
26-01-2023, 12:05 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,188
الدولة :
|
|
رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام

فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
الحلقة( 243)
من صــ 341 الى صـ 355
والقرآن يقتضي: أن الاغتسال كاف. وأنه ليس عليه بعد الغسل من الجنابة حدث آخر بل صار الأصغر جزءا من الأكبر. كما أن الواجب في الأصغر جزء من الواجب في الأكبر فإن الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة. ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم عطية واللواتي غسلن ابنته: {اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر.
وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها}. فجعل غسل مواضع الوضوء جزءا من الغسل لكنه يقدم كما تقدم الميامن. وكذلك الذين نقلوا صفة غسله كعائشة رضي الله عنها ذكرت {أنه كان يتوضأ ثم يفيض الماء على شعره ثم على سائر بدنه} ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين وكان لا يتوضأ بعد الغسل. فقد دل الكتاب والسنة على أن الجنب والحائض لا يغسلان أعضاء الوضوء ولا ينويان وضوءا بل يتطهران ويغتسلان كما أمر الله تعالى. وقوله: {فاطهروا} أراد به الاغتسال. فدل على أن قوله في الحيض {حتى يطهرن فإذا تطهرن} أراد به الاغتسال كما قاله الجمهور: مالك والشافعي وأحمد. وأن من قال: هو غسل الفرج. كما قاله داود فهو ضعيف.
فصل:
قال الله عز وجل: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}. فقوله {فلم تجدوا ماء} يتعلق بقوله {على سفر} لا بالمرض. والمريض يتيمم وإن وجد الماء. والمسافر إنما يتيمم إذا لم يجد الماء. ذكر سبحانه وتعالى النوعين الغالبين: الذي يتضرر باستعمال الماء والذي لا يجده. وقوله {على سفر} يعم السفر الطويل والقصير كما قاله الجمهور. وقوله: {وإن كنتم مرضى} كقوله في آية الخوف: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} وقوله في الإحرام: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه}
وفي الصيام {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ولم يوقت الله تعالى وقتا في المرض. والذي عليه الجمهور: أنه لا يشترط فيه خوف الهلاك. بل من كان الوضوء يزيد مرضه أو يؤخر برأه يتيمم. وكذلك في الصيام والإحرام. ومن يتضرر بالماء لبرد فهو كالمريض عند الجمهور. لكن الله ذكر الضرر العام وهو المرض. بخلاف البرد. فإنه إنما يكون في بعض البلاد لبعض الناس الذين لا يقدرون على الماء الحار. وكذلك ذكر المسافر الذي لا يجد الماء ولم يذكر الحاضر. فإن عدمه في الحضر نادر. لكن قد يحبس الرجل وليس عنده إلا ما يكفيه لشربه. كما أن المسافر قد لا يكون معه إلا ما يكفيه لشربه وشرب دوابه. فهذا عند الجمهور عادم الماء فيتيمم.
فصل:
وقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء}. ذكر أعظم ما يوجب الوضوء وهو قضاء الحاجة. وأغلظ ما يوجب الغسل وهو ملامسة النساء. وأمر كلا منهما إذا كان مريضا أو مسافرا لا يجد الماء: أن يتيمم. وهذا هو مذهب جمهور الخلف والسلف. وقد ثبت تيمم الجنب في أحاديث صحاح وحسان كحديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما. وهو في الصحيحين. وحديث عمران بن حصين رضي الله عنه وهو في البخاري. وحديث أبي ذر وعمرو بن العاص وصاحب الشجة رضي الله عنهم. وهو في السنن.
فهاتان آيتان من كتاب الله وخمسة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد عرفت مناظرة ابن مسعود في ذلك لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما. ولهذا نظائر كثيرة عن الصحابة. إذا عرفتها تعرف دلالة الكتاب والسنة عن الرجل العظيم القدر تحقيقا لقوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ولا يرد هذا النزاع إلا إلى الله والرسول المعصوم المبلغ عن الله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. الذي هو الواسطة بين الله وبين عباده.
فصل:
ونذكر هذا على قوله: {أو لامستم النساء}.
المراد به: الجماع. كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من العرب. وهو يروى عن علي رضي الله عنه وغيره. وهو الصحيح في معنى الآية. وليس في نقض الوضوء من مس النساء لا كتاب ولا سنة. وقد كان المسلمون دائما يمسون نساءهم. وما نقل مسلم واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أحدا بالوضوء من مس النساء. وقول من قال: إنه أراد ما دون الجماع وإنه ينقض الوضوء. فقد روي عن ابن عمر والحسن " باليد " وهو قول جماعة من السلف في المس بشهوة والوضوء منه حسن مستحب لإطفاء الشهوة كما يستحب الوضوء من الغضب لإطفائه.
وأما وجوبه: فلا.
وأما المس المجرد عن الشهوة: فما أعلم للنقض به أصلا عن السلف. وقوله تعالى {أو لامستم النساء} لم يذكر في القرآن الوضوء منه بل إنما ذكر التيمم بعد أن أمر المحدث القائم للصلاة: بالوضوء. وأمر الجنب بالاغتسال فذكر الطهارة بالصعيد الطيب ولا بد أن يبين النوعين. وقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} بيان لتيمم هذا. وقوله: {أو لامستم النساء} لم يذكر واحدا منهما لبيان طهارة الماء. إذا كان قد عرف أصل هذا. فقوله {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} وقوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} فالآية ليس فيها إلا أن اللامس إذا لم يجد الماء يتيمم. فكيف يكون هذا من الحدث الأصغر؟ يأمر من مس المرأة أن يتيمم وهو لم يأمره أن يتوضأ. فكيف يأمر بالتيمم من لم يأمره بالوضوء؟ وهو إنما أمر بالتيمم من أمره بالوضوء والاغتسال. ونظير هذا يطول. ومن تدبر الآية قطع بأن هذا هو المراد.
فصل:
ودلت الآية على أن المسافر: يجامع أهله وإن لم يجد الماء ولا يكره له ذلك كما قاله الله في الآية. وكما دلت عليه الأحاديث. حديث أبي ذر وغيره.
فصل:
وقوله: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} دليل على أن التيمم مطهر كالماء سواء. وكذلك ثبت في صحيح السنة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين. فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ذلك خير} رواه الترمذي وصححه ورواه أبو داود والنسائي. وفي الصحيح عنه: قال {جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا}. وهو - صلى الله عليه وسلم - جعل التراب طهورا في طهارة الحدث وطهارة الجنب. كما قال في حديث أبي سعيد {إذا أتى أحدكم المسجد فليقلب نعليه فلينظر فيهما فإن كان بهما أذى - أو خبث - فليدلكهما بالتراب.
فإن التراب لهما طهور} وقال في حديث أم سلمة {ذيل المرأة يطهره ما بعده}. فدل على أن التيمم مطهر يجعل صاحبه طاهرا كما يجعل الماء مستعمله في الطهارة طاهرا إن لم يكن جنبا ولا محدثا. فمن قال: إن المتيمم جنب أو محدث فقد خالف الكتاب والسنة. بل هو متطهر. وقوله في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه {أصليت بأصحابك وأنت جنب}؟ " استفهام. أي هل فعلت ذلك؟ فأخبره عمرو رضي الله عنه أنه لم يفعله بل تيمم لخوفه: أن يقتله البرد. فسكت عنه وضحك. ولم يقل شيئا.
فإن قيل: إن هذا إنكار عليه: أنه صلى مع الجنابة. فإنه يدل على أن الصلاة مع الجنابة لا تجوز. فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر ما هو منكر فلما أخبره: أنه صلى بالتيمم. دل على أنه لم يصل وهو جنب. فالحديث حجة على من احتج به وجعل المتيمم جنبا ومحدثا. والله يقول: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} فلم يجز الله له الصلاة حتى يتطهر. والمتيمم قد تطهر بنص الكتاب والسنة. فكيف يكون جنبا غير متطهر؟ لكنها طهارة بدل. فإذا قدر على الماء بطلت هذه الطهارة وتطهر بالماء حينئذ. لأن البول المتقدم جعله محدثا.
والصعيد جعله مطهرا إلى أن يجد الماء. فإن وجد الماء فهو محدث بالسبب المتقدم لا أن الحدث كان مستمرا. ثم من قال: التيمم مبيح لا رافع فإن نزاعه لفظي. فإنه إن قال: إنه يبيح الصلاة مع الجنابة والحدث وإنه ليس بطهور فهو يخالف النصوص. والجنابة محرمة للصلاة. فيمتنع أن يجتمع المبيح والمحرم على سبيل التمام فإن ذلك يقتضي اجتماع الضدين. والمتيمم غير ممنوع من الصلاة. فالمنع ارتفع بالاتفاق وحكم الجنابة المنع. فإذا قيل بوجوده بدون مقتضاها - وهو المنع - فهذا نزاع لفظي.
فصل:
وفي الآية دلالة على أن المتخلي لا يجب عليه غسل فرجه بالماء إنما يجب الماء في طهارة الحدث بسبيله على أن إزالة النجو والخبث لا يتعين لها الماء فإنه على ذلك تدل النصوص؛ إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر فيها تارة بالماء وتارة بغير الماء كما قد بسط في مواضع.
إذ المقصود هنا: التنبيه على ما دلت عليه الآية. فإن قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} نص في أنه عند عدم الماء يصلي وإن تغوط. بلا غسل. وقد ثبت في السنة {أنه يكفيه ثلاثة أحجار} وأما مع العذر: فإنه قال: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} وهذا يتناول كل قائم وهو يتناول من جاء من الغائط كما يتناول من خرجت منه الريح.
فلو كان غسل الفرجين بالماء واجبا على القائم إلى الصلاة: لكان واجبا كوجوب غسل الأعضاء الأربعة. والقرآن يدل على أنه لا يجب عليه إلا ما ذكره من الغسل والمسح وهو يدل على أن المتوضئ والمتيمم متطهر. والفرجان جاءت السنة بالاكتفاء فيهما بالاستجمار. وقوله تعالى {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} يدل على أن الاستنجاء مستحب يحبه الله لا أنه واجب. بل لما كان غير هؤلاء من المسلمين لا يستنجون بالماء - ولم يذمهم على ذلك بل أقرهم. ولكن خص هؤلاء بالمدح - دل على جواز ما فعله غير هؤلاء. وأن فعل هؤلاء أفضل وأنه مما فضل الله به الناس بعضهم على بعض.
باب الوضوء
سئل - رحمه الله -:
عن مسح الرأس في الوضوء: من العلماء من أوجب جميع الرأس ومنهم من أوجب ربع الرأس ومنهم من قال: بعض شعره يجزئ: فما ينبغي أن يكون الصحيح من ذلك؟ بينوا لنا ذلك.
فأجاب:
الحمد لله، اتفق الأئمة كلهم على أن السنة مسح جميع الرأس كما ثبت في الأحاديث الصحيحة والحسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن الذين نقلوا وضوءه لم ينقل عنه أحد منهم أنه اقتصر على مسح بعض رأسه وما يذكره بعض الفقهاء - كالقدوري في أول مختصره وغيره - أنه توضأ ومسح على ناصيته: إنما هو بعض الحديث الذي في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة: {أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ عام تبوك ومسح على ناصيته}. ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى جواز مسح بعض الرأس وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وقول في مذهب مالك وأحمد.
وذهب آخرون إلى وجوب مسح جميعه وهو المشهور من مذهب مالك وأحمد وهذا القول هو الصحيح فإن القرآن ليس فيه ما يدل على جواز مسح بعض الرأس فإن قوله تعالى {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم} نظير قوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} لفظ المسح في الآيتين وحرف الباء في الآيتين: فإذا كانت آية التيمم لا تدل على مسح البعض مع أنه بدل عن الوضوء وهو مسح بالتراب لا يشرع فيه تكرار: فكيف تدل على ذلك آية الوضوء مع كون الوضوء هو الأصل والمسح فيه بالماء المشروع فيه التكرار؟ هذا لا يقوله من يعقل ما يقول.
ومن ظن أن من قال بإجزاء البعض لأن الباء للتبعيض أو دالة على القدر المشترك: فهو خطأ أخطأه على الأئمة وعلى اللغة وعلى دلالة القرآن. والباء للإلصاق وهي لا تدخل إلا لفائدة: فإذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه أفادت قدرا زائدا كما في قوله: {عينا يشرب بها عباد الله} فإنه لو قيل: يشرب منها لم تدل على الري فضمن يشرب معنى يروى فقيل: {يشرب بها} فأفاد ذلك أنه شرب يحصل معه الري. وباب تضمين الفعل معنى فعل آخر حتى يتعدى بتعديته - كقوله: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه}
وأما الذين أوجبوا الاستيعاب - كمالك وأحمد في المشهور من مذهبهما - فحجتهم ظاهر القرآن. وإذا سلم لهم منازعوهم وجوب الاستيعاب في مسح التيمم: كان في مسح الوضوء أولى وأحرى لفظا ومعنى ولا يقال: التيمم وجب فيه الاستيعاب لأنه بدل عن غسل الوجه واستيعابه واجب؛ لأن البدل إنما يقوم مقام المبدل في حكمه لا في وصفه؛ ولهذا المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين ولا يجب فيه الاستيعاب مع وجوبه في الرجلين وأيضا للسنة المستفيضة من عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما حديث المغيرة بن شعبة فعند أحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوز المسح على العمامة للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك وإذا مسح عنده بناصيته وكمل الباقي بعمامته أجزأه ذلك عنده بلا ريب.
وأما مالك فلا جواب له عن الحديث إلا أن يحمله على أنه كان معذورا لا يمكنه كشف الرأس فتيمم على العمامة للعذر. ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح بناصيته وعمامته أجزأه مع العذر بلا نزاع وأجزأه بدون العذر عند الثلاثة ومسح الرأس مرة مرة يكفي بالاتفاق كما يكفي تطهير سائر الأعضاء مرة.
وتنازعوا في مسحه ثلاثا: هل يستحب؟ فمذهب الجمهور أنه لا يستحب كمالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|