|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الخامس عشر صـــ 122الى صـــ 131 (321) ( ألا ترى ) أنه قد كان في بعض نساء الرسل كافرة كامرأة نوح ولوط عليهما السلام { وما بغت امرأة نبي قط هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم } ، وكذلك إذا أرادوا سفرا فتأبى أن تخرج معهم فهذا عذر ; لأنه لا يتعذر الخروج للسفر عند الحاجة لما عليهم من ذلك من الضرر ولا تجبر هي على الخروج معهم ; لأنها ما التزمت تحمل ضرر السفر ولا يمكنهم ترك الصبي عندها ; لأن غيبتهم عن الولد توحشهم فلدفع الضرر يكون لهم أن يفسخوا الإجارة وليس للظئر أن تخرج من عندهم إلا من عذر ، وعذرها من مرض يصيبها لا تستطيع معه الرضاع ; لأنها تتضرر بذلك وربما يصيبه انضمام تعب الرضاع إلى المرض ولهم أن يخرجوها إذا مرضت ; لأنها تعجز بالمرض عما هو مقصودهم وهو الإرضاع فربما يقل بسببه لبنها أو يفسد ، وكذلك إن لم يكن زوجها سلم الإجارة فله أن يخرجها لما بينا ، وكذلك إن لم تكن معروفة بالظئورة فلها أن تفسخ ; لأنها ربما لا تعرف عند ابتداء العقد ما تبتلى به من المقاساة والسهر ، فإذا جربت ذلك تضررت ولأنها تغيرت من هذا العمل على ما قيل : تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ، وما كانت تعرف ما يلحقها من الذل ، إذا لم تكن معروفة بذلك فإذا عملت كان لها أن تفسخ العقد ، وإن كان أهل الصبي يؤذونها بألسنتهم كفوا ; لأن ذلك ظلم منهم ، والكف عن الظلم واجب ، وإن ساءوا أخلاقهم معها كفوا عنها ; لأن سوء الخلق مذموم ، فإذا لم يكفوا عنها كان لها أن تخرج ; لأنها تتضرر بالصبر على الأذى وسوء الخلق ولو كان زوجها قد سلم الإجارة فأرادوا منعه من غشيانها مخافة الحبل وأن يضر ذلك بالصبي ، فلهم أن يمنعوه ذلك في منزلهم ; لأن المنزل لهم فلا يكون له أن يدخله إلا بإذنهم ، وإن لقيها في منزله فله أن يغشاها ; لأن ذلك مستحق له بالنكاح ، وبتسليم الإجارة لا يسقط حقه عما كان مستحقا له فلا تستطيع الظئر أن تمنع نفسها ولا يسع أهل الصبي أن يمنعوها عن ذلك ، ولا يسع الظئر أن تطعم أحدا من طعامهم بغير أمرهم [ ص: 123 ] لأنها في ذلك كغيرها من الأجنبيات فإن زارها أحد من ولدها فلهم أن يمنعوه من الكينونة عندها ; لأن المنزل لهم ، ولهم أن يمنعوها من الزيارة إذا كانت تضر بالصبي دفعا للضرر عنه ; لأنها قد التزمت ما يرجع إلى إصلاح الصبي ودفع الضرر عنه ، وما كان من ذلك لا يضر بالصبي فليس لهم منعها ; لأنها حرة مالكة أمر نفسها فيما وراء ما التزمت لهم . ويجوز للأمة التاجرة أن تؤاجر نفسها ظئرا كما أن لها أن تؤاجر نفسها لعمل آخر ; لأن رأس مالها بتجارتها منافعها ، وكذلك المكاتبة ، وكذلك العبد التاجر ، أو المكاتب يؤاجر أمته ظئرا ، أو يستأجر ظئرا لصبي له ; لأن الإجارة من عقود التجارة ولأن التدبير فيما يرجع إلى إصلاح كسبه إليه ، فكما يشتري لصبي له طعاما ، فكذلك يستأجر له الظئر لترضعه ، وكما يبيع أمته ، فكذلك له أن يؤاجرها فإن رد في الرق بعد الاستئجار انتقضت الإجارة فإن كان هو أجر أمته لم تنتقض الإجارة في قول أبي يوسف رحمه الله وقال محمد تنتقض وجه قول محمد رحمه الله أن المنافع بالإجارة استحقت على المكاتب وبعجزه بطل حقه ، وصار الحق في المنافع للمولى فتبطل الإجارة كما لو مات وهذا ; لأن المكاتب صار بمنزلة الحر في ملك التصرف والكسب حتى يختص هو بالتصرف دون المولى فعجزه يكون ناقلا الحق منه إلى المولى بمنزلة موت الحر وبهذا الطريق يبطل استئجاره ، وبه فارق العبد المأذون فإن الكسب كان مملوكا للمولى وكان متمكنا من التصرف فيه فالحجر عليه لا يكون ناقلا الحق إلى مولاه ( ألا ترى ) أن استئجاره لا يبطل فكذلك إجارته وهذا بخلاف ما إذا أعتق المكاتب ; لأن بالعتق يتقرر حقه في ملك الكسب والتصرف والدليل على الفرق أن المكاتب إذا استبرأ أمته ، ثم عتق فليس عليه استبراء جديد ولو عجز كان على المولى فيها استبراء جديد وأن المكاتب لو اشترى قريب نفسه من والد ، أو ولد امتنع بيعه ولو اشترى قريب المولى لا يمتنع عليه بيعه وأنه يجوز دفع الزكاة إلى المكاتب وإن كان مولاه غنيا فعرفنا أن الكسب له ما دام مكاتبا فبالعجز ينتقل إلى مولاه والدليل عليه أنه لو مات عاجزا بطلت الإجارة فكذلك إذا عجز وأبو يوسف رحمه الله يقول : بعجزه انقلب حق الملك حقيقة الملك فلا تبطل الإجارة كما إذا عتق ، وتقريره أن الكسب دائر بين المكاتب والمولى لكل واحد منهما فيه حق الملك لا حقيقة الملك ولهذا لو اشترى المكاتب امرأة مولاه ، أو امرأة نفسه لا يفسد النكاح ، ولو تزوج المولى أمة من كسب مكاتبه لم يجز ، كما لو تزوج المكاتب أمة من كسبه فعرفنا أن لكل واحد منهما حق الملك وجانب المولى في حقيقة الملك يترجح على جانب المكاتب ; لأنه أهل لذلك [ ص: 124 ] والمكاتب ليس بأهل ولو أدى مكاتب المكاتب البدل كان الولاء لمولى الأول ، ولو أعتق المولى من يكاتب على المكاتب من أقربائه نفذ عتقه فيه ولا ينفذ عتق المكاتب فعرفنا أن في حقيقة الملك يترجح جانب المولى ، ثم إذا تحقق الملك للمكاتب بالعتق لا تبطل الإجارة فإذا تحقق للمولى بالعجز أولى وهذا ; لأنه لم يتبدل من استحق عليه المنفعة بعقد الإجارة بخلاف ما إذا مات الحر وقد قبل الاستئجار على الخلاف أيضا والأصح أن أبا يوسف رحمه الله يفرق بينهما فيقول استئجار المكاتب كان لحاجته دون حاجة مولاه وقد سقطت حاجته بعجزه فأما إجارته كانت لتحصيل الأجرة وفيه حق للمولى كما للمكاتب ، فبعجزه لا ينعدم ما لأجله لزمت الإجارة ، ثم يسلم أن المكاتب منفرد بالتصرف ; لأن المولى حجر على نفسه من التصرف في كسبه ولكن بطلان الإجارة باعتبار انتقال الملك دون تبدل المنصرف ( ألا ترى ) أن العبد المأذون المديون يتصرف في كسبه دون المولى ، ثم بالحجر وسقوط الدين يتبدل المتصرف ولا تبطل به الإجارة لانعدام انتقال الملك ، وكذلك لا يبطل الاستئجار هناك ; لأنها وقعت لحاجة المولى فهو أحق بكسبه إذا قضى الدين من موضع آخر فيما يرجع إلى إصلاح ملكه يكون من حاجته ، والصحيح أنه إذا مات المكاتب عاجزا فالإجارة لا تنفسخ عند أبي يوسف رحمه الله كما لو عجز في حياته ، فأما فصل الاستبراء فذلك ينبني على ملك اليد والتصرف دون حقيقة الملك . ( ألا ترى ) أن المبيعة إذا حاضت قبل القبض فليس للمشتري أن يجتزئ بتلك الحيضة ، ونحن نسلم أن ملك اليد والتصرف للمكاتب ، وكذلك امتناع البيع ينبني على ملك اليد والتصرف للمكاتب فإن المكاتب لما كان يملك الكتابة في كسبه يتكاتب عليه قريبه ، ولما كان لا يملك العتق في كسبه لا يعتق عليه قريبه ، فأما المولى فلا يملك الكتابة في كسبه ولا العتق ; فلهذا لا يتكاتب قريب المولى إذا اشتراه المكاتب ، وكذلك حل الصدقة ينبني على انعدام ملك اليد والتصرف . ( ألا ترى ) أن ابن السبيل يحل له أخذ الصدقة والمولى ، وإن كان غنيا فلا يد له في كسب المكاتب فلهذا جاز صرف الزكاة إلى مكاتب الغني ، فأما بطلان الإجارة فينبني على انتقال ملك العين من المؤاجر إلى غيره كما قررنا فإن مات أب الصبي الحر لم تنتقض إجارة الظئر ; لأنها وقعت لحاجة الصبي والأب فيه كالنائب عنه ولهذا يؤدي الأجر من مال الصبي إذا كان له مال وأجر الظئر بعد موت الأب في ميراث الصبي ; لأنه ماله ولو كان له في حياة أبيه مالا كان للأب أن يؤدي أجر الظئر منه ، فكذلك يؤدي معنى ميراثه بعده . ولو استأجروها أن [ ص: 125 ] ترضع صبيين لهم كل شهر بكذا فمات أحدهما رفع عنهم نصف الأجر ; لأن جميع الأجر بمقابلة إرضاع الصبيين فيتوزع عليهما نصفين ; لأن التفاوت يقل في عمل الإرضاع أو ينعدم وقد بطل العقد في حق الميت منهما ; فلهذا يرفع عنهم نصف الأجر . ولو استأجروا ظئرين يرضعان صبيا واحدا فذلك جائز ويتوزع الأجر بينهما على لبنهما فإن كان لبنهما واحدا فالأجر بينهما نصفان ، وإن كان متفاوتا فبحسب ذلك وبهذا تبين أن المعقود عليه اللبن وأن البدل بمقابلته فإن ماتت إحداهما بطل العقد في حقها لفوات المعقود عليه وللأخرى حصتها من الأجر ولا يجوز بيع لبن بني آدم على وجه من الوجوه عندنا ولا يضمن متلفه أيضا وقال الشافعي رحمه الله يجوز بيعه ويضمن متلفه ; لأن هذا لبن طاهر أو مشروب طاهر كلبن الأنعام ولأنه غذاء للعالم فيجوز بيعه كسائر الأغذية وبهذا يتبين أنه مال متقوم فإن المالية والتقوم بكون العين منتفعا به شرعا وعرفا والدليل عليه أنه عين يجوز استحقاقه بعقد الإجارة فيجوز بيعه ويكون مالا متقوما كالصبغ في عمل الصباغة والحبر في الوراقة والحرض والصابون في غسيل الثياب بل أولى ; لأن العين للبيع أقبل منه للإجارة . ( وحجتنا ) في ذلك أن لبن الآدمية ليس بمال متقوم فلا يجوز بيعه ولا يضمن متلفه كالبزاق والمخاط والعرق وبيان الوصف أن المال اسم ; لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به مما هو غيرنا ، فأما الآدمي خلق مالكا للمال وبين كونه مالا وبين كونه مالكا للمال منافاة وإليه أشار الله تعالى في قوله { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ، ثم لأجزاء الآدمي من الحكم ما لعينه . ( ألا ترى ) أن شعر الآدمي لا ينتفع به إكراما للآدمي بخلاف سائر الحيوانات وأن غائط الآدمي يدفن وما ينفصل من سائر الحيوانات ينتفع به واللبن جزء متولد من عين الآدمي . ( ألا ترى ) أن الحرمة تثبت باعتباره وهي حرمة الرضاع كما تثبت حرمة المصاهرة بالماء الذي هو أصل الآدمي والمتولد من الأصل يكون بصفة الأصل فإذا لم يكن الآدمي مالا في الأصل ، فكذلك ما يتولد منه من اللبن بمنزلة الولد . ( ألا ترى ) أن ولد الأضحية يثبت فيه الحكم تبعا وأن لبن الأضحية إذا حلبت يتصدق به ولهذا روي عن أبي يوسف رحمه الله قال : يجوز بيع لبن الأمة دون لبن الحرة اعتبارا للبن الولد ولكن هذا ليس بقوي ; لأن جواز بيع الولد بصفة الرق ، فأما الآدمي بدون هذا الوصف لا يكون محلا للبيع ولا رق في اللبن ; لأن الرق فيما تحله الحياة ; فإنه عبارة عن الضعف ولا حياة في اللبن والدليل عليه أن الصحابة رضوان الله عليهم في المغرور لم يوجبوا قيمة اللبن فلو كان اللبن مالا [ ص: 126 ] متقوما كان ذلك للمستحق وكان له القيمة للإتلاف في يد المغرور ، ولا يدخل على شيء مما ذكر المنافع فإنها تقبل العقد من الحر ; لأن المنافع لا تتولد من العين ولكنها أعراض تحدث في العين شيئا فشيئا ، فكانت غير الآدمي ، ثم نحن نجعل اللبن كالمنفعة إلا أن عندنا المنفعة لا تضمن بالإتلاف وتستحق بالإجارة دون البيع ، فكذلك لبن الآدمي وبهذا تبين أن اللبن ليس بمال متقوم مقصود ; لأنه عين والعين الذي هو مال مقصود لا يستحق بالإجارة كلبن الأنعام بخلاف الصبغ فصاحب الثوب هناك لا يستحق بالإجارة عين الصبغ بل ما يحدث في الثوب من اللون وكذلك الخبز وكذلك الحرض والصابون المستحق لصاحب الثوب إزالة الدرن والوسخ عن الثوب حتى أن القصار بأي شيء أزال ذلك استحق الأجر وهنا المستحق بالإجارة عين اللبن حتى لو ربت الصبي بلبن الأنعام لا تستحق الأجر ولا نسلم أن اللبن غذاء على الإطلاق وإنما هو غذاء في تربية الصبيان لأجل الضرورة فهم لا يتربون إلا بلبن الجنس عادة كالميتة تكون غذاء عند الضرورة ولا يدل على أنها مال متقوم وهذا نظير النكاح فإن البضع يتملك بالعقد للحاجة إلى اقتضاء الشهوة وإقامة النسل ، ولا يحصل ذلك إلا بالجنس ، ثم ذلك لا يدل على أنه مال متقوم مع أن الغذاء ما في الثدي من اللبن ، وذلك لا يحتمل البيع بالاتفاق ، فأما ما يحلب القوارير قل ما يحصل به غذاء الصبي وفي تجويز ذلك فساد ; لأنه يؤجر به الصبيان فتثبت به حرمة الرضاع بينهم وبين من كان اللبن منها ولا يعلم ذلك فإن قيل سائر أجزاء الآدمي متقوم حتى يضمن بإتلاف ، فكذلك هذا الجزء قلنا قد بينا أن الآدمي في الأصل ليس بمال متقوم ولا نقول يضمن بالإتلاف أجزاء الآدمي بل يجب الضمان بالنقصان المتمكن في الأصل حتى لو اندملت الجراحة بالبرء ونبتت السن بعد القلع لا يجب شيء ; لأنه لا نقصان في الأصل ، فكذلك الإتلاف في اللبن لا يتمكن نقصان في الأصل ; ولهذا لا يجب الضمان فإن قيل لا كذلك فالمستوفى بالوطء في حكم جزء لم يضمن بالإتلاف عند الشبهة ، وإن لم يتمكن نقصان في الأصل قلنا المستوفى بالوطء في حكم النفس من وجه ; ولهذا لا يجعل البدل في إسقاط الواجب بإتلافه واللبن ليس نظيره . ( ألا ترى ) أنه لا يضمن بالإتلاف بعد البدل ومثله لا يضمن إذا لم يكن متقوما وقد بينا أنه ليس بمال متقوم ولا بأس بأن يستعطي الرجل بلبن المرأة ويشربه للدواء ; لأنه موضع الحاجة والضرورة ولو أصاب ثوبا لم ينجسه ; لأن الآدمي طاهر في الأصل فما تولد منه يكون طاهرا إلا ما قام الدليل الشرعي على نجاسته . ( ألا ترى ) أن عرقه [ ص: 127 ] وبزاقه يكون طاهرا ولأن المنفصل من أجزاء الحي إنما يتنجس باعتبار الموت ولا حياة في اللبن ولا يحله الموت ولأن المستحيل من الغذاء إلى فساد ونتن رائحة يكون نجسا واللبن ليس بهذه الصفة ; فلهذا كان طاهرا . وإن أجرت الظئر نفسها من قوم آخرين ترضع لهم صبيا ولا يعلم أهلها الأولون بذلك فأرضعت حتى فرغت فإنها قد أثمت وهذه جناية منها ; لأن منافعها صارت مستحقة للأولين فإنها بمنزلة الأجير الخاص فصرف تلك المنافع إلى الآخرين يكون جناية منها ولها الأجر كاملا على الفريقين ; لأنها حصلت مقصود الفريقين ولا تتصدق بشيء منه ; لأن ما أخذت من كل فريق إنما أخذته عوضا عن ملكها فإن منافعها مملوكة لها . ولا بأس بأن يستأجر المسلم الظئر الكافرة أو التي قد ولدت من الفجور ; لأن خبث الكفر في اعتقادها دون لبنها والأنبياء عليهم السلام والرسل صلوات الله عليهم فيهم من أرضع بلبن الكوافر ، وكذلك فجورها لا يؤثر في لبنها . فإن استأجرها ترضع صبيا له في بيتها فدفعته إلى خادمها فأرضعته حتى انقضى الأجل ولم ترضعه بنفسها فلها أجرها ; لأنها التزمت فعل الإرضاع فلا يتعين عليها مباشرته بنفسها فسواء أقامت بنفسها أو بخادمها فقد حصل مقصود أهل الصبي وكذلك لو أرضعته حولا ، ثم يبس لبنها فأرضعت خادمها حولا آخر فلها الأجر كاملا ، وكذلك لو كانت ترضعه هي وخادمها فلها الأجر تاما ولا شيء لخادمها ; لأن المنافع لا تتقوم إلا بالتسمية ففيما زاد على المشروط لا تسمية في حقها ولا في حق خادمها ، ولو يبس لبنها فاستأجرت له ظئرا كان عليه الأجر المشروط ولها الأجر كاملا استحسانا ، وفي القياس لا أجر لها ; لأنها بمنزلة أجير الخاص وليس للأجير الخاص أن يستأجر غيره لإقامة العمل وفي الاستحسان لها الأجر ; لأن المقصود تربية الصبي بلبن الجنس وقد حصل ، ولأن مدة الرضاع تطول فلما استأجروها مع علمهم أنها قد تمرض أو ييبس لبنها في بعض المدة فقد رضوا منها بالاستئجار لتحصيل مقصودهم وتتصدق بالفضل ; لأن هذا ربح حصل لا على ضمانها { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن } . وإذا استأجر امرأته على إرضاع ولده منها فلا أجر لها عندنا وقال الشافعي رحمه الله لها الأجر ; لأنه استأجرها لعمل غير مستحق عليها بالنكاح حتى لا تطالب به ولا تجبر عليه إذا امتنعت فيصح الاستئجار كالخياطة وغيرها من الأعمال والنفقة مستحقة لها بالنكاح لا بمقابلة الإرضاع بدليل أنها ، وإن أبت الإرضاع كان لها النفقة فهو نظير نفقة الأقارب لا تكون مانعة من صحة الاستئجار على الإرضاع . ( وحجتنا ) في ذلك [ ص: 128 ] قوله تعالى { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } معناه ليرضعن فهو أمر بصيغة الخبر والأمر يفيد الوجوب فظاهره يقتضي أن يكون الإرضاع واجبا عليها شرعا والاستئجار على مثل هذا العمل لا يجوز وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { : مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الأجر كمثل أم موسى عليه السلام كانت ترضع ولدها وتأخذ الأجر من فرعون } ، ثم قال الله تعالى { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } والمراد النفقة ففي هذا العطف إشارة إلى أن النفقة لها بمقابلة الإرضاع وقد دل عليه قوله تعالى { وعلى الوارث مثل ذلك } والمراد ما يكون بمقابلة الإرضاع فإذا استوجب عوضا بمقابلة الإرضاع لا يستوجب عوضا آخر بالشرط والمعنى فيه : أن هذا العمل مستحق عليها دينا ، وإن لم يكن مستحقا عليها دينا فإنها تطالب به فتوى ولا تجبر عليه كرها والاستئجار على مثله لا يجوز كالاستئجار على كنس البيت والتقبيل واللمس وما أشبه ذلك وهذا ; لأن بعقد النكاح يثبت الاتحاد بينهما فيما هو المقصود من النكاح والولد مقصود بالنكاح فكانت هي في الإرضاع عاملة لنفسها معنى فلا تستوجب الأجر على الزوج بالشرط كما في التقبيل واللمس والمجامعة وهكذا نقول في سائر أعمال البيت من الطبخ والخبز والغسل وما يرجع منفعته إليهما فهو لا يستوجب عليه الأجر بالشرط وما يكون لتجارة الزوج فهو ليس بمستحق عليها دينا ولا يرجع منفعته إليها وكذلك لو استأجرها بعد الطلاق الرجعي ; لأن النكاح باق بينهما ببقاء العدة فمعنى الاتحاد قائم ، فأما بعد انقضاء العدة الاستئجار صحيح لأنها صارت أجنبية منه وإرضاع الولد على الأب كنفقته بعد الفطام ، وكذلك في العدة من طلاق بائن لو استأجرها جاز عندنا وعند الحسن بن زياد رحمه الله لا يجوز ; لأنها في نفقته فكانت هذه الحال كما قبل الطلاق ولكنا نقول معنى الاتحاد الذي كان بالنكاح قد زال بالطلاق البائن والإرضاع بعد هذا لا يكون مستحقا عليها دينا بمنزلة سائر أعمال البيت فيجوز استئجارها عليه وذكر ابن رستم عن محمد رحمهما الله أنه كان للرضيع مال استأجرها في حال قيام النكاح بمال الرضيع يجوز ; لأن نفقتها ليس في مال الرضيع فيجوز أن يستوجب الأجر في ماله بمقابلة الإرضاع بالشرط بخلاف مال الزوج فإن نفقتها عليه وهو إنما التزم نفقتها لهذه الأعمال فلا تستوجب عليه عوضا آخر ، وكذلك إذا استأجر خادمها لذلك لأن منفعة خادمها ملكها وبدلها كمنفعة نفسها ، وإن استأجر مكاتبها كان لها الأجر ; لأن المكاتبة كالحرة في منافعها ومكاسبها يوضحه أنه كما تجب على الزوج نفقتها تجب نفقة خادمها ولا تجب عليه نفقة مكاتبتها ولو [ ص: 129 ] استأجرها ترضع صبيا له من غيرها جاز وعليه الأجر لأن هذا العمل غير مستحق عليها دينا حتى لا تؤمر به فتوى وهو ليس من مقاصد النكاح القائم بينهما بخلاف ولده منها . ولو استأجر أمه أو ابنته أو أخته ترضع صبيا له كان جائزا وعليه الأجر ، وكذلك كل ذات رحم محرم منه ; لأن الإرضاع غير مستحق على واحدة دينا حتى لا تؤمر به فتوى فيجوز استئجارها عليه فإن استأجرها ، ثم أبت بعد ذلك وقد ألفها الصبي لا يأخذ إلا منها فإن كانت معروفة بذلك لم يكن لها أن تترك الإجارة إلا من عذر ، وإن كانت لا تعرف بذلك فلها أن تأبى وقد بينا هذا في الأجنبيات أنها إذا لم تعرف بذلك العمل فإنما تأبى لدفع الضرر عن نفسها فيكون ذلك عذرا لها ، فكذلك في المحارم . ولو استأجر ظئرا لترضع له صبيا في بيتها فجعلت تؤجر لبن الغنم وتغذوه بكل ما يصلحه حتى استكمل الحولين ولها لبن أو ليس لها لبن فلا أجر لها ; لأن البدل بمقابلة الإرضاع وهي لم ترضعه إلا بما سقته لبن الغنم ولأن مقصودهم عمل مصلح للصبي وما أتت به مفسد فالآدمي لا يتربى تربية صالحة إلا بلبن الجنس ، وإن جحدت ذلك وقالت قد أرضعته فالقول قولها مع يمينها ; لأن الظاهر شاهد لها فصلاح الولد دليل على أنها أرضعته لبن الآدمية ، وإن أقام أهل الصبي البينة على ما ادعوا فلا أجر لها ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم ، وإن أقاموا جميعا البينة أخذت بينتها ; لأنها تثبت الأجر دينا في ذمة من استأجرها ويثبت إيفاء العمل المشروط والمثبت من البينتين يترجح على الباقي . وإذا التقط الرجل لقيطا فاستأجر له ظئرا فهو جائز ; لأنه هو الذي يقوم بإصلاحه واستئجار الظئر من إصلاحه وعليه الأجر ; لأنه التزمه بالعقد وهو متطوع في ذلك ; لأنه لا ولاية له عليه في إلزام الدين في ذمة اللقيط وكل يتيم ليس له أم لترضعه فعلى أوليائه كل ذي رحم محرم أن يستأجروا له ظئرا على قدر مواريثهم ; لأن أجر الظئر كالنفقة بعد الفطام والنفقة عليهم بقدر الميراث كما قال الله تعالى { وعلى الوارث مثل ذلك } وفي قوله وليس له أم ترضعه إشارة إلى أن الإرضاع عليها إذا كانت حية ولها لبن دون سائر الأقارب ; لأنها مؤسرة في حكم الإرضاع وسائر القرابات بمنزلة المعسر في ذلك فكان عليها دونهم بخلاف النفقة فإن كان لا ولي له فأجرة الظئر على بيت المال بمنزلة نفقته بعد الفطام والله أعلم . . باب إجارة الدور والبيوت ( قال : رحمه الله وإذا استأجر الرجل من الرجل دارا سنة بكذا ولم يسم الذي يريدها [ ص: 130 ] له فهو جائز ) ; لأن المقصود معلوم بالعرف فإنما يستأجر الدار للسكنى ويبنى لذلك . ( ألا ترى ) أنها تسمى مسكنا والمعلوم بالعرف كالمشروط بالنص وله أن يسكنها ويسكنها من شاء ; لأن السكنى لا تتفاوت فيها الناس ولأن سكناه لا تكون إلا بعياله وأولاده ومن يعولهم من قريب أو أجنبي وكثرة المساكن في الدار لا تضر بها بل تزيد في عمارتها ; لأن خراب المسكن بأن لا يسكنه أحد وله أن يضع فيها ما بدا له من الثياب والمتاع والحيوان ; لأن سكناه لا تتم إلا بذلك فإن ذلك معلوم بالعرف ويعمل فيها ما بدا له من الأعمال يعني الوضوء وغسل الثياب وكسر الحطب ونحو ذلك ; لأن سكناه لا تخلو عن هذه الأعمال عادة فهي من توابع السكنى والمعتاد منه لا يضر بالبناء ما خلا الرحا أن ينصب فيه أو الحداد أو القصار فإن هذا يضر بالبناء فليس له أن يفعله إلا برضاء صاحب البيت ويشترط عليه في الإجارة والمراد رحا الماء أو رحا الثور ، فأما رحا اليد فلا يمنع من أن ينصبه فيه ; لأن هذا لا يضر بالبناء وهو من توابع السكنى في العادة ، والحاصل أن كل عمل يفسد البناء أو يوهنه فذلك لا يصير مستحقا للمستأجر بمطلق العقد إلا أن يشترطه وما لا يفسد البناء فهو مستحق له بمطلق العقد ; لأن السكنى التي لا توهن البناء بمنزلة صفة السلامة في المبيع فيستحقه بمطلق العقد وما يوهن البناء بمنزلة صفة الجودة أو الكتبة أو الخبز في المبيع فلا يصير مستحقا إلا بالشرط ، وعلى هذا كسر الحطب بالقدر المعتاد منه لا يوهن البناء فإن زاد على ذلك وكان بحيث يوهن البناء فليس له أن يفعله إلا برضاء صاحب الدار . ، وإن استأجرها للسكنى كل شهر بكذا فله أن يربط فيه دابته وبعيره وشاته وهذا إذا كان في الدار موضع معد لذلك وهو المربط فإن لم يكن فليس له اتخاذ المربط في ديارنا ; لأن المنازل ببخارى تضيق عن سكنى الناس فكيف تتسع لإدخال الدواب فيها وإنما هذا الجواب بناء على عرفهم في الكوفة لما في المنازل بها من السعة وله أن يسكنها من أحب ; لأنه قد يأتيه ضيف فيسكن معه أياما وقد يحتاج إلى أن يسكنها صديقا له بأجر أو بغير أجر ، وقد بينا أن ذلك لا يضر بالبناء فلا يمنع منه ، فإن أجرها بأكثر مما استأجرها به تصدق بالفضل إلا أن يكون أصلح منها بناء أو زاد فيها شيئا فحينئذ يطيب له الفضل وعلى قول الشافعي رحمه الله يطيب له الفضل على كل حال بناء على أصله أن المنافع كالأعيان الموجودة حكما فتصير مملوكة له بالعقد مسلمة إليه بتسليم الدار فكان بمنزلة من اشترى شيئا وقبضه ، ثم باعه وربح فيه فالربح يطيب له ; لأنه ربح على ملك حلال له ، ولكنا نقول : المنافع لم تدخل في ضمانه ، وإن قبض الدار ; بدليل أنها [ ص: 131 ] لو انهدمت لم يلزمه الأجر فهذا ربح حصل لا على ضمانه { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن } ، ثم المنافع في حكم الاعتياض إنما تأخذ حكم المالية والتقوم بالتسمية بدليل أن المستعير لا يؤاجر وهو مالك للمنفعة فإن المعير يقول له ملكتك منفعتها وجعلت لك منفعتها ولو أضاف الإعارة إلى ما بعد الموت يثبت ملك المنفعة للموصى له فكذلك إذا أوجبها له في حياته ومع ذلك يؤاجر ; لأنه ليس بمقابلتها تسمية فكذلك هنا وفيما زاد على المسمى في العقد الأول لا تسمية بمقابلة المنفعة في قصده فلا يكون له أن يستفضل ، وبهذا تبين أنها ليست كالعين فإن من يملك العين بالهبة يجوز له أخذ العوض بالبيع إلا أن يكون زاد فيه شيئا فحينئذ يجعل الفضل بمقابلة تلك الزيادة فلا يظهر الفضل الخالي عن المقابلة ، وكذلك إذا أجره بجنس آخر ; لأن الفضل عند اختلاف الجنس لا يظهر إلا بالتقوم والعقد لا يوجب ذلك ، فأما عند اتحاد الجنس يعود إليه ما غرم فيه بعينه ويتيقن بالفضل فعليه أن يتصدق به لأنه حصل له بكسب خبيث بمنزلة المستعير إذا أجر فعليه أن يتصدق بالأجر . وإن كان استأجرها كل شهر فلكل واحد منهما أن ينقض الإجارة عند رأس الشهر لأن كلمة كل متى أضيفت إلى ما لا يعلم منتهاه تتناول الأدنى ، فإنما لزم العقد في شهر واحد فإذا تم كان لكل واحد منهما أن ينقض الإجارة فإن سكنها من الشهر الثاني يوما أو يومين لم يكن لكل واحد منهما أن يترك الإجارة إلى تمام الشهر إلا من عذر ; لأن التراضي منهما بالعقد في الشهر الثاني يتم إذا سكنها يوما أو يومين فيلزم العقد فيه بتراضيهما كما لزم في الشهر الأول وفي ظاهر الرواية الخيار لكل واحد منهما في الليلة الأولى من الشهر الداخل ويومها ; لأن ذلك رأس الشهر وبعض المتأخرين رحمهم الله يقول : الخيار لكل واحد منهما حين يهل الهلال حتى إذا مضى ساعة فالعقد يلزمهما وهذا هو القياس ، ولكنه فيه نوع حرج فلدفع الحرج قال : الخيار لكل واحد منهما في اليوم الأول من الشهر . وإذا استأجرها كل شهر بكذا ولم يسم أول الشهر فهو من الوقت الذي استأجرها عندنا وقال الشافعي لا يصح الاستئجار إلا أن يتصل ابتداء المدة بالعقد ولا يتصل إلا بالشرط ; لأنه إذا أطلق ذكر الشهر فليس بعض الشهور لتعيينه للعقد بأولى من بعض وجهالة المدة مفسدة لعقد الإجارة وهذا ; لأنه نكر الشهر والشهر المتصل بالعقد معين فلا يتعين باسم النكرة . ( ألا ترى ) أنه لو قال لله علي أن أصوم شهرا لا يتعين الشهر الذي يعقب نذره ما لم يعينه ، ولكنا نقول : الأوقات كلها في حكم الإجارة سواء وفي مثله يتعين الزمان الذي يعقب السبب كما في الآجال [ ص: 132 ] والأيمان إذا حلف لا يكلم فلانا شهرا وهذا ; لأن التأخير عن السبب الموجب لا يكون إلا بمؤخر ، والمؤخر ينعدم فيما تستوي فيه الأوقات بخلاف الصوم ; فإنه يختص الشروع فيه ببعض الأوقات حتى أن الليل لا يصلح لذلك ، وكذلك يوم العيدين وأيام التشريق يوضحه أن الشروع في الصوم لا يكون إلا بعزيمة منه وربما لا يقترن ذلك بالسبب ، فأما دخول المنفعة في العقد لا يستدعي معنى من جهته سوى العقد فما يحدث بعد العقد يكون داخلا في العقد إلا أن يمنع منه مانع ، ثم إن كان العقد في اليوم الأول من الشهر فله شهر بالهلال تم أو نقص ، وإن كان ذلك اليوم في بعض الشهر فله ثلاثون يوما لأن الأهلة أصل في الشهور قال الله تعالى { يسألونك عن الأهلة } والأيام تدل على الأهلة وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يوما } وإنما يصار إلى البدل إذا تعذر اعتبار الأصل فإن كان استأجرها شهرا حين أهل الهلال فاعتبار الأصل هنا ممكن فكان له أن يسكنها إلى أن يهل الهلال من الشهر الداخل وإذا كان في بعض الشهر فقد تعذر اعتباره بالأهلة فيعتبر بالأيام ثلاثين يوما . ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |