|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العاشر صـــ 12 الى صـــ 21 (201) وقيل : بنو نوفل وبنو عبد شمس كانوا أقرب إليه من بني المطلب لأن نوفلا وعبد شمس كانا أخوي هاشم لأب وأم والمطلب كان أخا هاشم لأبيه لا لأمه والأخ لأب وأم أقرب إلى المرء من الأخ لأب ثم أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المطلب ولم يعط بني نوفل وبني عبد شمس فأشكل ذلك عليهما فلذلك سألاه ثم أزال إشكالهما ببيان علة الاستحقاق أنه النصرة دون القرابة ولم يرد به نصرة القتال فقد كان ذلك موجودا من عثمان رضي الله عنه وجبير بن مطعم وإنما أراد نصرة الاجتماع إليه للمؤانسة في حال ما هجره الناس على ما روي أن الله تعالى لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم ورأت قريش آثار الخير فيهم حسدوهم وتعاقدوا فيما بينهم أن لا يجالسوا بني هاشم ولا يكلموهم حتى يدفعوا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه وتعاقد بنو هاشم فيما بينهم على القيام بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بنو نوفل وبنو عبد شمس في عهد قريش ودخل بنو المطلب في عهد بني هاشم حتى دخلوا معهم الشعب فكانوا فيه ثلاث سنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 13 ] حتى أكلوا العلهز من جهد القصة . وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنا لم نزل نحن وبنو المطلب في الجاهلية والإسلام معا } وإذا ثبت أن الاستحقاق بتلك النصرة ولا تبقى تلك النصرة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يبقى الاستحقاق لا للانتساخ بعد موته بل لانعدام الحكم لعدم علته وهذا معنى ما قلنا : إن ذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفه إليهم مجازاة على تلك النصرة المخصوصة فقد { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكافئ كل من نصره يوما حتى قال يوما لما عرض عليه الأسارى : لو كان مطعم بن عدي حيا لوهبت هؤلاء السبي منه } مجازاة له على ما صنع وقد كان مات على شركه ولكنه قام بنصرته يوما وفيه قصة معروفة أو نقول ثبت بالكتاب أن الاستحقاق بالقرابة وببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الاستحقاق بالنصرة وما كان ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فصار هذا الاستحقاق ثابتا بعلة ذات وصفين القرابة والنصرة وانعدم أحد الوصفين وهو النصرة بعد وفاته فلا يبقى الاستحقاق كما أنه لما انعدم أحد الوصفين في حق بني نوفل وبني عبد شمس في حياته لم يعطهم شيئا فبنو هاشم وبنو المطلب بعد وفاته بمنزلة بني نوفل وبني عبد شمس في حياته وتعليق الاستحقاق بالنصرة أولى منه بالقرابة لأن القيام بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قربة وطاعة ومال الله تعالى يجوز أن يستحق بعمل هو قربة ولا يجوز أن يستحق بنفس القرابة لأن قرابة الرجل سبب لاستحقاق ماله . فأما مال الله تعالى لا يستحق بالقرابة ولأن درجة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى من أن تجعل علة لاستحقاق شيء من الدنيا ولا معنى لما يقول الخصم أن هذا السهم لهم عوض عن حرمة الصدقة عليهم كما قال صلى الله عليه وسلم { يا معشر بني هاشم إن الله تعالى كره لكم غسالة الناس وعوضكم منها سهما من الخمس } وهذا لأن حرمة الصدقة عليهم لكرامتهم فلا يدخل به عليهم نقصان يحتاج إلى جبره بالتعويض ولئن كان هذا السهم عوضا من حرمة الصدقة فينبغي أن يستحقه من يستحق الصدقة لولا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الفقراء دون الأغنياء وينبغي أن يكون استحقاقهم على نحو استحقاق الصدقة لولا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحقاقهم للصدقة لولا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه جواز الصرف إليهم لا وجوب الصرف إليهم فكذلك هذا السهم ونحن نقول إنه يجوز صرف بعض الخمس إليهم وإنما ننكر وجوب الصرف إليهم بسبب القرابة وأيد جميع [ ص: 14 ] ما قلنا حديث أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم { قال سهم ذوي القربى لهم في حياتي وليس لهم بعد وفاتي } والحديث وإن كان شاذا فقد تأكد بإجماع الخلفاء الراشدين على العمل به وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : كان يحمل من الخمس في سبيل الله تعالى ويعطي منه نائبة القوم فلما كثر المال جعل في غير ذلك وإنما أراد به ما كان يصرف من الخمس إلى ذوي القربى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكر بعد هذا عن الضحاك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه استشار المسلمين في سهم ذوي القربى فرأوا أن يجعل في الخيل والسلاح وفي هذا بيان أنهم كانوا مجمعين على أنه لا استحقاق لهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن استحقاقهم في حياته كان للنصرة ألا ترى أنهم جعلوا مصرفه آلة النصرة وهي الخيل والسلاح ، وقوله ويعطي منه نائبة القوم قيل المراد بالقوم : ذوي القربى كما قال في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عرض علينا عمر رضي الله عنه أن يزوج منه أيمنا ويقضي منه عن مغرمنا وقيل المراد بالقوم الغزاة أي يعطي منه ما يحتاج إليه الغزاة في سبيل الله تعالى ومعلوم أن الصرف إلى المستحق المحتاج أولى من الصرف إلى محتاج غير مستحق وقوله فلما كثر المال جعل في غير ذلك تعرض لبعض من كان لا يصرفه في وقته يعني كثرة الإجماع فيه فمع كثرة المال لا يصل إلى المصرف الذي كان يصل إليه عند قلة المال . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رجلا وجد بعيرا في المغنم قد كان المشركون أصابوه قبل ذلك فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال { : إن وجدته قبل القسمة فهو لك وإن وجدته بعد القسمة أخذته بالثمن إن شئت } وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المشركين أحرزوا ناقة لرجل من المسلمين بدارهم فاشتراها رجل منهم وأخرجها فخاصم فيها مالكها فقال صلى الله عليه وسلم { : إن شئت أخذتها بالثمن } وفي الحديثين حجة لنا أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالإحراز لأنهم لو لم يملكوا لرده رسول الله صلى الله عليه وسلم على المالك مجانا بكل حال فإن المسلمين إنما يملكون على الكفار مالهم لا مال المسلم وكذلك المشتري إنما يملك على البائع ماله إلا أنه جعل له حق الأخذ قبل القسمة بغير شيء وبعد القسمة بالقيمة لأن المستولى عليه صار مظلوما وعلى من يذب عن دار الإسلام القيام بنصرته ودفع الظلم عنه وذلك بإعادة ماله إليه ، وقبل القسمة لم يتعين الملك فيه لأحد بل هو باق على حق الغزاة فكان عليهم الرد ليندفع به الظلم عن صاحبه وبعد القسمة قد تعين الملك لمن وقع في [ ص: 15 ] سهمه وعليه دفع الظلم عنه ولكن ليس له أن يحول ملكه وحقه إليه إلا أن حقه في المالية فلمراعاة النظر من الجانبين قلنا : تعاد إليه العين بالقيمة ليصل المستولي عليه إلى عين ماله ويصل الآخر إلى حقه في المالية ودليل أن حقه في المالية أن للإمام بيع الغنائم وقسمتها بين الغانمين . ومراده بالثمن القيمة فالقيمة ثمن التعديل والمسمى ثمن التراضي ولهذا مكنه من الأخذ من المشتري بالثمن لأن حق المشتري فيما أعطى من ماله وهو الثمن فينظر له في ذلك كما ينظر للمستولي عليه في إعادة ماله إليه وعن الشعبي رحمه الله تعالى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل أهل السواد ذمة المراد سواد العراق وفيه دليل على أن الإمام إذا فتح بلدة عنوة وقهرا فله أن يجعل أهلها ذمة ويضع الجزية على جماجمهم والخراج على أراضيهم كما فعله عمر رضي الله تعالى عنه فإنه افتتح السواد عنوة وقهرا وذلك مشهور في كتب المغازي وفيه أشعار وقد كان صاحب جيش العجم رستم بن فرخ هرمزان وقتل في الحرب وأنشد الأعرابي الذي قتله فقال ألم تر أني حميت الذمار وأبقيت مكرمة في الأمم غداة الهزيمة إذ رستم وقد كان صاحب جيش المسلمين سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وكان قد خرج به دماميل فلم يحضر الحرب يوم الفتح وفي ذلك يقول قائلهميسوق الفوارس سوق النعم رماني بسهم وقد نلته فصك الركاب ببطن القدم وأضرب بالسيف يافوخه فكانت لعمري فتح العجم : ألم تر أن الله أنزل نصره وسعد بباب القادسية معصم وإنما بينا هذا لأن بعض أصحاب الشافعي رحمهم الله ينكرون فتح السواد عنوة .فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم وذكر الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه : لا أدري ماذا أقول في سواد الكوفة ولكني أقول قولا بظن مقرون إلى علم وهذا جهل وتناقض من قائله فإن الظن أن يترجح أحد الجانبين من غير دليل فكيف يكون علما وفتح السواد عنوة وقهرا أشهر من أن يخفى على أحد حتى يحتاج إلى هذا التكلف وربما يقول الشافعي رحمه الله : إن عمر رضي الله عنه ملك الأراضي للمسلمين واسترقهم ثم تركهم ليعملوا في أراضي المسلمين وما جعل عليهم من الخراج والجزية بمنزلة [ ص: 16 ] الضريبة كالمولى يساوي عبده الضريبة ويستعمله وربما يقول من عليهم برقابهم وتملك الأراضي ثم أجرها منهم والخراج الذي جعل عليهم أجرة وهذا بعيد فإن جزيتهم أشهر من أن تخفى وقد كانوا يتبايعون ذلك فيما بينهم ويتوارثونه من ذلك الوقت إلى يومنا هذا فعرفنا أن الصحيح ما قاله علماؤنا رحمهم الله تعالى أنه من عليهم برقابهم وأرضهم وجعل عليهم الجزية في رءوسهم والخراج في أرضهم وإنما فعل ذلك بعد ما شاور الصحابة رضي الله عنهم على ما روي أنه استشارهم مرارا ثم جمعهم فقال : أما إني تلوت آية من كتاب الله تعالى واستغنيت بها عنكم ثم تلا قوله تعالى { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } إلى قوله تعالى { للفقراء المهاجرين } إلى قوله تعالى { والذين تبوءوا الدار } هكذا في قراءة عمر رضي الله عنه إلى قوله تعالى { والذين جاءوا من بعدهم } ثم قال أرى لمن بعدكم في هذا الفيء نصيبا ولو قسمتها بينكم لم يكن لمن بعدكم نصيب فمن بها عليهم وجعل الجزية على رءوسهم والخراج على أراضيهم ليكون ذلك لهم ولمن يأتي بعدهم من المسلمين ولم يخالفه في ذلك إلا نفر يسير منهم بلال رضي الله عنه ولم يحمدوا على خلافه حتى دعا عليهم على المنبر فقال : اللهم اكفني بلالا وأصحابه فما حال الحول وفيهم عين تطرف أي ماتوا جميعا . وذكر عن عطاء رحمه الله تعالى قال : كتب نجدة إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله هل للعبد في المغنم سهم ؟ وهل كانت النساء يحضرن الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ومتى يجب للصبي سهم في المغنم ؟ وعن سهم ذوي القربى ؟ فكتب ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا حق للعبد في المغنم ولكن يرضخ له الحديث وفي هذا بيان أن الاستفتاء بالكتاب كان معروفا فيهم فإن نجدة كان حروريا وهم كانوا قوما يسألون سؤال التعمق فكان كثيرا ما يكتب نجدة إلى ابن عباس رضي الله عنهما حتى ربما كان يضجر ابن عباس رضي الله عنهما ويقول : لا يزال يأتينا بأحموقة من خاطره ، ومع هذا كان يجيبه فيما كتب إليه وفيه بيان أنه لا يسهم للعبد كما يسهم للحر وبه نأخذ فإن العبد تبع للحر وليس من أهل أن يجاهد بنفسه حتى كان للمولى أن يمنعه وهو ممنوع من الخروج بغير إذنه ولا يسوى بين الأصل والتبع في الاستحقاق ولكن يرضخ له إذا قاتل بحسب جرأته وغنائه وكفايته وكتب إليه أن النساء كن يخرجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يداوين الجرحى وكان يرضخ لهن وخروج النساء مع رسول الله عليه الصلاة والسلام مشهور في الآثار ومنهن من كانت تقاتل معه على ما روي أن [ ص: 17 ] أم سليم بنت ملحان قاتلت يوم حنين شادة على بطنها وكانت حاملا حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لمقامها خير من مقام فلان وفلان } يعني الذين انهزموا وهي التي قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نقاتل هؤلاء الفرارين كما قاتلنا المشركين فقال صلى الله عليه وسلم { : عافية الله أوسع لنا } وأم أيمن كانت تخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتداوي الجرحى وتقوم على المرضى وبعض العجائز كانت تخرج مع خالد بن الوليد رضي الله عنه للطبخ والخبز وسقي الماء وهذا دليل على أنه لا بأس بخروج العجائز مع الجيش لهذه الأعمال ثم يرضخ لهن لأنهن أتباع كالعبيد ولأنهن عاجزات عن القتال بنية والعبيد يعجزون عن ذلك بمنع الموالي فاستويا في المعنى فلهذا يرضخ للفريقين وكتب أنه لا حق للصبي في المغنم حتى يحلم وإنما أراد السهم الكامل أنه لا يثبت اسمه فيمن يسهم له ما لم يبلغ وبه نأخذ . والأصل فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال { : عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني } ولكن يرضخ للصبي إذا قاتل فقد كان في الصبيان من يقاتل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روي { أنه عرض عليه صبي فرده فقيل : إنه رام فأجازه وعرض عليه صبيان فرد أحدهما وأجاز لآخر فقال المردود : أجزته ورددتني ولو صارعته لصرعته فقال : صارعه فصارعه فصرعه فأجازهما } والمراد الإجازة في المقاتلين ليرضخ لهما لا ليسهم فقد ثبت أنه لا يستحق السهم إلا بعد البلوغ وذكر عن عمر رضي الله عنه أنه قال : لا حق للعبد في المغنم والمراد : السهم الكامل ، فأما الرضخ ثابت له إذا قاتل بإذن سيده أو المراد الآبق الخارج بغير إذن مولاه وهذا لا حق له بل يؤدب على فعله وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { قسم غنائم بدر بعد ما قدم المدينة } وإنما أورد هذا ليبين أن الإمام لا يشتغل بالقسمة في دار الحرب لأنهم كانوا محتاجين في ذلك الوقت ثم أخر القسمة حتى قدم المدينة فدل أنها لا تقسم في دار الحرب ، والذي يرويه الشافعي رحمه الله تعالى أنه قسمها بالسير شعب من شعاب الصفراء والصفراء من بدر لا يكاد يصح بل المشهور أنه قسم بالمدينة حتى { طلب منه عثمان رضي الله تعالى عنه أن يضرب له فيها بسهم ففعل قال : وأجري يا رسول الله قال : وأجرك } وكان خلفه بالمدينة على ابنته رقية يمرضها فماتت قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قاله بعضهم قدم علينا زيد بن حارثة بشيرا بفتح بدر حين سوينا على رقية يعني التراب [ ص: 18 ] على قبرها { وسأله طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن يضرب له بسهم وكان غائبا بالشام فوافق قدومه قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب له بسهم قال : وأجري يا رسول الله قال : وأجرك } وتكلموا في ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما بالسهم ولم يشهدا بدرا فذكر الواقدي رحمه الله تعالى أنه ضرب لثمانية نفر ممن لم يشهدوا بدرا بالسهم فقيل : إنما ضرب لعثمان رضي الله تعالى عنه لأن تخلفه كان بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليمرض ابنته وكانت تحته وكان في ذلك فراغ قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحق هو بمن شهد بدرا . ألا ترى أنه وعد له الأجر وطلحة كان بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتجسس خبر العير فكان مشغولا بعمل المسلمين فجعله كمن شهد بدرا وقيل : بل كان أسهم لهما لأنهما كالمدد أما طلحة فقد كان في دار الحرب عازما على اللحوق بالمسلمين وعثمان رضي الله عنه وإن كان بالمدينة فالمدينة إنما كان لها حكم دار الإسلام في ذلك الوقت حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين فيها ، فأما بعد خروجهم فقد كانت الغلبة فيها لليهود والمنافقين ، وهو دليل لنا على أن المدد إذا لحق الجيش في دار الحرب شركهم في الغنيمة وإن لم يشهد الوقعة . وقيل : إنما أسهم لهما لأن الأمر في غنائم بدر كان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي من يشاء ويمنع من يشاء ; أما لأنها أصيبت بمنعة السماء ، أو لأنها كثرت المنازعة بينهم فيها على ما روي { عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : ساءت أخلاقنا يوم بدر فحرمنا ثم بين ذلك فقال : كنا ثلاث فرق فرقة كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرقة جمعوا الغنائم وفرقة اتبعوا المنهزمين فجعلت كل فرقة تقول : الغنيمة لنا فارتفعت أصوتنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت فأنزل الله تعالى { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } } فتبين أن الأمر كان في غنائم بدر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهذا أعطى من أعطى ممن لم يحضر ، وذكر عن محمد بن إسحاق والكلبي رحمهما الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قسم غنائم حنين بعد منصرفه من الطائف بالجعرانة } وفي هذا دليل أنها لا تقسم في دار الحرب فإنه أخر القسمة حتى انتهى إلى الجعرانة وكانت حدود دار الإسلام في ذلك الوقت ; لأن فتح حنين كان بعد فتح مكة والجعرانة من نواحي مكة وقد روي أن الأعراب طالبوه بالقسمة وأحاطوا به يقولون : أقسم بيننا ما أفاء الله تعالى علينا حتى ألجئوه إلى سمرة وجذب بعضهم رداءه فتخرق فقال : اتركوا لي ردائي فلو كانت هذه العضاه [ ص: 19 ] إبلا وبقرا وغنما لقسمتها بينكم ثم لا تجدونني جبانا ولا بخيلا ، فمع كثرة مطالبتهم أخر القسمة حتى انتهى إلى دار الإسلام فدل أنها لا تقسم في دار الحرب . ( قال ) وأما خيبر فإنه افتتح الأرض وجرى فيها حكمه فكانت القسمة فيها بمنزلة القسمة في المدينة وقسم الغنائم فيها قبل أن يخرج منها ففي هذا دليل أن الإمام إذا افتتح بلدة وصيرها دار إسلام بإجراء أحكام الإسلام فيها فإنه يجوز له أن يقسم الغنائم فيها ، وقد طال مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد الفتح وأجرى أحكام الإسلام فيها فكانت من دار الإسلام القسمة فيها كالقسمة في غيرها من بقاع دار الإسلام . ( قال ) : وقسم غنائم بني المصطلق في ديارهم وكان قد افتتحها يعني صيرها دار الإسلام ودل على ذلك حديث مكحول قال { : ما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم إلا في دار الإسلام } وفي هذا دليل على أنها لا تقسم في دار الحرب لأن الأفعال المتفقة في الأوقات المختلفة لا تكون إلا على صفة واحدة إلا لداع يدعو إليها وليس ذلك إلا لكراهة القسمة في دار الحرب وذكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الفارس سهمين والراجل سهما يوم بدر } وإنما كان يوم بدر مع المسلمين فرسان وسبعون بعيرا ففي هذا دليل أنه يسهم للفرس دون غيره من البهائم وهذا لأن الإرهاب الذي يحصل بالخيل لا يحصل بغيره قال الله تعالى { ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } وفيه دليل أنه يسهم للفرس سهم واحد وهو حجة لأبي حنيفة رحمه الله تعالى فإنهما يقولان : للفرس سهمان وللرجل سهم واحد وقد ورد به بعض الآثار ولكن رجح أبو حنيفة رحمه الله تعالى حديث ابن عباس رضي الله عنهما في غنائم بدر قال : السهم الواحد متيقن به لاتفاق الآثار وما زاد عليه مشكوك فيه لاشتباه الآثار فلا أعطينه إلا المتيقن ولا أفضل بهيمة على آدمي وسنقرره في موضعه إن شاء الله تعالى . وعن ابن عباس رضي الله عنهما في جعل القاعد للشاخص : ما جعل من ذلك في الكراع والسلاح فلا بأس به وما صنع ذلك في متاع البيت فلا خير فيه . وفيه دليل جواز التجاعل بخلاف ما يقوله بعض الناس أن من خرج للجهاد لا يحل له أن يجتعل من غيره واعتمدوا فيه ما روي { أن رجلا استؤجر بدينارين للجهاد فلما جاء يطلب الغنيمة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بكم استؤجرت قال بدينارين قال : إنما لك ديناران في الدنيا والآخرة } ولكنا نقول بهذا الحديث فنقول : الاستئجار على الجهاد لا يجوز والتجاعل ليس [ ص: 20 ] باستئجار ولكنه إعانة على السير وهو مندوب إليه وجهاد بالمال والنفس جميعا قال الله تعالى { وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } وقال جل وعلا { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } وأحوال الناس متفاوتة فمنهم من يقدر على إقامة الفرض بهما ومنهم من يقدر على إقامة الجهاد بالنفس لصحة بدنه ويعجز عن الخروج لفقره والآخر يعجز عن الخروج والجهاد بالنفس لمرض أو آفة ويقدر على الجهاد بالمال فيجهز بماله من يخرج فيجاهد بنفسه حتى يكون الخارج مجاهدا بالنفس والقاعد المعطي المال مجاهدا بالمال والمؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا ولهذا كره ابن عباس رضي الله عنهما لقابض المال أن يجعل ذلك في متاع بيته لأن المعطي أمره بالجهاد به وذلك في استعداده له والإنفاق في الطريق على نفسه وهو على وجهين عندنا إن قال : هذا المال لك فاغز به فله أن يصرفه إلى ما يشاء لأنه ملكه المال ثم أشار عليه بأن يصرفه إلى الجهاد فإن شاء قبل مشورته وإن شاء لم يقبل وإن قال اغز بهذا المال فليس له أن يصرفه إلى متاع بيته ولكن يشتري به الكراع والسلاح وينفق على نفسه في طريق الجهاد وقد بينا نظيره في الحج . وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يغزي العزب عن ذي الحليلة ويعطي الغازي فرس القاعد وأنه كان حسن التدبير والنظر للمسلمين فمن حسن نظره هذا أن ذا الحليلة قلبه مع أهله فلا يطيل المقام في الثغر والعزب لا يكون قلبه وراءه فيتمكن من إطالة المقام فلهذا كان يأمر العزب بالخروج ، ومنهم من يروي الأعزب ، وكان يعطي الغازي فرس القاعد ليكون صاحب الفرس مع زوجته يحفظها ، ويكون مجاهدا بفرسه ، والخارج يكون مجاهدا ببدنه ثم منهم من يقول : إنما كان يفعل ذلك بالتراضي فأما عند عدم الرضى ما كان يفعل ذلك بل كان يجهز الغازي من بيت المال إن لم يكن مال فإن مال بيت المال معد لذلك والأصح أن نقول للإمام أن يفعل ذلك عند الحاجة فإن لم يكن في بيت المال مال ومست الحاجة إلى تجهيز الجيش ليذبوا عن المسلمين فله أن يحكم على الناس بقدر ما يحتاج إليه لذلك لأنه مأمور بالنظر للمسلمين وإن لم يجهز الجيش للدفع ظهر المشركون على المسلمين فيأخذون المال والذراري والنفوس فمن حسن التدبير أن يتحكم على أرباب الأموال بقدر ما يحتاج إليه لتجهيز الجيش ليأمنوا فيما سوى ذلك وهو المراد بما ذكر بعده عن جرير بن عبد الله أن معاوية رضي الله عنه ضرب بعثا على أهل الكوفة فرفع عن جرير وعن ولده وقال جرير رضي الله عنه : لا نقبل ذلك ولكن نجعل أموالنا للغازي ومعنى ضرب البعث [ ص: 21 ] التحكم عليهم في أموالهم بقدر الحاجة لتجهيز الجيش فكأنه من على جرير وولده رضي الله عنهم بأن رفع ذلك عنهم فقد كان موقرا فيهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقره حتى قال جرير رضي الله عنه : ما نظر إلي إلا تبسم ولو في صلاته لكن لم يقبل جرير هذه المنة منه لعلمه أن في الجهاد بالمال معنى الثواب واستحقاق المؤمن التوقير بكونه مستبقا إلى الخيرات والطاعات ولكن قال : لا أعطي المال إليك بل أدفع بنفسي إلى من أختاره من الغزاة ليتبين به أنه غير مجبر على ما يعطي وبهذا يستدل من يقول من أصحابنا إن الأفضل للمرء أن يشارك أهل محلته في إعطاء النائبة . ولكنا نقول هذا كان في ذلك الوقت لأنه إعانة على الطاعة فأما في زماننا إنما يوجد أكثر النوائب بطريق الظلم ، ومن تمكن من دفع الظلم عن نفسه فذلك خير له ، وإن أراد الإعطاء فليعطه من هو عاجز عن دفع الظلم عن نفسه وعن أداء المال لفقره حتى يستعين على دفع الظلم فينال المعطي الثواب بذلك وعن أبي مرزوق عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه افتتح قرية بالمغرب فخطب أصحابه فقال : لا أحدثكم إلا بما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول يوم خيبر { : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره ولا يتبع المغنم حتى يقسم ولا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ولا يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه } ففيه دليل على أن صاحب الجيش عند الفتح ينبغي له أن يخطب ويعلم الناس في خطبته ما يحتاجون إليه في ذلك الوقت فقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعند فتح خيبر فمما ذكر عنده في فتح خيبر هذا الحديث وفيه دليل على أنه لا يحل وطء الحبالى من الفيء وبه نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس : { ألا لا توطأ الحبالى من الفيء حتى يضعن ولا الحبالى حتى يستبرئن بحيضة ، } وفي وطء الحامل سقي مائه زرع غيره كما فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوة سمع الجنين وبصره وشعره بماء الواطئ ففيه دليل أنه ليس للغازي أن يبيع نصيبه قبل القسمة لأن الملك لا يثبت له إلا بالقسمة وبيع مجرد الحق لا يجوز ولأن نصيبه مجهول لا يدري أين يقع وأي مقدار يكون ، وللإمام رأي في بيع الغنائم وقسمة الثمن فإنما يبيع ما هو مجهول جهالة متفاحشة وذلك باطل وفيه دليل على أنه لا يحل لبعضهم الانتفاع بدواب الغنيمة وثيابها قبل القسمة وقد سمى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ربا الغلول في حديث آخر ونهى عنه ولكن هذا عند عدم [ ص: 22 ] الحاجة فأما إذا تحققت الحاجة والضرورة فلا بأس بأن يفعل ذلك في دار الحرب بغير ضمان وفي دار الإسلام يشترط ضمان النقصان لأن عند الضرورة له أن يدفع الضرر عن نفسه بمال الغير بشرط الضمان مع أنه لا حق له فيه فلأن يكون له ذلك فيما له فيه حق أولى . ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |