|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع (مقدمة كتاب الحدود) شرح فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي الحلقة (526) صـــــ(1) إلى صــ(18) شرح زاد المستقنع - باب القطع في السرقة [2] يجب قطع يد الطرار الذي يقطع الجيوب ويأخذ منها المال، ويشترط في المال المسروق أن يكون مالا محترما، ولا تقطع يد من سرق آلات لهو أو خمر مع التفصيل في ذلك. ومقدار نصاب المال الذي تقطع فيه يد السارق ربع دينار من ذهب أو ثلاثة دراهم من فضة، أو ما يعادل قيمة أحدهما، مع خلاف بين أهل العلم في ذلك. حكم قطع يد الطرار بسم الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ويقطع الطرار الذي يبط الجيب أو نحوه ويأخذ منه] : ما زال المصنف رحمه الله يتكلم على صور يتحقق بها مفهوم السرقة، ومن ذلك قوله: (ويقطع الطرار الذي يبط الجيب) ففي بعض صور السرقة: يقدم السارق على قطع الجيب: إما بالسكين، أو بالموس، أو بالشفرة، فالطرار هو: الذي يسرق من الجيب، والسرق من الجيب له صورتان: الصورة الأولى: أن يدخل يده فيستل المال الموجود في داخل الجيب. الصورة الثانية: أن يقطع الجيب من أسفله أو من جنبه، ثم يستل المال منه. فمن أهل العلم من قال: أن الذي يبط الجيوب -أي: يقطع الجيوب- لا تقطع يده، ويرون أن القطع لا يكون إلا إذا كان في حرز، وكان صاحب الحرز منتبها -يعني: عينه على الحرز- ومن هنا قالوا: إن من نام في المسجد، ورداؤه تحته، أنه ينبغي اشتراط كون الرداء تحت الجسم، أو تحت الرأس، فإذا استله من تحت الرأس فقد استله من حافظ، وحينئذ قالوا: إنه إذا كان الرجل في غفلة واستل المال منه بدون أن يعلم فإن يده لا تقطع؛ لأن المال في الجيب ليس في حرز عند من يقول بعدم القطع، إلا إذا كان صاحبه عينه على الجيب، ومن هنا يرون أنه لا قطع عليه، واختار المصنف القول بالقطع. قالوا: لو استغفل صاحب المال، ثم استل المال من جيبه، وقطع الجيب فأخرج منه المال -من أسفله أو من عرضه- فإنه يعتبر سارقا، وقالوا: إن الشخص عينه على ماله ما دام حاملا للمال، ثم إنه قد استل المال منه خفية، فتتحقق فيه شرط السرقة، وقالوا: الطرار في حكمه إذا كان يبط الشنطة، مثل ما يقع في (المحافظ) ونحوها يقطعها ثم يستل المال منها، فقوله: (أو نحوه) مثل: المحفظة، أو الهميان والكمر، فإذا كان (الكمر) مشدودا على صاحبه، ثم جاء واستل المال من (الكمر) وصاحبه حامل له قطعت يده. فقوله: (الطرار) : هو الذي يبط الجيب (يبط الجيب) أي: يقطعه، سواء كان القطع من أسفله أو من عرضه؛ لأنه لما قطع الجيب فقد أخذ المال من الحرز، وحينئذ يكون بط الجيب مثل كسر الأقفال في الصناديق، وكسر الأبواب، وهذا يعتبر أخذا للمال من حرزه، فقالوا: إن صورة هذه السرقة -على هذا الوجه الذي اختار المصنف- توجب القطع. اشتراط أن يكون المسروق مالا محترما قال رحمه الله: [ويشترط أن يكون المسروق مالا محترما] . أي: لا نقطع يد السارق إلا إذا توافرت الشروط في السارق، وفي المال المسروق، وفي فعل السرقة، ومن هنا: ابتدأ رحمه الله فقال: (يشترط أن يكون المسروق مالا) والمال عند العلماء هو: كل شيء له قيمة فيعاوض عليه، ويشمل الذهب والفضة وهو ما يسمى بالأثمان، ويشمل المثمونات، وعلى هذا: تقع السرقة في الذهب والفضة، وتقع في المجوهرات، وتقع في المعادن، مثل: النحاس، والحديد، والرصاص، والنيكل، والزنك، وكذلك تقع في الثياب، وتقع في الأطعمة، وتقع في الأشياء التي يرتفق بها كقطع الغيار الموجود في زماننا لاستصلاح الأدوات الكهربائية، أو أدوات النقل، كل هذا يعتبر مالا له قيمة، وسمي المال مالا؛ لأن النفوس تميل إليه وتهواه. رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال فالنفوس تميل بطبعها إلى الذهب والفضة، وكل شيء له قيمة. لما قال رحمه الله: (أن يكون مالا) : هذا الشرط، مفهوم عكسه: أنه لو سرق شيئا ليس بمال فلا قطع، والذي ليس بمال، مثل: أن يسرق آدميا حرا، فالحر ليس بمال، لا يباع ولا يشترى، ومن هنا اختلف العلماء في سرقة الأطفال الصغار: فلو أنه اختطف طفلا صغيرا؛ خدعه حتى خرج من المدينة، أو خرج به من بيت أهله، فبعد أن أخذه -كانوا في القديم يأخذونه ويبيعونه- أو اختطفه، وأصبح يستخدمه لخدمته، أو نحو ذلك. الطفل الحر من الصغار غير المميزين والمجنون الذي لا يعقل، اختلف فيهما العلماء رحمهم الله، أما الحر البالغ فلا يمكن أن تقع السرقة به -كما ذكر العلماء- أن يكون نائما ثم يسرقه، فجماهير السلف والخلف -رحمهم الله- على أنه لو سرق حرا كبيرا لا قطع؛ لأنه ليس بمال، ولا في حكم المال، ولا يباع ولا يشترى. وأما إذا كان صغيرا مثل: الأطفال الذين لا يميزون، والمجانين الذين يخدعون، ويسرقون إلى خارج المدن، ويقع هذا في ذوي العاهات، فبعض الأحيان يسرقهم ضعاف النفوس -نسأل الله السلامة والعافة- من أجل أن يتكسبوا بهم، أو نحو ذلك، فلو سرقه؛ هل تقطع يده أو لا؟ جمهور العلماء على أنه لا تقطع يده، فالجمهور على أنه لا تقطع يد من سرق الأطفال، ومن سرق الكبير المجنون، أو الطفل غير المميز. وذهب بعض العلماء إلى أنه تقطع يده، واحتجوا بحديث ضعيف: أن رجلا كان يسرق الصبيان، ثم يخرجهم من المدينة، ثم يبيعهم، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يده، وهذا الحديث ضعيف؛ لا يصلح للاحتجاج به، وأجاب العلماء عنه سندا: بالضعف، وأجابوا عنه متنا: بأنه يحتمل أن يكونوا صغارا وصبيانا مماليك، وحينئذ يكونون من جنس الأموال؛ لأن المملوك يباع ويشترى. وقوله: (مالا محترما) الشرط الأساسي: المال، ثم شرط الشرط: أن يكون محترما؛ لأن المال منه ما هو محترم، ومنه ما ليس بمحترم، فإذا قلنا: إنه يشترط المال، هذا شرط يخرج منه: سرقة الحر كبيرا كان أو صغيرا، ومن اشتراط المال ذهب بعض العلماء إلى أن من سرق المصحف لا تقطع يده، إذا كانت قيمة المصحف تعادل النصاب؛ قالوا: لأن المصحف ليس بمال، هو كلام الله عز وجل؛ ولذلك لا يعتبر مالا، لكن هذا ضعيف؛ لأن البيع والشراء ليس لكلام الله عز وجل، والبيع لم يقع لنفس المصحف، إنما هو قيمة الصحف، وكتابة هذه الآيات، والمعاوضة على هذا الشيء، وليس على كلام الله عز وجل؛ ولذلك جماهير السلف والخلف -رحمهم الله- أجازوا بيع المصاحف كما تقدم معنا في كتاب البيع، ومنعه الإمام أحمد -رحمه الله - في إحدى الروايات عنه، وقال ابن عمر: (وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف) . والصحيح: أن المعاوضة في المصحف واقعة على الورق، وعلى ما يكتب فيه المصحف، وعلى كتابة الآيات، ويجوز أن تستأجر شخصا في كتابة القرآن، وتكون الأجرة على تعبه في الكتابة، وحينئذ الثمن المدفوع لشيء له قيمة، وجمهور العلماء أجازوا بيعه وخالفوا الإمام أحمد، قال الناظم: ومنع بيعه لدى ابن حنبل وكرهه لدى ابن شافع جلي أي: منع بيع المصحف الإمام أحمد، وكرهه الجمهور، ومنهم الشافعي. إذا ثبت هذا؛ فإنه لو سرق المصحف، والمصحف له قيمة تعادل النصاب قطعت يده، وهكذا لو سرق كتب العلم. وهناك شرط آخر لم يذكره -رحمه الله-: أن يكون مالا منقولا؛ لأن المال ينقسم إلى ثابت: وهو العقار، ومنقول: وهو من غير العقار والأثمان كما بيناه في البيع، وقلنا: إن المثمونات إما أن تكون من العقارات أو من المنقولات، فالأموال تنقسم: إلى ثمن ومثمن، والمثمن ينقسم إلى: عقار ومنقول، والثمن: هو الذهب والفضة، والمثمن: هو كل شيء من غير الذهب والفضة له قيمة، ثم هذا المثمن: إما أن يكون عقارا كالبيوت، والأراضين، والمزارع، فهذه لا تقع فيها السرقة؛ لأن شرط السرقة: النقل، وهذه لا يمكن نقلها، فيسمى اغتصابا ولا يسمى سرقة، فلا تقع عليه ضوابط السرقة، كما سيأتي في الشروط التي دلت عليها الأدلة. ومن هنا: اشترط النبي صلى الله عليه وسلم في ثبوت السرقة: نقلها من الحرز، وثبوت الأخذ الذي هو شرط الفعل، وإذا ثبت هذا: فإن السرقة لا تتحق بالمنقولات، وعليه بنى العلماء: اشتراط أن يكون المال منقولا؛ لكي يخرج العقار، فإن العقار لا قطع فيه، وكذلك لو أنه اغتصب عمارة، أو اغتصب مزرعة، أو اغتصب مخططا، فإنه لا يعتبر سارقا. إذا: يشترط أن يكون مالا، وأن يكون المال متقوما منقولا. وقوله: (محترما) ، المال ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون المال محترما شرعا، مثل: الذهب والفضة، والمعادن، والمجوهرات، والأكيسة، والأطعمة، ونحوها. وإما أن يكون غير محترم شرعا، مثل: الميتة الخمر الخنزير، فهذه كلها لا قيمة لها شرعا، فلو أن شخصا سرق خمرا؛ فإنه لا تقطع يده، مع أن الخمر قد تباع ولها قيمة، فهي مال في الشكل، لكن الشرع أسقط عنها المالية. والدليل على أن الخمر والخنزير والميتة لا قيمة لها شرعا: قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله ورسوله حرما بيع الميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام) فهذا يدل على أن هذه الأشياء ليس لها قيمة في الشرع، وإذا لم يكن لها قيمة في الشرع؛ فهي غير محترمة، فلو أنه سرق خمرا، نقول: إنه لم يسرق مالا؛ لأن الخمر ليست بمال، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا قطع إلا في ربع دينار) والخمر لا تساوي ربع الدينار ولا أقل؛ لأن الشرع أسقط المالية عنها، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: أنه لما أهداه الرجل المزادتين من الخمر امتنع من قبولهما، وقام رجل وسار المهدي، فقال له عليه الصلاة والسلام: (بم ساررته؟ قال: أمرته أن يبيعها يا رسول الله! قال: إن الذي حرم شربها حرم ثمنها) وفي رواية: (حرم بيعها) ، فلما قال: (حرم ثمنها، حرم بيعها) دل على أنه لا قيمة لها. من هنا: اشترط العلماء المالية، وأن يكون المال منقولا ليخرج العقارات، وأن يكون متقوما محترما شرعا، فيخرج آلة اللهو، ويخرج الخمر، والخنزير، والميتة، فهذه لا قيمة لها شرعا. حكم سرقة آلات اللهو قال رحمه الله: [فلا قطع بسرقة آلة لهو] . آلة اللهو ينبغي أن يفصل في حكمها، آلة اللهو لا قيمة لها شرعا، لكن لو كانت الآلة -مثلا- مصنوعة من ذهب، فإنه إذا سرقها فقد سرق مالا، إذا كانت مموهة بالذهب، مطلية بالذهب، مصنوعة من الذهب، وفيها ربع دينار من الذهب فأكثر؛ فقد سرق ربع الدينار، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا) ، ومن هنا: إذا كانت مصنوعة من مادة في الأصل لها قيمة، فإنه حينئذ لا ننظر إلى كونها آلة لهو، وإنما ننظر إلى وجود المالية في عين المال المسروق، ومن هنا: لو أنها كسرت جاز بيعها؛ لأنها كسرت، - إذا: لها قيمة، وإذا كانت مطلية بذهب، أو فضة، وتعادل النصاب فأكثر فقد سرق مالا معتبرا شرعا، فكونها آلة لهو لا يضر، وبعض العلماء يفصل، ويقول: آلات اللهو إذا كانت لها قيمة في نفسها، بحيث لو كسرت تصلح أن تباع، وتكون قيمتها في البيع تعادل النصاب فأكثر، حينئذ يثبت القطع؛ لأنه سرق المال المعتبر شرعا، أو ما يبلغ النصاب، وأما إذا كسرت ولا قيمة لها -أي: لا تعادل النصاب- فإنه لا قطع فيها. حكم سماع الدف فقوله: (آلة لهو) خرج اللهو المأذون به شرعا، مثل: الدف، فالدف مأذون به شرعا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف) فلما قال عليه الصلاة والسلام: (الدف) دل على أن الدف من آلات اللهو المأذون بها شرعا، والمباحة، والنص في هذا واضح؛ ولذلك ضربت الجارية على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالدف، وسمع الدف عليه الصلاة والسلام، وأذن به عليه الصلاة والسلام في النكاح. والعجيب! من البعض يقول: نعجب من الشيخ يفتي بحل جواز الدف، وكأنه منكر عظيم! يعتبرون أن هذا شيء لا يجوز، كيف يأذن النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الدف في النكاح ويقول: (أعلنوا) ؟ ولا يمكن أن يتحقق الإعلان إلا بسماع الناس له، ومن هنا: لا ينبغي للإنسان أن يحكم بالأحكام الشرعية بهواه وبالشيء الذي يألفه والذي لا يألفه، وإذا أنكر على غيره ممن بينه وبينه أخذ وعطاء، فلا يدعوه ذلك إلى ألا يتجرد للنص، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أعلنوا) وهذا خطاب عام، ومن هنا نقول: إن آلات الدف آلات محترمة شرعا، لها قيمة، ولو أنه استأجر أمرأة لضرب الدف في العرس فبإجماع العلماء -رحمهم الله- على أنها إجارة شرعية، وذكر العلماء هذا وفرقوا بين الدف وغيره كما هو معروف في كتاب الشهادات، ففرقوا بين آلات اللهو والعزف وبين الدف، فالدف مأذون به شرعا، وضربت الجارية على رأس النبي صلى الله عليه وسلم حينما قفل من غزوته، وكانت قد نذرت أن تضرب بذلك، ودخل عمر رضي الله عنه على المرأة وهي تغني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع، وكان عند عائشة رضي الله عنه جاريتان تغنيانها بما كان في يوم بعاث، فالأصول الشرعية تقتضي جواز ضربه وسماعه، لكننا نقول: الإغراق في هذا الشيء والمبالغة فيه مكروهة، لكن لا نقول: إنه حرام، ولا نقول: يسمعه النساء ولا يسمعه الرجال، من أين هذا التفصيل؟! الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أعلنوا) ما قال: أعلن، والنص واضح في هذا، وينبغي للإنسان أن يتجرد للنص وأن يتبع النص، وإذا سمع أحد من أهل العلم يفتي بشيء عنده دليل وعنده حجة، ويعلم أن هناك سنة وأن هناك دليلا فإنه ربما يرد سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رد سنة -والعياذ بالله- عن هوى ضل، فعلينا أن نتقي الله عز وجل في الأحكام الشرعية، وأن نفرق بين الدف وغيره، ونقول: إن الإغراق فيه وكثرة سماعه خلاف الأولى، أو نقول: إن هذا مكروه؛ لأنه يشغل عن ذكر الله عز وجل الذي هو أفضل، لكن لا نستطيع أن نقول: إن هذا حرام! وهل يتعبد الله عز وجل عباده أن يضربوا الدف بالنكاح بالمحرمات؟! وهل يأمر الله عز وجل بإعلان النكاح بالأمور الممقوتة شرعا والمحرمة شرعا؟! حاشا والله! إذا جاء النص فالإنسان يعمل به، وعليه أن يحترم أهل العلم ويحترم اجتهادهم ونظرهم؛ لأننا مأمورون بالوقوف عند النصوص، وعلينا أن نظن خيرا بأهل العلم المتقدمين الذين أجازوا، والمتأخرين مادام عندهم حجة، فنقف معهم وألا يدعو الإنسان إلى رد السنة بالهوى، وبالشيء الذي يألفه، فيرى الذي يألفه مسنونا، والذي لا يألفه غير مسنون، ولو كان في بيئة تضرب الدف لكان شيئا عاديا أن يقول: إنه جائز ومباح! فلذلك ينبغي لنا أن نتجرد للحق، وأن نعلم أن هناك سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا النوع من الآلات وهو الدف وأنه جائز ومشروع. وإذا كسر الدف وجب ضمانه، وإذا باع الدف واشتراه جاز ذلك؛ لأنه آلة لم يحرمها الشرع، ولم يحرم سماعها الشرع، وعلى هذا لو سرق هذه الآلة يجب القطع إن كانت تساوي نصابا أو أكثر، وهذا على الأصل عند أهل العلم. حكم سرقة مال محرم كالخمر قال رحمه الله: [ولا محرم كالخمر] . ولا تقطع اليد في محرم كالخمر، المصنف -رحمه الله- أسقط المالية عن آلة اللهو، وعن الخمر، والخمر إسقاط المالية عنها لنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (إن الله ورسوله حرما بيع الميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام) فأسقط عن الميتة والخمر والخنزير المالية، والأصنام مفصل فيها على حسب مادتها كما هو معروف في قول جماهير العلماء والأئمة رحمهم الله، ولذلك لو كانت الأصنام من ذهب وسرقها شخص، وفيها ما يعادل النصاب فأكثر؛ قطعت يده، والخمر الخنزير والميتة محرمة العين؛ ولذلك لا مالية لها. يقول رحمه الله: (فلا قطع) ، هذا مفرع على اشتراط المالية، أما الخمر ليست بمال، والميتة ليست بمال، والخنزير ليس بمال، والدليل على أن هذه الأشياء ليست بمال: حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين وهو المتقدم، وأما الخمر ففيها قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها) ، والخنزير فيه حديث نزول عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان كما في الحديث الصحيح: أنه ينزل حكما عدلا مقسطا، وأنه يحكم بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب) فلما قال: (يقتل الخنزير) أسقط عنه المالية، ودل على أنه لا قيمة له شرعا، ومن هنا: لو أنه سرق خنزيرا فإنه لا يجب عليه القطع. ولو سرق حيوانا محنطا، وهذا الحيوان المحنط قيمته -مثلا- خمسة آلاف ريال، وهذا الحيوان المحنط من الميتات، فنقول: لا قطع؛ لأنه ليس له قيمة شرعا، ولو سرق آلة لهو، وهذه آلة اللهو من خشب فلو كسرت لا تساوي شيئا، أو تساوي ما دون النصاب؛ فإنه لا قطع، لكن لو كسرت مادتها وفيها ربع دينار فأكثر أو ثلاثة دراهم فأكثر؛ ففيه القطع، ويفصل بهذا التفصيل. اختلاف العلماء في اشتراط النصاب لقطع يد السارق قال رحمه الله: [ويشترط أن يكون نصابا، وهو: ثلاثة دراهم، أو ربع دينار. أو عرض قيمته كأحدهما، وإذا نقصت قيمته المسروق أو حكمها السارق لم يسقط القطع] . ذهب جمهور العلماء -رحمهم الله- ومنهم الأئمة الأربعة: إلى أننا لا نقطع يد السارق حتى يكون الذي سرقه قد بلغ النصاب، والأصل في ذلك: ما ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا) وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على اعتبار النصاب فقال: (في ربع دينار فصاعدا) فدل على أن ما دون ربع الدينار ليس بمحل للقطع، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام في البستان إذا سرق منه الثمر بعد أن يؤويه الجرين أنه قال: (فإذا سرق منه بعد أن يؤويه الجرين -الذي هو الحرز- ما يعادل ثمن المجن قطعت يده) فاشترط عليه الصلاة والسلام شرطين: الشرط الأول: أن يكون الثمر قد أواه الجرين: وهو بيت الحفظ للثمرة، وهو حرز الثمرة، أما إذا كان على النخلة وسرق فلا قطع. الشرط الثاني: أن يكون قد بلغ النصاب، فقال: (إذا بلغ ثمن المجن) وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام: أنه قطع في المجن، قالت أم المؤمنين عائشة حينما سئلت عن المجن، قالت: إن قيمته كانت ربع دينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم. فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط النصاب للقطع في السرقة، ومن هنا: ذهب الأئمة الأربعة إلى أننا لا نقطع في القليل والكثير، وإنما يشترط: أن يكون المال المسروق قد بلغ نصابا، واختلف الأئمة الأربعة في قدر النصاب كما سيأتي، لكنهم متفقون على أن النصاب شرط من شروط السرقة. وذهب الظاهرية رحمهم الله إلى أنه لا يشترط النصاب، وأن من سرق أي شيء قليلا كان أو كثيرا؛ فعليه القطع، وهذا مبني على عموم القرآن في قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة:38] ، قالوا: إن الله لم يشترط نصابا، وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) قالوا: والبيضة لا تعادل ربع الدينار، وأجيب عن الدليلين بما يلي: الدليل الأول وهو قوله تعالى: (( والسارق والسارقة )) عام مخصص بالسنة، والقاعدة: أنه لا تعارض بين عام وخاص، وأن العام من النصوص من الكتاب والسنة يجب حمله على الخاص، وحينئذ نقول: إن هذا النص وهو قوله تعالى: (( والسارق والسارقة )) قد جاء ما يبين لنا حد السرقة شرعا في السنة، فلا نعتبر ما دون النصاب سرقة، ولكن نوجب فيه تغريم السارق ضعفي قيمته، كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في حديث السنن، ولا نقطع، فإذا كان دون النصاب فإنه يغرم ضعفي القيمة ويؤدب ويعزر، ولكن لا تقطع يده. أما بالنسبة لاستدلالهم بحديث: (لعن الله السارق) فأجيب بأن البيضة هي من السلاح، وتكون غطاء للمقاتل في قتاله، ومنها ما يعادل ثمنه الربع دينار، فمعنى قوله: (لعن الله السارق يسرق البيضة) أي: ما يعادل القطع، والحبل منهم من أجاب: بأن حبل السفن يعادل ربع الدينار، ولكن الأنسب في هذا الحديث أن يجاب عنه من أحد وجهين: الوجه الأول: أن نقول: أنه خرج مخرج المبالغة، وما خرج مخرج المبالغة لم يعتبر مفهومه، يعني: بولغ في الأمر، وليس المراد به اللفظ، مثل قوله: (الحج عرفة) ليس المراد: أنه لا يوجد حج إلا الوقوف بعرفة فقط، وإنما المراد به: المبالغة، وبيان عظم أمر عرفة، وهنا: عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم السرقة فقال: (يسرق البيضة فتقطع يده) ، وهذا على سبيل المبالغة والتبشيع. الوجه الثاني: أن نقول: إن هذا الإطلاق مقيد بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون المراد به: ما عادل قيمة السرقة. هذا بالنسبة لمسألة اشتراط النصاب، فالصحيح: أنه لا نقطع اليد إلا إذا بلغ المال المسروق نصابا، وأن هذه الإطلاقات في الكتاب والسنة مقيدة بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه: فإننا لا نقطع إلا فيما يكون نصابا. قدر النصاب في مال السرقة إذا كان النصاب معتبرا شرعا؛ ف السؤال كم هو النصاب؟ ذهب الحنابلة، والمالكية من حيث الجملة -وعندهم تفصيل- إلى أن النصاب ما يعادل ربع الدينار من الذهب، وثلاثة دراهم من الفضة، والمالكية يرون أن الدراهم هي الأصل، والحنابلة يرون أن الدراهم والدنانير كلاهما أصل، أو ما يعادل قيمة أي واحد منهما، وهذا المذهب هو الذي اختاره المصنف -رحمه الله- ودرج عليه، وهو قول طائفة من السلف رحمهم الله، هذا القول الأول. القول الثاني: أنه لا يعتد إلا بربع دينار، وأن نصاب السرقة هو: ربع دينار، ولا ينظر إلى الفضة، وأنه لا بد من التقييم بالذهب وحده، وهذا مذهب الشافعية. القول الثالث: أن النصاب هو: ربع دينار، أو عشرة دراهم، وهو مذهب الحنفية رحمهم الله. والذين قالوا بأن العبرة بربع دينار أو بثلاثة دراهم، أو ما يعادل قيمة أحدهما استدلوا بالسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأما ربع الدينار فالحديث ثابت في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا) إذا: هذا أصل في الذهب، ونعتبر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا قطع إلا في ربع دينار) أن ما يساوي من الذهب ربع الدينار فأكثر نقطع به. وأما الدراهم: فعندنا حديث ابن عمر رضي الله عنهما وهو في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في دلو قيمته ثلاثة دراهم. وهذا يدل: على أن الثلاثة دراهم نصاب في السرقة. والذين قالوا: إن العبرة بربع الدينار -وهم الشافعية- احتجوا بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. والذين قالوا: إن العبرة بعشرة دراهم استدلوا بحديث الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (لا قطع إلا في عشرة دراهم) ، وهذا حديث ضعيف. والذي يترجح هو القول بأن العبرة بربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو يعادل أي واحد منهما. والفرق بين قول الشافعية والحنابلة: أنه لو سرق ثوبا وقيمة هذا الثوب -مثلا- ثلاثة دراهم، ولكنها لا تعادل ربع الدينار، فحينئذ عادل نصاب الفضة، ولم يعادل نصاب الذهب، فالشافعية لا يقطعون، والحنابلة يقطعون، وهو الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في المجن وقيمته ثلاثة دراهم، وهم يجيبون عن هذا، ولكن يعادل بالذهب أو بالفضة، أو ما هو معادل لقيمة الذهب أو قيمة الفضة، وهذا هو الصحيح، وله أصل، واحتج بعض العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة مثل الإمام ابن قدامة بأن هذا التقدير، وهذا المسلك اعتبره نفس الحنفية، والشافعية في كتاب الزكاة، واعتبروه في تقييم الأنصبة، واعتبروه في الديات في القتل كما مر معنا. إذا: قول الحنابلة في هذه المسألة أشبه وأولى -إن شاء الله- بالترجيح وأن العبرة بربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما يعادل إحدى القيمتين. ويتفرع على هذا: إذا قلنا: ربع دينار؛ أنه يقطع إذا كسر الدينار، وأخذ من هذا الكسر ما يعادل الربع، أو كان فيه كسرة تعادل ربع الدينار، ويشترط في قطعه بربع الدينار: أن يكون وزنها خالصا من الذهب، فلو كان ربع الدينار فيه غش مضروب، وفيه مادة من النحاس، بمقدار عشرة في المئة، أو عشرين في المئة، مغشوش بهذا القدر؛ فإن ربع الدينار ليس بخالص، فلا بد أن يكون مصفى من الذهب بعدل ربع الدينار، فإذا نقص بالشوب؛ فإنه لا قطع. فيستوي في الربع الدينار أن يكون ربع دينار، أو يكون مقطعا أجزاء، ويستوي أن يكون من الدينار نفسه، أو يكون من الذهب تبرا، أو حليا، أو سبائك، وكل هذا إذا عادل الذهب الخالص منه ما قيمته ربع دينار؛ فإنه تقطع به اليد. كذلك قولهم: ثلاثة دراهم، فإن أي شيء من الفضة يعادل بعد التصفية من الشوب ثلاثة دراهم فإنه تقطع به اليد. يستوي أن تكون الفضة من الدراهم نفسها ثلاثة، أو تكون ثلاثة دراهم مكسرة، أو تكون قطعا فضية وزنها وزن الثلاثة دراهم خالصة، أو تكون -مثلا- أقلاما، أو حديدا مطليا بفضة ولو صفي هذا الطلاء الموجود لعادل ثلاثة دراهم؛ ففيه القطع. كذلك أيضا: ما قيمته ربع دينار، وما قيمته ثلاثة دراهم: لو أنه سرق مجوهرات، فإننا ننظر إلى قيمة هذه المجوهرات، فلو سرق خاتما من زبرجد، أو خاتما من عقيق، أو خاتما عليه أحجار كريمة، أو خاتما من حديد، نظرنا قيمة هذه الأحجار الكريمة وقيمة الخاتم، فإن كان هذا الخاتم من حديد بنقشه وما فيه من الأحجار الكريمة وما هو مرصع به من الجواهر يعادل ربع الدينار في قيمته أو يعادل ثلاثة دراهم في قيمته؛ قطعنا يده. وهكذا لو أنه دخل إلى محل وكسر حرزه وسرق منه -مثلا- كيس أرز أو كيس سكر نظرنا إلى قيمة هذا السكر أو الأرز، فإن كانت قيمته تعادل ربع الدينار أو تعادل قيمته ثلاثة دراهم؛ أوجبنا القطع. ولو دخل -مثلا- مكتبة، وكسر بابها، ودخل إلى داخلها، فسرق منها كتبا أو أقلاما أو دفاتر، أو دخل إلى محل قماش فسرق منه طاقات قماش؛ ننظر إلى عدل هذه الأشياء من غير الذهب والفضة بالذهب والفضة، فإن بلغت بالذهب ما قيمته ربع الدينار فصاعدا قطعت يده، وإن بلغت بالفضة ما قيمته ثلاثة دراهم فصاعدا قطعت يده، وهذا هو الصحيح، وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله، وأن الأمر لا يختص بنصاب الذهب، بل إنه يشمل الذهب أو الفضة أو ما يعادل إحدى القيمتين.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |