سورة آل عمران (5) الثبات والتثبيت - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5148 - عددالزوار : 2450877 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4739 - عددالزوار : 1772510 )           »          التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 73 - عددالزوار : 3226 )           »          أطباق شتوية سهلة التحضير تساعد على الشبع.. سعراتها الحرارية قليلة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          طرق بسيطة لتنظيف دهون الأوانى وأسطح المطبخ.. مش هتاخد كتير من وقتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          طريقة عمل شوربة العدس بمكونات بسيطة.. لو سنة أولى جواز (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          تفتيح ونضارة.. 5 فوائد لا تعرفيها عن تنظيف البشرة بحمام البخار المنزلي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          6 خطوات بسيطة هتخلى بشرتك ناعمة ونضرة في فصل الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          طريقة عمل دونر الكباب بخطوات بسيطة.. بعد تصدره تريندات السوشيال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          طريقة عمل اللحمة بالعسل والثوم.. جددى مطبخك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 25-08-2025, 04:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,374
الدولة : Egypt
افتراضي سورة آل عمران (5) الثبات والتثبيت

سورة آل عمران (5)

الثبات والتثبيت

الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل



الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى؛ ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى [الْأَعْلَى: 2-6]، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا وَاجْتَبَانَا، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَوْلَانَا وَأَعْطَانَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَى، وَلَا هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلَ؛ ﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الْكَهْفِ: 17]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَسَلُوهُ الثَّبَاتَ عَلَى دِينِهِ؛ فَإِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الدُّعَاءِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ»، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.

أَيُّهَا النَّاسُ: الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ كِتَابُ تَثْبِيتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَسُلْوَانٌ لِلْمُصَابِينَ، وَحُجَّةٌ عَلَى الزَّائِغِينَ، وَكَشْفٌ لِلْمُنَافِقِينَ. وَمِنْ عَظِيمِ سُوَرِ الْقُرْآنِ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِرَاءَتِهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّهَا تُحَاجُّ عَنْ صَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَيُلَاحَظُ فِيهَا كَثْرَةُ آيَاتِ الثَّبَاتِ وَالتَّثْبِيتِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ تَتَنَاوَلُ مُجَادَلَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَدَحْضَ شُبُهَاتِهِمْ، وَهَذَا تَثْبِيتٌ لِلْإِيمَانِ فِي الْقُلُوبِ، وَتَنْقِيَتُهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ. كَمَا أَنَّهَا تَنَاوَلَتْ مُصَابَ الْمُؤْمِنِينَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَالْمَصَائِبُ امْتِحَانٌ لِلْقُلُوبِ، وَيَضْعُفُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَثَبَّتَ اللَّهُ تَعَالَى قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ بِسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ فِي أُحُدٍ.

وَآيَاتُ الثَّبَاتِ وَالتَّثْبِيتِ مَبْثُوثَةٌ فِي السُّورَةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَفِي أَوَّلِ السُّورَةِ إِخْبَارٌ عَنْ مُتَشَابِهَاتِ الْقُرْآنِ الَّتِي يَتَّخِذُهَا أَهْلُ الزَّيْغِ حُجَّةً لِنَشْرِ الضَّلَالِ، وَمَا أَكْثَرَهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ إِذْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَيُفْرِغُونَهُ مِنْ مَعَانِيهِ، وَيُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِأَهْوَائِهِمْ، وَيُخْضِعُونَ أَحْكَامَهُ لِرَغَبَاتِهِمْ، وَيَنْتَقُونَ مِنْهُ مَا يُرِيدُونَ، وَيَتْرُكُونَ مَا لَا يُرِيدُونَ؛ لِيُحِلُّوا حَرَامًا، وَيُسْقِطُوا وَاجِبًا، فَيَضِلَّ بِهِمْ عَامَّةُ النَّاسِ ضَلَالًا بَعِيدًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ ذَلِكَ: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آلِ عِمْرَانَ: 7]، وَأَعْقَبَ ذَلِكَ بِدُعَاءٍ قُرْآنِيٍّ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ، وَأَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ، وَأَنْ يَعِيَهُ قَلْبُهُ، فَمَا أَحْوَجَهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحَالٍ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ اشْتِدَادِ الْفِتَنِ، وَتَتَابُعِ الْمِحَنِ، وَكَثْرَةِ الضَّلَالِ وَالْإِضْلَالِ فِي الْبَشَرِ؛ ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آلِ عِمْرَانَ: 8-9]، وَتَذَكُّرُ الْحِسَابِ سَبَبٌ لِلثَّبَاتِ.

وَفِي وَسَطِ السُّورَةِ أَمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالثَّبَاتِ عَلَى الدِّينِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آلِ عِمْرَانَ: 102-103].

وَمِنْ أَسْبَابِ عَدَمِ الثَّبَاتِ عَلَى الدِّينِ: طَاعَةُ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ مَا تَنَاوَلَتْهُ السُّورَةُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَنُهِيَ فِيهَا عَنْ طَاعَةِ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَنَّ طَاعَتَهُمْ تُورِدُ صَاحِبَهَا الْكُفْرَ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آلِ عِمْرَانَ: 100-101]. وَنُهِيَ فِي آلِ عِمْرَانَ عَنْ طَاعَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّ طَاعَتَهُمْ سَبَبٌ لِلْهَزِيمَةِ وَالْخُسْرَانِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 149-150]. وَنَهَى عَنْ طَاعَةِ الْمُنَافِقِينَ، أَوْ سُلُوكِ مَسْلَكِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُخَذِّلُونَ وَيُرْجِفُونَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [آلِ عِمْرَانَ: 156-158].

وَفِي الْمَصَائِبِ تَمِيدُ الْقُلُوبُ، وَفِي الْهَزَائِمِ كَسْرٌ لِلنُّفُوسِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَقَدْ تَنَاوَلَتْ آلُ عِمْرَانَ هَذِهِ الْغَزْوَةَ بِاسْتِفَاضَةٍ، وَفِي آيَاتِهَا تَثْبِيتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَمُرَاغَمَةٌ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 139-142].

وَمِنَ التَّثْبِيتِ فِي آلِ عِمْرَانَ: بَيَانُ أَنَّ الْآجَالَ مَضْرُوبَةٌ، وَالْأَعْمَارَ مَحْدُودَةٌ، فَلَا يُقَدِّمُهَا إِقْبَالٌ فِي الْمَعَارِكِ، وَلَا يُؤَخِّرُهَا إِدْبَارٌ عَنِ الْقِتَالِ؛ ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا [آلِ عِمْرَانَ: 146]. وَفِيهَا ذِكْرٌ لِأَخْبَارِ الثَّابِتِينَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَحِكَايَةُ دُعَائِهِمْ، يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى الثَّبَاتَ وَالنَّصْرَ لِيَتَأَسَّى بِهِمُ الْمُؤْمِنُونَ؛ ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 146-148]. آيَاتٌ عَظِيمَةٌ فِيهَا رَبْطٌ عَلَى الْقُلُوبِ، وَشَرْحٌ لِلصُّدُورِ، وَتَثْبِيتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَتَسْلِيَةٌ لِلْمُصَابِينَ.

وَمِنْ أَسَالِيبِ التَّثْبِيتِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: بَيَانُ أَنَّ مِنْ حِكَمِ الِابْتِلَاءَاتِ تَمْيِيزَ الثَّابِتِينَ مِنَ النَّاكِصِينَ، وَتَبْيِينَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الشَّاكِّينَ وَالْجَاحِدِينَ؛ ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا [آلِ عِمْرَانَ: 166-167]. وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آلِ عِمْرَانَ: 179].

وَمِنْ أَسَالِيبِ التَّثْبِيتِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: تَوْجِيهُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الِاسْتِجَابَةِ لِأَوَامِرِ الشَّرْعِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَفِي حَالِ النَّصْرِ وَالْهَزِيمَةِ؛ ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آلِ عِمْرَانَ: 172-174].

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاعْمَلُوا عَلَى نَجَاتِكُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الْبَقَرَةِ: 185].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الثَّبَاتَ وَجُمْلَةً مِنْ وَسَائِلِهِ فِي ثَنَايَا سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ خَتَمَهَا بِذَلِكَ فِي عَدَدٍ مِنَ الْآيَاتِ؛ فَأَهْلُ الْإِيمَانِ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى إِيمَانِهِمْ، وَأُوذُوا بِسَبَبِهِ، وَهُجِّرُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، يَغْفِرُ اللَّهُ تَعَالَى ذُنُوبَهُمْ، وَيَسْتَجِيبُ دُعَاءَهُمْ، وَيُعْظِمُ أَجْرَهُمْ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ دُعَائِهِمْ وَاسْتِجَابَتِهِ لَهُمْ: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [آلِ عِمْرَانَ: 193-195]. فَيَنْبَغِي لِمَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ أَنْ يَنْتَبِهَ إِلَى آيَاتِ الثَّبَاتِ وَالتَّثْبِيتِ فِيهَا؛ لِيَزْدَادَ إِيمَانُهُ، وَيَثْبُتَ يَقِينُهُ، وَيَقْوَى قَلْبُهُ، وَيَتَشَبَثَ بِالْحَقِّ مَهْمَا كَلَّفَ الْأَمْرُ.

وَآخِرُ آيَةٍ فِي آلِ عِمْرَانَ نِدَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّبْرِ، وَلَا ثَبَاتَ إِلَّا بِصَبْرٍ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آلِ عِمْرَانَ: 200]. «فَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ الَّذِي هُوَ جِمَاعُ الْفَضَائِلِ وَخِصَالِ الْكَمَالِ، ثُمَّ بِالْمُصَابَرَةِ؛ وَهِيَ الصَّبْرُ فِي وَجْهِ الصَّابِرِ، وَهَذَا أَشَدُّ الصَّبْرِ ثَبَاتًا فِي النَّفْسِ وَأَقْرَبُهُ إِلَى التَّزَلْزُلِ، ذَلِكَ أَنَّ الصَّبْرَ فِي وَجْهِ صَابِرٍ آخَرَ شَدِيدٌ عَلَى نَفْسِ الصَّابِرِ» وَأَمَرَ بِالْمُرَابَطَةِ فِي الْجِهَادِ أَوِ الرِّبَاطِ عَلَى الطَّاعَةِ عُمُومًا، «وَأَعْقَبَ هَذَا الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالتَّقْوَى لِأَنَّهَا جِمَاعُ الْخَيْرَاتِ وَبِهَا يُرْجَى الْفَلَاحُ».

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 81.58 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 79.86 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.11%)]