شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 123 - عددالزوار : 3657 )           »          3 وصفات طبيعية لتوحيد لون البشرة والتخلص من البقع الداكنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          4 حلول للقلى بطريقة ذكية.. تقلل وقت الطهى واستهلاك الزيت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          طريقة عمل البطاطس البيوريه بـ 4 وصفات مختلفة.. ولادك هيحبوها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          5 خطوات تخلصك من الفوضى فى مطبخك.. كأنها سحر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          4 تونرات طبيعية تحل مشكلة المسام الواسعة.. وفرى فلوسك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          طريقة عمل هوت شوكليت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          طريقة عمل البطاطس بـ 5 وصفات مبتكرة ولذيذة.. هتعجب أطفالك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          6 فوائد لعمل مساج للبشرة فى المنزل.. منها إزالة الشوائب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          نصائح لعلاج مشكلة جفاف اليدين الناتج عن غسل الصحون طوال الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 29-07-2025, 10:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,714
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب النكاح)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (455)

صـــــ(1) إلى صــ(19)





شرح زاد المستقنع - كتاب الإيلاء [1]
كانت المرأة في الجاهلية إذا آلى الرجل منها تظل بقية حياتها معلقة؛ لا هي متزوجة ولا هي مطلقة، فلما جاء الإسلام وضع لذلك حداً، فجعل للرجل مدة أربعة أشهر، وبعد ذلك يؤمر الزوج بأن يفيء أو يطلق.
وللإيلاء أحكام ومسائل ينبغي معرفتها، منها: صفة الإيلاء، وبماذا يكون، ومن الذين يصح منهم الإيلاء، وغيرها من المسائل المذكورة في باب الإيلاء.
تعريف الإيلاء وأحكامه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [كتاب الإيلاء] الإيلاء في لغة العرب: مأخوذ من قولك: آلى الرجل يولي إيلاءً، والأليَّة: الحلفة يحلفها الرجل، ويسمى الحلف واليمين إيلاءً كما قال تعالى: {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور:22] ، فإن هذه الآية من سورة النور سببُ نزولها: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه كان يحسن إلى مسطح، فلما تكلم في حادثة الإفك حلف بالله أن لا يعطيه وأن لا يحسن إليه، فبيّن الله تبارك وتعالى له السبيل الأكمل والأفضل من أن يديم إحسانه ومعروفه عليه.
الشاهد: أن هذه الآية تدل على أن الإيلاء يستخدم بمعنى الحلف.
والمراد بالحلف هنا: الحلف المخصوص؛ وهو الحلف بالله عز وجل أو صفة من صفاته على شيء مخصوص، وهو: ترك جماع المرأة ووطئها مدةً مخصوصة، وهي أكثر من أربعة أشهر، على أن يكون هذا الحلف متعلقاً بالزوجة، وأن يكون متعلقاً بالوطء في المحل المعتبر وهو الفرج.
صفة الإيلاء
يقول المصنف رحمه الله: [كتاب الإيلاء] أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملةً من المسائل والأحكام التي تتعلق بإيلاء الأزواج وحلفهم على عدم وطء زوجاتهم المدة المعتبرة شرعاً.
ونظراً إلى أن هذا النوع من المسائل بيَّن الله حكمه في كتابه، وكذلك فصّل العلماء رحمهم الله جملة المسائل المتعلقة به، ناسب أن يعتني المصنف رحمه الله بذكره في كتاب النكاح.
وإنما أخر الكلام عليه وجعله بعد الطلاق؛ لأن الإيلاء في بعض الأحيان يكون وسيلة إلى الطلاق، والسبب في هذا: أن العرب كانوا في الجاهلية إذا غضب الرجل من امرأته حلف أن لا يطأها أبداً، فتبقى المرأة معلقة؛ لا هي مطلقة ولا هي زوجة، فرفع الله الظلم عن الزوجات ببيان حكم هذه المسألة، فجعل الأمر على العدل والوسط، فجعل للزوج مدة يمكنه أن يؤدب فيها زوجته ويمكنه أن يحلف فيها، ولكن إذا جاوز الحد المعتبر شرعاً فإنه حينئذٍ يوقفه القاضي الشرعي ويقول له: أنت بالخيار بين أحد أمرين: إما أن تكفر عن اليمين التي حلفتها وترجع إلى زوجتك.
وإما أن تطلقها.
فإذا حلف وكان حلفه فوق الأربعة الأشهر؛ كأن يقول يخاطب زوجته: والله لا أجامعك ستة أشهر، فحينئذٍ وصل إلى الحد المعتبر شرعاً وهو أكثر من أربعة أشهر، فإذا حلف هذه اليمين فإنه يوقفه القاضي عند استتمام الأربعة الأشهر، ويقول له: إما أن تكفر عن يمينك وتؤدي حق زوجك وتتقي الله ربك في أهلك، وإما أن تطلق الزوجة وتسرحها بإحسان.
فإذا امتنع طلق عليه القاضي، وهذا عين العدل الذي قامت عليه السموات والأرض {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50] ، ولقوم يعقلون، ولقوم يتفكرون، ولقوم يتذكرون.
فالله سبحانه وتعالى حكم بهذا الحكم فأعطى الزوج حقه، وأعطى الزوجة حقها، فإنه ربما أساءت المرأة إلى زوجها، وأراد الزوج أن يؤدبها فحلف اليمين لأسباب معتبرة وهي صحيحة، وتعتبر مبررات لإيقاف الزوجة عند حدودها، فإذا حلف وكان الحلف دون المدة التي تضر الزوجة، فإنه حينئذٍ يحقق ما يريده من مصلحة، فإذا جاوز الحد فإن هذا من الظلم.
وفي شرعية هذا النوع دل الكتاب بقوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:226 - 227] ، فهذه الآية من سورة البقرة أصل لبيان حكم الإيلاء.
وهذا الحكم دليل على سمو منهج الشريعة الإسلامية، وأنها حفظت حقوق المرأة كما حفظت حقوق الرجل، فليست بشريعة جائرة، كما يجور أهل زماننا فينظرون لجنس على حساب حقوق الجنس الآخر، ويتبجحون بالحقوق إذا كانت من مصالحهم أو أغراضهم، ولكن الله سبحانه وتعالى حفظ الحقوق، فمتى اعتدى أحد الطرفين على الآخر أوقفه عند حده، وزجره وبيّن له ما ينبغي بيانه والتزامه لحدوده وشرعه.
بيان أن الإيلاء لا يكون إلا بحلف الزوج بالله تعالى أو صفته
قال رحمه الله: [وهو حلف زوج بالله تعالى] .
قوله: (وهو) أي: الإيلاء (حلف زوج) أي: حقيقته عندنا معشر الفقهاء: أنه حلف زوج، فالإيلاء لابد فيه من اليمين والقسم.
ولذلك جاء في قراءة أُبي وفي قراءة لـ ابن عباس رضي الله عنهما: (للذين يقسمون) بدل {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ} [البقرة:226] ، فدل على أن المراد بالإيلاء القسم.
وقوله: (حلف زوج) ، يدل على أن الإيلاء لا يكون إلا من زوج، فلا يكون الإيلاء من زوجة؛ لأن الزوجة لا تملك الطلاق، والإيلاء يتركب منه الطلاق.
ويدل أيضاً على أن الحلف على الأجنبية لا يتحقق به الإيلاء، فلو قال لامرأة أجنبية: والله لا أطؤك سنة، لم يكن مولياً، وفي مخاطبة الأجنبية بمثل هذا -ما لم تكن هناك دوافع أو مبررات شرعية- إذا رفع إلى القاضي عزره وعاقبه؛ لأن هذا فيه مساس بحرمة الناس.
وقد اختلف العلماء في تعليق هذا الحلف على الزواج، فقال بعض العلماء: إذا علقه على زواجها فإن الإيلاء يتعلق كما يتعلق الطلاق في قوله: إن نكحتك فأنت طالق، وإن تزوجتك فأنت طالق، وإن زُوِّجت منك فأنت طالق، وإن تزوجتني فأنت طالق.
وقد تقدم معنا شرح هذه المسألة، وبينا أن الصحيح أن الطلاق لا يقع؛ لأن الله تعالى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} [الأحزاب:49] ، فجعل الطلاق من الناكح، ومن لم ينكح فليس له أن يطلق فيكون كلامه لغواً.
وأكدت هذا السنة فيما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) ، وجاء في الحديث الآخر وهو حديث صحيح قال عليه الصلاة والسلام: (لا طلاق فيما لا يملك) ، فإذا كان الطلاق لا يقع إذا كان معلقاً على الزواج من الأجنبية، ففرعه أن الإيلاء لا يقع.
وقال بعض العلماء: الأصل أن التعليق يوجب المؤاخذة، فلما سقط في الطلاق بالدليل بقي الإيلاء على الأصل، فلو قال لها: إن تزوجتك فإني والله لا أطؤك سنة أو لا أطؤك ستة أشهر، فحينئذٍ قالوا: يكون إيلاءً.
وهذا الوجه الثاني له قوة من حيث الأصل.
قوله: (بالله تعالى أو صفته) .
الحلف لا يكون إلا بالله، أو بأسمائه وصفاته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) ، فدل هذا الحديث الصحيح على أنه لا يجوز للمسلم أن يحلف بغير الله عز وجل، وقد عظم هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال في الحديث الصحيح: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) .
فالحلف نوع من العبادة، والعبادة لا يجوز صرفها إلا لله وحده لا شريك له، ولذلك يتضمن الحلف تعظيم المحلوف به.
ولو قال قائل: كيف يكون هذا والله قد حلف وأقسم بالمخلوقات؟ ف
الجواب أن لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه لحكمة يعلمها سبحانه {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد:41] .
وهل كل شيء جاز لله عز وجل يجوز للمخلوق؟! فالله له الحق، وله أن يقسم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء {يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد:41] ، وليس على المخلوق إلا أن يطيع ربه ويلتزم بشرعه، وحلف الله عز وجل بما حلف من مخلوقاته لتنبيه عباده وتعظيم نعمته ومنته.
وقال بعض العلماء: إن قسم الله عز وجل وحلفه بمخلوقاته يزيد من الإيمان به سبحانه وتعالى؛ لأن المعرفة بحقيقة هذه المخلوقات وعظمة خلقها يدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وهو تعظيم للخالق جل جلاله، فمن تأمل قول الله عز وجل: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل:1 - 2] دخل الإيمان في قلبه، ووقر اليقين في فؤاده، وازداد تعظيماً لله جل جلاله.
وعلى كل حال: ذكرنا أنه لا تنعقد يمين الإيلاء إلا بالله؛ لأن الإيلاء تصرف قولي تترتب عليه الأحكام الشرعية، والأحكام الشرعية لا تترتب على الأيمان المحرمة شرعاً؛ لأن هذا النوع من الأيمان ساقط وغير معتد به شرعاً.
فعلى كل حال: لابد أن يكون القسم بالله عز وجل أو بصفة من صفاته.
الإيلاء لا يكون إلا على عدم الوطء
قال رحمه الله: [على ترك وطء زوجته في قبلها] .
الحلف قد يكون على فعل الشيء أو تركه، وقد يكون الحلف في إثبات شيء أو نفيه، فقوله: (على عدم وطء زوجته) خرج ما لو حلف على وطء الزوجة، فإنه لا يكون إيلاءً ولا يسمى إيلاءً؛ لأن ضرر الزوجة إنما يكون بالامتناع عن وطئها؛ لأن هذا يعرضها للفتنة، وإذا صبرت فإنها قد لا تستطيع الصبر إلى مدة الإيلاء.
فقوله: (على عدم وطء زوجته) خرج الحلف على غير الوطء، كأن يقول: والله لا أُقبلك سنة، فهذا ليس بإيلاء؛ لأن الضرر بالامتناع عن القبلة ليس كالضرر من الامتناع عن الوطء، فحق المرأة وعفة المرأة تتحقق بغير التقبيل، وهكذا إذا حلف على بقية الأشياء من مقدمات الجماع.
وقوله: (على ترك وطء) ، يدل على أنه لابد أن يكون الحلف على عدم وطء الزوجة، ويكون على عدم الوطء باللفظ الصريح أو بلفظ الكناية، فإذا قال: والله لا أجامعك، فهذا من صريح الإيلاء.
وبعض العلماء يرى أنه يبين فيه، فلو قال: والله لا أقربك سنة، قالوا: يبين فيما بينه وبين الله تعالى فيما إذا كان مراده غير الوطء، كأن يكون مطلق القربان، قالوا: ومطلق القربان لا يستلزم عدم الوطء من كل وجه.
قالوا: ومنها القربان، ومنها المس؛ كأن يقول: والله لا أمسك سنة، قال تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة:237] يعبر به عن الجماع ويكون في حكم الجماع.
أما بالنسبة للكنايات وما يتضمن معنى الوطء احتمالاً، فهذا يسأل فيه عن قصده، فلو قال: والله لا يجتمع رأسي ورأسك سنة، فهذا لفظ محتمل، ويمكنه أيضاً أن يحقق إذا كان مراده بالجماع فلا إشكال، وحينئذٍ ينعقد إيلاءً، فلو قال: قصدت الجماع فهو إيلاء.
وإن قال: قصدت أن رأسي لا يقترب من رأسها، فأكره أن أرى وجهها أو نحو ذلك، فإن هذا لا يمنع من الجماع، ويمكنه أن يجامعها دون أن يكون هناك اجتماع لرأسه مع رأسها، وعلى حال لا يقع به المحلوف عليه، فهذا لا يكون صريحاً في الحلف على ترك الوطء.
وإن قال: والله لا أغتسل منك سنة، قال بعض العلماء: قوله: لا أغتسل منك، كناية عن الجماع، وحينئذٍ يكون إيلاءً.
فالمقصود: أنه لابد من وجود اللفظ الدال على الامتناع من الوطء، فإن جاء بلفظ لا يدل على الوطء لا صراحة ولا ضمناً، كمقدمات الوطء، فحينئذٍ لا يكون إيلاءً، ويمكنه أن يمتنع عن هذا الشيء المحدود، ويبقى على الأصل من الاستمتاع بالزوجة وإعطائها حقها في الفراش دون أن يقع منه إخلال يمينه من يمينه، ولا يكون إيلاءً.
ثم إذا حلف على شيء محتمل للوطء وغيره فإنه يبين.
إذاً هنا صور: الصورة الأولى: أن يحلف على غير الوطء، فهذا ليس بإيلاء.
الصورة الثانية: أن يحلف على الوطء صراحة، فهذا إيلاء، كأن يقول: والله لا أجامعك، أو إذا عبر بإدخال الفرج كما صرح العلماء، قالوا: هذا كله من الصريح، ولا يسأل عن نيته بحيث يؤاخذ إذا مرت المدة ويلزمه حكم الإيلاء فيها.
وأما إذا جاء بلفظ محتمل فإنه يسأل عن قصده: ماذا أردت؟ فإن قال: أردت به الجماع، فهو إيلاء، وإن قال: لا أريد به الجماع، فإنه ليس بإيلاء.
وقوله: (في قبلها) ؛ لأنه هو الموضع المعتبر شرعاً للجماع، ولا يجوز الوطء في الدبر، وما يحكى من الأقوال الشاذة فقد تقدم الكلام عليها وبينّاها، وبينّا أن ما حكي عن بعض السلف في هذه المسألة وإن صح ثبوته فإنه قول شاذ.
كما صح عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أفتوا بالمسائل الغريبة، إما إبقاءً على أصول، وإما أخذاً بعمومات لا يراد منها العموم فسرتها نصوص أخر لم يطلعوا عليها، أو حكموا بشيء منسوخ، كما أفتى ابن عباس بحل ربا الفضل، وأفتى بجواز نكاح المتعة ونحو ذلك مما يحكى عن ابن عمر رضي الله عنهما في هذه المسألة.
فهذه كلها أمور تحفظ ولا يعول عليها، ويعتذر لأصحابها؛ لاحتمال الاجتهاد فيها، لكن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم دال كل منهما على أن الوطء لا يكون إلا في موضع الحرث، كما قال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة:222] ، فالله أمرنا أن نأتي النساء في موضع مخصوص وعلى صفة مخصوصة، فلا يجوز تبديل فطرة الله التي فطر الناس عليها {لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم:30] .
فالإيلاء لا يكون إلا على عدم الوطء في الموضع، فلو حلف أن لا يفاخذ المرأة، وأن لا يطأها في الدبر فليس بإيلاء.
مدة الإيلاء
قال رحمه الله: [أكثر من أربعة أشهر] .
هذه كلها شروط: أولاً: الحلف بالله عز وجل أو صفة من صفاته.
ثانياً: أن يكون من زوج، فلا يكون من أجنبي.
ثالثاً: أن يكون على عدم وطء الزوجة، فخرج مفهوم هذا من الصفات على وطئها الذي هو عكس العدم، أو الاستمتاع بغير الوطء.
رابعاً: قوله: (قبلها) هذا شرط مفهومه أن الدبر أو المفاخذة لا يدخل في الإيلاء.
والشرط الأخير: أن يكون أكثر من أربعة أشهر.
لقد شرع الله عز وجل النكاح من أجل أن يعف الرجل امرأته وتعف المرأة زوجها، فإذا أصبح النكاح وسيلة للإضرار؛ كأن يحبس الرجل امرأته فيمتنع من وطئها فيعرضها للحرام والفتنة، أو تمتنع المرأة من زوجها ولا تعطيه حقه في الفراش، فحينئذٍ يحكم الشرع بحرمة الأمرين، حتى ورد الوعيد بالنسبة للمرأة أنها لو دعاها زوجها فامتنعت من إجابته باتت الملائكة تلعنها والعياذ بالله! فهذا أمر عظيم ووعيد شديد.
وكذلك أيضاً بالنسبة للزوج، وقد افترق الأمر بالنسبة للرجال والنساء، فالله عز وجل له الحق أن يفرق بين المجتمع وأن يجمع بين المفترق وهو أعلم وأحكم، وهي من الأمور التي يختلف فيها الحكم بين الرجل والمرأة.
ولا شك أن الحياة الزوجية المستقيمة التي تحرص فيها المرأة على حسن التبعّل لزوجها لا يقع فيها مثل هذا، قالوا: لأن الغالب أن الزوج لا يحلف هذه الأيمان إلا إذا قصرت المرأة.
ومن هنا يقول بعض العلماء: أن المرأة إذا حرصت كل الحرص على المحافظة على العشرة لزوجها بإطفاء غريزته واحتواء شهوته، ولو بالتجمل والتزين، وهذا أمر تقره الشريعة؛ فإنها تثاب على حسن تجملها وتزينها لزوجها، كما أنها تثاب على صلاتها وزكاتها، إذا قصدت أن تعفه عن الحرام وخاصة في هذا الزمان.
وقد ذكر بعض مشايخنا رحمة الله عليهم أن الإيلاء لا يقع إلا من امرأة في الغالب ضيعت إكرامها لبعلها في فراشه؛ لأنها لو كانت تحسن التبعّل له فلا يمكن أن يفرط الزوج في هذا، ولا يمكن في يوم من الأيام أن يحلف بالله ويغلظ الامتناع منها إلا إذا فشلت في كسب وده واحتواء أمره، ولذلك ينبغي على المرأة المسلمة الصالحة الدينة أن تحسن النظر في هذه الأمور.
وليس هذا بعيب، فإن بعض الصالحين يشتكي من بعض الصالحات اللاتي فيهن خير أنه ربما عاتبها على أنها لا تحسن التزين له، فيأمرها أن تتزين، فتمتنع من ذلك وتقول: هذه شهوة عاجلة، وتحقر من هذه الأمور إن هذه فطرة وغريزة جعل الله لها مسلكها، وجعل لها وضعها وطريقها، ولا يمكن لأحد أن يستدرك على الله عز وجل.
فالمرأة مطالبة شرعاً أن تتجمل لزوجها، وأن تحسن التبعل له، حتى لا يأتي يوم من الأيام فيزهد فيها الرجل وفي فراشها، ولا يحسن الإكرام لها حتى إنه يحلف على عدم وطئها.
والإيلاء لابد أن يكون له مدة وهي أربعة أشهر، والمرأة قد تصبر على زوجها الشهر والشهرين والثلاثة على مضض، والرابع على شدة، ومن هنا جعل الله عز وجل مدة الإيلاء أربعة أشهر، وليست هي الحلف، فلابد أن يكون الحلف فوق الأربعة الأشهر.
ومن هنا لو أنه حلف حلفاً زائداً على أربعة أشهر بزمان ولو قليل فهو مول، ولكن لو حلف أربعة أشهر فليس بمولٍ على الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله.
ومن هنا ندرك أن تحديد الحدود الشرعية لا يقتضي أمراً معهوداً شرعاً، ولربما تجد الحد الزماني والمكاني يختلف الحكم فيه بهذا التحديد الشرعي، حتى إنك لو نظرت إلى حد الحرم، فإنك لو خطوت خطوة واحدة فأنت داخل الحرم، وإذا خطوت خطوة فأنت خارج الحرم، فإذا عملت أعمالاً داخل الحرم فلها حكم، وإذا عملت بعض الطاعات والمعاصي في الحرم فلها حكم آخر.
وهذا يدل على أن التقييد صحيح حتى ولو كان في القصر في الصلاة، وبعض المتأخرين يعيب على جمهور العلماء فيقول: كيف يحدون بثمانين كيلو أو خمسة وسبعين كيلو متراً؟ فنقول: هذا حكم الله عز وجل، ولسنا الذين حددنا، ولكن الله هو الذي حدد، فكما أنك تقول في الحرم: لو خطا خطوة واحدة كان داخل الحرم، ولو تأخر خطوة واحدة كان خارج الحرم، فكذلك الأربعة أشهر، فلو زاد عليها ولو بقليل حكم بالإيلاء، ولو اعتد بالأربعة الأشهر ولم يزد عليها فإنه ليس بإيلاء على أصح قولي العلماء؛ لأن الله تعالى يقول: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة:226] .
ثم جعل الحكم مركباً على تمام الأربعة الأشهر، ولذلك قال: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:226] ، فدل على أن الأربعة الأشهر وحدها لا تكفي {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:227] ، وهذا إنما يكون بعد تمام المدة.
فدل على أن المدة بعينها -وهي الأربعة الأشهر- ليست بإيلاء، وفائدة ذلك: أنه بمضي الأربعة الأشهر واستتمامها سقطت يمينه وحلت له زوجته، لكن إذا حلف أكثر من الأربعة الأشهر فلا تسقط اليمين، ومن هنا اشترط أن تكون أكثر من أربعة أشهر، وأن الأربعة الأشهر وحدها لا تكفي لثبوت حكم الإيلاء.
بيان من يصح منهم الإيلاء
قال رحمه الله: [ويصح من كافر وقن ومميز وغضبان وسكران ومريض مرجو برؤه وممن لم يدخل بها] .
الكافر
قوله: [ويصح من كافر] .
يستوي في الإيلاء الكافر والمسلم، فلو حلف كافر على أنه لا يطأ زوجته سنة أو ستة أشهر، فإنه يصح منه.
وفائدة هذه المسألة: إذا كان المولي من أهل الذمة وحلف على زوجته أنه لا يقربها أكثر من أربعة أشهر، ورفعته زوجته إلى قضاء الإسلام وتحاكموا إلينا، فحينئذٍ يوقفه القاضي ويقول له بعد تمام الأربعة الأشهر: إما أن تفيء، وإما أن تطلق عليك الزوجة.
وهذا خلافاً لمن قال: إنه لا يقع بالنسبة للكفار، على المسألة المتقدمة معنا في مخاطبتهم بفروع الإسلام.
والأصل في صحته من الكافر عموم قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [البقرة:226] .
القِن
قال: (وقن) .
القن هو العبد، فلا يشترط الإسلام ولا الحرية، فلو تزوج عبد من أمة نكحها ثم حلف بالله أن لا يطأها أكثر من أربعة أشهر، انعقد إيلاؤه، فإذا تمت الأربعة الأشهر اشتكته زوجته إلى القاضي، فيوقفه القاضي عند تمام المدة ويقول له: إما أن تفيء، وإما أن تطلق عليك زوجتك.
المميز
قال: (ومميز) .
أي: الصبي المميز، وقد اختلف فيه العلماء: فالجمهور على أنه لا يصح من الصبي المميز، وهذا هو الصحيح، خلافاً للحنابلة، فعندهم رواية على أن المميز يعاملونه معاملة المكلف بمسائل منها هذه المسألة، والصحيح: أن المميز ليس بمكلف، وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد.
والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم) والمميز دون الاحتلام؛ لأن الصبي إما أن يكون مميزاً وإما أن يكون غير مميز.
وقد تقدم معنا في أكثر من موضع أن العلماء اختلفوا في ضابط التمييز؛ فمنهم من يضبطه بالسن، ومنهم من يضبطه بالصفة، ومن ضبطه بالسن قال: سبع سنوات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة لسبع سنوات، ومنهم من قال: عشر سنوات، ومنهم من يقول: إحدى عشرة سنة، وقيل: اثنا عشرة سنة، كما في مسائل الطلاق التي تقدمت معنا.
ومنهم من ضبط المميز بضابط الصفة فقال: الصبي المميز هو الذي يفهم الخطاب ويحسن الجواب.
والصحيح: أن المميز وغيره لا يصح منهم الإيلاء؛ لأن الإيلاء يتوقف على اليمين، واليمين تنعقد من البالغ ولا تنعقد من غير البالغ، وإنما يباح له وهو صبي، فلو قال: والله لا أطؤك خمسة أشهر، فإن يمينه لا تنعقد؛ لأنه مرفوع عنه القلم؛ فحينئذٍ لا يقع بين الخيار؛ لأنه ليس ممتنعاً عن وطء زوجته بيمين.
وعلى هذا فمذهب الجمهور على أنه يشترط البلوغ، فلا يصح الإيلاء من غير البالغ، سواء كان مميزاً أو غير مميز.

الغضبان
وقوله: (وغضبان) .
الغضب حالة تعتري الإنسان، وهو نوع من الهياج واختلال المزاج، وتسوء فهي أفعال الإنسان ويعكر صفوه.
وقد بينّا في مسائل طلاق الغضبان أن الغضب على ثلاث مراتب: غضب يوصل إلى الجنون؛ فلا يعي الإنسان معه ما يقول، وهذا يثبت لأحوال متعددة، فهناك من الناس من عنده هذا البلاء، فعندما يشتد غضبه يفقد عقله تماماً، ويتكلم بكلام لا يعرفه، فمثل هذا لا يؤاخذ بقوله ولا يؤاخذ بفعله، فلو ثبت لدى القاضي أن غضبه يوصل إلى درجة الجنون، وشهد الشهود العدول، وشهد الأطباء المختصون أن هذا النوع من المرض أو المزاج العصبي يوصله إلى حد عدم التمييز وعدم الإدراك في حال هيجانه؛ فإن هذا تسقط مؤاخذته بالأقوال والأفعال كالمجنون سواءً بسواء.
وحكى الإجماع على ذلك غير واحد من المحققين؛ كالإمام ابن قدامة، والإمام النووي وغيرهما رحمة الله على الجميع.
المرتبة الثانية من الغضب: بداية الشدة وبداية التعكر في المزاج، والذي لا يختل معه الشعور ولا يذهب معه الإدراك، فهو يعلم أن التي أمامه زوجته، ويعلم أن الذي أمامه مسلم محرم الدم والعرض والمال، فهذا يؤاخذ على أقواله وأفعاله، ولو طلق لزمه الطلاق، والطلاق عادةً لا يقع إلا من غضب، فليس هناك رجل يطلق زوجته وهو يضحك معها، فالأصل أن الطلاق لا يقع إلا عند اختلال المزاج، وعند وجود ما يعكر صفو الإنسان ويخرجه عن طوره.
المرتبة الثالثة من الغضب: هي المرتبة التي تكون بين الجنون وبين بداية الغضب، وهي محل الإشكال عند العلماء رحمهم الله: فبعض العلماء يقول: هذا النوع من الغضب لا يسقط التكليف، فلو طلق يؤاخذ بطلاقه، ولو تكلم كلاماً يوجب الردة كسب الدين أو نحو ذلك والعياذ بالله فإنه يحكم بكفره، ويؤاخذ على أقواله وأفعاله؛ لأن الأصل فيه أنه مكلف، وما دمنا شككنا في وصوله إلى درجة سقوط التكليف، فالأصل بقاء ما كان على ما كان.
وقال بعض العلماء: إن الغضب في الأصل يعزب عن الإنسان رشده وصوابه، فإذا دخل في هذه الحالة فإن الأصل أنه لا يؤاخذ حتى يثبت أنها حالة غير مؤثرة، وهو يرى أنها حالة جنون؛ لأن الغضب نوع من أذية الشيطان للإنسان، ولذلك تنتفخ أوداجه، ويجري منه الشيطان مجرى الدم ويؤثر عليه، فقالوا: إن هذا النوع من الجنون الأصل أنه لا يؤاخذ فيه، والقول الأول أشبه بالأصول وأقوى.
ويقول الذين يسقطون عنه التكليف: الأصل أنها زوجته، فلماذا نطلقها في حالة مشتبهة وغير واضحة؟ وكذلك هنا في الإيلاء يقولون: إذا غضب وحلف وهو في حالة غضب وهيجان فالأصل أنها زوجته، ولا يؤاخذ باليمين حتى يكون عنده إدراك وكل هذه التعليلات لمن قال: إنه لا يؤاخذ، ولكن القول الذي يقول بالمؤاخذة أشبه وأقوى.
ومن هنا قال المصنف رحمه الله: (وغضبان) أي: يصح الإيلاء من الغضبان، لكن إذا وصل الغضب إلى حد الجنون -كما ذكرنا- فهذه حالة مستثناة ولا يؤاخذ فيها.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,597.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,596.27 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.11%)]