تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 204 - عددالزوار : 4649 )           »          4 خطوات تحمى شفايفك من الجفاف فى الشتاء.. التقشير مهم زى الترطيب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          وصفات طبيعية لترطيب اليدين فى الشتاء.. خليها روتين ثابت فى يومك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          طريقة عمل الشوربة بالجبنة والمشروم بتريكات الشيفات المحترفين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          5 حيل ديكور تخلى حمامك منتجع صحى منزلى.. من الألوان لرأس الدش (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          ألوان شتوية تمنح منزلك إحساس الدفء دون تغيير الأثاث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          طريقة عمل شوربة البصل والجزر بالكريمة.. طبق شهى ودافئ للشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          دليلك للعناية بفروة الرأس والتخلص من الدهون والقشرة بمكونات طبيعية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          6 أفكار تصنع فرقًا كبيرًا فى تدفئة وتجديد غرفة النوم فى الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          4 وصفات طبيعية تعزز نمو الشعر أثناء النوم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 03-12-2025, 04:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,177
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)




تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(5)
تفسير سورة الأنعام
من صـ 421 الى صــ 435
الحلقة (221)



تمرات وعلى الآخر خمس رمانات فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى : يا روح الله وكلمته أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة ؟ فقال عيسى أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل ؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية .
فقال له شمعون : لا وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالا يا ابن الصديقة فقال عيسى عليه السلام : ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الجنة إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة فقال له كن فكان أسرع من طرفة عين فكلوا مما سألتم بسم الله واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم فإنه بديع قادر شاكر فقالوا يا روح الله وكلمته إنا نحب أن يرينا الله آية في هذه الآية فقال عيسى : سبحان الله أما اكتفيتم بما رأيتم من هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى ؟ ثم أقبل عيسى عليه السلام على السمكة فقال يا سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت فأحياها الله بقدرته فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية تلمظ كما يتلمظ الأسد تدور عيناها لها بصيص وعادت عليها بواسيرها ففزع القوم منها وانحاسوا فلما رأى عيسى منهم ذلك قال : ما لكم تسألون الآية فإذا أراكموها ربكم كرهتموها ؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول فقالوا يا عيسى كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها ثم نحن بعد فقال عيسى : معاذ الله من ذلك .
يبدأ بالأكل من طلبها فلما رأى الحواريون وأصحابه امتناع عيسى منها خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها مثله فتحاموها فلما رأى ذلك عيسى منهم دعا لها الفقراء والزمنى وقال : كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيك واحمدوا الله الذي أنزلها لكم فيكون مهنؤها لكم وعقوبتها على غيركم وافتتحوا أكلكم باسم الله واختموه بحمد الله : ففعلوا فأكل منها ألف وثلثمائة إنسان بين رجل وامرأة يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ نزلت من السماء لم
ينقص منها شيء ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون فاستغنى كل فقير أكل منها وبرئ كل زمن أكل منها فلم يزالوا أغنياء أصحاء حتى خرجوا من الدنيا وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات قال : وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبل بنو إسرائيل إليها يسعون من كل مكان يزاحم بعضهم بعضا الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والأصحاء والمرضى يركب بعضه بعضا فلما رأى ذلك جعلها نوبا بينهم تنزل يوما ولا تنزل يوما فلبثوا على ذلك أربعين يوما تنزل عليهم غبا عند ارتفاع النهار فلا تزال موضوعة يؤكل منها حتى إذا قالوا ارتفعت عنهم إلى جو السماء بإذن الله وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم قال فأوحى الله إلى نبيه عيسى عليه السلام أن اجعل رزقي في المائدة للفقراء واليتامى والزمنى دون الأغنياء من الناس فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء من الناس وغمطوا ذلك حتى شكوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر وأدرك الشيطان منهم حاجته وقذف وسواسه في قلوب الربانيين حتى قالوا لعيسى أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء أحق فإنه قد ارتاب بها منا بشر كثير ؟ فقال عيسى عليه السلام هلكتم وإله المسيح طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم فلما أن فعل وأنزلها عليكم رحمة ورزقا وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها وشككتم فيها فأبشروا بالعذاب فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله .
فأوحى الله إلى عيسى إني آخذ المكذبين بشرطي فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين .
قال فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات هذا أثر غريب جدا قطعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة وقد جمعته أنا
ليكون سياقه أتم وأكمل والله سبحانه وتعالى أعلم .
وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل أيام عيسى ابن مريم إجابة من الله لدعوته كما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم قال الله "إني منزلها عليكم" الآية .
وقال قائلون إنها لم تنزل فروى ليث بن أبي سليم عن مجاهد في قوله "أنزل علينا مائدة من السماء" قال هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ثم قال ابن جرير : حدثنا الحارث حدثنا القاسم هو ابن سلام حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال : مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا فأبوا أن تنزل عليهم وقال أيضا : حدثنا أبو المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور بن زاذان عن الحسن أنه قال في المائدة إنها لم تنزل .
وحدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال : كان الحسن يقول لما قيل لهم "فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين" قالوا لا حاجة لنا فيها فلم تنزل وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا يعرفه النصارى وليس هو في كتابهم ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما توفر الدواعي على
نقله وكان يكون موجودا في كتابهم متواترا ولا أقل من الآحاد والله أعلم ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت وهو الذي اختاره ابن جرير قال : لأن الله تعالى أخبر بنزولها في قوله تعالى "إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين" قال ووعد الله ووعيده حق وصدق وهذا القول هو والله أعلم الصواب كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم وقد ذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير نائب بني أمية في فتوح بلاد المغرب وجد المائدة هنالك مرصعة باللآلئ وأنواع الجواهر فبعث بها إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق فمات وهي في الطريق فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده فرآها الناس فتعجبوا منها كثيرا لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر اليتيمة ويقال إن هذه المائدة كانت لسليمان بن داود فالله أعلم .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران بن الحكم عن ابن عباس قال : قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك قال "وتفعلون ؟" قالوا نعم قال : فدعا فأتاه جبريل فقال إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة .
قال "بل باب التوبة والرحمة"
ثم رواه أحمد وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث سفيان الثوري به .
قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين (113)
قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين
أي نحن محتاجون إلى الأكل منها .
"وتطمئن قلوبنا" إذا شاهدنا نزولها رزقا لنا من السماء "ونعلم أن قد صدقتنا" أي ونزداد إيمانا بك وعلما برسالتك "ونكون عليها من الشاهدين" أي ونشهد أنها آية من عند الله ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به .
قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114)
قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين
قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا "قال السدي أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا وقال سفيان الثوري : يعني يوما نصلي فيه."
وقال قتادة : أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم وعن سلمان الفارسي عظة لنا ولمن بعدنا وقيل كافية لأولنا وآخرنا "وآية منك" أي دليلا تنصبه على قدرتك على الأشياء وعلى إجابتك لدعوتي فيصدقوني فيما أبلغه عنك "وارزقنا" أي من عندك رزقا هنيئا بلا كلفة ولا تعب "وأنت خير الرازقين"
قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين (115)
قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين
قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم أي فمن كذب بها من أمتك يا عيسى وعاندها فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين أي من عالمي زمانكم كقوله تعالى ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وكقوله إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار وقد روى ابن جرير من طريق عوف الأعرابي عن أبي المغيرة القواس عن عبد الله
بن عمرو قال : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون .
وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116)
وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام
هذا أيضا مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام قائلا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله يا عيسى ابن مريم "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين" من دون الله وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رءوس الأشهاد هكذا قاله قتادة وغيره واستدل على ذلك بقوله تعالى "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم" وقال السدي : هذا الخطاب والجواب في الدنيا وقال ابن جرير : هذا هو الصواب وكان ذلك حين رفعه إلى السماء الدنيا : واحتج ابن جرير على ذلك بمعنيين "أحدهما" أن الكلام بلفظ المضي "والثاني" قوله : إن تعذبهم وإن تغفر لهم وهذان الدليلان فيهما نظر لأن كثيرا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي ليدل على الوقوع والثبوت .
ومعنى قوله "إن تعذبهم فإنهم عبادك" الآية
التبري منهم ورد المشيئة فيهم إلى الله وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه كما في نظائر ذلك من الآيات والذي قاله قتادة هو غيره هو الأظهر والله أعلم أن ذلك كائن يوم القيامة ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رءوس الأشهاد يوم القيامة وقد روي بذلك حديث مرفوع رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله مولى عمر بن عبد العزيز وكان ثقة قال : سمعت أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا كان يوم القيامة دعي بالأنبياء وأممهم ثم يدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقر بها فيقول يا عيسى ابن مريم" اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك الآية ثم يقول "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فينكر أن يكون قال" ذلك فيؤتى بالنصارى فيسألون فيقولون نعم هو أمرنا بذلك قال فيطول شعر عيسى عليه السلام فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من رأسه وجسده فيجاثيهم بين يدي الله عز وجل مقدار ألف عام حتى ترفع عليهم الحجة ويرفع لهم الصليب وينطلق بهم إلى النار "وهذا حديث غريب عزيز ."
وقوله سبحانك ما "يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق" هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن عمرو عن طاوس عن أبي هريرة قال : يلقى عيسى حجته ولقاه الله تعالى في قوله "وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم"
أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله "قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلقاه الله سبحانك" ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق "إلى آخر الآية وقد رواه الثوري عن معمر عن ابن طاوس عن طاوس بنحوه وقوله" إن كنت قلته فقد علمته "أي إن كان صدر مني هذا فقد علمته يا رب فإنه لا يخفى عليك شيء فما قلته ولا أردته في نفسي ولا أضمرته ولهذا قال" تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب "."
ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117)
ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد
"ما قلت لهم إلا ما أمرتني به" بإبلاغه "أن اعبدوا الله ربي وربكم" أي ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه "أن اعبدوا الله ربي وربكم" أي هذا هو الذي قلت لهم وقوله "وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم" أي كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم "فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد" قال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة قال انطلقت أنا وسفيان الثوري إلى المغيرة بن النعمان فأملى علي سفيان وأنا معه فلما قام انتسخت من سفيان فحدثنا قال : سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال "يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول" أصحابي "فيقال إنك لا"
تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح "وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" فيقال إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم "ورواه البخاري عند هذه الآية عن أبي الوليد وعن شعبة وعن محمد بن كثير عن سفيان الثوري كلاهما عن المغيرة بن النعمان به ."
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118)
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم
هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله عز وجل فإنه الفعال لما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ومتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى رسوله وجعلوا لله ندا وصاحبة وولدا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة حتى الصباح يرددها .
قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن فضيل حدثني فليت العامري عن جسرة العامرية عن أبي ذر رضي الله عنه قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فلما أصبح قلت يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها ؟ قال "إني سألت ربي عز وجل الشفاعة"
لأمتي فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا "."
"طريق أخرى وسياق آخر" قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى حدثنا قدامة بن عبد الله حدثتني جسرة بنت دجاجة أنها انطلقت معتمرة فانتهت إلى الربذة فسمعت أبا ذر يقول : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي في صلاة العشاء فصلى بالقوم ثم تخلف أصحاب له يصلون فلما رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله فلما رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه يصلي فجئت فقمت خلفه فأومأ إلي بيمينه فقمت عن يمينه ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله فقمنا ثلاثتنا يصلي كل واحد منا بنفسه ونتلو من القرآن ما شاء الله أن نتلو وقام بآية من القرآن رددها حتى صلى الغداة فلما أصبحنا أومأت إلى عبد الله بن مسعود أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة فقال ابن مسعود بيده لا أسأله عن شيء حتى يحدث إلي فقلت بأبي وأمي قمت بآية من القرآن ومعك القرآن لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه قال "دعوت لأمتي" قلت فماذا أجبت أو ماذا رد عليك ؟ قال "أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة" قلت أفلا أبشر الناس ؟ قال "بلى" فانطلقت معنقا قريبا من قذفة بحجر فقال عمر : يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناس بهذا نكلوا عن العبادات فناداه أن "ارجع" فرجع وتلك الآية إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدث عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول عيسى إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فرفع يديه فقال "اللهم أمتي" وبكى فقال الله
يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيه ؟ فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين قال : حدثنا ابن لهيعة حدثنا ابن هبيرة أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول : حدثني سعيد بن المسيب سمعت حذيفة بن اليمان يقول : غاب عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فلم يخرج حتى ظننا أن لن يخرج فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نفسه قد قبضت فيها فلما رفع رأسه قال "إن ربي عز وجل استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم ؟ فقلت ما شئت أي رب هم خلقك وعبادك فاستشارني الثانية فقلت له كذلك فقال لا أخزيك في أمتك يا محمد وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفا مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم حساب ثم أرسل إلي فقال ادع تجب وسل تعط فقلت لرسوله أومعطي ربي سؤلي ؟ فقال ما أرسلني إليك إلا ليعطيك ولقد أعطاني ربي ولا فخر وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر وأنا أمشي حيا صحيحا وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب وأعطاني الكوثر وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرا وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة وطيب لي ولأمتي الغنيمة وأحل لنا كثيرا مما شدد على من قبلنا ولم يجعل علينا في الدين من حرج" .
قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119)
قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم
يقول تعالى مجيبا لعبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام فيما أنهاه إليه من التبري من

النصارى الملحدين الكاذبين على الله وعلى رسوله ومن رد المشيئة فيهم إلى ربه عز وجل فعند ذلك يقول تعالى "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم" قال الضحاك عن ابن عباس : يقول يوم ينفع الموحدين توحيدهم "لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا" أي ماكثين فيها لا يحولون ولا يزولون "رضي الله عنهم ورضوا عنه" كما قال تعالى "ورضوان من الله أكبر" وسيأتي ما يتعلق بتلك الآية من الحديث وروى ابن أبي حاتم ههنا حديثا عن أنس فقال : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا المحاربي عن ليث عن عثمان يعني ابن عمير أخبرنا اليقظان عن أنس مرفوعا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثم يتجلى لهم الرب جل جلاله فيقول سلوني سلوني أعطكم قال فيسألونه الرضا فيقول رضاي أحلكم داري وأنا أنالكم كرامتي فسلوني أعطكم فيسألونه الرضا قال فيشهدهم أنه قد رضي عنهم سبحانه وتعالى" وقوله ذلك الفوز العظيم "أي هذا الفوز الكبير الذي لا أعظم منه كما قال تعالى" لمثل هذا فليعمل العاملون "وكما قال" وفي ذلك فليتنافس المتنافسون "."
لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير (120)
لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير
قوله "لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير" أي هو الخالق للأشياء المالك لها المتصرف فيها القادر عليها فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته وفي مشيئته فلا نظير له ولا وزير ولا عديل ولا والد ولا ولد ولا صاحبة ولا إله غيره ولا رب سواه .
قال ابن وهب : سمعت حيي بن عبد الله يحدث عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمر قال آخر سورة نزلت سورة المائدة .
"تم تفسير سورة المائدة ولله الحمد والمنة ."

تفسير سورة الأنعام
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (1)
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون
سورة الأنعام قال العوفي وعكرمة وعطاء عن ابن عباس أنزلت سورة الأنعام بمكة .
وقال الطبراني : حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : نزلت الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح وقال سفيان الثوري عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت : نزلت سورة الأنعام على النبي صلى الله عليه وسلم جملة وأنا آخذة بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة .
وقال شريك عن ليث عن شهر عن أسماء قالت : نزلت سورة الأنعام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد طبقوا ما بين السماء والأرض .
وقال السدي عن مرة عن عبد الله قال : نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفا من الملائكة وروي نحوه من وجه آخر عن ابن مسعود .
وقال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل قالا : حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي أخبرنا جعفر بن عون حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن السدي حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر قال : لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال "لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق" ثم قال صحيح على شرط مسلم .
وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن عمر حدثنا إبراهيم بن درستويه الفارسي حدثنا أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم حدثنا ابن أبي فديك حدثني عمر بن طلحة الرقاشي عن نافع بن مالك بن أبي سهيل عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح , والأرض بهم ترتج" ورسول الله يقول "سبحان الله العظيم سبحان الله العظيم" ثم روى ابن مردويه عن الطبراني عن إبراهيم بن نائلة عن إسماعيل بن عمر عن يوسف بن عطية عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد" .
يقول الله تعالى مادحا نفسه الكريمة وحامدا لها على خلقه السموات والأرض قرارا لعباده .
وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم فجمع لفظ الظلمات ووحد لفظ النور لكونه أشرف كقوله تعالى "عن اليمين والشمائل" وكما قال في آخر هذه السورة "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" ثم قال تعالى "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" أي ومع هذا كله كفر به بعض عباده وجعلوا له شريكا وعدلا واتخذوا له صاحبة وولدا تعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا .
هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2)
هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون
وقوله تعالى "هو الذي خلقكم من طين" يعني أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب وقوله "ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده" قال سعيد بن جبير عن ابن عباس "ثم قضى أجلا" يعني الموت "وأجل مسمى عنده" يعني الآخرة وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم وعطية والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم وقول الحسن في رواية عنه "ثم قضى أجلا" وهو ما بين أن يخلق إلى أن يموت "وأجل مسمى عنده" وهو ما بين أن يموت إلى أن يبعث هو يرجع إلى ما تقدم وهو تقدير الأجل الخاص وهو عمر كل إنسان وتقدير الأجل العام وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة وعن ابن عباس ومجاهد "ثم قضى أجلا" يعني مدة الدنيا "وأجل مسمى عنده" يعني عمر الإنسان إلى حين موته وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا "وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار" الآية وقال عطية عن ابن عباس "ثم قضى أجلا" يعني النوم يقبض فيه الروح ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة "وأجل مسمى عنده" يعني أجل موت الإنسان وهذا قول غريب ومعنى قوله "عنده" أي لا يعلمه إلا هو كقوله "إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو" وكقوله "يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها" وقوله تعالى "ثم أنتم تمترون" قال السدي وغيره : يعني تشكون في أمر الساعة .
وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3)
وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون
وقوله تعالى "وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم" اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول القائلين تعالى عن قولهم علوا كبيرا بأنه في كل مكان حيث حملوا الآية على ذلك فالأصح من الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض أي يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ويسمونه الله ويدعونه رغبا ورهبا إلا من كفر من الجن والإنس وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى "وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله" أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض وعلى هذا فيكون قوله "يعلم سركم وجهركم" خبرا أو حالا .
"والقول الثاني" أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض من سر وجهر فيكون قوله يعلم متعلقا بقوله "في السموات وفي الأرض" تقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون والقول الثالث أن قوله "وهو الله في السموات" وقف تام ثم استأنف الخبر فقال "وفي الأرض يعلم سركم وجهركم" وهذا اختيار ابن جرير وقوله "ويعلم ما تكسبون" أي جميع أعمالكم خيرها وشرها .
وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4)
وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين
يقول تعالى مخبرا عن المشركين المكذبين المعاندين أنهم كلما أتتهم آية أي دلالة ومعجزة وحجة من الدلالات على وحدانية الله وصدق رسله الكرام فإنهم يعرضون عنها فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها .
فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون (5)
فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون
وهذا تهديد لهم ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب وليجدن غبه وليذوقن وباله .
ثم قال تعالى واعظا لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا وأكثر أموالا وأولادا واستعلاء في الأرض وعمارة لها .
ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6)
ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين
فقال "ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم" أي من الأموال والأولاد والأعمار والجاه العريض والسعة والجنود ولهذا قال "وأرسلنا السماء عليهم مدرارا" أي شيئا بعد شيء "وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم" أي كثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض أي استدراجا وإملاء لهم "فأهلكناهم بذنوبهم" أي بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها "وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين" أي فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث "وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين" أي جيلا آخر لنختبرهم فعملوا مثل أعمالهم فأهلكوا كإهلاكهم فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم فما أنتم بأعز على الله منهم والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم لولا لطفه وإحسانه .
ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7)
ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين
يقول تعالى مخبرا عن المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق ومباهتتهم ومنازعتهم فيه "ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم" أي عاينوه ورأوا نزوله وباشروا ذلك لقال "الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين" وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات "ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون" وكقوله تعالى "وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم" .
وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8)
وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون
"وقالوا لولا أنزل عليه ملك" أي ليكون معه نذيرا قال الله تعالى "ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون" أي لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب .
كما قال الله تعالى "ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين" وقوله "يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين" الآية .
ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9)
ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون
أي لو أنزلنا مع الرسول البشري ملكا أي لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيا لكان على هيئة الرجل ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري كقوله تعالى "قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا" فمن رحمته تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلا منه ليدعو بعضهم بعضا وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال كما قال تعالى "لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم" الآية قال الضحاك عن ابن عباس في الآية : يقول لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور "وللبسنا عليهم ما يلبسون" أي ولخلطنا عليهم ما يخلطون وقال الوالبي عنه : ولشبهنا عليهم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 03-12-2025 الساعة 07:09 PM.
رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,505.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,503.38 كيلو بايت... تم توفير 1.75 كيلو بايت...بمعدل (0.12%)]