تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 246 - عددالزوار : 5458 )           »          عبارات السلف الأربع في تأويل الاستواء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          شعبان.. مضمار تنافس أهل الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          املأ قلبك بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم تكن رفيقه في الجنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          بشائر لأهل الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          حب الخير للغير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          من منبر المسجد الحرام: المجموعة الأولى والثانية (pdf) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          شعبان والتهيئة لرمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          قطوف من سيرة أبي الحسنين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          الصبر وفضله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 08-03-2023, 10:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,375
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ هود
المجلد التاسع
صـ 3411 الى صـ 3425
الحلقة (400)




القول في تأويل قوله تعالى:

[ 6 ] وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين

وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها أي ما تعيش به. وإنما جيء بـ (على) [ ص: 3411 ] اعتبارا لسبق الوعد به، وتحقيقا لوصوله إليها البتة، بطريق التكفل الشبيه بالإيجاب ويعلم مستقرها أي مسكنها في الدنيا، أو في الصلب ومستودعها أي بعد الموت، أو في الرحم كل أي من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها في كتاب مبين أي مسطور في كتاب عنده تعالى، مبين عن جميع ذلك.

ثم بين تعالى عظيم قدرته وتكوينه وإبداعه بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 7 ] وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين

وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام من الأحد إلى الجمعة وكان عرشه على الماء أي ما كان تحته قبل خلق السماوات والأرض، وارتفاعه فوقها إلا الماء. وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السماوات والأرض -كذا في (الكشاف)-.

وقال القاضي: أي لم يكن بينهما حائل، لا أنه كان موضوعا على متن الماء.

قال قتادة: ينبئنا تعالى في هذه الآية كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السماوات والأرض.

روى الإمام أحمد عن أبي رزين -واسمه: لقيط بن عامر العقيلي- قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: « كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، [ ص: 3412 ] ثم خلق العرش بعد ذلك » . ورواه الترمذي وحسنه وقال: قال أحمد: يريد بالعماء أنه ليس معه شيء.

وقال البيهقي في كتاب (الأسماء والصفات): (العماء) ممدود كما رأيته مقيدا كذلك، ومعناه السحاب الرقيق، أي فوق سحاب، مدبرا له، وعاليا عليه. كما قال تعالى: أأمنتم من في السماء يعني من فوق السماء. وقوله: (ما فوقه هواء) أي ما فوق السحاب هواء. وكذلك قوله (وما تحته هواء) أي ما تحت السحاب هواء.

وقد قيل: إن ذلك (العمى) مقصور، بمعنى لا شيء ثابت، لأنه مما عمي عن الخلق، فكأنه قال في جوابه: كان قبل أن يخلق الخلق، ولم يكن شيء غيره. و (ما) فيهما نافية. أي: ليس فوق العمى الذي هو لا شيء موجود هواء، ولا تحته هواء ; لأنه إذا كان غير موجود فلا يثبت له هواء بوجه. انتهى ملخصا.

وقال ابن الأثير: العماء في اللغة السحاب الرقيق، وقيل الكثيف، وقيل هو الضباب. وفي الحديث حذف، أي أين كان عرش ربنا؟ دل عليه قوله تعالى: وكان عرشه على الماء

وحكى بعضهم أنه العمى المقصور. قال: وهو كل أمر لا يدركه الفطن.

وقال أبو عبيد: إنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم، وإلا فلا ندري كيف كان ذلك العماء!.

قال الأزهري: فنحن نؤمن به ولا نكيف صفته.

وقوله تعالى: ليبلوكم أيكم أحسن عملا أي أخلصه، متعلق بـ (خلق) أي: خلقهن لحكمة بالغة، وهي أن يجعلهن مساكن لعباده، وينعم عليهم بفنون النعم، [ ص: 3413 ] فيعبدوه وحده، ويتسابقوا في العمل الذي يرضيه. ولما كان الابتلاء والاختبار لمن تخفى عليه عاقبة الأمور; قيل: إنه هنا تمثيل واستعارة، فشبه معاملته تعالى عباده في خلق المنافع لهم، وتكليفهم شكره، وإثابتهم إن شكروا، وعقوبتهم إن كفروا، بمعاملة المختبر مع المختبر، ليعلم حاله ويجازيه، فاستعير له الابتلاء على سبيل التمثيل (ليبلوكم) موضع (ليعاملكم). ويصح أن يكون مجازا مرسلا، لتلازم العلم والاختبار. أي: خلق ذلك ليعلم، أي: ليظهر تعلق علمه الأزلي بذلك.

قال القاشاني: جعل غاية خلق الأشياء ظهور أعمال الناس. أي: خلقناهم لنعلم العلم التفصيلي التابع للوجود الذي يترتب عليه الجزاء، أيكم أحسن عملا، فإن علم الله قسمان: قسم يتقدم وجود الشيء في اللوح، وقسم يتأخر وجوده في مظاهر الخلق، والبلاء الذي هو الاختبار هو هذا القسم -انتهى-.

ونحو هذه الآية قوله تعالى: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا وقوله: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم وقوله سبحانه: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

وقوله تعالى ولئن قلت أي لأهل مكة إنكم مبعوثون أي: محيون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا أي القول بالبعث، أو القرآن المتضمن لذكره إلا سحر مبين أي مثله في الخديعة والبطلان.
[ ص: 3414 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 8 ] ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون

ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة أي جماعة من الأوقات محصورة. والعذاب هو عقاب الآخرة، أو عذاب الدنيا ببدر، أو هلاك المستهزئين الذين ماتوا قبل بدر ليقولن أي استهزاء ما يحبسه أي عنا. ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم أي دار ونزل بهم ما كانوا به يستهزئون أي العذاب الذي كانوا به يستعجلون.

لطيفة:

(الأمة) تستعمل في الكتاب والسنة في معان متعددة، فيراد بها الأمد، كما هنا، وقوله في يوسف: وادكر بعد أمة والإمام المقتدى به، كقوله: إن إبراهيم كان أمة قانتا لله والملة والدين كآية: إنا وجدنا آباءنا على أمة والجماعة كآية: ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون وقوله تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت -أفاده ابن كثير-.

ثم أخبر سبحانه عن الإنسان، وما فيه من الصفات الذميمة، إلا من رحم الله من عباده المؤمنين، بقوله تعالى:
[ ص: 3415 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 9 ] ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نـزعناها منه إنه ليئوس كفور

ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة أي: نعمة ثم نـزعناها منه إنه ليئوس أي قنوط عن عودها، قطوع رجاءه من فضله تعالى، من غير صبر ولا تسليم لقضائه كفور عظيم الكفران لما سلف له من التقلب في نعمة الله، كأنه لم ير خيرا.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 10 ] ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور

ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني أي المصائب التي ساءتني إنه لفرح أي أشر بطر فخور أي على الناس بما أذاقه الله من نعمائه، قد شغله الفرح والفخر عن الشكر.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 11 ] إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير

إلا الذين صبروا أي على الضراء، إيمانا بالله واستسلاما لقضائه وعملوا الصالحات أي في الرخاء والشدة، شكرا لآلائه، سابقها ولاحقها: أولئك لهم مغفرة أي لذنوبهم بتلك الشدة وأجر كبير أي على الصبر والأعمال الصالحة.

تنبيه:

قال القاشاني قدس سره: ينبغي للإنسان أن يكون في الفقر والغنى، والشدة والرخاء، والمرض والصحة، واثقا بالله، متوكلا عليه، لا يحتجب عنه بوجود نعمة، ولا بسعيه [ ص: 3416 ] وتصرفه في الكسب، ولا بقوته وقدرته في الطلب ولا بسائر الأسباب والوسائط ; لئلا يحصل اليأس عند فقدان تلك الأسباب، والكفران والبطر والأشر عند وجودها، فيبعد بها عن الله تعالى، وينساه فينساه الله، بل يرى الإعطاء والمنع منه دون غيره. فإن أتاه رحمة من صحة أو نعمة شكره أولا برؤية ذلك منه، وشهود المنعم في صورة النعمة، وذلك بالقلب، ثم بالجوارح باستعمالها في مراضيه وطاعته، والقيام بحقوقه تعالى فيها، ثم باللسان بالحمد والثناء متيقنا بأنه القادر على سلبها، محافظا عليها بشكرها، مستزيدا إياها، اعتمادا على قوله تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم

قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا وصلت إليكم أطراف النعم، فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر. ثم إن نزعها منه. فليصبر ولا يتأسف عليها، عالما بأنه هو الذي نزع دون غيره ; لمصلحة تعود إليه، فإن الرب تعالى كالوالد المشفق في تربيته إياه، بل أرأف وأرحم، فإن الوالد محجوب عما يعلمه تعالى، إذ لا يرى إلا عاجل مصالحه وظاهرها، وهو العالم بالغيب والشهادة، فيعلم ما فيه صلاحه عاجلا وآجلا، راضيا بفعله، راجيا إعادة أحسن ما نزع منها إليه، إذ القانط من رحمته بعيد منه، لا يستوسع رحمته لضيق وعائه، محجوب عن ربوبيته، لا يرى عموم فيض رحمته ودوامه. ثم إذا أعادها لم يفرح بوجودها، كما لم يحزن بفقدانها، ولا يفخر بها على الناس، فإن ذلك من الجهل، وظهور النفس، وإلا لعلم أن ذلك ليس منه وله، وبأي سبب يسوغ له فخر بما ليس له ومنه؟ بل لله، ومن الله.

وقوله تعالى: إلا الذين صبروا استثناء من (الإنسان) أي هذا النوع يؤوس كفور، فرح فخور، في الحالين، إلا الذين صبروا مع الله واقفين معه، في حالة الضراء والنعماء والشدة والرخاء، كما قال عمر رضي الله عنه: الفقر والغنى مطيتان، لا أبالي أيهما أمتطي. انتهى.
[ ص: 3417 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 12 ] فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنـزل عليه كنـز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل

فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أي بتلاوته عليهم، وتبليغه إليهم، أن يقولوا أي مخافة أن يقولوا، تعاميا عن تلك البراهين التي لا تكاد تخفى صحتها على أحد ممن له أدنى بصيرة، وتماديا في العناد على وجه الاقتراح لولا أنـزل عليه كنـز أو جاء معه ملك أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا من الكنز والملائكة، زعما أن الرسول متبوع، لا بد له من الإنفاق على أتباعه، ولا يتأتى مع عدم سلطنته إلا بإلقاء الكنز عليه، أو مجيء ملك معه يصدق برسالته، فقال تعالى: إنما أنت نذير أي ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك، غير مبال بما صدر منهم من الاقتراح والله على كل شيء وكيل أي فيحفظ ما يقولون ويجازيهم عليه، فكل أمرك إليه، وبلغ وحيه بقلب منشرح، غير مبال بهم.

لطائف:

الأولى: قال القاشاني: لما لم يقبلوا كلامه صلى الله عليه وسلم بالإرادة، وأنكروا قوله بالاقتراحات الفاسدة، وقابلوه بالعناد والاستهزاء، ضاق صدره، ولم ينبسط للكلام، إذ الإرادة تجذب الكلام، وقبول المستمع يزيد نشاط المتكلم، ويوجب بسطه فيه، وإذا لم يجد المتكلم محلا قابلا لم يتسهل له، وبقي كربا عنده، فشجعه الله تعالى بذلك، وهيج قوته ونشاطه بقوله: إنما أنت نذير فلا يخلو إنذارك من إحدى الفائدتين: إما رفع الحجاب أن ينجع فيمن وفقه الله تعالى لذلك، وإما إلزام الحجة لمن لم يوفق لذلك، ثم كل الهداية إليه.

[ ص: 3418 ] الثانية: لا يخفى أن (لعل) للترجي، وهو، وإن اقتضى التوقع، إلا أنه لا يلزم من توقع الشيء وقوعه، ولا ترجح وقوعه ; لوجود ما يمنع منه وتوقع ما لا يقع منه، المقصود تحريضه على تركه، وتهييج داعيته.

وقيل: (لعل) هنا للتبعيد لا للترجي، فإنها تستعمل كذلك، كما تقول العرب: لعلك تفعل كذا، لمن لا يقدر عليه. فالمعنى: لا نترك.

وقيل: إنها للاستفهام الإنكاري كما في الحديث: « لعلنا أعجلناك » .

وقيل: هي لتوقع الكفار، فكما تكون لتوقع المتكلم، وهو الأصل ; لأن معاني الإنشاءات قائمة به- تكون لتوقع المخاطب أو غيره، ممن له ملابسة بمعناه كما هنا. فالمعنى: إنك بلغت الجهد في تبليغهم أنهم يتوقعون منك ترك التبليغ لبعضه -كذا في (العناية)-.

الثالثة: إنما عدل عن (ضيق) الصفة المشبهة إلى (ضائق) اسم الفاعل ; ليدل على أنه ضيق عارض، غير ثابت; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفسح الناس صدرا. وكذا كل صفة مشبهة إذا قصد بها الحدوث تحول إلى فاعل، فيقولون في سيد سائد، وفي جواد جائد، وفي سمين سامن، قال:


بمنزلة أما اللئيم فسامن بها وكرام الناس باد شحوبها


وظاهر كلام أبي حيان أنه مقيس. وقيل إنه لمشابهة (تارك). ومنه يعلم أن المشاكلة قد تكون حقيقة -كذا في (العناية)-.

وقوله تعالى:
[ ص: 3419 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 13 ] أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين

أم يقولون افتراه أي ما يوحى إليك، وفي (أم) وجهان منقطعة مقدرة بـ (بل والهمزة الإنكارية) أي: بل أيقولون. ومتصلة والتقدير: أيكتفون بما أوحينا إليك، وهو ما في الإعجاز، أم يقولون ليس من عند الله.

قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا أي للاستعانة من استطعتم أي من الإنس والجن، وقوله: من دون الله متعلق بـ " ادعوا" ، أي متجاوزين الله تعالى إن كنتم صادقين أي في أني افتريته، فأنتم عرب فصحاء مثلي، لا سيما وقد زاولتم أساليب النظم والنثر والخطب.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 14 ] فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنـزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون

فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنـزل بعلم الله أي بما لا يعلمه غيره من نظم معجز للخلق، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليها وأن لا إله إلا هو أي واعلموا عند ذلك أن لا إله إلا الله، وأن توحيده واجب، والإشراك به ظلم عظيم فهل أنتم مسلمون أي مبايعون بالإسلام، منقادون لتوحيد الله، وتصديق رسوله بعد هذه الحجة القاطعة؟.

[ ص: 3420 ] لطائف:

الأولى: قيل: تحدوا أولا بعشر سور، فلما عجزوا تحدوا بسورة. وذهب المبرد إلى أن الأمر بالعكس، ووجهه بأن ما وقع أولا هو التحدي بسورة مثله في البلاغة والاشتمال على ما اشتمل عليه من الإخبار عن المغيبات والأحكام وأخواتها، وهي الأنواع التسعة المنظومة في قول بعضهم:


ألا إنما القرآن تسعة أحرف سأنبيكها في بيت شعر بلا ملل حلال، حرام، محكم متشابه
بشير نذير، قصة عظة مثل


فلما عجزوا عن ذلك، أمرهم بالإتيان بعشر سور مثله في النظم، وإن لم تشتمل على ما اشتمل عليه، ويشهد له توصيفها بـ (مفتريات).

وقيل: إن التحدي بسورة وقع بعد إقامة البرهان على التوحيد، وإبطال الشرك، فتعين أن يكون لإثبات النبوة بإظهار معجزة، وهي السورة الفذة. والتحدي بعشر وقع بعد تعنتهم واستهزائهم، واقتراحهم آيات غير القرآن; لزعمهم أنه مفترى، فمقامه يناسبه التكثير; لأنه أمر مفترى عندهم، فلا يعسر الإتيان بكثير مثله -كذا في (العناية)-.

الثانية: ضمير (لكم) للنبي صلى الله عليه وسلم وجمع للتعظيم، كما في قول من قال:


وإن شئت حرمت النساء سواكم


أو له وللمؤمنين ; لأنهم أتباعه في الأمر بالتحدي. وفيه تنبيه لطيف على أن حقهم ألا ينفكوا عنه عليه الصلاة والسلام، ويناصبوا معه لمعارضة المعارضين، كما كانوا يفعلونه في الجهاد. وإرشاد إلى أن ذلك مما يفيد الرسوخ في الإيمان، والطمأنينة في الإيقان، ولذلك رتب عليه قوله عز وجل: فاعلموا إلخ. وجوز أن يكون الخطاب في الكل للمشركين من جهته عليه السلام، داخلا تحت الأمر بالتحدي، والضمير في (لم يستجيبوا) لـ (من استطعتم) أي: فإن لم يستجب لكم سائر من تجأرون إليهم في مهماتكم إلى [ ص: 3421 ] المعاونة ; فاعلموا أن ذلك خارج عن دائرة قدرة البشر، وأنه منزل من خالق القوى والقدر -كذا في أبي السعود-.
ثم بين تعالى وعيد من آثر الحياة الدنيا على الآخرة -وهم الكفار- بقوله:

القول في تأويل قوله تعالى:

[ 15 ] من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون

من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أي: نوصل إليهم جزاء أعمالهم فيها من الصحة والرزق.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 16 ] أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون

أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها أي وحبط في الآخرة ما صنعوه، أي لم يكن لهم ثواب عليه. وجوز تعلق الظرف بـ " صنعوا" والضمير للدنيا. كما عاد عليه في قوله: نوف إليهم أعمالهم فيها وباطل ما كانوا يعملون أي كان عملهم في نفسه باطلا ; لأنه لم يعمل لغرض صحيح.

ونظير هذه الآية قوله تعالى: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك [ ص: 3422 ] وما كان عطاء ربك محظورا وقوله تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نـزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب

لطيفة:

في إعراب (باطل) وجهان:

الأول: كونه خبرا مقدما، و (ما كانوا) مبتدأ مؤخرا، و (ما) مصدرية أو موصولة، والكلام من عطف الجمل.

والثاني: كونه عطفا على الأخبار قبله، أي: أولئك باطل ما كانوا يعملون. و ما كانوا يعملون فاعل بـ " باطل" ورجح هذا بقراءة زيد بن علي رضي الله عنهما: (وبطل) ماضيا معطوفا على (حبط).

ثم أشار تعالى إلى صفة المؤمنين، في مقابلة أولئك بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 17 ] أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون

أفمن كان على بينة من ربه أي برهان نير، عظيم الشأن، يدل على حقية ما ثبت عليه من الإسلام، وهو القرآن ويتلوه أي يتبعه شاهد منه أي من القرآن نفسه، يشهد له بكونه من عند الله تعالى، وهو إعجازه. وفسرت " البينة" أيضا بالإسلام، سماه بينة لغاية ظهوره، إذ هو دين الفطرة، قبل تدنيسها برجس الوثنية و (الشاهد) بالقرآن، [ ص: 3423 ] فالضمير للرب تعالى. ومن قبله أي القرآن كتاب موسى وهو التوراة. أي: ويتلو تلك البينة من قبله كتاب موسى، مقررا لذلك أيضا. وقوله تعالى: إماما أي: مقتدى به في الدين ورحمة أي نعمة عظيمة على المنزل إليهم، تهديهم وتعلمهم الشرائع. أولئك أي من كان على بينة يؤمنون به أي بالقرآن فلهم الجنة، ومن يكفر به من الأحزاب يعني أهل مكة، ومن ضامهم من المتحزبين على رسول الله صلوات الله عليه: فالنار موعده فلا تك في مرية منه أي شك من القرآن أو من الموعد إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون أي به، إما لقصور أنظارهم واختلال أفكارهم، وإما لعنادهم واستكبارهم.

لطائف:

الأولى: (من) في قوله تعالى: أفمن كان على بينة من ربه مبتدأ حذف خبره، لإغناء الحال عن ذكره، وهذا سر حذف معادل الهمزة كثيرا. وتقديره: أفمن كان على بينة من ربه كأولئك الذين ذكرت أعمالهم، وبين مصيرهم ومآلهم -كذا قال أبو السعود-.

وفي (شرح الكشاف) أن التقدير: أمن كان يريد الحياة الدنيا، على أنها موصولة، فمن كان على بينة من ربه، والخبر محذوف; لدلالة الفاء، أي: يعقبونهم أو يقربونهم. والاستفهام للإنكار، فيفيد أنه لا تقارب بينهم، فضلا عن التماثل، فلذلك صار أبلغ من نحو قوله تعالى: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون

الثانية: قرئ ((كتاب موسى)) بالنصب عطفا على الضمير في (يتلوه) أي يتلو القرآن شاهد ممن كان على بينة من ربه، يعني من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وشهادتهم على أنه حق لا مفترى ; لما يجدونه مكتوبا عندهم، و (يتلو) من التلاوة، فتكون الآية كقوله تعالى: وشهد شاهد من بني إسرائيل -والله أعلم-.

[ ص: 3424 ] الثالثة: (الأحزاب) جمع حزب، والحزب جماعة الناس. ويطلق (الأحزاب) على من تألبوا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا كل نبي قبله، وهو إطلاق شرعي، وعليه حمل الأكثر الآية; لكون السورة مكية، إلا أن اللفظ يتناوله، وكل من شاكلهم من سائر الطوائف.

وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي أو نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا دخل النار » . قال سعيد: كنت لا أسمع بحديث من النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه، إلا وجدت مصداقه في القرآن، فبلغني هذا الحديث، فجعلت أقول: أين مصداقه في كتاب الله؟ حتى وجدت هذه الآية: ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده قال: الملل كلها.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 18 ] ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين

ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا كقوله للملائكة (بنات لله)، وللأصنام (شفعاء عند الله) أولئك يعرضون على ربهم أي يساقون إليه سوق العبيد المفترين على ملوكهم، ويقول الأشهاد من الملائكة والنبيين والجوارح: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين تهويل عظيم مما يحيق بهم حينئذ، لظلمهم بالكذب على الله. قيل: ولا يبعد أن تكون الآية للدلالة على أن القرآن ليس بمفترى، [ ص: 3425 ] فإن من يعلم حال من يفتري على الله كيف يرتكبه؟! كما مر في يونس في قوله تعالى: ولا يفلح الساحر
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 19 ] الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون

الذين يصدون عن سبيل الله أي عن دينه القويم، كل من يقدرون على صده. ويبغونها عوجا أي يطلبونها معوجة بالكفر، أو يصفونها لهم بالاعوجاج وهم بالآخرة هم كافرون
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 20 ] أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون

أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض أي: يعجزونه تعالى أن يعاقبهم في الدنيا وما كان لهم من دون الله من أولياء أي يمنعونهم من عقابه، يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع لتصامهم عن الحق، وبغضهم له، وما كانوا يبصرون لتعاميهم عن آيات الله، وإعراضهم غاية الإعراض، كما قال الله: وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير وقال تعالى: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب الآية.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,838.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,837.15 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.09%)]