتل إيقاع الفعل في المحل مع التجافي ومثله منه ما يحل شرعا ومنه ما يحرم كالمثلة ولا يدري كيف يكون منه إيقاع الفعل والمقصود يتم بضربة أو بضربتين فللجهالة والتردد بين الحل والحرمة لم يجز الاستئجار عليه بخلاف القطع والذبح فإنه يكون بإمرار السلاح على المحل لا بصفة التجافي عنه وكسر الحطب بإيقاع الفعل على المحل بالتجافي ، ولكن الكل فيه سواء في صفة الحل شرعا ; فلهذا جاز الاستئجار عليه ولو استأجر رجلا يغزو عنه لم يجز ذلك ; لأن الغزو طاعة فهو سنام الدين ولما حضر القتال افترض عليه الذب عن المسلمين وقتال المشركين فلا يجوز له أخذ الأجر على إقامة [ ص: 41 ] ما هو فرض عليه قال صلى الله عليه وسلم { مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون على ذلك أجرا كمثل أم موسى عليه السلام كانت ترضع ولدها وتأخذ الأجر من فرعون } . ولو شارط كحالا أن يكحل عينه شهرا بدرهم جاز ذلك ، وكذلك الدواء في كل داء ; لأنه عمل معلوم عند أهل الصنعة والاستئجار عليه متعارف بين الناس وإذا استأجر فحلا لينزيه لم يجز للأثر الذي جاء به النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التيس ، ولأن المقصود الماء ولا قيمة له وصاحب الفحل يلتزم إيفاء ما لا يقدر على تسليمه ولا تجوز الإجارة على تعليم الغناء والنوح ; لأن ذلك معصية وإن سلم غلاما إلى معلم ليعلمه عملا وشرط عليه أن يحذقه فهذا فاسد ; لأن التحذيق مجهول إذ ليس لذلك غاية معلومة وهذه جهالة تفضي إلى المنازعة بينهما ، وكذلك لو شرط في ذلك أشهرا مسماة ; لأنه يلتزم إيفاء ما لا يقدر عليه فالتحذيق ليس في وسع المعلم بل ذلك باعتبار شيء في خلقة المتعلم ، ثم فيما سمي من المدة لا يدري أنه هل يقدر على أن يحذقه كما شرط أم لا والتزام تسليم ما لا يقدر عليه بعقد المعاوضة لا يجوز . ، ولو أجر أرضه بدراهم وشرط خراجها على المستأجر فهذا فاسد ; لأن الخراج مجهول لا يعرف من أصحابنا رحمهم الله من يقول مراده في الأراضي الصلحية فالمال في ذلك يقسم على الجماجم والأراضي فتزداد حصة الأراضي إذا قلت الجماجم وتنقص بكثرة الجماجم . فأما في جراح الوظيفة لا جهالة في المقدار وقيل أن مراده من هذا إن ولاة الظلمة ألحقوا بالخراج روادف يزداد ذلك تارة ويتنقص أخرى فيكون مجهولا وقيل معناه أن الخراج بحسب الطاقة وريع الأرض كما أشار إليه عمر رضي الله عنه في قوله لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق ، وكذلك لو أعطاه بغير أجر إلا أن يشترط عليه أن يؤدي خراجها فإن الخراج على صاحب الأرض . فإذا شرطه على المزارع يكون ذلك أجرة وجهالة الأجرة تفسد الإجارة وهذا ; لأن الواجب في كل جريب درهم وقفيز مما يخرجه ، وذلك مجهول الجنس في الصفة ، ولو أجرها وشرط العشر على المستأجر فالعقد فاسد عند أبي حنيفة رحمه الله ; لأن العشر عنده على المؤاجر . فإذا شرطه على المستأجر كأن أجره وهو مجهول الجنس والقدر وعندهما العشر على المستأجر فلا يصير اشتراط ذلك عليه وخراج المقاسمة نظير العشر فيما ذكرنا . وإذا كان الأجر كذا درهما ودينارا ، أو فلسا فهو جائز وله نقد البلد ووزنهم فإن كان وزنهم مختلفا فهو فاسد حتى يبين الوزن بمنزلة الثمن في البيع ، وقد بيناه . وإن جعل الأجر دراهم مسماة عددا بغير وزن وبغير عينها فهو فاسد ومراده في الدراهم [ ص: 42 ] الموزونة فإنها تتفاوت في الوزن . فأما ما يعد ولا يوزن كالعطر يفي . فإذا سمي العدد فيه جاز كما في الفلوس ، وإن أشار إلى دراهم بعينها جازت الإجارة ، وإن لم تكن معلومة القدر كالثمن في البيع بخلاف السلم عند أبي حنيفة رحمه الله ، وقد بينا الفرق في البيوع فإن قال مائة درهم عددا مما يدخل في المائة خمسة كان جائزا ; لأنه قد سمي الوزن بما ذكر معناه فيما يزن خمسة وتسعين درهما فكأنه قال مائة إلا خمسة ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |