شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج --- متجدد - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 61 - عددالزوار : 685 )           »          لا تستعجل فهم الحكمة فالمدبر هو الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          من يهمل النعم يجاز بِفقدها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          المرأة وطلب العلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          الإدلال بالعبادة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          حكم الاستدلال بالقرآن الكريم بما لم يَرِد عن السلف الصالح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          حكاية قدوة (أنا والفجر) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          سلامة الصدر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          الترفية التربوي: الطيران المكسور (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          الرفيق قبل الطريق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > ملتقى الحج والعمرة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #39  
قديم 27-07-2022, 04:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,882
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج --- متجدد


شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج (2)
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية

من صــ 651الى صــ 659
(91)

[مَسْأَلَةٌ الْحَلْقُ والتقصير]
مَسْأَلَةٌ: (وَالْحَلْقُ).
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي وُجُوبِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا -: إِذَا أَخَّرَتِ الْمَرْأَةُ التَّقْصِيرَ حَتَّى خَرَجَتْ أَيَّامُ مِنًى:عَلَيْهَا دَمٌ ... .

[مَسْأَلَةٌ طَوَافُ الْوَدَاعِ]
مَسْأَلَةٌ: (وَطَوَافُ الْوَدَاعِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ يُسَمَّى طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَطَوَافَ الصَّدَرِ، وَطَوَافَ الْخُرُوجِ، أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَابْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَالْأَثْرَمِ، وَالْمَرُّوذِيِّ، وَحَرْبٍ، وَأَبِي دَاوُدَ.
فَإِذَا خَرَجَ قَبْلَ أَنْ يُوَدِّعَ: وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَيُوَدِّعَ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَلَغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ اسْتَقَرَّ الدَّمُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا.


وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لِعَدَمِ الرَّفِيقِ، أَوْ خَشْيَةَ الِانْقِطَاعِ عَنِ الرُّفْقَةِ .... قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِيمَنْ نَفَرَ وَلَمْ يُوَدِّعِ الْبَيْتَ، فَإِذَا تَبَاعَدَ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِذَا كَانَ قَرِيبًا رَجَعَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ -: إِذَا نَسِيَ الرَّجُلُ طَوَافَ الصَّدَرِ، وَتَبَاعَدَ بِقَدْرِ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ: فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ -: مَنْ تَرَكَ طَوَافَ الصَّدَرِ عَلَيْهِ دَمٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ عَهْدُهُ بِالْبَيْتِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَأَيْضًا: فَتَرْخِيصُهُ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا لَا رُخْصَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: " رَدَّ رَجُلًا مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ لَمْ يَكُنْ وَدَّعَ الْبَيْتَ " رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْهُ.

(فَصْلٌ)
فَأَمَّا طَوَافُ الْقُدُومِ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، بَلْ سُنَّةٌ، وَنَقَلَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْبٍ الْجَرْجَرَائِيُّ: الطَّوَافُ ثَلَاثَةٌ وَاجِبَةٌ: طَوَافُ الْقُدُومِ وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَطَوَافُ الصَّدَرِ، أَمَّا طَوَافُ الزِّيَارَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ رَجَعَ مُعْتَمِرًا، وَطَوَافُ الصَّدَرِ إِذَا تَبَاعَدَ بَعَثَ بِدَمٍ.
وَهَذِهِ رِوَايَةٌ قَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ مِنْ بَعْدِهِ: لَمْ يَزَالُوا إِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ طَافُوا قَبْلَ التَّعْرِيفِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ تَرَكَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَهَذَا خَرَجَ مِنْهُ؛ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] وَقَوْلِهِ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، وَبَيَانًا لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ حَجِّ بَيْتِهِ، كَمَا بَيَّنَ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ بِسَبْعَةِ أَشْوَاطٍ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُهُ - فِي حَجِّهِ - كُلُّهَا وَاجِبَةً، إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى بَعْضِهَا أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " وَلَمْ يُرِدْ أَنْ نَأْخُذَهَا عَنْهُ عِلْمًا، بَلْ عِلْمًا وَعَمَلًا، كَمَا قَالَ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7]، فَتَكُونُ الْمَنَاسِكُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا هِيَ الَّتِي فَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.


[مَسْأَلَةٌ أَرْكَانُ الْعُمْرَةِ وَوَاجِبَاتُهَا]
مَسْأَلَةٌ: (وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: الطَّوَافُ، وَوَاجِبَاتُهَا: الْإِحْرَامُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ).
الْقَوْلُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَنَاسِكِ فِي الْعُمْرَةِ كَالْقَوْلِ فِي حُكْمِهَا فِي الْحَجِّ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ، فَإِنَّمَا يُشْرَعُ فِي الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَيَتَوَقَّتُ بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ، إِذِ الْحَجُّ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، إِذِ الْعُمْرَةُ تَجُوزُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ.
فَأَمَّا الطَّوَافُ: فَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَقَدْ عَدَّهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ الْوَاجِبَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ اجْتِنَابَ الْمَحْظُورَاتِ مَعَ قَصْدِ الْحَجِّ مِنَ الْمِيقَاتِ الْمَشْرُوعِ.
وَأَمَّا النِّيَّةُ نِيَّةُ الِاعْتِمَارِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهٌ: أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْحِلِّ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ كُلُّ طَائِفٍ مُعْتَمِرًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ يَعُدُّ الْإِحْرَامَ مُطْلَقًا مِنَ الْأَرْكَانِ، وَمَنْ يَعُدُّهُ شَرْطًا.
أَمَّا السَّعْيُ وَالْحَلْقُ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ، إِلَّا أَنَّ الْحَلْقَ فِي الْعُمْرَةِ ... .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: السَّعْيُ فِي الْعُمْرَةِ رُكْنٌ، لَا نَعْرِفُ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى بِخِلَافِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ النُّسُكَيْنِ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا بِرُكْنَيْنِ كَالْحَجِّ، فَإِنَّ هُنَاكَ دَخَلَ الْوُقُوفُ، يَعْنِي أَنَّ فِيهَا: الْإِحْرَامَ وَالطَّوَافَ، فَلَا بُدَّ مِنْ ثَالِثٍ وَهُوَ السَّعْيُ، وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ: عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا فِي الْعُمْرَةِ كَحُكْمِهَا فِي الْحَجِّ.
وَأَمَّا الْحَلْقُ: فَإِنَّ عَامَّةَ النُّصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ قَبْلَ الْحِلَاقِ، وَأَنَّهُ إِذَا وَطِئَ قَبْلَهُ فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا، وَفِي بَعْضِهَا قَالَ: الدَّمُ لِهَذَا كَثِيرٌ.

[مَسْأَلَةٌ ما يترتب على ترك الركن أو الواجب أو المسنون]
مَسْأَلَةٌ: (فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلَّا بِهِ، وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا جَبَرَهُ بِدَمٍ، وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ).
وَهُوَ كَمَا قَالَ: الرُّكْنُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَمَّا الْوَاجِبُ: فَإِذَا تَرَكَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مَا لَمْ يَفُتْ وَقْتُهُ إِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا، كَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَمِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ فِعْلُ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ فَاسْتَقَرَّ الدَّمُ.
وَأَمَّا السَّعْيُ: فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ وَاجِبٌ فَقَوْلُهُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ، فَكَيْفَ يُجْزِئُهُ إِخْرَاجُ الدَّمِ، وَهُوَ بَدَلٌ عَنِ الْوَاجِبِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ؟ وَبُعْدُهُ عَنِ الْبَلَدِ لَيْسَ عُذْرًا إِذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الْعَوْدِ.
وَأَمَّا الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ فَإِنْ قُلْنَا هُوَ مُؤَقَّتٌ بِأَيَّامِ مِنًى، فَقَدِ الْتَحَقَ بِرَمْيِ الْجِمَارِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِمُؤَقَّتٍ، فَهُوَ كَالْحَلْقِ فِي الْعُمْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُؤَقَّتًا بِمَكَانٍ أَيْضًا، بَلْ يَجُوزُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فَوَاتٌ حَتَّى يُجْزِئَ إِخْرَاجُ الدَّمِ عَنْهُ؟
وَأَمَّا السُّنَنُ: فَهِيَ عَلَى مَرَاتِبِهَا، مِنْهَا مَا هُوَ نُسُكٌ إِذَا تَرَكَهُ يَكُونُ مُسِيئًا.


[مَسْأَلَةٌ أحكام الفوات]
مَسْأَلَةٌ: (وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ، وَيَنْحَرُ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ).
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَنْ يَقْصِدَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّبَاطُؤُ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى سَيْرٍ شَدِيدٍ .... ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ إِلَى آخِرِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَخَافَ إِنْ نَزَلَ لَهَا فَاتَهُ الْحَجُّ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَائِفِ؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْعِبَادَتَيْنِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَفَوَاتُ الْحَجِّ أَعْظَمُ ضَرَرًا فِي دِينِهِ وَنَفْسِهِ مِنْ فَوْتِ قَتْلِ كَافِرٍ.
فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَلَمْ يُوَافِ عَرَفَةَ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، سَوَاءٌ فَاتَهُ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ عَدُوٍّ، أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، أَوْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ، أَوْ أَخْطَأَ مَسِيرَهُ، أَوْ فَاتَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَالتَّوَانِي وَالتَّشَاغُلِ بِمَا لَا يَعْنِيهِ، لَا يَفْتَرِقَانِ إِلَّا فِي الْإِثْمِ. وَعَلَى مَنْ فَاتَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ فَيَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ.
وَأَمَّا الْأَفْعَالُ الَّتِي تَخُصُّ الْحَجَّ مِنَ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ فَقَدْ سَقَطَتْ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - فِيمَنْ قَدِمَ حَاجًّا فَطَافَ وَسَعَى ثُمَّ مَرِضَ فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُهُ: يُحِلُّ بِعُمْرَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: يُجَدِّدُ إِهْلَالًا فِيمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لِلْعُمْرَةِ أَمْ يُجْزِئُهُ الْإِهْلَالُ الْأَوَّلُ؟ فَقَالَ: يُجْزِئُهُ الْإِهْلَالُ الْأَوَّلُ.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى - عَنْهُ - رِوَايَةً ثَانِيَةً: أَنَّهُ يَمْضِي فِي حَجٍّ فَاسِدٍ، قَالَ: وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِغَيْرِ إِحْصَارٍ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ وَدَمُ الْفَوَاتِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ سَاقَ هَدْيًا نَحَرَهُ وَلَمْ يُجْزِهِ عَنْ دَمِ الْفَوَاتِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: يَمْضِي فِي حَجٍّ فَاسِدٍ، وَيَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَعَلَيْهِ دَمُ الْفَوَاتِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - فِي الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ: يَفْرَغُ مِنْ عَمَلِهِ يَعْنِي عَمَلَ الْحَجِّ، وَفَسَّرَ الْقَاضِي هَذَا الْكَلَامَ بِأَنَّهُ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ الَّذِي يَفْعَلُهُ الَّذِي كَانَ وَاجِبًا بِالْحَجِّ كَأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ - كَمَا سَيَأْتِي -.
وَمَنْ فَسَّرَهُ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ مُطْلَقًا عَلَى ظَاهِرِهِ، قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ جَمِيعِ الْمَنَاسِكِ، فَفَوَاتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَا يُسْقِطُ مَا أَدْرَكَ وَقْتَهُ مِنَ الْمَنَاسِكِ، كَمَنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَقَدَرَ عَلَى بَعْضٍ، أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّ الْحَجَّ قَدِ انْتُقِضَ وَفَسَدَ، فَأَشْبَهَ مَنْ أَفْسَدَهُ بِالْوَطْءِ فَإِنَّهُ يَمْضِي فِي حَجٍّ فَاسِدٍ.
وَالصَّوَابُ هُوَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] الْآيَةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالذِّكْرِ عَقِبَ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَمَنْ لَمْ يُفِضْ مِنْ عَرَفَاتٍ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِالْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَمَا لَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ.
وَلِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ بِعَدَمِهِ، فَإِذَا عُلِّقَ الْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَةَ اقْتُضِيَ عَدَمُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ.

وَلِأَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ حِينَ الْإِفَاضَةِ وَعَقِبَهَا، فَإِذَا بَطَلَ الْوَقْتُ الَّذِي أُمِرَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فِيهِ، وَبَطَلَ التَّعْقِيبُ كَانَ قَدْ فَاتَ وَقْتُ الْوَقْفِ بِالْمَشْعَرِ وَشَرْطُهُ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْوُقُوفَ فِيهِ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] فَإِنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى امْتِنَاعِ الطَّوَافِ بِهِمَا مِنْ غَيْرِ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُشْرَعُ الطَّوَافُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ أَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} [البقرة: 200] إِلَى قَوْلِهِ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، فَالْأَمْرُ بِالذِّكْرِ كَذِكْرِ الْآبَاءِ وَالذِّكْرِ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ هُوَ بَعْدَ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ، وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ لَمْ يَقْضِ مَنَاسِكَهُ، فَبَطَلَ فِي حَقِّهِ الذِّكْرُ الْمَأْمُورُ بِهِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ التَّعَجُّلَ وَالتَّأَخُّرَ، وَلَا يُقَالُ: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» ".
فَإِذَا لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ: فَلَا حَجَّ لَهُ، بَلْ قَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَمَنْ لَا حَجَّ لَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي حَجِّ مَنْ لَا حَجَّ لَهُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ الْمُفْسِدِ، فَإِنَّهُ فِي حَجٍّ تَامٍّ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ لَكِنْ هُوَ فَاسِدٌ. وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ انْقِسَامُ الْعَمَلِ إِلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ. أَمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَجِّ مَنْ لَيْسَ فِي حَجٍّ، فَهَذَا مُمْتَنِعٌ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ لَمْ يَفْعَلْ مَا يَخْتَصُّ بِالْحَجِّ مِنَ الْمَوَاقِفِ وَالرَّمْيِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ مَا اشْتَرَكَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ مِنَ الطَّوَافِ وَالْحَلْقِ.
وَأَيْضًا: قَوْلُهُ: " مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا ".
وَأَيْضًا: فَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَنْ لَمْ يُدْرِكْ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَيَجْعَلُهَا عُمْرَةً، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» " رَوَاهُ النَّجَّادُ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا مِنْ مَرَاسِيلِ عَطَاءٍ، فَهُوَ أَعْلَمُ التَّابِعِينَ بِالْمَنَاسِكِ، وَهَذَا الْمُرْسَلُ مَعَهُ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلُ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ حُجَّةً وِفَاقًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,524.41 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,522.69 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.11%)]