فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         أضلهم السامري! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          سورة الفلق وعلاج الشرور الأربعة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          دروس وعبر من يوم عاشوراء وبداية العام الهجري (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          معالم محاسبة النفس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          مشاعر حاج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          منزلة العقل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          صلاتك معراجك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          لطف التدبير من العزيز الرحيم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          الحمد لله (4) الحامدون الله تعالى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          الأضاحي معان إيمانية ولمحات تربوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 07-07-2022, 07:37 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,128
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام


فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ آل عمران
المجلد الرابع
الحلقة (155)

من صــ 417 الى صـ 424





فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَ مَا صَحَّ مِنْ فَضَائِلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» "، وَقَوْلُهُ: " «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» "، وَقَوْلُهُ: " «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» " لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهِ، بَلْ لَهُ فِيهِ شُرَكَاءُ، فَلِمَاذَا تَمَنَّى بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنْ سَعْدٍ وَعَنْ عُمَرَ؟.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ فِي ذَلِكَ شَهَادَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ بِإِيمَانِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَإِثْبَاتًا لِمُوَالَاتِهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَوُجُوبَ مُوَالَاةِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ. وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ كُفْرَهُ أَوْ فِسْقَهُ، كَالْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فِيهِمْ يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنِ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ وَهَؤُلَاءِ يُكَفِّرُونَهُ وَيَسْتَحِلُّونَ قَتْلَهُ، وَلِهَذَا قَتَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ؛ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ الْمُرَادِيُّ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ.

وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ يَحْتَاجُونَ إِلَى إِثْبَاتِ إِيمَانِ عَلِيٍّ وَعَدْلِهِ وَدِينِهِ - لِلرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ - أَعْظَمَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَى مُنَاظَرَةِ الشِّيعَةِ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَصْدَقُ وَأَدْيَنُ، وَالشُّبَهُ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا أَعْظَمُ مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي تَحْتَجُّ بِهَا الشِّيعَةُ، كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُونَ فِي أَمْرِ الْمَسِيحِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى مُنَاظَرَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَيَحْتَاجُونَ أَنْ يَنْفُوا عَنْهُ مَا يَرْمِيهِ بِهِ الْيَهُودُ مِنْ أَنَّهُ كَاذِبٌ وَلَدُ زِنًا، وَإِلَى نَفْيِ مَا تَدَّعِيهِ النَّصَارَى مِنَ الْإِلَهِيَّةِ، وَجَدَلُ الْيَهُودِ أَشَدُّ مِنْ جَدَلِ النَّصَارَى، وَلَهُمْ شُبَهٌ لَا يَقْدِرُ النَّصَارَى أَنْ يُجِيبُوهُمْ عَنْهَا، وَإِنَّمَا يُجِيبُهُمْ عَنْهَا الْمُسْلِمُونَ. كَمَا أَنَّ لِلنَّوَاصِبِ شُبَهًا لَا يُمْكِنُ الشِّيعَةَ أَنْ يُجِيبُوا عَنْهَا، وَإِنَّمَا يُجِيبُهُمْ عَنْهَا أَهْلُ السُّنَّةِ.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُثْبِتَةُ لِإِيمَانِ عَلِيٍّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا رَدٌّ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ، كَالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى إِيمَانِ أَهْلِ بَدْرٍ وَبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ; فَإِنَّ فِيهَا رَدًّا عَلَى مَنْ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ مِنَ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ مِنْ خَصَائِصِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَإِذَا شَهِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَيَّنٍ بِشَهَادَةٍ، أَوْ دَعَا لَهُ بِدُعَاءٍ؛ أَحَبَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ تِلْكَ الشَّهَادَةِ وَمِثْلُ ذَلِكَ الدُّعَاءِ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْهَدُ بِذَلِكَ لِخَلْقٍ كَثِيرٍ، وَيَدْعُو بِهِ لِخَلْقٍ كَثِيرٍ وَكَانَ تَعْيِينُهُ لِذَلِكَ الْمُعَيَّنِ مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ. وَهَذَا كَالشَّهَادَةِ بِالْجَنَّةِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَغَيْرِهِمَا. وَإِنْ كَانَ قَدْ شَهِدَ بِالْجَنَّةِ لِآخَرِينَ. وَالشَّهَادَةُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِعَبْدِ اللَّهِ حِمَارٍ الَّذِي ضُرِبَ فِي الْخَمْرِ، وَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ لِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَكَشَهَادَتِهِ لِعَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ بِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهِ لِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ رِجَالًا، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، أُعْطِي رِجَالًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْهَلَعِ وَالْجَزَعِ وَأَكِلُ رِجَالًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنِ الْغِنَى وَالْخَيْرِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ».
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَمَّا صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ قَالَ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ مَنْزِلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» ".

قَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ. وَهَذَا الدُّعَاءُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ الْمَيِّتِ.
(فَصْلٌ آخر في قوله - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه - أنت مني بمنزلة هارون من موسى)
قال شيخ الإسلام:
قَالَ الرَّافِضِيُّ: الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي".

أَثْبَتَ لَهُ " عَلَيْهِ السَّلَامُ " جَمِيعَ مَنَازِلِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَنَازِلِ هَارُونَ أَنَّهُ كَانَ خَلِيفَةً لِمُوسَى، وَلَوْ عَاشَ بَعْدَهُ لَكَانَ خَلِيفَةً أَيْضًا، وَإِلَّا (لَزِمَ) تَطَرُّقُ النَّقْضِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ خَلِيفَتُهُ مَعَ وُجُودِهِ، وَغَيْبَتِهِ مُدَّةً يَسِيرَةً فَبَعْدَ مَوْتِهِ وَطُولِ مُدَّةِ الْغَيْبَةِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ خَلِيفَتَهُ ".
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَا رَيْبٍ وَغَيْرَهُمَا، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّمَا سَافَرَ فِي غَزْوَةٍ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ حَجٍّ يَسْتَخْلِفُ عَلَى الْمَدِينَةِ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَمَا اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ ذِي. . . أَمَّرَ عُثْمَانَ، وَفِي غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقَاعَ
بَشِيرَ بْنَ (عَبْدِ) الْمُنْذِرِ، وَلَمَّا غَزَا قُرَيْشًا، وَوَصَلَ إِلَى الْفَرَعِ اسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى يَسْتَخْلِفَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُسْلِمُونَ مَنْ كَانَ يَسْتَخْلِفُهُ، فَقَدْ سَافَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي عُمْرَتَيْنِ: عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَفِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَفِي مَغَازِيهِ - أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ غَزَاةً - وَفِيهَا كُلِّهَا اسْتَخْلَفَ، وَكَانَ يَكُونُ بِالْمَدِينَةِ رِجَالٌ كَثِيرُونَ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَسْتَخْلِفُهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ لَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا، وَهِيَ آخِرُ مَغَازِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهُ أَحَدٌ كَمَا اجْتَمَعَ مَعَهُ فِيهَا فَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ إِلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، أَوْ مَنْ هُوَ مَعْذُورٌ لِعَجْزِهِ عَنِ الْخُرُوجِ، أَوْ مَنْ هُوَ مُنَافِقٌ، وَتَخَلَّفَ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَدِينَةِ رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ كَمَا كَانَ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، بَلْ كَانَ هَذَا الِاسْتِخْلَافُ أَضْعَفَ مِنَ اَلِاسْتِخْلَافَاتِ الْمُعْتَادَةِ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الْمَدِينَةِ رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْوِيَاءُ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ أَحَدًا كَمَا كَانَ يَبْقَى فِي جَمِيعِ مَغَازِيهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَكُونُ بِالْمَدِينَةِ رِجَالٌ كَثِيرُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْوِيَاءُ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَسْتَخْلِفُ، فَكُلُّ اسْتِخْلَافٍ اسْتَخْلَفَهُ فِي مَغَازِيهِ مِثْلَ اسْتِخْلَافِهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى، وَالصُّغْرَى، وَغَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلَقِ، وَالْغَابَةِ، وَخَيْبَرَ، وَفَتْحِ مَكَّةَ، وَسَائِرِ مَغَازِيهِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِتَالٌ، وَمَغَازِيهِ بِضْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ فِيهَا كُلِّهَا إِلَّا الْقَلِيلَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَعُمْرَتَيْنِ قَبْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ.

وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يَكُونُ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِمَّنْ بَقِيَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ كُلُّ اسْتِخْلَافٍ قَبْلَ هَذِهِ يَكُونُ عَلِيٌّ أَفْضَلَ مِمَّنِ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهِ عَلِيًّا، فَلِهَذَا خَرَجَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَبْكِي، وَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟
وَقِيلَ: إِنَّ بَعْضَ الْمُنَافِقِينَ طَعَنَ فِيهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا خَلَّفَهُ ; لِأَنَّهُ يُبْغِضُهُ، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي إِنَّمَا اسْتَخْلَفْتُكَ لِأَمَانَتِكَ عِنْدِي
وَإِنَّ الِاسْتِخْلَافَ لَيْسَ بِنَقْصٍ وَلَا غَضٍّ، فَإِنَّ مُوسَى اسْتَخْلَفَ هَارُونَ عَلَى قَوْمِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ نَقْصًا، وَمُوسَى لَيَفْعَلُهُ بِهَارُونَ"؟ فَطَيَّبَ بِذَلِكَ قَلْبَ عَلِيٍّ، وَبَيَّنَ أَنَّ جِنْسَ الِاسْتِخْلَافِ يَقْتَضِي كَرَامَةَ الْمُسْتَخْلَفِ وَأَمَانَتَهُ، لَا يَقْتَضِي إِهَانَتَهُ وَلَا تَخْوِينَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ يَغِيبُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ خَرَجَ مَعَهُ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ.

وَالْمُلُوكُ - وَغَيْرُهُمْ - إِذَا خَرَجُوا فِي مَغَازِيهِمْ أَخَذُوا مَعَهُمْ مَنْ يَعْظُمُ انْتِفَاعُهُمْ بِهِ، وَمُعَاوَنَتُهُ لَهُمْ، وَيَحْتَاجُونَ إِلَى مُشَاوَرَتِهِ، وَالِانْتِفَاعِ بِرَأْيِهِ، وَلِسَانِهِ، وَيَدِهِ، وَسَيْفِهِ.
وَالْمُتَخَلِّفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْمَدِينَةِ سِيَاسَةٌ كَثِيرَةٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا كُلِّهِ، فَظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ هَذَا غَضَاضَةٌ مِنْ عَلِيٍّ، وَنَقْصٌ مِنْهُ، وَخَفْضٌ مِنْ مَنْزِلَتِهِ حَيْثُ لَمْ يَأْخُذْهُ مَعَهُ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى سَعْيٍ، وَاجْتِهَادٍ، بَلْ تَرَكَهُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى كَثِيرِ سَعْيٍ وَاجْتِهَادٍ فَكَانَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَيِّنًا أَنَّ جِنْسَ الِاسْتِخْلَافِ لَيْسَ نَقْصًا وَلَا غَضًّا ; إِذْ لَوْ كَانَ نَقْصًا أَوْ غَضًّا لَمَا فَعَلَهُ مُوسَى بِهَارُونَ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْتِخْلَافُ كَاسْتِخْلَافِ هَارُونَ ; لِأَنَّ الْعَسْكَرَ كَانَ مَعَ هَارُونَ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ مُوسَى وَحْدَهُ.
وَأَمَّا اسْتِخْلَافُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَمِيعُ الْعَسْكَرِ كَانَ مَعَهُ
وَلَمْ يُخَلَّفْ بِالْمَدِينَةِ - غَيْرُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ - إِلَّا مَعْذُورٌ أَوْ عَاصٍ.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: " هَذَا بِمَنْزِلَةِ هَذَا، وَهَذَا مِثْلُ هَذَا " هُوَ كَتَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وَتَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ بِحَسَبِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ لَا يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَلَا تَرَى إِلَى مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْأُسَارَى لَمَّا اسْتَشَارَ أَبَا بَكْرٍ، وَأَشَارَ بِالْفِدَاءِ، وَاسْتَشَارَ عُمَرَ فَأَشَارَ بِالْقَتْلِ.

قَالَ: " سَأُخْبِرُكُمْ عَنْ صَاحِبَيْكُمْ. "مَثَلُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 36)، وَمَثَلُ عِيسَى إِذْ قَالَ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 118)، وَمَثَلُكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ إِذْ قَالَ: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} (سُورَةُ نُوحٍ: 26)، وَمَثَلُ مُوسَى إِذْ قَالَ: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} " (سُورَةُ يُونُسَ: 88).
فَقَوْلُهُ لِهَذَا: مَثَلُكَ كَمَثَلِ إِبْرَاهِيمَ، وَعِيسَى، وَلِهَذَا: مِثْلُ نُوحٍ، وَمُوسَى - أَعْظَمُ مِنْ قَوْلِهِ: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى" ; فَإِنَّ نُوحًا، وَإِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى أَعْظَمُ مِنْ هَارُونَ، وَقَدْ جَعَلَ هَذَيْنِ مِثْلَهَمْ، وَلَمْ
يُرِدْ أَنَّهُمَا مِثْلُهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَكِنْ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ مِنَ الشِّدَّةِ فِي اللَّهِ، وَاللِّينِ فِي اللَّهِ.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,534.80 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,533.08 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.11%)]