|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع عشر صـــ 12الى صـــ 21 (291) وعلى هذا لو اشترى منطقة ، أو سيفا محلى بدراهم أكثر منها وزنا يجوز عندنا ، ولا يجوز عند الشافعي ، واستدل فيه بحديث { فضالة بن عبيد قال : أصبت قلادة يوم خيبر فيها خرز وذهب فبعتها باثني عشر دينارا ، ثم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا حتى يفصل } وتأويل ذلك عندنا إذا كان يعلم أيهما أكثر وزنا ، أو يعلم أن وزن الذهب الذي في القلادة أكثر أو مثل المنفصل ، وفي هذه الوجوه عندنا لا يجوز العقد . وإذا اشترى لجاما مموها بفضة بدراهم بأقل مما فيه أو أكثر فهو جائز ; لأن التمويه لون الفضة وليس بعين الفضة ، ألا ترى أنه لا يتخلص منه شيء فلا يجري الربا باعتباره . وعلى هذا لو اشترى دارا مموهة بالذهب بثمن مؤجل فإنه يجوز ، وإن كان بسقوفها من التمويه بالذهب أكثر من الفضة أو الذهب ; لأنه لا يتخلص منه شيء ، فلا يعتبر ذلك في حكم الربا ، ولا في وجوب التقابض في المجلس . وإذا اشترى الرجل عشرة دراهم بدينار من رجل فانتقد أحدهما وأخذ الآخر رهنا بحقه فيه فهلك الرهن قبل الافتراق فهو جائز ، والرهن بما فيه ; لأن عقد الرهن يثبت يد الاستيفاء ، ويتم ذلك بهلاك الرهن من المالية دون العين حتى كانت العين هالكة على ملك الراهن فيجعل استيفاؤه قبل الافتراق بهلاك الرهن بمنزلة الاستيفاء حقيقة ، وقد بينا في السلم الاختلاف في الرهن والكفالة برأس المال فهو كذلك يبدل في الصرف . وإذا كان على ذهب فيه لؤلؤ ، وجوهر لا يستطيع أن يخلصه منه إلا بضرر فاشتراه رجل بدينار لم يجز حتى يعلم أن الدينار فيه أكثر مما فيه من الذهب . وعلى قول زفر إذا لم يعلم أيهما أكثر فالعقد جائز أيضا ، وقد بينا نظيره في السيف المحلى فإن باعه بدينار نسيئة لم يجز فإن في حصة الحلية العقد صرف فيفسد شرط الأجل ، واللؤلؤ والجوهر لا يمكن تخليصه وتسليمه إلا بضرر ، فإذا فسد العقد في بعضه فسد في كله . ولا يجوز شراء الفضة بالفضة مجازفة لا يعرف وزنها أو وزن أحدهما لقوله صلى الله عليه وسلم { : الفضة بالفضة مثل بمثل } والمراد المماثلة في الوزن ; فإما أن يكون المراد أن يكون مثلا بمثل عند الله ، أو عند المتعاقدين ، ونحن نعلم أن الأول ليس بمراد فالأحكام لا تبنى على ما لا طريق لنا إلى معرفته عرفنا أن المراد العلم بالمماثلة عند المتعاقدين ، فصار هذا شرط جواز العقد ، وما هو شرط جواز العقد إذا لم يقترن بالعقد يفسد العقد فإن وزنا بعد العقد وكانا متساويين فإن كانا بعد في مجلس العقد فجواز العقد استحسانا ; لأن مجلس العقد جعل كحالة العقد ، ألا ترى أن انعدام الدينية في البدلين شرط جواز العقد ، ثم إذا [ ص: 13 ] انعدم ذلك بالتقابض في المجلس جعل كالمقترن بالعقد فكذلك العلم بالمماثلة ، وإن وزنا بعد الافتراق عن المجلس جعل كالمقترن بالعقد فكذلك العلم بالمماثلة فالعقد فاسد عندنا . وقال زفر إن كانا متساويين فالعقد جائز ; لأنه قد تبين أن شرط الجواز - وهو المماثلة - كان موجودا عند العقد فإنه لا تأثير للوزن في إحداث المماثلة ، وإنما يظهر به مماثلة كانت موجودة وعلم المتعاقدين بوجود شرط جواز العقد ليس بشرط لصحة العقد ، كما لو تزوج امرأة بمحضر من الشاهدين ، ولا يعلم بهما المتعاقدان ، ولكنا نقول : قد بينا أن العلم بالمماثلة شرط الجواز هنا ، وذلك لا يحصل إلا بالوزن فيصير الوزن الذي هو فعل المتعاقدين من شرط جواز العقد كالإيجاب والقبول شرط انعقاد العقد ، فكما يفصل هناك بين المجلس وما بعده فكذلك يفصل هنا ، ثم الفصل موهوم ، والموهوم فيما يبنى على الاحتياط كالمتحقق ، وتأثير الفضل في إفساد العقد كتأثير عدم القبض وأقوى ، فكما أن ترك القبض حتى افترقا مفسد لهذا العقد فكذلك توهم الفضل بترك الوزن حتى افترقا يكون مفسدا . وإن اشترى سيفا محلى بفضة بدراهم بأكثر مما فيه ثم تفرقا قبل التقابض فسد البيع كله ; لأنه شيء واحد لا يتبعض ، معناه أن العقد فسد في حصة الحلية بترك التقابض ، ولا يمكن إبقاؤه صحيحا في حصة الجفن والحمائل كما لا يجوز ابتداء البيع في الجفن والحمائل والنصل دون الفضة فإن قبض السيف ونقد من الثمن حصة الحلية في المجلس جاز ; لأن قبض حصة الحلية في المجلس مستحق ، وقبض حصة الجفن والحمائل غير مستحق فيصرف المقبوض إلى ما كان القبض فيه مستحقا ; لأن ما ليس بمستحق لا يعارض المستحق ، وإذا انصرف إليه فإنما وجد الافتراق بعد التقابض فيما هو صرف ، وكذلك إن أجل البقية إلى أجل معلوم فهو جائز ; لأنه ثمن مبيع لا يشترط فيه القبض في المجلس فيصح التأجيل فيه . وإذا اشترى عشرة دراهم بدينار فتقابضا ثم وجد فيها درهما ستوقا ، أو رصاصا فإن كانا لم يتفرقا استبدله ; لأن المقبوض ليس من جنس حقه فكأنه لم يقبضه أصلا ، وتأخير القبض إلى آخر المجلس لا يصير ، وإن كانا قد افترقا فليس له أن يتجوز به ; لأن الستوق والرصاص ليسا من جنس الدراهم فيكون مستبدلا به لا مستوفيا ولكن يرده ، وكان شريكا في الدينار بحصته ; لأنه تبين أنه كان قبض في المجلس تسعة دراهم ، ولم يقبض درهما حتى افترقا ، طعن عيسى في هذا اللفظ فقال قوله : " كان شريكا في الدينار بحصته " غلط ، والصحيح أنه شريك في مثل ذلك الدينار بالعشر ; لأن النقود عندنا لا تتعين في العقود والفسوخ ، ألا ترى أنهما بعد التقابض لو [ ص: 14 ] تفاسخا العقد لم يجب على واحد منهما رد المقبوض من النقد بعينه ولكن إن شاء رده ، وإن شاء رد مثله فكذلك هنا لا يصير شريكا في عين ذلك ، وإنما له عشر الدينار دينا في ذمته إلا أن يتراضيا على أن يرد عليه عشر ذلك الدينار ، ولكن ما ذكره في الكتاب أصح ; لأن بالافتراق قبل القبض يفسد العقد من الأصل لوجود شرط الفساد ، وهو الدينية ; لأن الدين بالدين حرام ، ولكن إذا وجد القبض في المجلس جعل كالموجود عند العقد فإذا لم يوجد كان العقد فاسدا من أصله فتبين أن حصته من الدينار مقبوضة بحكم عقد فاسد فيجب رده بعينه ; لأن وجوب الرد من حكم القبض هنا لا من حكم العقد ، والنقود تتعين بالقبض كما في القبض بحكم الهبة . وإذا اشترى الرجل من الرجل ألف درهم بمائة دينار وليس عند كل واحد منهما درهم ولا دينار ، ثم استقرض كل واحد منهما مثل ما سمى ودفعه إلى صاحبه قبل أن يتفرقا جاز ; لأن كل واحد منهما يلتزم المسمى في ذمته بالعقد ، وذمته صالحة للالتزام فصح العقد ، ثم الشرط التقابض قبل الافتراق وقد وجده ، قال : ولا يشبه هذا العروض والحيوان ، وحقيقة المعنى في الفرق أن السلع مستحقة بالعقد مبيعا ، وحكم البيع في المبيع وجوب الملك والتسليم فما لم يكن موجودا في ملكه لا يمكن إثبات حكم البيع فيه ، وإضافة السبب إلى محل لا يفيد حكمه لا يجوز ، وأما النقود فمستحقة بالعقد ، وحكم العقد في الثمن وجوبه ووجوده به معا ، وذلك متحقق بالذمة الصالحة للالتزام ، وإن لم يكن موجودا في ملكه عينا فلهذا كان العقد صحيحا ، قال : وليس هذا مثل بيع الرجل ما ليس عنده ; لأن الدراهم والدنانير ثمن ، وهو إشارة إلى ما بينا ، وفيه بيان أيضا أن المنهي عنه بيع ما ليس عند الإنسان فالبيع محله المبيع ، وذلك في السلع دون الأثمان ; فلذلك جوزنا الشراء بثمن ليس عنده ، وكل واحد من المتعاقدين بهذه الصفة . وكذلك شراء تبر الذهب بتبر الفضة ، أو تبر الفضة بتبر الذهب ، وليس ذلك عند واحد منهما ، ثم استقرضه كل واحد منهما ودفعه إلى صاحبه فهو جائز لأن الذهب والفضة ثمن بأصل الخلقة ، فالتبر والمضروب في كونه ثمنا سواء ، وهذا إذا كان التبر يروج بين الناس رواج النقود ، وقد بينا الكلام في الشركة بالتبر في كتاب الشركة . ولو اشترى إناء مصوغا ، أو قلب فضة بذهب ، أو بفضة تبر ، ثم استحق الإناء أو القلب بطل البيع ، وإن كانا في المجلس ، بخلاف الدراهم والدنانير فإنها إذا استحقت قبل الفرقة فعليه أن يعطي مشتريها مثلها ، ولا يبطل الصرف ; لأن القلب يتعين بالتعين ، والدراهم والدنانير لا تتعين فباستحقاق المقبوض من [ ص: 15 ] الدراهم والدنانير ينعدم القبض ، وترك القبض إلى آخر المجلس لا يضر ، أما استحقاق القبض فينعدم بتسليم المعقود عليه ، وذلك مبطل للعقد ، ألا ترى أن حكم العقد في القلب وجوب الملك ; ولهذا يشترط وجوده في ملك العاقد عند العقد وقدرته على التسليم ، فعرفنا أنه مبيع فباستحقاقه يبطل البيع بخلاف النقود على ما نبينه ، وهذا إذا لم يجز المستحق العقد أما إذا أجازه جاز العقد ; لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء . وعن أبي يوسف قال : إن قال المستحق أثبت ملكي لأجيز العقد فله أن يجيزه ، وإن لم يقل ذلك فاستحقاقه إبطال منه للبيع ; لأنه يطلب من القاضي أن يقضي له بملك متقرر ، وذلك مناف لسبب الإزالة فليس له أن يجيز العقد بعد ذلك . والنقود لا تتعين في عقود المعاوضات بالتعيين عندنا ، ويتعين عند زفر والشافعي حتى لو اشترى شيئا بدراهم معينة فحبسها وأعطى البائع مثلها فليس له أن يأتي ذلك عندنا ، ولو هلكت تلك الدراهم ، أو استحقت لا يبطل البيع عندنا ، ويبطل عند زفر والشافعي - رحمهما الله - لأن هذا تصرف صدر من أهله في محله فيصح به التعين كما في السلع ، وهذا بدل في عقد معاوضة فيتعين بالتعين كالمبيع ، وبيان الوصف أن النقود تملك أعيانها ، وموجب عقد المعاوضة الملك فيما يملك عينه من المال فيكون محلا لموجب العقد وكان هذا التعيين مصادفا محله ، والدليل عليه أن النقود تتعين بالقبض حتى إن الغاصب لو أراد حبس الدراهم المغصوبة ، ورد مثلها لم يكن له ذلك ، وكذلك في الهبة تتعين حتى يكون للواهب الرجوع في عينها ، وفي الصدقة والوصية كذلك ، وكذلك في عقود المعاوضات ، وهذا لأن في التعيين فائدة لهما أما للبائع فلأنه إذا ملك العين كان أحق به من سائر غرماء المشتري بعد موته ، ولا يملك المشتري إبطال حقه بالتصرف فيه وربما يكون ذلك من كسب حلال فيرغب فيه ما لا يرغب في غيره ، وأما منفعة المشتري فمن حيث إنه لا يطالب بشيء آخر إذا هلكت تلك العين في يده ، وأن تكون ذمته خالية عن الدين ، وبهذا الطريق تتعين الدراهم في الوكالة حتى لو دفع إليه الدراهم ليشتري بها شيئا فهلكت بطلت الوكالة ، ويتعين في النذر أيضا ، والدليل على أنها تتعين في البيع أن الغاصب إذا اشترى بالدراهم المغصوبة بعينها طعاما ، ونقدها لا يباح له تناولها ، ولو لم تتعين لحل له ذلك كما لو اشترى بدراهم مطلقة ثم نقد تلك الدراهم ، وقال في الجامع : إذا قال إن بعت هذا العبد بهذا الألف ، وبهذا الكر فيهما صدقة فباعه بهما يلزمه التصدق بالكر فلو لم تتعين تلك الدراهم لما لزمه التصدق كما لو باعه بألف مرسلة وبذلك الكر ولأجل هذه المسألة كان الكرخي يقول [ ص: 16 ] : النقود تتعين في العقود جوازا لا استحقاقا حتى لا يملك عينها بالعقد ، ولهذا لا يلزمه التصدق بالدراهم ، وتعتبر بعينها حتى يتصدق بالكر ، وحجتنا في ذلك أن الاستبدال بالنقود قبل القبض يجوز وإن عينت ، ولو تعينت حتى ملك عينها لصار قبضها مستحقا ، وفي الاستبدال تفويت القبض المستحق بالعقد فلا يجوز ذلك كما في السلع ، ولو كان العقد يبطل بهلاكها بعد التعيين لم يجز الصرف فيها قبل القبض لبقاء الغرر في الملك المطلق كما في السلع فإن منع الشافعي هذا الفصل يستدل بحديث { ابن عمر رضي الله عنهما حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا نبيع الإبل بالبقيع فربما نبيعها بالدراهم ونأخذ مكانها دنانير فقال صلى الله عليه وسلم : لا بأس إذا افترقتما ، وليس بينكما عمل } ولم يستفسره أنهم يبيعون بالدراهم المعينة أو غير المعينة ، وفيه طريقتان من حيث المعنى أحدهما أن تعيين النقد غير مقيد فيما هو المقصود بالعقد فيكون لغوا كتعيين الصنجات والمكيال ، وهذا لأنه إنما يراعي في العقد ما يكون مفيدا ، ألا ترى أن أصل العقد إذا لم يكن مقيدا لا يعتبر فكذلك الشرط في العقد ، وبيان الوصف أن التعيين لا يفيد جواز العقد فإن العقد جائز بتسمية الدراهم المطلقة من غير تعيين ، والمقصود بالعقد الربح ، وذلك بقدر الدراهم لا بعينها ، وليس في غير الدراهم والدنانير مقصود ، إنما المقصود المالية ، وما وراء ذلك هي والأحجار سواء ، والمالية باعتبار الرواج في الأسواق ، ومثلها وعينها لا يختلف في هذا المعنى فعرفنا أن التعيين غير مفيد فيما هو المطلوب بالعقد ، وبه فارق المكيل والموزون فالتعيين هناك مفيد لجواز العقد ; لأن بدون التعيين لا يجوز العقد إلا بذكر الوصف ، وربما يعجز عن إعلام الوصف فيسقط ذلك عن نفسه بالتعيين ، ولأن أعيانها مقصودة ، وهي تتفاوت في الربح فكان تعيينها مفيدا في الجملة أما ما ذكر من الفوائد فليس من مقاصد العقد وإنما يطلب فائدة التعيين فيما هو المقصود بالعقد ، وفيما هو المقصود ; وهو ملك المال ، الدين أكمل من العين ; لأن بدون التعيين لا ينتقض العقد ، وبالتعيين ينتقض فإنه إذا استحق المعنى أو هلك بطل ملكه فيه ، وإذا ثبت دينا في الذمة لا يتصور هلاكه ، ولا بطلان الملك فيه بالاستحقاق ، والطريق الآخر ، وهو أن التعيين لو اعتبر في النقد يبطل به العقد ، وبالإجماع العقد صحيح فعرفنا أن التعيين لغو ، وبيان هذا من وجهين : أحدهما : وهو أن النقود لا تستحق في عقود المعاوضات إلا ثمنا ، والثمن ما يكون في الذمة كما قاله الفراء فإذا اعتبر ثبوت التعيين امتنع ثبوت المسمى في الذمة ثمنا ، وذلك ينافي موجب العقد فيكون مبطلا للعقد ، والثاني : هو أن حكم العقد في الثمن وجوبه [ ص: 17 ] ووجوده معا بالعقد بخلاف السلع فحكم العقد فيها وجوب الملك للمشتري فيما كان مملوكا للبائع ، ولهذا يشترط للعقد على السلع قيامها في ملك البائع إلا في موضع الرخصة ; وهو السلم ، فلا يشترط ذلك في السلم حتى يجوز الشراء بثمن ليس عنده من غير ضرورة ولا يتعين إلا في موضع الرخصة ; وهو السلم ، فهناك يتعين بالقبض دون التعيين حتى لو افترقا بعد تعيين رأس المال قبل القبض لا يجوز ولا ينجبر ذلك النقص بقبض ما يقابله في المجلس ، وهو المسلم فيه فعرفنا أن تعيين الدراهم هناك بالقبض باعتبار الضرورة ، وأن ذلك لا يثبت بالتعيين فكذلك في باب الصرف بعد التعيين من الجانبين يبطل بالافتراق قبل القبض ، وأظهر من هذا كله جواز الاستبدال برأس مال السلم قبل القبض بخلاف المبيع ، عينا كان أو دينا فكان التعيين في الثمن إبطالا لحكمه ، وجعلا لما هو الحكم شرطا ، وهذا تغيير محض فيكون مبطلا للعقد ، وبالإجماع العقد صحيح فعرفنا أن التعيين لغو ، وبهذا ظهر الجواب عن قوله : إن التعيين يصرف في محله والفرق بين الثمن والسلعة ، واعتبار العقد بالقبض ساقط ; لأن القبض لا يرد إلا على العين فكان التعيين ركنا فيه ، والعقد لا يرد على الثمن إنما يجب الثمن بالعقد ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان دينا في الذمة ، وفي الوكالة عندنا لا يتعين حتى لو اشترى الوكيل بمثل تلك الدراهم في ذمته كان مشتريا للموكل ، ولو هلك بعد الشراء رجع على الموكل بمثلها أما قبل الشراء إذا هلكت فإنما بطلت الوكالة عندنا لأنها غير لازمة في نفسها ، والموكل لم يرض بكون الثمن في ذمته عند الشراء فلو بقيت الوكالة لاستوجب الوكيل بالشراء الدين في ذمة الموكل ، وهو لم يرض به ، وفي مسألة الشراء بالدراهم المغصوبة لا تتعين تلك الدراهم حتى لو أخذها المغصوب منه كان على الغاصب مثلها دينا ، ولكنه استعان في العقد والنقد بما هو حرام فيتمكن فيه الخبث فلهذا لا يحل له تناوله ، وفي مسألة الجامع لم تتعين الدراهم أيضا بدليل أنه لا يلزمه التصدق بها ، ولكنه لما أضاف النذر إليهما مع أن الدراهم لا تتعين في عقود المعاوضات صار تقدير كلامه كأنه قال : إن سميت هذه الدراهم ، وهذا الكر في بيع هذا العبد فهما صدقة ، وقد وجد ذلك ، وملك الكر بنفس العقد ، والشروط في الأثمان تعتبر بحسب الإمكان . قال : وإذا اشترى الرجل ألف درهم بعينها بمائة دينار ، والدراهم بيض فأعطاه مكانها سودا ، ورضي بها البائع جاز ذلك ; لأن هذا ليس باستبدال ، والسود والبيض من الدراهم جنس واحد ، وإنما أبرأه عن الصفة حتى يجوز بالسود فكان مستوفيا بهذا الطريق لا مستبدلا ، ومراده من السود : المضروب [ ص: 18 ] من النقرة السوداء إلا الدراهم التجارية حتى إنه لو باع دينارا بدراهم بيض ، وقبض مكان الدراهم البيض التجارية فإنه لا يجوز ; لأنه يكون استبدالا لاختلاف الجنس . وكذلك لو قبض الدراهم فأراد أن يعطيه ضربا آخر من الدنانير سوى ما عينه لم يجز ذلك إلا برضاه فإن رضي به كان مستوفيا لا مستبدلا لكون الجنس واحدا ، وقد بينا أن ما عينه لم يتعين ، وإنما استوجب كل واحد منهما في ذمة صاحبه مثل المسمى ، وقيل هذا إذا أعطاه ضربا هو دون المسمى فإن أعطاه ضربا هو فوق المسمى فلا حاجة إلى رضا مشتري الدنانير به ; لأنه أوفاه حقه ، وزيادة إلا على قول زفر فإنه يقول هو متبرع عليه بزيادة صفة فله أن لا يقبل تبرعه ، وقد بينا هذا في السلم . ولو اشترى ألف درهم بمائة دينار ، ولم يسم كل واحد منها شيئا فلكل واحد منهما نقد الناس في ذلك البلد ; لأن المتعارف فيما بين الناس هي المعاملة بالنقد الغالب ، وإليه ينصرف مطلق التسمية ، والتعيين بالعرف كالتعيين بالنص يقول : وإذا كان بالكوفة فهو على دنانير كوفية ; لأن الدراهم والدنانير في البلدان تختلف وتتفاوت في العيار ، والظاهر أن في كل بلدة إنما يتصرف الإنسان بما هو النقد المعروف فيها فإذا كان ببلد نقد مختلف متفاضل فالبيع فاسد إلا أن يسمي ضربا من ذلك معلوما ، والضرب المعلوم أن يذكر من الدينار نيسابوريا ، أو كوفيا ونحوه ، ومن الدراهم عطربعثيا ، أو مؤيديا ، ونحوه إذا كانت النقود في الرواج سواء ; لأنه لا يمكن ترجيح بعضه عند إطلاق التسمية فيبقى المسمى مجهولا ، وهذه الجهالة تفضي إلى المنازعة فالمطالب يطالب بأعلى النقود ، والمطلوب بأدنى النقود ، وكل واحد منهما يحتج بمطلق التسمية فلهذا فسد العقد إذا لم يسميا ضربا معلوما ، وإن كان نقدا من ذلك معروفا ، وشرطا في العقد نقدا آخر فالعقد ينعقد على النقد المشروط ; لأن تعيين النقد الغالب بالعرف ، ويسقط اعتبار العرف عند التنصيص بخلافه ، ألا ترى أن تقديم المائدة بين يدي الإنسان إذن بالتناول للعرف ، ثم يسقط اعتباره إذا قال لا تأكل فإن اختلفا فقال أحدهما : شرطت لي كذا ; لشيء أفضل من النقد المعروف ، وقال الآخر : لم أشترط لك ذلك فعليهما الثمن لأن اختلافهما في صفة الثمن كاختلافهما في مقداره لأن الثمن دين ، والدين يعرف بصفته ، والجيد منه غير الرديء حتى إذا حضرا كان أحدهما غير الآخر ، واختلاف المتبايعين في الثمن يوجب التحالف بالنص فأيهما نكل لزمه دعوى صاحبه ; لأن نكوله كإقراره ، وإن تحالفا ترادا ، وإن قامت لهما البينة أخذت بينة الذي يدعي الفضل منهما لإثبات الزيادة فيها . ال : وإذا ابتاع الرجل سيفا محلى بفضة بعشرة دنانير [ ص: 19 ] فقبض السيف ولم ينقد الدنانير لم يتفرقا حتى باع المشتري السيف من آخر ، وقبضه المشتري الآخر ، ولم ينقد الثمن حتى افترقوا فإنه يرد السيف إلى المشتري الأول ; لأن كل واحد من العقدين صرف فيبطل بالافتراق قبل القبض ، وإذا بطل العقد الثاني رجع السيف إلى المشتري الأول على الملك الذي كان له قبل البيع ، وقد فسد شراؤه أيضا فلزمه رد المقبوض إلى البائع ، ولو لم يفارق الآخر الأوسط حتى فارق الأول نقده الآخر جاز بيع الأوسط في السيف ; لأنه باعه بعدم تمام ملكه بعد القبض ، وقد تم العقد الثاني بالتقابض قبل الافتراق ، وفسد العقد الأول فوجب على الأوسط رد السيف ، وقد عجز عن رده بإخراجه عن ملكه فيضمن قيمته للبائع ، وإن فارقه الأول ، ثم إن الأوسط باع السيف من الآخر جاز بيعه أيضا ; لأن العقد وإن فسد بالافتراق فقد بقي ملكه ببقاء القبض ; لأن فساد السبب لا يمنع ابتداء الملك عند القبض فلا يمنع بقاؤه بطريق الأولى ، ثم بتقرر بيعه عجز عن رده فيكون ضامنا قيمة السيف لصاحبه ، وإن باع الأوسط نصف السيف ثم فارقه الأول ثم قبض من الآخر الثمن ، ودفع إليه نصف السيف ، أو لم يدفع حتى جاء الأول وخاصمهم فإنه يدفع إلى الأول نصفه ; لأن ملكه باق في نصف السيف ، وقد فسد السبب فيه فعليه رده ، وقد جاز البيع في نصفه فيضمن الأوسط نصف قيمة السيف للأول من الذهب كي لا يؤدي إلى الربا إذا ضمن قيمته من الدراهم . قال : وإذا اشترى ألف درهم بمائة دينار فنقد الدنانير وقال الآخر : اجعل الدراهم قصاصا بالدراهم التي لي عليك فهو جائز ، وإن أبى لم يجبر على ذلك ، ولم يكن قصاصا ، والحاصل أن المقاصة بدل الصرف بدين سبق وجوبه على عقد الصرف يجوز عندنا - استحسانا - إذا اتفقنا عليه ، وفي القياس لا تجوز ، وهو قول زفر ; لأن بالعقد المطلق يصير قبض البدلين في المجلس مستحقا ، وفي المقاصة تفويت القبض المستحق بالعقد ، فلا يجوز بتراضيهما كما لا يجوز الإبراء عن بدل الصرف ، والاستبدال به ، وهذا لأن في المقاصة يكون آخر الدينين قضاء عن أولهما ، ولا يكون أولهما قضاء عن آخرهما ; لأن القضاء يتلو الوجوب ولا يسبقه فلو جوزنا هذه المقاصة صار قاضيا ببدل الصرف الدين الذي كان واجبا ، وبدل الصرف يجب قبضه ولا يجوز قضاء دين آخر به ، والدليل عليه رأس مال السلم فإنهما لو جعلاه قصاصا بدين سبق وجوبه لم يجز فكذلك بدل الصرف لأن كل واحد منهما دين مستحق قبضه في المجلس ، ووجه الاستحسان أنهما لما اتفقا فقد حولا عقد الصرف إلى ذلك الدين ، ولو أضافا العقد [ ص: 20 ] إليه في الابتداء جاز بأن يشتري بالعشرة التي عليه دينارا ويقبض الدينار في المجلس فكذلك إذا حولا العقد إليه في الانتهاء ; لأنهما قصدا تصحيح هذه المقاصة ، فلا طريق له سوى هذا ، وما لا يتوصل إلى المقصود إلا به يكون مقصود الكل واحدا ، ولهذا شرطنا تراضيهما على المقاصة ، وإن كان في سائر الديون المقاصة تقع بدون التراضي ; لأن هذا تحويل العقد إلى ذلك الدين ، والعقد قد تم بهما فالتصرف به بالتحويل لا يكون إلا بتراضيهما ، وعند التراضي العقد القائم بينهما حقهما ، ويملكان استدامته ورفعه فيملكان التصرف فيه بالتحويل من محل إلى محل وهذا خير مما يقوله العراقيون - رحمهم الله - إن عند اتفاقهما على المقاصة يجعل كأنهما فسخا العقد الأول ، ثم جدداه مضافا إلى ذلك الدين ; لأنه لو كان الطريق هذا لم يجز ; لأنه بالإقالة يصير رد المقبوض مستحقا في المجلس ، والدليل عليه أنهما لو جعلا بدل الصرف قصاصا بدين تأخر وجوبه عن عقد الصرف لا يجوز في ظاهر الرواية ، ولو كان التصحيح بطريق الفسخ للعقد الأول لجاز ، والدين المتقدم والمتأخر في ذلك سواء ، وإنما الفرق بينهما على الطريق الأول أنهما يملكان تحويل العقد إلى ما كان يصلح منهما إضافة العقد إليه في الابتداء ، وذلك في الدين الذي سبق وجوبه على عقد الصرف دون ما تأخر وجوبه عنه . وأشار في الزيادات إلى أن المقاصة أيضا تقع بالدين المتأخر عن عقد الصرف ، وذكر في رواية أبي سليمان مثل ما ذكر في الزيادات ، ولكن المعتمد هو الأول ، وبهذا فارق رأس المال السلم فإنهما لو أضافا عقد السلم إلى رأس مال هو دين على المسلم إليه لم يجز ذلك إذا افترقا قبل قبض رأس المال فكذلك إذا حولا العقد إليه في الانتهاء بخلاف عقد الصرف ، وهذا لأن ما يقابل رأس المال هناك دين ، وبالمقاصة لا يتعين رأس المال فيكون دينا بدين ، وهنا ما يقابل الدين غير مقبوض في المجلس ، والافتراق عن عين بدين جائز فإن أدى بعض الدراهم ، ثم فارقه قبل أن يؤدي البقية انتقص من الصرف بقدر ما بقي اعتبارا للبعض بالكل والفساد لمعنى طارئ في بعض العقد لا يتعدى إلى ما بقي ، ولو وكل أحدهما وكيلا بالدفع والقبض جاز بعد أن يقبض الوكيل قبل أن يفترق المتعاقدان ، ولا معتبر بذهاب الوكيل ; لأن القبض من حقوق العقد فيتعلق بالمتعاقدين ، وفعل وكيل أحدهما له كفعله بنفسه ، وليس لواحد منهما أن يشتري من صاحبه شيئا بثمن الصرف قبل أن يقبضه لما في الاستبدال من تفويت القبض المستحق بالعقد في المجلس ، ولأن القبض معتبر التعيين ، ولا يحصل ذلك فيما يتناوله عقد الصرف بطريق الاستبدال [ ص: 21 ] وكذلك لا يشتري به من غيره شيئا ; لأن التصرف في الدين مع من عليه أقرب إلى النقود منه مع غيره فإذا لم يجز الاستبدال ببدل الصرف مع من عليه الدين فمع غير من عليه الدين أولى أن لا يجوز وإذا اشترى إبريق فضة وزنه ألف درهم بألف درهم ، ونقد خمسمائة وقبض الإبريق ثم افترقا فإنه يلزم نصف الإبريق ، ويبطل نصفه اعتبارا للبعض بالكل ولا يتخير في الرد بسبب عيب التبعيض لأنه حصل بفعله حين لم ينقد بعض البدل بخلاف ما إذا استحق نصف الإبريق فإنه يتخير فيما بقي منه ; لأن التبعيض في الأملاك المجتمعة عيب فإن تقاصا قبل الافتراق ثم وجد بالإبريق عيبا كثيرا أو هشيما غير نافذ فله أن يرده بالعيب ; لأنه بمطلق العقد استحق صفة السلامة ، وقد فات ذلك بوجود العيب . والقلب والطوق والمنطقة والسيف المحلى بمنزلة الإبريق في جميع ما ذكرنا ، وإن كان حين وجد العيب بالإبريق لم يرده حتى انكسر عنده لم يستطع رده ; لأنه بالرد يدفع الضرر عن نفسه ، وليس له أن يلحق الضرر بالبائع ، وفي الرد بعد حدوث العيب إلحاق الضرر به ، ولا يرجع بنقصان العيب أيضا ; لأن نقصان العيب من الثمن ، فإذا رجع به يصير العقد ربا ; لأنه يبقى بمقابلة الإبريق أقل من وزنه من الفضة إلا أن يكون الثمن دنانير فيرجع بنقصان العيب ; لأنه لا ربا عند اختلاف الجنس ، وإن لم يجد به عيبا ولكنه استحق نصفه ولم يرد النصف الباقي على البائع حتى انكسر الإبريق لزمه النصف الباقي بالعيب الحادث عنده فيه ، ورجع بنصف الثمن ; لأن العقد في النصف المستحق قد بطل . وإذا اشترى الرجل عشرة دراهم بدينار ، ونقده الدينار ، ثم اشترى منه ثوبا بعشرة دراهم فتراضيا على أن تكون العشرة قصاصا ببدل الصرف لا يجوز لأن هذا دين تأخر وجوبه عن عقد الصرف ، ولأنه في معنى الاستبدال . وإن استقرض عشرة دراهم من بائع الدينار ، ثم قضاها إياه بعد ما قبضها جاز ذلك ; لأن المقرض صار مملوكا له بالقبض ، وصار كسائر أمواله فهو كما لو استقرض من غيره سواء ; لأن الافتراق عن مجلس عقد الصرف قد حصل بعد قبض البدلين ، وإنما الباقي لأحدهما على صاحبه بدل القرض . وإذا اشترى عشرة دراهم بدينار وتقابضا إلا درهما واحدا بقي من العشرة فأراد الذي اشترى منه الدراهم أن يأخذ منه عشر الدينار حين لم يكن عند الآخر الدرهم فله ذلك ; لأن العقد فسد في عشر الدينار بالافتراق قبل قبض الدرهم ، وهذه مطعونة عيسى وقد بيناها ، فإن اشترى منه بعشر الدينار فلوسا أو عرضا مسمى جاز ; لأن عقد الصرف لما فسد فيه بقي ملكا له في يد صاحبه أو دينا له على صاحبه واجبا بسبب القبض دون عقد [ ص: 22 ] الصرف فيجوز الاستبدال به كبدل القرض ، وإن كان قبل الافتراق فالدراهم مستحقة له بعقد الصرف ، والاستبدال ببدل الصرف قبل القبض لا يجوز . ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |