|
|||||||
| ملتقى اللغة العربية و آدابها ملتقى يختص باللغة العربية الفصحى والعلوم النحوية |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الأخلاقيات الأدبية د. ريمه الخاني كلمة سحرية نشدها كل البشر، لكنها في مقاييسهم نسبية مطاطة، لا تعترف بمقياس ثابت. فالأخلاق معجميًّا: الخُلْق والخُلُق: السَّجِيَّة، يقال: خالِصِ المـؤمن، وخالق الفاجر. وفي الحديث: ((ليس شيء في الميزان أثقل من حسن الخُلُق))؛ الخُلُقُ، بضم اللام وسكونها: وهو الدِّين والطبْع والسجيَّة.[1] يقول الأستاذ حسين عجمية حول تعريف الأخلاق: الأخلاق: هي الدلائل والمعايير والقيم الموضوعة لتحقيق معادلة توازن الفعل الإنساني، وإعطائه الصيغة الفعلية المتفق عليها ضمن الوسط المعيش، وتحقيق نوع من النفوذ من خلال التقيد بهذه الأخلاق، وصيانة ميادينها العامة، بالإضافة إلى تحقيق التوازن بين عملية تعميقها وتوسيع مبادئها، وبين تسخيرها لتحقيق بعض الغايات من خلال الامتثال لمسيرها ونسقها العام، وإظهار بعض النوايا من خلال الخَرْقِ المتعمَّد للأخلاق، وتحقيق وجود متميز من خلال ذلك.[2] فالأخلاق في غايتها هي الحفاظ على الوفاق الاجتماعي، وتأمين نمطية معيشية منسجمة مع الحياة الحضارية التي يعيشها المجتمع، ويتابع صيرورته مع تغيير هذه المعايير الأخلاقية على الدوام. وهي ضابط سلوكي، يؤدي لتوحيد الأفعال الظاهرية، في معايير متشابهة، يتيح المحاسبة عند الضرورة وعند ظهور السلوكيات الشاذة، وعليه فيتحدد من خلال نوع السلوك العقابُ المناسب. أدبيًّا: على الرغم من أن اتحاد الكتاب العرب اتخذ نهجًا قويمًا بمنع الاقتراب للثالوث المحرم: السياسة، والأديان، والجنس، فإن الأعمال الأكثر شهرة عالميًّا هي التي اقتربت منه واخترقته أيضًا. لماذا؟ هل لأن الجمهور يألف ما هو غير مألوف لمزيد من الإثارة والتجديد؟ أم لأن الإبداع يقتضي ذلك؟ أم لأن البقاء على عرش الشهرة يقتضي ذلك؟ أم هي حالة مستديمة من كسر الضوابط؛ ليقال: هؤلاء فعلوها بجرأة، فباتت الجرأة هي الأصلَ، ثم الأخلاق الفرع؟! أم هم أباطرة الإعلام وسماسرة الإبداع؟! يقول حول ذلك الدكتور محمد برادة: رغم أن الثالوث المهيمن على ضبط قيم المجتمع - عنيت: الجنسَ والدينَ والسياسة - نلاحظ أن الإنتاج الروائي العربي أسهم في إضاءة هذه المناطق الحساسة التي يحرص الماسكون للسلطة عادةً على تسييجها، وإيهام الناس بأنها في حرز مصون، فعلى هذا النحو احتلت موضوعات الجنس حيِّزًا كبيرًا في النصوص الروائية - عندما فكروا بالتجديد - فقلَّدوا الغرب ولم ينفردوا بخط يخصهم.[3] لقد كان منهج الجاحظ في القرن الثالث الهجري أخلاقيًّا بامتياز، قائلًا عن كتابه البخلاء: "في الكتاب ثلاثة أشياء: تَبَيُّنُ حُجَّةٍ طريفة، أو تَعَرُّفُ حيلةٍ لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة". وهو بعد هنا قد قدَّم دراسة سوسيلوجية باكرة في الثقافة العربية، حيث ابتعد عن الهذر في علم الكلام، وأراد صرف النظر عنه؛ لأنه لم يكن مؤمنًا بعلم الكلام. يقول د. صلاح الدين يونس [4]: وقد أُثِرَ عنه مقولتان ظاهرتا التجاوزِ والتفريط، والتي قدم لها وظائفية الزينة والإمتاع، فالأولى ليسوغ لها الإيضاح، والإمتاع ليسوغ من خلال إقبال الخاصة والعامة على الحجاج والمجادلة؛ إشارة منه إلى طبيعة العصر التركيبية. والفريد في الأمر أن من حضَّ على الاحتشام روائيًّا في سرد العواطف هم الستانداليون، ومنهم أندريه جيد 1869-1951م، وهو من امتزجت حياته بتجاوزات أخلاقية معروفة! فلمَ لا نقدم أفضل الممكن؟ وقال جيد: إن ستاندال هو بمثابة نخاع العظم مني، وأنا أسنُّ وأشحذ منقاري عليه.[5] يقول الأستاذ عيد درويش في بحثه: "الأخلاق بين الفضيلة والواجب"[6]: فإذا استطاع الإنسان أن يحافظ على بقائه بموجب الفضيلة، فهو قادر على تطويرها، كما أن تطور المجتمع رهن بتطور نظامه الأخلاقي وسيادة الفضيلة فيه. وللمسألة الأخلاقية نصيب كبير من الجدل الفكري، وخير دليل على ذلك ما احتوته بطون الكتب عبر التاريخ. ويقول في مكان آخر من البحث: والمسألة الأخلاقية لها ضوابط اجتماعية تقوم بتنظيم سلوك الناس في ميادين الحياة العامة كافة، وتندرج ضمنها أيضًا التقييمات الأخلاقية لظواهر الحياة الاجتماعية. ماذا يعني هذا؟ يقول الدكتور خير الدين عبدالرحمن في بحثه عن أحاديث عن عزلة الشعر، بل وعن موته[7]: إن العقل العربي بات متعبًا أكثر من أيِّ وقت مضى، وهو في الأصل كذلك، فهو تأسره الثنائيات بسهولة وسرعة، ثنائيات الأبيض والأسود، الحب أو الكراهية، الوطنية أو الخيانة، الروح أو المادة، العروبة أو الإسلام، العاطفة أو العقل، الإعجاب أو الازدراء، العلم أو الفن، عقل متسرع يبحث عن أسهل خيار من دون أن يبذل جهدًا، فيصعب عليه قبول حقيقة أن في طيف الألوان تدرجًا كثيرًا وتعددًا لونيًّا فيما بين الأبيض والأسود. كم تصعب هنا إدارة الظهر لمقولة القائل: إن الفضيلة ترفُضُ أن تكونَ السهولة رفيقًا لها، أو أن تسلك الطريق السهل، وكم هو محرج التسليم المنطقي بأن العقل المستسلم للثنائيات أكثر قابلية للسيطرة عليه من الخارج، سيطرة تؤدي به إلى الشلل والرضوخ والاستعباد، بعد تحطم الروح وتلاشي المقاومة؛ توهمًا باستحالتها، أو نزوعًا إلى سلامة ذاتية موهومة. كلام يُحلِّل ماهيَّة العقل العربي الصعبة التي إما تتجه لأقصى اليمين أو لأقصى اليسار، ونحن أمة وسَط، فأين التوسط هنا؟[8] حقيقة حتى الكتب التي تدين الذكورية في المجتمع المتزمت والمتعصب، تدين بتلقائية غريبة الجنوح للانفتاح اللاأخلاقي، وتجعله أكثر استعبادًا للتفلُّتِ وترك المرأة في حالة دونيَّة أمام الشهوة، وخاصة من خلال دراسته لنماذج روائية عربية. يقول جورج طرابيشي في كتابه شرق وغرب رجولة وأنوثة: إن العَلاقات البشرية في السادية أو في المازوخية عَلاقات قوة، علاقات سيطرة وخضوع، ومعادل العلاقة المذكرة هو حب إذلال، ومعادل المازوخية المؤنثة هو حب التذلل، وتقع الفرودية في المحذور نفسه في تفسيرها لرموز الأحلام، عندما تؤكد أن الأسلحة المدببة رمز للعضو المذكر والعلب إلخ... المؤنث! وهي رموز عامة في الروايات العربية عمومًا. ص6-7. حقيقة قصَّر النقاد في نقد النصوص الخادشة للحياء، بل تركوا لها الطريق مفتوحًا؛ لما تدره من أرباح، وهذا إن كان فهو وصمة عار في تاريخ العطاء الأدبي، فهو وإن كان واقعًا، فهناك فرق مؤكد ما بين رصدها كواقع محتم، وما بين الرفض له كهُوة مزرية تودي بالمرء لتشويه التاريخ الإنساني والأخلاقي، وفتح الباب للجيل لتجربتها والوقوع فيها ثانية. وجدنا نصًّا كُتِبَ وَبُدِئَ ولم يُكْمَلْ كطرح يحتاج إلى شرح وبحث وتركيز، فما أحوجنا اليوم لمثل تلك التجارب؛ نتزود بها حكمة وعبرة، بما يعزز لغتنا وقيمنا، ويتصدى لما يعتورهما من تشويه أو تقصير.. يقول الدكتور خليل أبو ذياب، الناقد الفلسطيني المعروف: "إذا رجعنا إلى طبيعة الأدب، فإننا نجدُه إنما لم يوجد إلا من خلال معطيَات أو منجزات، ومن هذه المعطيات الأساسية في الحياة: الأخلاق؛ لأنَّ الأخلاق من قِوام المجتمع وعماده، ولا يمكن أن يستقيم أيُّ مجتمع بدون أخلاق، حتى إذا رجعنا إلى العصور الغابرة الجاهلية وغير الجاهلية، فإننا نجد أن الأدب يحرص حرصًا بالغًا على تسجيل وتصوير كل الجوانب المختلفة التي ترتبط بهذه الحياة. وبقدر مساهمة هذا الأدب في التعبير عن القضايا الاجتماعية والأخلاقية، وتنمية هذه الأخلاق، ومحاولة التعبير عنها، وإبرازها للمجتمع، بقدر ما تكون لهذا الأدب أهميته وقيمته. والذي يحاول أن يفصل بين الأدب والأخلاق كمن يحاول أن يفصل بين الجسم والروح؛ لأنه لا يوجد أدب بدون أخلاق، ولا توجد أخلاق بدون أدب، كما لا توجد الروح بدون الجسد. ومهمة الأدباء في هذه الحالة تكمُنُ في دورهم في إرساء هذه الأخلاق وإبرازها للمجتمع حتى يفيد الناس منها؛ لأنه إذا لم يفعل الأدباء هذا الأمر، فلا قيمة للأدب وسيظل معزولًا ومنشغلًا بأموره الخاصة، وبالتالي لا يمكن أن يؤدي رسالته المهمة[9]. نجد هنا أن الدكتور خليلاً وضَّح وظيفة الأدب بدقة، وقدَّم مهمته البنَّاءة على الهدم الذي نراه في المنابر والأعمال العالمية، الذي جعلنا نألفه رُغمًا عنا. وإن كان الشكل الذي يجعل المضمون وطنيًّا بقشرة لا أخلاقية، إنما هي عملية غش مفضوحة، لا تخفى على المتلقي الذكي. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |