تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         عبارات السلف الأربع في تأويل الاستواء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          شعبان.. مضمار تنافس أهل الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          املأ قلبك بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم تكن رفيقه في الجنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          بشائر لأهل الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          حب الخير للغير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          من منبر المسجد الحرام: المجموعة الأولى والثانية (pdf) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          شعبان والتهيئة لرمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          قطوف من سيرة أبي الحسنين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الصبر وفضله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          شعبان بين الغفلة والفرصة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 24-01-2023, 12:32 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,371
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
المجلد الثامن
صـ 2946 الى صـ 2960
الحلقة (370)


[ ص: 2946 ] وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَحَسَّنَهُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ حَيَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ .

وَلَفْظُ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عُبَادَةَ قَالَ : فِينَا ، أَصْحَابَ بَدْرٍ ، نَزَلَتْ ، حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفْلِ ، وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا ، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا ، فَجَعَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى السَّوَاءِ .

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ صَنَعَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ مِنَ النَّفْلِ كَذَا وَكَذَا » . فَتَسَارَعَ فِي ذَلِكَ شُبَّانُ الْقَوْمِ ، وَبَقِيَ الشُّيُوخُ تَحْتَ الرَّايَاتِ .

فَلَمَّا كَانَتِ الْمَغَانِمُ ، جَاءُوا يَطْلُبُونَ الَّذِي جُعِلَ لَهُمْ ، فَقَالَ الشُّيُوخُ : لَا تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْنَا ، فَإِنَّا كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ ، لَوِ انْكَشَفْتُمْ لَثُبْتُمْ إِلَيْنَا ، فَتَنَازَعُوا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ الْآيَةِ
، وَهَذَا مِمَّا يُفِيدُ أَنَّ التَّشَاجُرَ كَانَ مُتَنَوِّعًا ، وَأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ لِفَصْلِهِ .

وَالْأَنْفَالُ : هِيَ الْمَغَانِمُ ، جَمْعُ ( نَفَلٍ) مُحَرَّكَةً ، وَهُوَ الْغَنِيمَةُ ، أَيْ : كُلُّ نَيْلٍ نَالَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ .

قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ . أَيْ : لِأَنَّ النَّفَلَ يُطْلَقُ عَلَى الزِّيَادَةِ ، كَمَا فِي ( " التَّاجِ ") ، وَمِنْهُ النَّافِلَةُ لِصَلَاةِ التَّطَوُّعِ لِزِيَادَتِهَا عَلَى الْفَرِيضَةِ .

وَقَوْلُهُ تَعَالَى : قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ _ قَالَ الْمَهَايِمِي : أَيْ : لَيْسَتْ هِيَ فِي مُقَابَلَةِ الْجِهَادِ ، وَإِنَّمَا مُقَابِلُهُ الْأَجْرُ الْأُخْرَوِيُّ ، وَهَذِهِ زَائِدَةٌ عَلَيْهِ ، خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْمُشْرِكِينَ فَصَارَتْ مِلْكًا خَالِصًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ . وَالرَّسُولُ خَلِيفَةٌ يُعْطِيهَا ، عَلَى مَا أَرَاهُ اللَّهُ ، مَنْ يَشَاءُ ، لَوْمًا أَطْلَقَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ فِيهَا فَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ، وَوَهَبَ مَنِ اسْتَوْهَبَهُ .

فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : لِمَا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قُتِلَ [ ص: 2947 ] أَخِي عُمَيْرٌ وَقَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ ، وَأَخَذْتُ سَيْفَهُ ، وَكَانَ يُسَمَّى ذَا الْكَتِيفَةِ ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اذْهَبْ فَاطْرَحْهُ فِي الْقَبْضِ ، قَالَ : فَرَجَعْتُ وَبِي مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ، مِنْ قَتْلِ أَخِي وَأَخْذِ سَلْبِي .

قَالَ : فَمَا جَاوَزْتُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْفَالِ .

فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « اذْهَبْ فَخُذْ سَلَبَكَ »
.

وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ - وَصَحَّحَهُ - عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شَفَانِي اللَّهُ الْيَوْمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَهَبْ لِي هَذَا السَّيْفَ ، فَقَالَ : « إِنَّ هَذَا السَّيْفَ لَا لَكَ وَلَا لِي ضَعْهُ » .

قَالَ ، فَوَضَعْتُهُ ثُمَّ رَجَعْتُ ، فَقُلْتُ : عَسَى أَنْ يُعْطِيَ هَذَا السَّيْفَ الْيَوْمَ مَنْ لَا يُبْلِي بَلَائِي .

قَالَ : إِذَا رَجُلٌ يَدْعُونِي مِنْ وَرَائِي .

قَالَ : قُلْتُ : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ شَيْئًا . قَالَ : كُنْتَ سَأَلْتَنِي السَّيْفَ ، لَيْسَ هُوَ لِي ، إِنَّهُ قَدْ وُهِبَ لِي ، فَهُوَ لَكَ . قَالَ : وَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ الْآيَةَ
.

تَنْبِيهَاتٍ :

الْأَوَّلُ : ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ أَنْفَالَ بَدْرٍ قُسِّمَتْ مِنْ غَيْرِ تَخْمِيسٍ ، ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ آيَةُ الْخُمْسِ ، فَنَسَخَتِ الْأُولَى .

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : فِيهِ نَظَرٌ . وَيَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي شَارَفَيْهِ اللَّذَيْنِ حَصَلَا لَهُ ، مِنَ الْخُمْسِ ، يَوْمَ بَدْرٍ . فَالصَّوَابُ أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ مُحْكَمَةٌ ، بَيَّنَ مَصَارِفَهَا فِي آيَةِ الْخُمْسِ .

الثَّانِي : رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ فَسَّرَ ( الْأَنْفَالَ) بِمَا شَذَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ قِتَالٍ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ مَتَاعٍ .

قَالَ : فَهُوَ نَفْلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ بِهِ مَا يَشَاءُ .

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فَسَّرَ ( الْأَنْفَالَ) بِالْفَيْءِ وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ .

[ ص: 2948 ] قُلْتُ : صِدْقُ ( النَّفْلِ) عَلَيْهِ ، لَا شَكَّ فِيهِ ، وَأَمَّا كَوْنُهُ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ بِخُصُوصِهِ ، فَلَا يُسَاعِدُهُ سَبَبُ نُزُولِهَا الْمَارُّ ذِكْرُهُ ، لَا سِيَّمَا قَوْلُهُ : وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ الْمُشِيرُ إِلَى التَّنَازُعِ الْمُتَقَدِّمِ .

ثُمَّ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهَا الزِّيَادَةُ عَلَى الْقَسْمِ ، أَيْ : مَا يُدْفَعُ إِلَى الْغَازِي زَائِدًا عَلَى سَهْمِهِ مِنَ الْمَغْنَمِ ، وَالْكَلَامُ الَّذِي قُلْتُهُ قَبْلُ ، يَجْرِي هُنَا أَيْضًا .

وَنَقَلَ الرَّازِيُّ عَنِ الْقَاضِي ; أَنَّ كُلَّ هَذَا الْوُجُوهِ تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ . قَالَ : وَلَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى تَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَإِنْ صَحَّ فِي الْأَخْبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعَيُّنِ ، قَضَى بِهِ ، وَإِلَّا فَالْكُلُّ مُحْتَمَلٌ .

وَكَمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا جَائِزٌ ، فَكَذَلِكَ إِرَادَةُ الْجَمِيعِ جَائِزَةٌ فَإِنَّهُ لَا تَنَاقُضَ بَيْنِهَا . أَيْ : لِصِدْقِ ( النَّفْلِ) عَلَيْهَا .

الثَّالِثُ : وَقَعَ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ ، لِمَنِ الْحُكْمُ فِيهَا أَلِلْمُهَاجِرِينَ أَمْ لِلْأَنْصَارِ ، أَمْ لَهُمْ جَمِيعًا ؟ فَأُجِيبُوا بِأَنَّ الْحَاكِمَ فِيهَا الرَّسُولُ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا حُكْمٌ .

تَأَثَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَبُو السُّعُودِ فِي سَوْقِهِ لِمَا ذُكِرَ ، وَزَادَ عَلَيْهِ اعْتِمَادُهُ لَهُ ، بِتَطْوِيلٍ مُمِلٍّ ، وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ سَرَتَ لَهُمْ هَذَا الرِّوَايَةُ .

فَإِنَّ رُوَاةُ الْآثَارِ لَمْ يُخْرِجُوهَا فِي صِحَاحِهِمْ وَلَا سُنَنِهِمْ ، بَلْ وَلَا أَصْحَابُ السِّيَرِ ، كَابْنِ إِسْحَاقَ وَابْنِ هِشَامٍ ، وَهَلْ يُمْكِنُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْتَلِفُوا لِلْحُكْمِ عَلَى الْغَنَائِمِ ، وَيَتَنَازَعُوا وِلَايَتَهَا ، وَالرَّسُولُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ؟ وَمَتَى عَهِدَ ذَلِكَ مِنْ سِيرَتِهِمْ ؟ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ! وَلَكِنْ هُوَ الرَّأْيُ ( قَاتَلَهُ اللَّهُ) ! وَنَبَذَ كُتُبَ السَّنَةِ ، وَالتَّقْلِيدِ الْبَحْتِ ، الَّذِي لَا يَهْتَمُّ صَاحِبُهُ بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ ، وَلَا يُرِيدُ مَعْرِفَتَهَا وَلَا فَحْصَهَا بِالْعَقْلِ يَضَعُ قَدَمَهُ عَلَى الْقَدَمِ ، حَيْثُ يَكُونُ مِطْوَاعًا لِآرَاءِ غَيْرِهِ ، مُنْقَادًا لَهَا مُصَدِّقًا مَا يَنْطِقُ بِهِ فَمُهُ ، غَثًّا كَانَ أَوْ سَمِينًا . اللَّهُمَّ نَوِّرْ بَصِيرَتِنَا بِفَضْلِكَ .

وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيْ : فِي الِاخْتِلَافِ وَالتَّخَاصُمِ ، وَكُونُوا مُتَحَدِّينَ مُتَآخِينَ فِي اللَّهِ .

وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ أَيْ : أَحْوَالَ بَيْنِكُمْ ، يَعْنِي مَا بَيْنَكُمْ مِنَ الْأَحْوَالِ ، حَتَّى تَكُونَ أَحْوَالَ أُلْفَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَاتِّفَاقٍ .

[ ص: 2949 ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَيْ : فِي قَسْمِهِ بَيْنَكُمْ ، عَلَى مَا أَرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى .

وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَوَامِرِ الثَّلَاثَةِ .

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : جَعَلَ التَّقْوَى , وَإِصْلَاحَ ذَاتِ الْبَيْنِ, وَطَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ , مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ وَمُوجِبَاتِهِ , لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ مَوْقُوفٌ عَلَى التَّوَفُّرِ عَلَيْهَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أَيْ : كَامِلِي الْإِيمَانِ .

ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى مَنْ أُرِيدَ بِالْ ( مُؤْمِنِينَ ) بِذِكْرِ أَوْصَافِهِمُ الْجَلِيلَةِ ، الْمُسْتَتْبَعَةِ لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ ، تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الِامْتِثَالِ بِالْأَوَامِرِ الْمَذْكُورَةِ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 2 ] إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون .

إنما المؤمنون أي : الكاملون المخلصون فيه الذين إذا ذكر الله أي : حقه أو وعيده وجلت قلوبهم أي : فزعت لذكره ، واقشعرت إشفاقا ألا تكون قامت بحقه ، وتهيبا من جلاله وعزة سلطانه ، وبطشه بالعصاة وعقابه .

قال الجشمي : ومتى قيل : لم جاز وصفهم هاهنا بالوجل والطمأنينة في قوله : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر فجوابنا فيه وجوه :

منها : أنه تطمئن قلوبهم عند ذكر نعمه ، وتوجل لخوف عقابه بارتكاب معاصيه .

ومنها : أن قلوبهم تطمئن لمعرفة توحيده ، ووعده ، ووعيده ، فعند ذلك توجل لأوامره ونواهيه ، خوف التقصير في الواجبات ، والإقدام على المعاصي ، والمستقبل يتغير حاله . انتهى .

وإذا تليت عليهم آياته أي : حججه وهي القرآن زادتهم إيمانا أي : يقينا وطمأنينة نفس ، إلى ما عندهم ; فإن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه ، وأثبت لقدمه .

[ ص: 2950 ] وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها ، على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب ، كما هو مذهب جمهور الأمة ، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد ، كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد .

وعلى ربهم يتوكلون أي : لا يرجون سواه ، ولا يخشون غيره ، ولا يفوضون أمورهم إلى غيره .

ولما ذكر تعالى من أعمالهم الحسنة أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل ، أعقبه بأعمال الجوارح من الصلاة والصدقة ، بقوله سبحانه :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 3 ] الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون .

الذين يقيمون الصلاة أي : المفروضة بحدودها وأركانها في أوقاتها .

والموصول نعت للموصول الأول ، أو بيان له ، أو منصوب على المدح .

وقوله : ومما رزقناهم ينفقون عام في الزكاة ، وأنواع البر والقربات .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 4 ] أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم .

أولئك هم المؤمنون حقا أي : لا شك في إيمانهم .

و : حقا صفة لمصدر محذوف ، أي : إيمانا حقا أو مصدر مؤكد للجملة ، أي : حق ذلك حقا ، كقولك : هو عبد الله حقا .

قال عمرة بن مرة ( في هذا الآية ) : إنما أنزل القرآن بلسان العرب ، كقولك : فلان سيد حقا ، وفي القوم سادة ، وفلان تاجر حقا ، وفي القوم تجار ، وفلان شاعر حقا ، وفي القوم شعراء . انتهى .

وكأنه أراد الرد على من زعم أن حقا من صلة قوله : لهم درجات بعد ، تأكيدا له ، وأن الكلام تم عند قوله المؤمنون فإن هذا الزعم يصان عند أسلوب التنزيل الحكيم .

[ ص: 2951 ] وقد تطرف بعض المفسرين هنا لمسألة شهيرة وهي : هل يجوز أن يقال : أنا مؤمن حقا .

قال الطوسي في ( " نقد المحصل ") : المعتزلة ومن تبعهم يقولون : اليقين لا يحتمل الشك والزوال ، فقول القائل : ( أنا مؤمن إن شاء الله) لا يصح إلا عند الشك ، أو خوف الزوال . وما يوهم أحدهما ، لا يجوز أن يقال للتبرك . انتهى .

والغزالي في الإحياء ، بسط هذه المسألة ، وأجاب عمن سوغ ذلك بأجوبة :

منها : التخوف من الخاتمة ، لأن الإيمان موقوف على سلامة الخاتمة .

ومنها : الاحتراز من تزكية النفس .

ومنها : غير ذلك انظره بطوله .

وقال ابن حزم في ( " الفصل ") : القول عندنا في هذه المسألة ; أن هذه صفة يعلمها المرء من نفسه ، فإن كان يدري أنه مصدق بالله عز وجل ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبكل ما أتى به ، وأنه يقر بلسانه بكل ذلك ، فواجب عليه أن يعترف بذلك ، كما أمر تعالى في قوله : وأما بنعمة ربك فحدث

ولا نعمة أوكد ولا أفضل ، ولا أولى بالشكر ، من نعمة الإسلام ، فواجب عليه أن يقول : أنا مؤمن مسلم قطعا عند الله تعالى في وقتي هذا .

ولا فرق بين قوله ( أنا مؤمن مسلم) ، وبين قوله ( أنا أسود أو أنا أبيض) ، وهكذا سائر صفاته التي لا يشك فيها ، وليس هذا من باب الامتداح والعجب في شيء ، لأنه فرض عليه أن يحقن دمه بشهادة التوحيد .

وقول ابن مسعود : ( أنا مؤمن إن شاء الله) عندنا صحيح ، لأن الإسلام والإيمان إسمان منقولان عن موضوعهما في اللغة ، إلى جميع البر والطاعات .

فإنما منع ابن مسعود الجزم على معنى أنه مستوف لجميع الطاعات ، وهذا صحيح .

ومن ادعى لنفسه هذا فقد كذب بلا شك ، وما منع أن يقول المرء ( إني مؤمن) بمعنى ( مصدق) .

[ ص: 2952 ] وأما قول المانعين : ( من قال أنا مؤمن ، فليقل إنه من أهل الجنة ) فالجواب : إنا نقول إن متنا على ما نحن عليه الآن ، فلا بد لنا من الجنة بلا شك .

وبرهان ذلك أنه قد صح من نصوص القرآن والسنن والإجماع ، أن من آمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وبكل ما جاء به ، ولم يأت بما هو كفر ، فإنه في الجنة إلا أننا لا ندري ما يفعل بنا في الدنيا ، ولا نأمن مكر الله تعالى ، ولا إضلاله ، ولا كيد الشيطان ; ولا ندري ماذا نكسب غدا ، ونعوذ بالله من الخذلان . انتهى كلام ابن حزم رحمه الله .

ولقد أجاد فيما أفاد .

وقوله تعالى : لهم درجات عند ربهم أي : منازل ومقامات عاليات في الجنة ومغفرة أي : تجاوز لسيئاتهم ورزق كريم وهو ما أعد لهم من نعيم الجنة .

تنبيه :

قال الجشمي : تدل الآية على أشياء :

منها : أن الإيمان اسم شرعي لثلاث خصال : القول ، والاعتقاد ، والعمل ، خلاف ما تقوله المرجئة ، لأن الوجل وزيادة التصديق من فعل القلب ، والتدبر والتفكر كذلك ، والصلاة والإنفاق من أعمال الجوارح ، والتوكل يشتمل على فعل القلب والجوارح .

ثم بين في آخره أن من جمع هذه الخصال فهو المؤمن حقا .

ومنها : أنها تدل على أن الإيمان يزيد وينقص ، لأن هذه الطاعات تزيد وتنقص، وقد نص على ذلك قوله : زادتهم إيمانا

ومنها : أن الواجب عند تلاوة القرآن التدبر والتفكر فيما أمر ونهى ، ووعد وأوعد ، لينجر للرغبة والرهبة ، وذلك حث على الطاعة ، وزجر عن المعاصي .

ومنها : وجوب التوكل عليه ، والتوكل على ضربين : منها في الدنيا ، ومنها في الدين .

أما في الدنيا فلا بد من خصال :

منها : أن يطلب مصالح دنياه من الوجه الذي أتيح له ، ولا يطلب محرما

[ ص: 2953 ] ومنها : إذا حرم الرزق الحلال لا يعدل إلى محرم .

ومنها : ألا يظهر الجزع عند الضيق ، بل يسلك فيه طريق الصبر واعتقاد أن ما هو فيه مصلحة له .

ومنها : أن ما يرزق من النعم بعدها من جهته تعالى ، إما بنفسه أو بواسطة .

ومنها : ألا يحسبه عن حقوقه خشية الفقر .

ومنها : ألا يسرف في النفقة ولا يفتقر .

فعند اجتماع هذه الخصال يصير متوكلا .

فأما الذي يزعمه بعضهم ; أن التوكل إهمال النفس ، وترك العمل ، فليس بشيء .

وقد أمر الله تعالى بالإنفاق ، وبالعمل ، وثبت عن الصحابة ـ وهم سادات الإسلام - التجارة والزراعة والأعمال ، وكذلك التابعين ، وبهذا أجرى الله العادة .

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي أن يعقل ناقته ويتوكل .

فأما التوكل في الدين فخصال :

منها : أن يقوم بالواجبات ، ويجتنب المحارم ، لأنه بذلك يصل إلى الجنة والرحمة .

ومنها : أن يسأله التوفيق والعصمة .

ومنها : أن يرى جميع نعمه منه ، إذا حصل بهدايته وتمكينه ولطفه .

ومنها : أن لا يثق بطاعته جملة ، بل يطيع ويجتنب المعاصي ، ويرجو رحمة ربه ، ويخاف عذابه ، فعند ذلك يكون متوكلا .

ثم قال الجشمي : وتدل الآية على أن تارك الصلاة والزكاة لا يكون مؤمنا ، خلاف قول المرجئة . انتهى .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 5 ] كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون .

وقوله تعالى : [ ص: 2954 ] القول في تأويل قوله تعالى :

كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون الكاف في ( كما ) كاف التشبيه ، والعامل فيه يحتمل وجوها ، فإما هو معنى الفعل الذي دل عليه : قل الأنفال لله تقديره نزع الأنفال من أيديهم بالحق ، كما أخرجك بالحق . وإما هو معنى الحق ، يعني هذا الذكر حق ، كما أخرجك بالحق ، وإما أنه خبر مبتدأ محذوف هو المشبه ، أي : حالهم هذه في كراهة تنفيل الغزاة ، كحال إخراجك من بيتك للحرب في كراهتهم له ( كما سيأتي في تفصيل القصة ) .

وهذا هو قول الفراء ، فإنه قال : الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته ، بالقصة المتقدمة ، التي هي سؤالهم عن الأنفال وكراهتهم لما وقع فيها ، مع أنها أولى بحالهم .

وقوله تعالى : من بيتك أراد به بالمدينة ، أو المدينة نفسها ، لأنها مثواه ، أي : إخراجه إلى بدر .

وزعم بعض أن المراد إخراجه صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة للهجرة ، وهو ساقط برده سياق القصة البدرية في الآيات بعد .

وملخصها أن أبا سفيان قدم بعير من الشام في تجارة عظيمة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليغنموها ، فعلمت قريش ، فخرج أبو جهل ومقاتلو مكة ليذبوا عنها ، وهم النفير . وأخذ أبو سفيان بالعير طريق الساحل ، فنجت ، فقيل لأبي جهل : ارجع ، فأبى وسار إلى بدر .

فشاور صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال لهم : إن الله وعدني إحدى الطائفتين ، فوافقوه على قتال النفير ، وكره بعضهم ذلك ، وقالوا : لم نستعد له ، كما قال تعالى :
[ ص: 2955 ] القول في تأويل قوله تعالى :

[ 6 ] يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون .

يجادلونك في الحق وهو الجهاد وتلقي النفير بعدما تبين أي : ظهر لهم أنهم ينصرون فيه كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون أي : يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت ، وهو ناظر إلى أسبابه ، وكان ذلك لقلة عددهم ، وعدم تأهبهم .

إذ روي أنهم كانوا ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا ، فيهم فارسان : المقداد والزبير ، وقيل الأول فقط . والمشركون ألف ، ذوو عدة وعدة وفيه تعريض بأنهم إنما يسار بهم إلى الظفر والغنيمة للوعد الحق .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 7 ] وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين .

وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين العير أو النفير أنها لكم وتودون أي : تحبون أن غير ذات الشوكة تكون لكم وهو العير ، لا ذات الشوكة ، وهي النفير ، والشوكة : السلاح أو حدته .

ويريد الله أن يحق الحق أي : يثبته ويعليه ، وهو دعوة رسوله بكلماته أي : بآياته المنزلة ، وأوامره في هذا الشأن ويقطع دابر الكافرين أي : يستأصلهم فلا يبقى منهم أحدا .

ثم بين تعالى الحكمة في اختيار ذات الشوكة لهم ونصرتهم عليها ، بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 8 ] ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون .

ليحق الحق ويبطل الباطل أي : ليثبت الدين الحق ، ويمحق الدين الباطل ، [ ص: 2956 ] باستئصال أهله ، مع ظهور شوكتهم ولو كره المجرمون أي : المشركون ذلك .

ثم ذكرهم تعالى التجاءهم إليه ، واستمدادهم منه النصر يوم بدر ، وإمداده حينئذ بقوله سبحانه :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 9 ] إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين .

إذ تستغيثون ربكم أي : تطلبون منه الغوث ، وهو التخلص من الشدة ، والعون بالنصر عليهم فاستجاب لكم أي : الدعاء أني ممدكم أي : معينكم بألف من الملائكة مردفين بكسر الدال ، أي : متتابعين ، بعضهم على إثر بعض ، أومردفين غيرهم .

وقرئ بفتحها على معنى أن الله أردف المسلمين بهم ، أو مردفين بغيرهم ، أي : من ملائكة آخرين .

وقرئ ( بآلاف ) بالجمع ، كما يأتي .

روى مسلم عن ابن عباس قال : حدثني عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم بدر ، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ; فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ، ثم مد يده ، فجعل يهتف بربه ويقول : « اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آتني ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام ، لا تعبد في الأرض » . فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبو بكر ، فأخذ رداءه ، فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه ، وقال : يا نبي الله ! كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله عز وجل : إذ تستغيثون ربكم

[ ص: 2957 ] وروى البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر :

« هذا جبريل آخذ برأس فرسه ، عليه أداة الحرب »
.

وروى البخاري عن معاذ بن رفاعة ، عن رافع الزرقي ، عن أبيه - وكان ممن شهد بدرا - قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما تعدون أهل بدر فيكم ؟ قال : من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال : وكذلك من شهد بدرا من الملائكة .

تنبيهات :

الأول : قال الجشمي : تدل الآية على أن الملك يجوز أن يتشبه بالآدمي ، ولا يخرج من كونه ملكا ، بأن يغير أطرافهم دون الأجزاء التي صاروا بها أحياء والذي ينكر أن يقدر أحد على تغيير الصور ، بل نقول : إن الله هو الذي يقدر على ذلك .

انتهى .

الثاني : قال الزمخشري : وعن السدي : ( بآلاف من الملائكة ) - على الجمع - ليوافق ما في سورة آل عمران .

فإن قلت : فيم يعتذر لمن قرأ على التوحيد ، ولم يفسر ( المردفين ) بإرداف الملائكة ملائكة آخرين ، و ( المردفين ) بارتدافهم غيرهم ؟

قلت : بأن المراد بالألف ، من قاتل منهم ، أو الوجوه منهم ، الذين من سواهم أتباع لهم . انتهى .

قال شمس الدين ابن القيم في ( " زاد المعاد " ) في بحث غزوة بدر :

فإن قيل : هاهنا ذكر أنه أمدهم بألف ، وفي سورة آل عمران قال : إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منـزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين فكيف الجمع بينهما ؟

[ ص: 2958 ] قيل : اختلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف ، والذي بخمسة على قولين :

أحدهما : أنه كان يوم ( أحد ) ، وكان إمدادا معلقا على شرط ، فلما فات شرطه ، فات الإمداد . وهذا قول الضحاك ومقاتل ، وإحدى الروايتين عن عكرمة .

والثاني : أنه كان يوم بدر ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة ، والرواية الأخرى عن عكرمة ، واختاره جماعة من المفسرين .

وحجة هؤلاء ، أن السياق يدل على ذلك ، فإنه سبحانه قال :

ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منـزلين بلى إن تصبروا وتتقوا إلى أن قال : وما جعله الله أي : هذا الإمداد : إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به

قال هؤلاء : فلما استغاثوا ، أمدهم بألف ، ثم أمدهم بتمام ثلاثة آلاف ، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف ، لما صبروا واتقوا . وكان هذا التدريج ، ومتابعة الإمداد ، أحسن موقعا ، وأقوى لتقويتهم وأسر لها من أن يأتي مرة واحدة ، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرة بعد مرة .

وقالت الفرقة الأولى : القصة في سياق ( أحد ) ، وإنما أدخل ذكر ( بدر ) اعتراضا في أثنائها ، فإنه سبحانه قال : وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ثم قال : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون فذكره نعمه عليهم ، لما نصرهم ببدر وهم أذلة ، ثم عاد إلى قصة ( أحد ) ، وأخبر عن قول رسوله لهم : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منـزلين ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف .

فهذا من قول رسوله ، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى ، وهذا بخمسة آلاف ، وإمداد بدر بألف ، وهذا معلق على شرط ، وذلك مطلق .

والقصة في سورة آل عمران ، هي قصة ( أحد ) مستوفاة مطولة ، و ( بدر ) ذكرت فيها اعتراضا .

[ ص: 2959 ] والقصة في سورة الأنفال قصة ( بدر ) مستوفاة مطولة ، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال ، يوضح هذا أن قوله : ويأتوكم من فورهم هذا قد قال مجاهد : هو يوم ( أحد ) ، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه ، فلا يصح قوله إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر وإتيانهم من فورهم هذا يوم أحد ، والله أعلم . انتهى .

وقوله تعالى
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 10 ] وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم .

جعله الله أي : هذا الإمداد إلا بشرى أي : بشارة لكم بالنصر ، ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله أي : من غير أن يكون فيه شركة لغيره إن الله عزيز حكيم قال بعض الحكماء : ذكر تعالى في هذه الآية حكمة إخبارهم بالنصر ، وأنه يريد بشراهم وطمأنينتهم وتوكلهم عليه ، وهو أدعى إلى قوة العزيمة ، فإن العامل إذا أيقن بأن معه قاهر الكون : رفعته تلك الفكرة ، وجعلته أقوى الناس ، وأقدرهم على صعاب الأمور ، لا كما يظنه المنتكسون الجاهلون الكسالى اليائسون من روح الله ، حيث جعلوا التوكل ذريعة إلى البطالة ، فباءوا بغضب على غضب . انتهى .

ثم ذكرهم سبحانه بنعم أخرى جعلها سببا لنصرهم ، وللعناية بهم ، فقال :






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,922.27 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,920.55 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.09%)]