تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         ولا تظلمون فتيلا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          تفسير سورة الفاتحة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 8 - عددالزوار : 372 )           »          مختصر أحكام الهدي للمتمتع والقارن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          تفسير سورة الهمزة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          العلاقة بين التعب والنجاح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          مصائب الدنيا نعمة على المؤمنين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          تغيير خلق الله غاية شيطانية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          التفريط: أسبابه ومخاطره (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          حين تستيقظ الأفكار من تحت أنقاض الذات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          المراقبة تجعل المسلم يصل إلى درجة الإحسان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #16  
قديم 14-07-2025, 07:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,007
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (20)
سُورَةُ الأعلى

من صــ 11 الى صــ20
الحلقة (757)





وقال عبدالرحمن بن زيد : الشمس والقمر والنجوم يرجعن في السماء ؛ تطلع من ناحية وتغيب في أخرى. وقيل : ذات الملائكة ؛ لرجوعهم إليها بأعمال العباد. وهذا قسم. {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} قسم آخر ؛ أي تتصدع عن النبات والشجر والثمار والأنهار ؛ نظيره {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً} الآية. والصدع : بمعنى الشق ؛ لأنه يصدع الأرض ، فتنصدع به. وكأنه قال : والأرض ذات النبات ؛ لأن النبات صادع للأرض. وقال مجاهد : والأرض ذات الطرق التي تصدعها المشاة. وقيل : ذات الحرث ، لأنه يصدعها. وقيل : ذات الأموات : لانصداعها عنهم للنشور. {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} على هذا وقع القسم. أي إن القرآن يفصل بين الحق والباطل. وقد تقدم في مقدمة الكتاب ما رواه الحارث عن علي رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : "كتاب فيه خبر ما قبلكم وحكم ما بعدكم ، هو الفصل ، ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه اللّه ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللّه" . وقيل : المراد بالقول الفصل : ما تقدم من الوعيد في هذه السورة ، من قوله تعالى : {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} . {وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} أي ليس القرآن بالباطل واللعب. والهزل : ضد الجد ، وقد هزل يهزل. قال الكميت :
يُجَد بنا في كل يوم ونهزِل
{إِنَّهُمْ} أي إن أعداء اللّه {يَكِيدُونَ كَيْداً} أي يمكرون بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه مكرا. {وَأَكِيدُ كَيْداً} أي أجازيهم جزاء كيدهم. وقيل : هو ما أوقع اللّه بهم يوم بدر من القتل والأسر. وقيل : كيد اللّه : استدراجهم من حيث لا يعلمون. وقد مضى هذا المعنى في أول "البقرة" ، عند قوله تعالى : {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} . مستوفى.
17-
{فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}

قوله تعالى : {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ} أي أخرهم ، ولا تسأل اللّه تعجيل إهلاكهم ، وارض بما يدبره في أمورهم. ثم نسخت بآية السيف {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . {أَمْهِلْهُمْ} تأكيد. ومهل وأمهل : بمعنى ؛ مثل نزل وأنزل. وأمهله : أنظره ، ومهله تمهيلا ، والاسم : المهلة. والاستمهال : الاستنظار. وتمهل في أمره أي اتأد. واتمهل اتمهلالا : أي اعتدل وانتصب. والاتمهلال أيضا : سكون وفتور. ويقال : مهلا يا فلان ؛ أي رفقا وسكونا. "رويدا" أي قريبا ؛ عن ابن عباس. قتادة : قليلا. والتقدير : أمهلهم إمهالا قليلا. والرويد في كلام العرب : تصغير رود. وكذا قاله أبو عبيد. وأنشد :
كأنها ثمل يمشي على رود
أي على مهل. وتفسير {رُوَيْداً} : مهلا ، وتفسير "رويدك" : أمهل ؛ لأن الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أفعل دون غيره ، وإنما حركت الدال لالتقاء الساكنين ، فنصب نصب المصادر ، وهو مصغر مأموو به ؛ لأنه تصغير الترخيم من إرواد ؛ وهو مصدر أرود يرود. وله أربعة أوجه : اسم للفعل ، وصفة ، وحال ، ومصدر ؛ فالاسم نحو قولك : رويد عمرا ؛ أي أرود عمرا ، بمعنى أمهله. والصفة نحو قولك : ساروا سيرا رويدا. والحال نحو قولك : سار القوم رويدا ؛ لما اتصل بالمعرفة صار حالا لها. والمصدر نحو قولك : رويد عمرو بالإضافة ؛ كقوله تعالى : {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} . قال جميعه الجوهري. والذي في الآية من هذه الوجوه أن يكون نعتا للمصدر ؛ أي إمهالا رويدا. ويجوز أن يكون للحال ؛ أي أمهلهم غير مستعجل لهم العذاب. ختمت السورة.
سورة الأعلى
مكية في قول الجمهور.وقال الضحاك : مدنية. وهي تسع عشرة آية.
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنَ اْلرَّحِيمِ
1-
{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}

يستحب للقارئ إذا قرأ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} أن يقول عَقِبَهْ : "سبحان ربي الأعلى" ؛ قاله النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين ؛ على ما يأتي. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال : "إن لله تعالى ملكا يقال له حِزقيائيل ، له ثمانية عشر ألف جناح ، ما بين الجناح إلى الجناح مسيرة خمسمائة عام ، فخطر له خاطر هل تقدر أن تبصر العرش جميعه ؟ فزاده اللّه أجنحة مثلها ، فكان له ستة وثلاثون ألف جناح ، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام. ثم أوحى اللّه إليه : أيها الملك ، أن طر ، فطار مقدار عشرين ألف سنة ؛ فلم يبلغ رأس قائمة من قوائم العرش. ثم ضاعف اللّه له في الأجنحة والقوة ، وأمره أن يطير ، فطار مقدار ثلاثين ألف سنة أخرى ، فلم يصل أيضا ؛ فأوحى اللّه إليه أيها الملك ، لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك وقوتك لم تبلغ ساق عرشي. فقال الملك : سبحان ربي الأعلى ؛ فأنزل اللّه تعالى : {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم :" اجعلوها في سجودكم ". ذكره الثعلبي في (كتاب العرائس) له. وقال ابن عباس والسدي : معنى {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} أي عظم ربك الأعلى. والاسم صلة ، قصد بها تعظيم المسمى ؛ كما قال لبيد :"
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
وقيل : نزه ربك عن السوء ، وعما يقول فيه الملحدون. وذكر الطبري أن المعنى نزه اسم ربك عن أن تسمي به أحدا سواه. وقيل : نزه تسمية ربك وذكرك إياه ، أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم ، ولذكره محترم. وجعلوا الاسم بمعنى التسمية ، والأولى أن يكون الاسم هو المسمى. روى نافع عن ابن عمر قال : لا تقل على اسم اللّه ؛ فإن اسم اللّه هو الأعلى. وروى أبو صالح عن ابن عباس : صلّ بأمر ربك الأعلى. قال : وهو أن تقول سبحان ربك الأعلى. وروي عن علي رضي اللّه عنه ، وابن عباس وابن عمرو وابن الزبير وأبي موسى وعبدالله بن مسعود رضي اللّه عنهم : أنهم كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة قالوا : سبحان ربي الأعلى ؛ امتثالا لأمره في ابتدائها. فيختار الاقتداء بهم في قراءتهم ؛ لا أن سبحان ربي الأعلى من القرآن ؛ كما قاله بعض أهل الزيغ. وقيل : إنها في قراءة أُبيّ : {سبحان ربي الأعلى} . وكان ابن عمر يقرؤها كذلك. وفي الحديث : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا قرأها قال : "سبحان ربي الأعلى" . قال أبو بكر الأنباري : حدثني محمد بن شهريار ، قال : حدثنا حسين بن الأسود ، قال : حدثنا عبدالرحمن بن أبي حماد قال : حدثنا عيسى بن عمر ، عن أبيه ، قال : قرأ علي بن أبي طالب عليه السلام في الصلاة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ثم قال : سبحان ربي الأعلى ؛ فلما انقضت الصلاة قيل له : يا أمير المؤمنين ، أتزيد هذا في القرآن ؟ قال : ما هو ؟ قالوا : سبحان ربي الأعلى. قال : لا ، إنما أمرنا بشيء فقلته ، وعن عقبة بن عامر الجهني قال : لما نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : "اجعلوها في سجودكم" . وهذا كله يدل على أن الاسم هو المسمى ؛ لأنهم لم يقولوا : سبحان اسم ربك الأعلى. وقيل : إن أول من قال [سبحان ربي الأعلى] ميكائيل عليه السلام. وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لجبريل : "يا جبريل أخبرني بثواب من قال : سبحان ربي الأعلى في صلاته أو في غير صلاته" . فقال : "يا محمد ، ما من مؤمن ولا مؤمنة يقولها في سجوده أو في غير سجوده ، إلا كانت له في ميزانه أثقل من العرش والكرسي وجبال الدنيا ، ويقول اللّه تعالى : صدق عبدي ، أنا فوق كل شيء ، وليس فوقي شيء ، اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له ،"
وأدخلته الجنة فإذا مات زاره ميكائيل كل يوم ، فإذا كان يوم القيامة حمله على جناحه ، فأوقفه بين يدي اللّه تعالى ، فيقول : يا رب شفعني فيه ، فيقول قد شفعتك فيه ، فاذهب به إلى الجنة ". وقال الحسن : {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} أي صل لربك الأعلى. وقل : أي صل بأسماء اللّه ، لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية. وقيل : ارفع صوتك بذكر ربك. قال جرير :"
قبح الإله وجوه تغلب كلما ... سبح الحجيج وكبروا تكبيرا
2-
{الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى}

3-
{وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}

4-
{وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى}

5-
{فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}

قوله تعالى : {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} قد تقدم معنى التسوية في "الانفطار" وغيرها. أي سوى ما خلق ، فلم يكن في خلقه تثبيج. وقال الزجاج : أي عدل قامته. وعن أكثر قامته. ابن عباس : حسن ما خلق. وقال الضحاك : خلق آدم فسوى خلقه. وقيل : خلق في أصلاب الآباء ، وسوى في أرحام الأمهات. وقيل : خلق الأجساد ، فسوى الأفهام. وقيل : أي خلق الإنسان وهيأه للتكليف. {الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} قرأ علي رضي اللّه عنه السلمي والكسائي {قدر} مخففة الدال ، وشدد الباقون. وهما بمعنى واحد. أي قدر ووفق لكل شكل شكل. {فَهَدَى} أي أرشد. قال مجاهد : قدر الشقاوة والسعادة ، وهدى للرشد والضلالة. وعنه قال : هدى الإنسان للسعادة والشقاوة ، وهدى الأنعام لمراعيها. وقيل : قدر أقواتهم وأرزاقهم ، وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنسا ، ولمراعيهم إن كانوا وحشا. وروي عن ابن عباس والسدي ومقاتل والكلبي في قوله {فَهَدَى} قالوا : عَرّف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى ؛ كما قال في (طه) : {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} أي الذكر للأنثى. وقال عطاء : جعل لكل دابة ما يصلحها ، وهداها له. وقيل : خلق المنافع في الأشياء ، وهدى الإنسان لوجه
استخراجها منها. وقيل {قَدَّرَ فَهَدَى} : قدر لكل حيوان ما يصلحه ، فهداه ، وعرفه وجه الانتفاع به. يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت ، وقد ألهمها اللّه أن مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها ؛ فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام ، فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها ، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها ، فتحك بها عينيها وترجع باصرة بإذن اللّه تعالى. وهدايات الإنسان إلى ما لا يحد من مصالحه ، ولا يحصر من حوائجه ، في أغذيته وأدويته ، وفي أبواب دنياه ودينه ، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض باب واسع ، وشوط بطين ، لا يحيط به وصف واصف ؛ فسبحان ربي الأعلى. وقال السدي : قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر ، وأقل وأكثر ، ثم هداه للخروج من الرحم. وقال الفراء : أي قدر ، فهدى وأضل ؛ فاكتفى بذكر أحدهما ؛ كقوله تعالى : {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ} . ويحتمل أن يكون بمعنى دعا إلى الإيمان ؛ كقوله تعالى : {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } . أي لتدعو ، وقد دعا الكل إلى الإيمان. وقيل : {فَهَدَى} أي دلهم بأفعاله على توحيده ، وكونه عالما قادرا. ولا خلاف أن من شدد الدال من {قدر} أنه من التقدير ؛ كقوله تعالى : {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} . ومن خفف فيحتمل أن يكون من التقدير فيكونان بمعنى. ويحتمل أن يكون من القدر والملك ؛ أي ملك الأشياء ، وهدي من يشاء.
قلت : وسمعت بعض أشياخي يقول : الذي خلق فسوى وقدر فهدى. هو تفسير العلو الذي يليق بجلال اللّه سبحانه على جميع مخلوقاته.
قوله تعالى : {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} أي النبات والكلأ الأخضر. قال الشاعر :
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا
{فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} الغثاء : ما يقذف به السيل على جوانب الوادي من الحشيش والنبات والقماش. وكذلك الغثاء (بالتشديد) . والجمع : الأغثاء ، قتادة : الغثاء : الشيء اليابس. ويقال للبقل والحشيش إذا تحطم ويبس : غثاء وهشيم. وكذلك للذي يكون حول الماء من القماش غثاء ؛ كما قال :
كأن طمية المجيمر غدوة ... من السيل والأغثاء فلكة مغزل
وحكى أهل اللغة : غثا الوادي وجفا. وكذلك الماء : إذا علاه من الزبد والقماش ما لا ينتفع به. والأحوى : الأسود ؛ أي أن النبات يضرب إلى الحوة من شدة الخضرة كالأسود. والحوة : السواد ؛ قال الأعشى :
لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثاث وفي أنيابها شنب
وفي الصحاح : والحوة : سمرة الشفة. يقال : رجل أحوى ، وامرأة حواء ، وقد حويت. وبعير أحوى إذا خالط خضرته سواد وصفوة. وتصغير أحوى أحيو ؛ في لغة من قال أسيود. ثم قيل : يجوز أن يكون {أحوى} حالا من {المرعى} ، ويكون المعنى : كأنه من خضرته يضرب إلى السواد ؛ والتقدير : أخرج المرعى أحوى ، فجعله غثاء يقال : قد حوي النبت ؛ حكاه الكسائي ، وقال :
وغيث من الوسميّ حُوٍّ تلاعه ... تبطنته بشيظم صلتان
ويجوز أن يكون {أحوى} صفة لـ {غثاء} . والمعنى : أنه صار كذلك بعد خضرته. وقال أبو عبيدة : فجعله أسود من احتراقه وقدمه ؛ والرطب إذا يبس أسود. وقال عبدالرحمن زيد : أخرج المرعى أخضر ، ثم لما يبس أسود من احتراقه ، فصار غثاء تذهب به الرياح والسيول. وهو مثل ضربه اللّه تعالى للكفار ، لذهاب الدنيا بعد نضارتها.
6-
{سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى}

7-
{إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى}

8-
{وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى}

قوله تعالى : {سَنُقْرِئُكَ} أي القرآن يا محمد فنعلمكه {فَلا تَنْسَى} أي فتحفظ ؛ رواه ابن وهب عن مالك. وهذه بشرى من اللّه تعالى ؛ بشره بأن أعطاه آية بينة ، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي ، وهو أُمي لا يكتب ولا يقرأ ، فيحفظه ولا ينساه. وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قال : كان يتذكر مخافة أن ينسى ، فقيل : كفيتكه. قال مجاهد والكلبي : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي ، لم يفرغ جبريل من آخر الآية ، حتى يتكلم النبي صلى اللّه عليه وسلم بأولها ، مخافة أن ينساها ؛ فنزلت : {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} بعد ذلك شيئا ، فقد كفيتكه. وجه الاستثناء على ، ما قاله الفراء : إلا ما شاء اللّه ، وهو لم يشأ أن تنسى شيئا ؛ كقوله تعالى : {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} . ولا يشاء. ويقال في الكلام : لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت ، وإلا أن أشاء أن أمنعك ، والنية على ألا يمنعه شيئا. فعلى هذا مجاري الإيمان ؛ يستثنى فيها ونية الحالف التمام. وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس : فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات ، {إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} . وعن سعيد عن قتادة ، قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا ينسى شيئا ؛ إِلَّا
مَا شَاءَ اللَّهُ . وعلى هذه الأقوال قيل : إلا ما شاء اللّه أن ينسى ، ولكنه لم ينسى شيئا منه بعد نزول هذه الآية. وقيل : إلا ما شاء اللّه أن ينسى ، ثم يذكر بعد ذلك ؛ فاذا قد نسي ، ولكنه يتذكر ولا ينسى نسيانا كليا. وقد روي أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة ، فحسب أبي أنها نسخت ، فسأله فقال : [إني نسيتها] . وقيل : هو من النسيان ؛ أي إلا ما شاء اللّه أن ينسيك. ثم قيل : هذا بمعنى النسخ ؛ أي إلا ما شاء اللّه أن ينسخه. والاستثناء نوع من النسخ. وقيل. النسيان بمعنى الترك ؛ أي يعصمك من أن تترك العمل به ؛ إلا ما شاء اللّه أن تتركه لنسخه إياه. فهذا في نسخ العمل ، والأول في نسخ القراءة. قال الفرغاني : كان يغشى مجلس الجنيد أهل البسط من العلوم ، وكان يغشاه ابن كيسان النحوي ، وكان رجلا جليلا ؛ فقال يوما : ما تقول يا أبا القاسم في قول اللّه تعالى : {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} ؟ فأجابه مسرعا - كأنه تقدم له السؤال قبل ذلك بأوقات : لا تنسى العمل به. فقال ابن كيسان : لا يفضض اللّه فاك مثلك من يصدر عن رأيه. وقوله : {فَلا} : للنفي لا للنهي. وقيل : للنهي ؛ وإنما أثبتت الياء لأن رؤوس الآي على ذلك. والمعنى : لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه ؛ إلا ما شاء اللّه أن ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة. والأول هو المختار ؛ لأن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون إلا مؤقتا معلوما. وأيضا فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف ، وعليها القراء. وقيل : معناه إلا ما شاء اللّه أن يؤخر إنزاله. وقيل : المعنى فجعله غثاء أحوى إلا ما شاء اللّه أن ينال بنو آدم والبهائم ، فإنه لا يصير كذلك.
قوله تعالى : {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ} أي الإعلان من القول والعمل. {وَمَا يَخْفَى} من السر. وعن ابن عباس : ما في قلبك ونفسك. وقال محمد بن حاتم : يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها. وقيل : الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك. {وَمَا يَخْفَى} هو ما نسخ من صدرك. {ونيسرك} : معطوف على {سنقرئك} وقوله : {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى } اعتراش. ومعنى {لِلْيُسْرَى} أي للطريقة اليسرى ؛ وهي عمل الخير. قال ابن عباس : نيسرك لأن تعمل خيرا. ابن مسعود : {لِلْيُسْرَى} أي للجنة. وقيل : نوفقك للشريعة اليسرى ؛ وهي الحنيفية السمحة السهلة ؛ قال معناه الضحاك. وقيل : أي نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به.
9-
{فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}

قوله تعالى : {فَذَكِّرْ} أي فعظ قومك يا محمد بالقرآن. {إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} أي الموعظة. وروى يونس عن الحسن قال : تذكرة للمؤمن ، وحجة على الكافر. وكان ابن عباس يقول : تنفع أوليائي ، ولا تنفع أعدائي. وقال الجرجاني : التذكير واجب وإن لم ينفع. والمعنى : فذكر إن نفعت الذكرى ؛ أو لم تنفع ، فحذف ؛ كما قال : {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} . وقيل : إنه مخصوص بأقوام بأعيانهم. وقيل : إن "إن" بمعنى ما ؛ أي فذكر ما نفعت الذكرى ، فتكون {إن} بمعنى ما ، لا بمعنى الشرط ؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال ؛ قال ابن شجرة. وذكر بعض أهل العربية : أن {إن} بمعنى إذ ؛ أي إذ نفعت ؛ كقوله تعالى : {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي إذ كنتم ؛ فلم يخبر بعلوهم إلا بعد إيمانهم. وقيل : بمعنى قد.
10-
{سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى}

أي من يتقي اللّه ويخافه. فروى أبو صالح عن ابن عباس قال : نزلت في ابن أم مكتوم. الماوردي : وقد يذكر من يرجوه ، إلا أن تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي ؛ فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء ، وإن تعلقت بالخشية والرجاء. وقيل : أي عمم أنت التذكير والوعظ ، وإن كان الوعظ إنما ينفع من يخشى ، ولكن يحصل لك ثواب الدعاء ؛ حكاه القشيري.
11-
{وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}

12-
{الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى}

13-
{ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى}

قوله تعالى : {وَيَتَجَنَّبُهَا} أي ويتجنب الذكرى ويبعد عنها. {الْأَشْقَى} أي الشقي في علم اللّه. وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى}




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,559.94 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,558.21 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.11%)]