|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى عشر صـــ 132 الى صـــ 141 (261) والدليل عليه أنه يثبت في الذمة مهرا وأن الدعوى والشهادة في الحيوان تسمع بذكر الصفة فدل أنها تصير معلومة بذكر الوصف بخلاف اللآلئ والجواهر فالسلم في الصغار من اللآلئ يجوز وزنا أما الكبار منها فلا يمكن إعلامها لكون المقصود التدوير والصفاء والماء وليس لذلك حد معلوم يوقف عليه فإذا بالغ في بيانه يصير بذلك عديم النظير وفي مثله لا يجوز السلم ولهذا لا يثبت مهرا في الذمة وحجتنا في ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السلم في الحيوان } وفي الكتاب قال : ( بلغنا عن عبد الله بن مسعود ) وإنما فسر هذا الحديث في أول كتاب المضاربة أن ابن مسعود دفع مالا مضاربة إلى زيد بن خليدة فأسلمها زيد إلى عتويس بن عرقوب في قلانص معلومة فقال عبد الله بن مسعود اردد مالنا لا نسلم أموالنا في الحيوان وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه قال : إن من الربا أبوابا لا يكدن يخفين على أحد منها السلم في السن وقد بينا تأويل آثارهم وما روي أنه استقرض بكرا فالمراد استعجل في الصدقة ثم لم تجب الزكاة على صاحبها فردها رباعيا أو استقرض لبيت المال وكما يجوز أن يثبت لبيت المال حق مجهول يجوز أن يثبت ذلك على بيت المال أيضا والمعنى فيه أنه أسلم في مجهول فلا يجوز كما لو أسلم في الحلقات أو الجواهر وهذا لأن المسلم فيه مبيع وشرط جواز العقد القدرة على التسليم ولا يوجد ذلك إذا كان المسلم فيه مجهولا وبيان الوصف أن بعد ذكر الأوصاف التي يشترطها الخصم يبقى تفاوت عظيم في المالية فإنك تجد فرسين مستويين في السن والصفة ثم تشتري أحدهما بأضعاف ما تشتري به الآخر لتفاوت بينهما في المعاني الباطنة كالهملجة وشدة العدو وكذلك في البعيرين وهذا في بني آدم لا يخفى فإن العبدين والأمتين يتساويان في السن والصفة ويختلفان في المالية لتفاوتهما في الذهن [ ص: 133 ] والكياسة . وفيه يقول القائل : رب واحد يعدل ألفا زائدا وألوف تراهم لا يساوون واحدا وكما أن العين مقصود ، فالمالية أيضا مقصودة ، بل أكثر لأن المقصود هو الاسترباح وذلك بالمالية يكون .فإذا كان الحيوان بذكر الأوصاف لا يلتحق بذوات الأمثال في معنى المالية ; قلنا : لا يجوز السلم فيها بخلاف الثياب فإنها مصنوع بني آدم . فما لم يكن معلوما لهم لا يتمكنون من اتخاذها ، والثياب إذا نسجت في منوال واحد على هيئة واحدة لا تتفاوت في المالية إلا يسيرا ، ولا معتبر بذلك القدر كالتفاوت بين الجيد والرديء في الحنطة في المالية . فأما الحيوان مصنوع الله تعالى وذلك يكون على ما يريده فقد يكون على وجه لا نظير له ولو بالغ فاستقصى في بيان وصفه يصير عديم النظير ، وذلك لا يجوز السلم فيه بالاتفاق ويوضحه أن أقرب الحيوانات إلى الثياب الغنم ، وما هو المقصود من الغنم غير مرئي بل هو تحت الجلد ، ويقع فيه تفاوت عظيم ، وما هو المقصود في الثياب ظاهر مرئي ، وقد ذكر عمرو بن أبي عمرو عن محمد رحمهما الله تعالى قال : قلت : له إنما لا يجوز السلم في الحيوان لأنه غير مضبوط بالوصف ، قال : ( لا فإنا نجوز السلم في الذبائح ولا نجوز في العصافير ) ولعل ضبط العصافير بالوصف أهون من ضبط الذبائح ; ولكنه للسنة . وإنما ذكر الله تعالى لبنى إسرائيل الأوصاف الظاهرة وذلك يمكن إعلامه عندنا ثم كان المقصود التشديد عليهم لما استقصوا في الاستيصاف . هكذا قاله ابن عباس وإنما نهى صلى الله عليه وسلم عن الاستيصاف لخوف الفتنة وذلك يقع بالأوصاف الظاهرة ، وكذلك سماع الدعوى والشهادة لأن الأوصاف الظاهرة منها تصير معلومة ، وثبوته في الذمة مهرا لكون النكاح مبنيا على التوسع ، فإن المقصود به شيء آخر سوى المالية بخلاف السلم ، ولهذا يجوز من غير بيان الوصف هناك قال ( ولا بأس بالسلم في الثياب كلها بعد أن يشترط ضربا معلوما ، وطولا ، وعرضا ، بذراع معلوم ، وأجلا ، وصفة معلومة ) لأن مقدار المالية بذكر هذه الأوصاف يصير معلوما عادة ، والتفاوت الذي يقع بعد هذا يسير واليسير من التفاوت غير معتبر لأنه لا يتمكن بسببه منازعة مانعه من التسليم والتسلم ، ولا يشترط الوزن بخلاف الحرير فإنه إذا أسلم في الحرير ينبغي أن يشترط الوزن لأن قيمة الحرير تختلف باختلاف الوزن . وينبغي أن يشترط الطول والعرض مع الوزن لأن المسلم إليه يأتي وقت حلول الأجل يقطع الحرير بذلك الوزن ونحن نعلم يقينا أنه [ ص: 134 ] لم يرد به قطع الحرير . قال ( وكل شيء ينقطع من أيدي الناس فلا خير في السلم فيه ) وهذه المسألة على أربعة أوجه : ( أحدهما ) أن يكون المسلم فيه موجودا عند العقد منقطعا عن أيدي الناس عند حلول الأجل فلهذا لا يجوز بالاتفاق لأن السلم إليه بالعقد يلتزم التسليم عند حلول الأجل فإذا لم يكن مقدور التسليم عند ذلك لا يجوز العقد ( الثاني : ) أن يكون منقطعا وقت العقد موجودا في أيدي الناس عند حلول الأجل فهذا لا يجوز عندنا ويجوز عند الشافعي ( الثالث : ) أن يكون موجودا عند العقد وعند حلول الأجل ولكنه ينقطع عن أيدي الناس فيما بين ذلك فهذا لا يجوز عندنا وعلى قول مالك والشافعي رحمهما الله ( الرابع : ) أن يكون موجودا من وقت العقد إلى وقت المحل على وجه لا ينقطع فيما بين ذلك فيكون العقد صحيحا بالاتفاق وحجتهم في ذلك حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { دخل المدينة فوجدهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين - وربما قال : ثلاث سنين - فقال : من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم } ومعلوم أن الثمار الرطبة لا تبقى إلى هذه المدة الطويلة ومع هذا قرهم على السلم فيها والمعنى فيه وهو أن المسلم فيه معلوم مقدور التسليم عند وجوب التسليم فيجوز العقد كما لو كان موجودا من وقت العقد إلى وقت المحل وبيان الوصف أن وجوب التسليم بحكم العقد عند حلول الأجل وعند ذلك هو موجود في العالم والقدرة على تسليم الدين بوجود جنسه في العالم ولا معنى لقول من يقول من الجائز أن يموت المسلم إليه عقيب العقد فيحل الأجل لأن هذا موهوم ولا يبنى العقد على الموهومات ألا ترى أن اعتبار هذا الموهوم يؤدي إلى الحلول أو جهالة الأجل وذلك مبطل لعقد السلم وإن كان موجودا في الحال فدل أنه لا يعتبر ذلك وكذلك إن كان ينقطع فيما وراء ذلك المحل يجوز العقد وإن كان يتوهم أن يتأخر التسليم إلى أن ينقطع وليس هذا نظير ما لو عين مكيالا أو قيما تخالف ما بين الناس لأن بطلان العقد ليس باعتبار هلاك ما عينه بل باعتبار جهالة قدر المسلم فيه كتعيين المسلم فيه لا لأنه يتوهم أو يصيب ثمار تلك النخلة آفة والدليل أن وجود السلم فيه في مكان العقد ليس بشرط بجواز العقد فكذلك في زمان العقد لا التسليم لا يتأتى إلا بمكان أو زمان فكل يسقط اعتبار وجوده في مكان العقد فكذلك في زمان العقد وحجتنا في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم { لا تسلفوا في الثمار حتى يبدو صلاحها } وفي الحديث المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها } ولم يرد به النهي عن بيعها سلما والمعنى فيه أن قدرة العاقد [ ص: 135 ] على تسليم المعقود عليه شرط لجواز العقد كما في بيع العين وهذا لأن الملتزم للتسليم هو العاقد فيشترط قدرته على التسليم ولا يوجد ذلك إذا كان المسلم فيه معدوما في الحال لأن العاقد لا يقدر على تسليمه إلا بإيصال حياته وأن ذلك الشيء وإيصال حياته بأوان الوجود موهوم وبالموهوم لا تثبت القدرة على التسليم فإن قيل حياته معلومة في الحال والأصل بقاؤه حيا إلى ذلك الوقت وإنما الموت موهوم قبله قلنا نعم ولكن بقاؤه حيا إلى ذلك الوقت باستصحاب الحال فيكون معتبرا في إبقاء ماله على ملكه لا في توريثه من مورثه فبهذا الطريق لا تثبت قدرته على التسليم إلا أن يكون موجودا في الحال حتى تكون حياته متصلة بأوان ذلك الشيء ثم عجزه بالموت أو بآخر التسليم إلى أن ينقطع موهوم فلا يعتبر ذلك في إفساد العقد يقرره أن ما بعد العقد بمنزلة حالة المحل لأن زمان المحل وقت وجوب التسليم بشرط بقائه حيا إلى ذلك الوقت وذلك موهوم وما بعد العقد وقت وجوب التسليم يشترط موته وذلك موهوم أيضا فاستويا من هذا الوجه ثم يشترط الوجود وقت المحل بالاتفاق فلذلك يشترط الوجود من وقت العقد إلى وقت المحل بخلاف ما وراء المحل لأن ذلك ليس بزمان وجوب التسليم ابتداء وإنما هو زمان بقاء ما وجب من التسليم ولا يعتبر في حالة البقاء ما يعتبر في حالة الابتداء كخلو المحل عن الردة والعدة في النكاح والشهود تعتبر عند ابتداء العقد لا عند البقاء واعتبار الزمان بالمكان ساقط لأنه يتحقق نقله من مكان إلى مكان فبانعدامه في مكان العقد لا تنعدم القدرة على التسليم ولا يتحقق نقله من زمان إلى زمان فتنعدم القدرة على التسليم لعدم الوجود في زمان العقد ألا ترى أنه لا يشترط وجوده في المكان الذي جعلاه محل التسليم ويشترط وجوده في زمان المحل وما افترقا إلا لما قلنا وإذا كان المسلم فيه موجودا من وقت العقد إلى وقت المحل ثم لم يأخذه بعد محل الأجل حتى انقطع فرب السلم بالخيار إن شاء أخذ رأس المال وإن شاء صبر حتى يجيء حينه فيأخذ ما أسلم فيه عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله تعالى وقال زفر : يبطل العقد ويسترد رأس المال لأن الانقطاع من أيدي الناس في العجز عن تسليم الدين بمنزلة هلاك العين في العجز عن التسليم ولو هلك المبيع في بيع العين قبل التسليم بطل به البيع فكذلك إذا انقطعت من أيدي الناس وقاس بما لو اشترى بفلوس شيئا فكسدت قبل القبض يبطل العقد لهذا المعنى فكذلك إذا انقطع المسلم فيه من أيدي الناس وحجتنا في ذلك أنه يعذر بتسليم المعقود عليه بعارض على شرف الزوال فيتخير فيه [ ص: 136 ] العاقد كما لو أبق العبد المبيع قبل القبض وهذا لأن المعقود عليه دين وبقاء الدين ببقاء محله ومحل الدين إنما هو الذمة فكان المعقود عليه باقيا ببقاء الذمة ولكن تأخر تسليمه إلى أوان وجوده وفيه يعتبر شرط العقد فيثبت للعاقد الخيار بين أن يفسخ العقد ويسترد رأس المال وبين أن يصبر حتى يأتي أوانه فيأخذ المسلم فيه وبه فارق هلاك العين فالمعقود عليه هناك يفوت أصلا وكذلك الفلوس إذا كسدت فإن العقد إنما تناول فلوسا هي ثمن فبعد الكساد لا يبقى ثمنا أصلا يوضحه أن ما يكسد من الفلوس لا يروج بعد ذلك أو لا يدرى متى يروج فلم يكن للقدرة فيه على التسليم أوان معلوم فلهذا يبطل العقد هنا لادراك الثمار للقدرة على التسليم أوان معلوم فيخير رب السلم إن شاء رضي بالتأخير وإن شاء فسخ العقد وأخذ رأس ماله قال : ( ولا خير في السلم في الرمان والسفرجل والبطيخ والقثاء والخيار وما أشبه ذلك مما لا يكال ولا يوزن ) لأنه يختلف فيه الصغير والكبير فلا يمكن أن يؤتى على حصر متقاربة وأصل هذا الجنس مروي عن أبي يوسف ، قال : ( ما يتفاوت آحاده في القيمة فهو عددي متفاوت لا يجوز السلم فيه عددا ) وما لا يتفاوت آحاده في القيمة وإن ما يتفاوت أنواعه فهو عددي متفاوت لا يجوز السلم فيه عددا والرمان والبطيخ تتفاوت في المالية آحاده والباذنجان وما أشبه ذلك لا يتفاوت آحاده في المالية وعلى هذا الأصل يجوز السلم في البيض والجوز عددا لأن آحاده في المالية لا تتفاوت فإنك لا ترى جوزة بفلس وجوزة بفلسين وإنما تتفاوت أنواعه في المالية وذلك التفاوت يزول بذكر العد في العدديات كالقدر في المقدورات وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه لا يجوز السلم في بيض النعام لأنه تتفاوت آحاده في المالية وعلى قول زفر لا يجوز السلم في البيض والجوز عددا لأن فيه الصغير والكبير وتجري فيه المنازعة بينهما في التسليم والتسلم وإنما يجوز السلم في البيض وزنا وفي الجوز كيلا بعد أن يكون بمكيال معروف له ونحن نجوز السلم فيه كيلا أيضا لأنه يكال تارة ويعد أخرى فتنقطع فيه المنازعة بينهما بذكر الكيل كما ينقطع بذكر العدد قال : ( ولا بأس بالسلم في الفلوس عددا لأنه عددي متقارب أو هي أمثال متساوية قطعا ما دامت متساوية قطعا ما دامت متساوية رائجة لسقوط قيمة الجودة منها باصطلاح الناس ) وذكر أبو الليث الخوازم عن محمد أنه لا يجوز السلم في الفلوس لأنها ثمن ما دامت رائجة والمسلم فيه مبيع فما ثمن لا يجوز أن يكون مسلما فيه كالذهب والفضة وبعد الكساد هي قطع صغار موزونة فلا يجوز السلم فيها عددا ولكن ما ذكره في الكتاب [ ص: 137 ] أصح لأن صفة الثمنية في الفلوس عارضة باصطلاح الناس والمتعاقدان أعرض عن هذا الاصطلاح حين عقد السلم وما أعرض على الاصطلاح على كونه عدديا ولكن ليس من ضرورة خروجه في حقهما من أن يكون ثمنا خروجه من أن يكون عدديا كالجوز والبيض فأما الذهب والفضة ثمن بأصل الخلقة فلا ينعدم ذلك بجعلهما إياه مبيعا ألا ترى أن الفلوس تروج تارة وتكسد أخرى وتروج في ثمن الخسيس من الأشياء دون النفيس بخلاف النقود ولا خير في السلم في اللحم لأنه مختلف في قول أبي حنيفة ولا بأس به في قول ابن أبي ليلى وقال : أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا أسلم في موضع منه معلوم وسمى صفة معلومة فهو جائز وقيل لا خلاف بينهما وبين أبي حنيفة بل جواب أبي حنيفة فيما إذا أطلق السلم في اللحم ، وهما لا يجوزان ذلك ، وجوابهما فيما إذا بين منه موضعا معلوما . وأبو حنيفة يجوز ذلك والأصح أن الخلاف ثابت ، وأن عند أبي حنيفة لا يجوز السلم فيه وإن بين منه موضعا معلوما . وجه قولهما أنه موزون معلوم فيجوز السلم فيه كسائر الموزونات ، وبيان الوصف أن الناس اعتادوا بيعه وزنا ويجوز استقراضه وزنا ويجري فيه الربا بعلة الوزن ، ثم الموزون المثمن معتبر بالمكيل المثمن ويجوز السلم فيه وإن اشتمل على ما هو مقصود وعلى ما ليس بمقصوده كالتمر ، فما فيه من النوى غير مقصود ، ولا يمنع ذلك جواز السلم . فكذلك ما في اللحم من العظم لأن كل واحد منهما ثابت بأصل الخلقة والدليل عليه جواز السلم في الألية مع ما فيها من العظم ، وكذلك يجوزالسلم في الشحم لأنه موزون فكذلك في اللحم . ولأبي حنيفة طريقان : ( أحدهما : ) أن اللحم يشتمل على ما هو المقصود وعلى ما ليس بمقصوده وهو العظم ، فيتفاوت ما هو المقصود بتفاوت ما ليس بمقصود منه ; ألا ترى أنه تجري المماكسة بين البائع والمشتري في ذلك ، فالمشتري يطالبه بالنزع والبائع يدسه فيه ؟ وهذا نوع من الجهالة والمنازعة بينهما لا ترتفع ببيان الموضع ، وذكر الوزن بخلاف النوى الذي في التمر فالمنازعة لا تجري في نزع ذلك ، وكذلك العظم الذي في الألية . وعلى هذا الطريق إذا أسلم في لحم منزوع العظم يجوز عند أبي حنيفة وهو اختيار ابن شجاع والطريق الآخر : أن اللحم يشتمل على السمن والهزال ومقاصد الناس في ذلك مختلفة وذلك يختلف باختلاف فصول السنة وبقلة الكلأ وبكثرة الكلأ ، والسلم لا يكون إلا مؤجلا ، فلا يدرى أن عند حلول الحول على أي صفة تكون وهذه الجهالة لا ترتفع بذكر الوصف فكان السلم في اللحم بمنزلة السلم في الحيوان ، وبه فارق الاستقراض . فالقرض لا يكون إلا حالا وفي الحال [ ص: 138 ] صفة السمن والهزال معلومة وبخلاف الشحم والألية فالتفاوت فيهما من حيث القلة والكثرة ، وبذكر الوزن يزول ذلك وعلى هذا الطريق منزوع العظم سواء ، وهو الأصح . قال ( ولا خير في السلم في السمك الطري في غير حينه ، ) لأنه ينقطع عن أيدي الناس ولأنه مختلف . فالنكتة الأولى : تدل على أنه إذا أسلم في حينه يجوز . والنكتة الثانية : تمنع من ذلك ، وحاصل الجواب أن السلم فيه في غير حينه لا يجوز وزنا ولا عددا ، وفي حينه يجوز وزنا ولا يجوز عددا لأن فيه الصغير والكبير إلا أن الناس اعتادوا بيعه وزنا ، والتفاوت في المالية ينعدم بذكر الوزن . وأبو حنيفة يفرق بين هذا وبين السلم في اللحم لما بينا أن العظم ليس بمقصود من اللحم حتى تجري المماسكة في نزعه ، فإنه يشتمل على السمن والهزال وذلك لا يوجد في السمك . وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أن الكبار من السمك الذي يقطع لا يجوز السلم فيها وزنا بمنزلة السلم في اللحم ، فإنه إذا كان يقطع تجري المماكسة في نزع العظم منه وتختلف رغائب الناس باختلاف الموضع منه ، فأما السمك المالح فلا بأس بالسلم فيه وزنا معلوما ولا خير فيه عددا ، أما الصغار منه فإنه يباع وزنا ولا سمن له وهو مما لا ينقطع عن أيدي الناس فيجوز السلم فيه وزنا وفي الكبار لا يجوز السلم عددا للتفاوت ويجوز وزنا وعن أبي يوسف أنه لا يجوز ذلك بخلاف اللحم فهناك يتمكن من إعلام موضع الخبث أو الطهر ولا يتأتى ذلك في السمك فلا يجوز وزنا قال : ( وإذا أسلم في الجذوع ضربا معلوما وسمى طوله وغلظه وأجله والمكان الذي يوفيه فيه فهو جائز ) لأنه مذروع معلوم كالثياب وكذلك الساج وصنوف العيدان والخشب والقصب وإعلام الغلظ في القصب بإعلام ما يسد به الظن بشبر أو ذراع أو نحو ذلك فعند ذلك لا تجري المنازعة بينهما قال : ( وإذا استصنع الرجل عند الرجل خفين أو قلنسوة أو طستا أو كوزا أو آنية من أواني النحاس فالقياس أن لا يجوز ذلك ) لأن المستصنع فيه مبيع وهو معدوم وبيع المعدوم لا يجوز لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان ثم هذا في حكم بيع العين ولو كان موجودا غير مملوك للعاقد لم يجز بيعه فكذلك إذا كان معدوما بل أولى ولكنا نقول نحن تركنا القياس لتعامل الناس في ذلك فإنهم تعاملوه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير منكر وتعامل الناس من غير نكير أصل من الأصول كبير لقوله صلى الله عليه وسلم { ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن } وقال : صلى الله عليه وسلم { لا تجتمع أمتي على ضلالة } [ ص: 139 ] وهو نظير دخول الحمام بأجر فإنه جائز لتعامل الناس وإن كان مقدار المكث فيه وما يصب من الماء مجهولا وكذلك شرب الماء من السقا بفلس والحجامة بأجر جائز لتعامل الناس وإن لم يكن له مقدار فما يشترط أن يصنع من الكنة على ظهره غير معلوم وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم { استصنع خاتما واستصنع المنبر } فإذا ثبت هذا يترك كل قياس في مقابلته وكان الحاكم الشهيد يقول : الاستصناع مواعدة وإنما ينعقد العقد بالتعاطي إذا جاء به مفروغا عنه ولهذا ثبت فيه الخيار لكل واحد منهما والأصح أنه معاقدة فإنه أجرى فيه القياس والاستحسان والمواعيد تجوز قياسا واستحسانا ثم كان أبو سعيد البردعي يقول المعقود عليه هو العمل لأن الاستصناع اشتغال من الصنع وهو العمل فتسمية العقد به دليل على أنه هو المعقود عليه والأديم والصرم فيه بمنزلة الآلة للعمل والأصح أن المعقود عليه المستصنع فيه وذكر الصنعة لبيان الوصف فإن المعقود هو المستصنع فيه ألا ترى أنه لو جاء به مفروغا عنه لا من صنعته أو من صنعته قبل العقد فأخذه كان جائزا والدليل عليه أن محمدا قال : إذا جاء به مفروغا عنه فللمستصنع الخيار لأنه اشترى شيئا لم يره وخيار الرؤية إنما يثبت في بيع العين فعرفنا أن المبيع هو المستصنع فيه قال : ( وإذا عمله الصانع فقبل أن يراه المستصنع باعه يجوز بيعه من غيره ) لأن العقد لم يتعين في هذا بعد ولكن إذا أحضره ورآه المستصنع فهو بالخيار لأنه اشترى ما لم يره وقال : صلى الله عليه وسلم { من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه } وعن أبي يوسف قال : إذا جاء به كما وصفه له فلا خيار للمستصنع استحسانا لدفع الضرر عن الصانع في إفساد أديمه وآلاته فربما لا يرغب غيره في شرائه على تلك الصفة فلدفع الضرر عنه قلنا بأنه لا يثبت له الخيار وفرق في ظاهر الرواية بين هذا والسلم ، وقال : لا فائدة في إثبات الخيار في السلم لأن المسلم فيه دين في الذمة وإذا رد المقبوض عاد دينا كما كان وهنا إثبات الخيار مقيد لأنه مبيع عين فبرده ينفسخ العقد ويعود إليه رأس ماله ويوضح الفرق أن إعلام الدين بذكر الصفة إذ لا يتصور فيه المعاينة فقام ذكر الوصف في المسلم فيه مقام الرؤية في بيع العين فأما إعلام العين فتمامه بالرؤية والمستصنع فيه مبيع عين فلهذا يثبت فيه خيار الرؤية قال : ( فإن ضرب لذلك أجلا وكانت تلك الصناعة معروفة فهو سلم ) في قول أبي حنيفة تعتبر فيه شرائط السلم من قبض رأس المال في المجلس ولا خيار فيه لرب السلم إذا أحضره المسلم إليه وهو عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى استصناع على حاله لأنه بدون ذكر الأجل عقد [ ص: 140 ] جائز غير لازم فبذكر الأجل فيه لا يصير لازما لعقد الشركة والمضاربة وهذا لأن ذكر الأجل تيسر فيه وتأخير المطالبة فلا يتغير به العقد من جنس إلى جنس آخر ولو كان الاستصناع بذكر الأجل فيه يصير سلما لصار السلم بحذف الأجل منه استصناعا ولو كان هذا سلما فاسدا لأنه شرط فيه صنعة صانع بعينه وذلك مفسد للسلم وأبو حنيفة يقول هذا مبيع دين والمبيع الدين لا يكون إلا سلما كما لو ذكر لفظة السلم وبيانه ما ذكرنا أن المستصنع فيه مبيع والأجل لا يثبت إلا في الديون فلما ثبت فيه الأجل هنا عرفنا أنه مبيع دين فتأثيره أن المعتبر ما هو المقصود وبه يختلف العقد لا باعتبار اللفظ ألا ترى أنه لو قال : ملكتك هذه العين بعشرة دراهم كان بيعا ولو قال : بسكنى هذه الدار شهرا كانت إجارة فعرفنا أن المعتبر ما هو المقصود ثم السلم أقرب إلى الجواز من الاستصناع فإن كل واحد منهما مستحسن ولكن الآثار في السلم مشهورة وهو جائز فيما للناس فيه تعامل وفيما لا تعامل فيه فكان الأصل فيما قصداه السلم إلا إذا تعذر جعله سلما بأن لم يذكرا فيه أجلا فحينئذ جعل استصناعا فأما إذا أمكن جعله سلما بأن ذكر الأجل يجعل سلما ولأن الأجل مؤخر للمطالبة ولا يكون ذلك إلا بعد لزوم العقد واللزوم في السلم دون الاستصناع فثبوت الأجل فيه دليل على أنه سلم وذكر الصنعة لبيان وصف المسلم فيه ولهذا لو جاء به مفروغا عنه لا من صنعته يجبر على القبول وبهذا تبين فساد قولهم أنه سلم شرط فيه صنعة صانع بعينه وما قالا بأن السلم بحذف الأجل لا يصير استصناعا يشكل بالمتعة فإنه لا يصير نكاحا بحذف المدة عنه ثم النكاح بذكر المدة فيه يصير متعة وهو إذا تزوج امرأة شهرا وهذا إذا كان ذكر المدة على سبيل الاستمهال أما إذا كان على سبيل الاستعجال بأن قال : على أن يفرغ منه غدا أو بعد غد فهذا لا يكون سلما لأن ذكر المدة للفراغ من العمل لا لتأخير المطالبة بالتسليم ألا ترى أنه ذكر أدنى مدة يمكنه الفراغ فيها من العمل ويحكى عن الهندواني . قال : إن كان ذكر المدة من قبل المستصنع فهو للاستعجال ولا يصير به سلما وإن كان الصانع هو الذي ذكر المدة فهو سلم لأنه يذكر على سبيل الاستمهال وقيل إن ذكر أدنى مدة يتمكن فيها من الفراغ من العمل فهو استصناع وإن كان أكثر من ذلك فهو سلم لأن ذلك يختلف باختلاف الأعمال فلا يمكن تقديره بشيء معلوم قال : ( ولا بأس بالسلم في اللبن في جبنه وزنا أو كيلا معلوما ) لأنه يكال تارة ويوزن أخرى فيصير معلوما بذكر كل واحد [ ص: 141 ] منهما على وجه لا يبقى فيه منازعة في التسليم قال : ( في الكتاب وهذا قبل انقطاعه وهذا في عرف ديارهم ) لأن اللبن ينقطع عن أيدي الناس في بعض الأوقات فأما في ديارنا لا ينقطع وإن كانت تزاد قيمته في بعض الأوقات ولكن لا يعد ذلك انقطاعا فيجوز السلم فيه في كل وقت قال : ( ولا بأس بالسلم في اللبن والآجر إذا شرط فيه شيئا معلوما ) لأنه عددي متقارب فإن آحاده لا تختلف في المالية وإنما تختلف أنواعه وإنما يكون معلوما بذكر الملبن فملبن كل نوع منه معلوم عند أهل الصنعة وإن كان لا يعرف ذلك فلا خير فيه قال : ( ولا بأس بالسلم في التبن كيلا معلوما وكيمانا معلومة ) لأنه مكيل مقدور التسليم وكيله الغرارة إذا كان معلوما وإن كان لا يعرف ذلك فلا خير فيه . قال : ( ولا خير في السلم في رءوس الغنم والأكارع ) لأنها عددية متفاوتة ألا ترى أن المشتري ينازع البائع فيقول أريد هذا ولا أريد هذا والمقصود ما عليها من اللحم وهي تختلف ثم هذا على قول أبي حنيفة غير مشكل لأنها أبعاض الحيوان كاللحم وهما يقولان اللحم موزون أما الرءوس والأكارع فغير موزونة عادة وبذكر الوزن لا يصير المقصود منها معلوما فلا يجوز السلم فيها قال : ( ولا خير في السلم في كل شيء مما يكال أو يوزن إذا شرط بمكيال غير معروف أو بإناء بعينه غير معروف أو بوزن حجر غير معروف ) لأن مقدار السلم فيه لا بد من أن يكون معلوما عند العقد وبما ذكر لا يصير مقداره بالمكيال المعروف والميزان المعروف معلوما فكان هذا سلما في المجهول ولأن القدرة على التسليم وقت وجوب التسليم شرط وذلك لا يتحقق الإبقاء ما عينه من المكيال إلى وقت حلول الأجل وبقاؤه موهوم فربما يهلك قبل ذلك وإن اشترى بذلك الإناء يدا بيد فلا بأس به لأن في العين يجوز البيع مجازفة فمكيال غير معروف أولى وهذا لأن التسليم عقيب العقد والقدرة على التسليم للحال ثابتة وهذا لأن التسليم عقيب العقد لا بقيام المكيال الذي عينه وعن أبي حنيفة في غير الأصول أنه لا يجوز لأن البيع في المكيلات والموزونات إما أن تكون مجازفة أو يذكر القدر ففي المجازفة والمعقود عليه ما يشار إليه وعند ذكر القدر المعقود عليه ما سمى من القدر ولم يوجد واحد منهما هنا فإنه ليس بمجازفة ولا يشترط فيه الكيل إذا لم يكن المكيال معلوما وعن أبي يوسف قال : في بيع العين إن عين مكيالا لا ينكبس فيه كالزنبيل ونحوه لا يجوز العقد فيه فإنه تتمكن المنازعة بينهما في الكيل وإن كان شيئا لا ينقبض ولا ينبسط كالقصعة ونحوها يجوز . قال : ( ولا بأس بالسلم [ ص: 142 ] في العصير في حينه وزنا أوكيلا ) لأنه يوزن أو يكال كالبن وكذلك الخل لا بأس بالسلم فيه كيلا معلوما أو وزنا معلوما لأنه يكال ويوزن وإعلام المقدار بذكر كل واحد منهما محصل والأصل أن ما عرف كونه مكيلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مكيل أبدا وإن اعتاد الناس بيعه وزنا وما عرف كونه موزونا في ذلك الوقت فهو موزون أبدا وما لم يعلم كيف كان يعتبر فيه عرف الناس في كل موضع إن تعارفوا فيه الكيل والوزن جميعا فهو مكيل وموزون وعن أبي يوسف إن المعتبر في جميع الأشياء العرف لأنه إنما كان مكيلا في ذلك الوقت أو موزونا في ذلك الوقت باعتبار العرف لا بنص فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنا نقول تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم على ما تعارفوه في ذلك الشيء بمنزلة النص منه فلا يتغير بالعرف لأن العرف لا يعارض النص ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 21 ( الأعضاء 0 والزوار 21) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |