شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج --- متجدد - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5338 - عددالزوار : 2735460 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4943 - عددالزوار : 2085235 )           »          سلسلة المكر في القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 153 )           »          مايكروسوفت تعالج أحد أكثر مشاكل ويندوز 11 إزعاجًا.. البحث أخيرًا يصبح ذكيًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 50 )           »          ميتا تطلق تطبيقًا جديدًا ينافس ريديت.. Forum يضع مجموعات فيسبوك فى الواجهة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          واتساب يشعل المنافسة.. "الرسائل المختفية" تدفع رسائل جوجل لمستوى جديد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          جوجل تحول محرك البحث وتطبيق Gemini إلى مساعد ذكى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          الروبوتات البشرية.. هل اقتربت لحظة دخولها إلى منازلنا؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          مساعدك فى جيبك.. أسرار ميزات الذكاء الاصطناعى الجديدة فى انستجرام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          رقائق إلكترونية تجعل هاتفك أسرع وتوفر عمر البطارية أكثر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > ملتقى الحج والعمرة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 04-07-2022, 07:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج --- متجدد



شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج (2)
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 19الى صــ 32
(41)

قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ سَمَاعِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَنْعَنٌ أَوْ قَالَ نَافِعٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ؟ فَقَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَلْبَسِ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا الْخُفَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَلَى مَا قَالَ اللَّيْثُ - يَعْنِي مَرْفُوعًا - وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ وَأَيُّوبُ مَوْقُوفًا، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَدِينِيُّ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» ". وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ: شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ حَدِيثٍ.
وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: ذَكَرْتُ لِابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَنَّ «عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْنَعُ - يَعْنِي يَقْطَعُ - الْخُفَّيْنِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ، ثُمَّ حَدَّثَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الْخُفَّيْنِ، فَتَرَكَ ذَلِكَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: " «وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا» " رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ» ".
فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ اللِّبَاسِ تَشْمَلُ جَمِيعَ مَا يَحْرُمُ - فَإِنَّهُ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ - وَذَلِكَ أَنَّ اللِّبَاسَ إِمَّا أَنْ يُصْنَعَ فَقَطْ فَهُوَ الْقَمِيصُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْجُبَّةِ وَالْفَرُّوجِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لِلرَّأْسِ فَقَطْ وَهُوَ الْعِمَامَةُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَوْ لَهُمَا وَهُوَ الْبُرْنُسُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، أَوْ لِلْفَخِذَيْنِ وَالسَّاقِ وَهُوَ السَّرَاوِيلُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ تُبَّانٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ لِلرِّجْلَيْنِ وَهُوَ الْخُفُّ وَنَحْوُهُ. وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ.

الْفَصْلُ الثَّانِي: إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَإِنَّهُ يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ وَلَا يَفْتِقُهُ. بَلْ يَلْبَسُهُ عَلَى حَالِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَإِنَّهُ يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَهُمَا وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي عَامَّةِ الْمَوَاضِعِ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَمُهَنَّا وَإِسْحَاقَ وَبَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ.
وَرَوَى عَنْهُ: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَهُمَا؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: " «وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» " وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَخَذَ بِهِ.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ الرِّوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْهُمَا فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - وَهُوَ مُقَيَّدٌ - فَيُقْضَى بِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ فَإِنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ وَالسَّبَبَ وَاحِدٌ وَفِي مِثْلِ هَذَا يَجِبُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وِفَاقًا. ثُمَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ حَفِظَهَا ابْنُ عُمَرَ وَلَمْ يَحْفَظْهَا غَيْرُهُ، وَإِذَا كَانَ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ زِيَادَةٌ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ.

وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ» " وَفِي لَفْظٍ " «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ وَالْخِفَافُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ مُسْلِمٌ: لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ " «يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ» " غَيْرُ شُعْبَةٍ وَحْدَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ: " «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا وَوَجَدَ سَرَاوِيلَ فَلْيَلْبَسْهُ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ وَوَجَدَ خُفَّيْنِ، فَلْيَلْبَسْهُمَا " قُلْتُ: وَلَمْ يَقُلْ: لِيَقْطَعْهُمَا؟ "قَالَ: لَا» ".
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةً فَلَمَّا انْصَرَفَ لَبَّى، وَلَبَّى الْقَوْمُ - وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ سَرَاوِيلُ فَلَبَّى مَعَهُمْ كَمَا لَبَّوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "السَّرَاوِيلُ إِزَارُ مَنْ لَا إِزَارَ لَهُ، وَالْخِفَافُ نَعْلَانِ مَنْ لَا نَعْلَ لَهُ» " رَوَاهُ النَّجَّادُ وَهُوَ مُرْسَلٌ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: " «رَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَطُوفُ وَعَلَيْهِ خُفَّانِ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: تَطُوفُ وَعَلَيْكَ خُفَّانِ؟! فَقَالَ: لَقَدْ لَبِسَهُمَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» - رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ فِي شَرْحِهِ، وَرَوَاهُ النَّجَّادُ، وَلَفْظُهُ: " «فَرَأَى عَلَيْهِ خُفَّيْنِ وَهُوَ مُحْرِمٌ» ".
فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلُبْسِ الْخُفَّيْنِ عِنْدَ عَدَمِ النَّعْلَيْنِ وَالسَّرَاوِيلِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِزَارِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِتَغْيِيرِهِمَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِفِدْيَةٍ، وَالنَّاسُ مُحْتَاجُونَ إِلَى الْبَيَانِ لِأَنَّهُ كَانَ بِعَرَفَاتٍ وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ عَظِيمٌ وَلَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ يَتَعَلَّمُونَ وَبِهِ يَقْتَدُونَ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ.
فَلَوْ وَجَبَ تَغْيِيرُهُمَا، أَوْ وَجَبَتْ فِيهِمَا فِدْيَةٌ: لَوَجَبَ بَيَانُ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا وَمَنْ جَهِلَ جَوَازَ لُبْسِ الْإِزَارِ وَالْخُفَّيْنِ فَهُوَ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ أَوِ التَّغْيِيرَ وَأَجْهَلَ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، وَرَسُولَهُ حَيْثُ أَبَاحَ شَيْئًا لِعُذْرٍ: فَإِنَّهُ يَذْكُرُ الْفِدْيَةَ كَقَوْلِهِ {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: " «احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةً أَوِ انْسُكْ شَاةً» ".
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّامَ فِي السَّرَاوِيلِ وَالْخُفِّ لِتَعْرِيفِ مَا هُوَ مَعْهُودٌ وَمَعْرُوفٌ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ وَذَلِكَ هُوَ السَّرَاوِيلُ الصَّحِيحُ وَالْخُفُّ الصَّحِيحُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَقْصُودَ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمَفْتُوقَ وَالْمَقْطُوعَ لَا يُسَمَّى سَرَاوِيلًا وَخُفًّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ وَلِهَذَا لَا يَنْصَرِفُ الْخِطَابُ إِلَيْهِ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ كَقَوْلِهِ " «أَمَرَنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا» "،وَقَوْلُهُ: " «امْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» " وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَلَا فِي خِطَابِ النَّاسِ مِثْلُ الْوِكَالَاتِ وَالْأَيْمَانِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْخِطَابِ. وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَرَ بِلُبْسِ الْخُفَّيْنِ وَالسَّرَاوِيلِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ مَا يُسَمَّى خُفًّا وَسَرَاوِيلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ وَإِنْ سَمَّى خُفًّا وَسَرَاوِيلَ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ بِاللَّامِ الَّذِي تَقْتَضِي تَعْرِيفَ الْحَقِيقَةِ، أَوْ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ الَّذِي يَقْتَضِي مُجَرَّدَ الْحَقِيقَةِ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَجُوزَ مُسَمَّى الْخُفِّ وَالسَّرَاوِيلِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ وُجُودَ الْمُعَبِّرِ عَنْ هَيْئَةِ الْخِفَافِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ نَادِرٌ جِدًّا لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَصْدٍ، وَاللَّفْظُ الْعَامُّ الْمُطْلَقُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يَنْدُرُ وُجُودُهُ مِنْ أَفْرَادِ الْحَقِيقَةِ، فَكَيْفَ مَا يَنْدُرُ وُجُودُهُ مِنْ مَجَازَاتِهِ؟!.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَوِ افْتَقَرَ ذَلِكَ إِلَى تَغْيِيرٍ أَوْ وَجَبَتْ فِيهِ فِدْيَةٌ: لَوَجَبَ أَنْ يُبَيِّنَ مِقْدَارَ التَّغْيِيرِ الَّذِي يُبِيحُ لُبْسَهُ، أَوْ مِقْدَارَ الْفِدْيَةِ الْوَاجِبَةِ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ.
وَأَيْضًا فَقَدْ رَأَى عَلَى الْأَعْرَابِيِّ سَرَاوِيلَ وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَبَيَّنَ أَنَّ السَّرَاوِيلَ بِمَنْزِلَةِ الْإِزَارِ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَالْخُفَّ بِمَنْزِلَةِ النَّعْلِ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُزُرَ وَالنَّعْلَ لَا فِدْيَةَ فِيهِمَا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ إِنَّمَا جَوَّزَ لُبْسَهُمَا عِنْدَ عَدَمِ الْأَصْلِ، فَلَوِ افْتَقَرَ ذَلِكَ إِلَى تَغْيِيرٍ أَوْ وَجَبَتْ فِدْيَةٌ: لَاسْتَوَى حُكْمُ وُجُودِ الْأَصْلِ وَعَدَمِهِ فِي عَامَّةِ الْمَوَاضِعِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا إِذَا غُيِّرَا؛ إِنْ صَارَا بِمَنْزِلَةِ الْإِزَارِ وَالنَّعْلِ فَيَجُوزُ لُبْسُهُمَا مُغَيَّرَيْنِ مَعَ وُجُودِ الْإِزَارِ وَالنَّعْلِ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ نَعْلٍ وَنَعْلٍ، وَإِزَارٍ وَإِزَارٍ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ: " «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخِفَافُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ» " فَجَعَلَهُمَا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] وَقَوْلِهِ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة: 196] وَقَوْلِهِ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} [النساء: 92] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ، وَمُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ: " «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ» " وَمُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ: " «السَّرَاوِيلُ إِزَارُ مَنْ لَا إِزَارَ لَهُ وَالْخُفَّانِ نَعْلَانِ مَنْ لَا نَعْلَ لَهُ» " وَهَذَا وَاضِحٌ.


وَإِنْ لَمْ يُصَيَّرْ بِالتَّغْيِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْإِزَارِ وَالْخُفِّ: فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّغْيِيرِ بَلْ هُوَ إِتْلَافٌ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ أَصْلًا وَإِفْسَادٌ لَهُ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ عَامَّةَ الصَّحَابَةِ وَكُبَرَاءَهُمْ عَلَى هَذَا؛ فَرُوِيَ عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: " سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ أُحْرِمُ؟ قَالَ: مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَقَالَ: الْخُفَّانِ نَعْلَانِ لِمَنْ لَا نَعْلَ لَهُ ".
وَعَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: "السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ ".
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ الْإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ ".
«وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ. قَالَ: " كُنْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - فِي سَفَرٍ - وَمَعَنَا حَادٍ، أَوْ مُغَنٍّ، فَأَتَاهُ عُمَرُ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: أَلَا أَرَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ أَذْكُرُ اللَّهَ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَأَى عَلَيْهِ خُفَّيْنِ - وَهُوَ مُحْرِمٌ - قَالَ: وَخُفَّيْنِ؟! فَقَالَ: قَدْ لَبِسْتُهُمَا مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ» ".
وَعَنْ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: "رَأَيْتُ عَلَى الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ خُفَّيْنِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟! فَقَالَ: أَمَرَتْنَا عَائِشَةُ بِهِ ".
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: فَحَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَزِيَادَتُهُ صَحِيحَةٌ مَحْفُوظَةٌ، وَقَدْ زَعَمَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي اتِّصَالِهِ.
فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ وَأَيُّوبُ.
قَالُوا: وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ الْقَطْعُ وَتَرْكُهُ؛ فَإِنَّ النَّجَّادَ رَوَى عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ وَالْخِفَافُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ» ".
وَهَذَا غَلَطٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنَ الْحُفَّاظِ فِي اتِّصَالِهِ، وَأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُتَّصِلَةٌ. وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ أَبُو دَاوُدَ فِي قَوْلِهِ: " «لَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ، وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ» " وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ: مِنَ النَّاسِ مَنْ وَقَّفَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَفَعَهَا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا بَيِّنٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، فَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ عَنَى زِيَادَةَ الْقَطْعِ: فَقَدْ غَلِطَ - عَلَيْهِ - غَلَطًا بَيِّنًا فَاحِشًا.
وَاعْتَذَرَ بَعْضُهُمْ - عَنْهُ - بِأَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ وَلَا يَقْطَعَهُمَا» " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْتَى بِقَطْعِهِمَا، قَالَتْ صَفِيَّةُ فَلَمَّا أَخْبَرْتُهُ بِهَذَا رَجَعَ.
وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ - أَيْضًا - فَإِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ. لَكِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مَتْرُوكَةٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُقَالُ فِيهِ الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَفِظَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، وَغَيْرَهُ عَقَلَهَا وَذَهَلَ عَنْهَا أَوْ نَسِيَهَا؛ فَإِنَّ هَذَيْنِ حَدِيثَانِ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِمَا فِي وَقْتَيْنِ وَمَكَانَيْنِ.
فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ عَلَى مِنْبَرِهِ لَمَّا سَأَلَهُ السَّائِلُ " «عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ» " وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ سَمِعْتُهُ يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَنْهَى النَّاسَ إِذَا أَحْرَمُوا عَمَّا يُكْرَهُ لَهُمْ، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى مِنْبَرِهِ بِالْمَدِينَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ " «أَنَّ رَجُلًا نَادَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَتَقَدَّمَ فِي لَفْظٍ آخَرَ صَحِيحٍ: " «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ مَا نَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ إِذَا أَحْرَمْنَا»؟ " فَعَلِمَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمُوا.

وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِعَرَفَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ بُيِّنَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْقَطْعَ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيَّ يَقُولُ فِي حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَلَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَجُوَيْرِيَةَ ابْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ: مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ»؟. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْمَدِينَةِ، وَحَدِيثُ شُعْبَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ» " هَذَا بَعْدَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ حَفِظَهَا ابْنُ عُمَرَ دُونَ غَيْرِهِ: فَقَدْ أَخْطَأَ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ احْتَجَجْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْتُ: وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الْخَبَرِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ وَذَاكَ حَدِيثٌ.
وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ مُتَغَايِرَا اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فِي هَذَا مَا لَيْسَ فِي هَذَا، وَفِي هَذَا مَا لَيْسَ فِي هَذَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ الْحَدِيثُ الْمُتَأَخِّرُ، فَإِمَّا أَنْ يُبْنَى عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَيُقَيَّدَ بِهِ، أَوْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهُ وَيَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ أَوَّلًا بِقَطْعِهَا، ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ فِي لُبْسِهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُ الْحَدِيثَيْنِ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ بِلُبْسِ الْخِفَافِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ، وَمُوجَبُ هَذَا الْكَلَامِ هُوَ لُبْسُ الْخُفِّ الْمَعْرُوفِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ ذِكْرَ الْقَطْعِ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ أَوَّلًا بِالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ كَانُوا بَعْضَ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا بِعَرَفَاتٍ، وَأَكْثَرُ أُولَئِكَ الَّذِينَ جَاءُوا بِعَرَفَاتٍ مِنَ النَّوَاحِي لَيْسُوا مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، بَلْ قَوْمٌ حَدِيثُوا عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَفِيهِمُ الْأَعْرَابُ وَنَحْوُهُمْ، وَقَدْ قَالَ لَهُمْ فِي الْمَوْسِمِ: " «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ". فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِلُبْسِ الْخِفَافِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ وَمُرَادُهُ الْخُفُّ الْمَقْطُوعُ وَالسَّرَاوِيلَاتُ الْمَفْتُوقَةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ مَقَالِيَّةٌ وَلَا حَالِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلِ الْقَرَائِنُ تَقْضِي بِخِلَافِ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ بِالْقَطْعِ لِنَاسٍ غَيْرِهِمْ. هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ ذَلِكَ تَلْبِيسٌ وَتَأْخِيرٌ لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ. وَمَا هَذَا إِلَّا بِمَثَابَةِ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ لِخَيَّاطٍ: خِطْ لِي قَمِيصًا أَوْ خُفًّا، فَيَخِيطُ لَهُ صَحِيحًا، فَيَقُولُ: إِنَّمَا أَرَدْتُ قَمِيصًا نَفِيرًا أَوْ خُفًّا مَقْطُوعًا لِأَنِّي قَدْ أَمَرْتُ بِذَلِكَ لِلْخَيَّاطِ الْآخَرِ، فَيَقُولُ: وَإِذَا أَمَرْتَ ذَاكَ وَلَمْ تَأْمُرْنِي أَفَأَعْلَمُ الْغَيْبَ، بَلْ أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلُبْسِ الْخُفِّ وَالسَّرَاوِيلِ وَسُكُوتُهُ عَنْ تَغْيِيرِهِمَا يَدُلُّ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ سَمِعُوا الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ أَنَّهُ أَرَادَ لُبْسَهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ تَغْيِيرَهُمَا لَذَكَرَهُ، كَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا، كَمَا فَهِمُوا ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُكْتَفِيًا بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لَاكْتَفَى بِهِ فِي أَصْلِ الْأَمْرِ بِلُبْسِ الْخُفِّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَ، وَلَمْ يُعِدْهُ ثَانِيًا. فَإِذَا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ أَصْلِ الْأَمْرِ فَكَيْفَ يَسْتَغْنِي عَنْ صِفَتِهِ وَيَتْرُكُهُ مُلَبَّسًا مُدَلَّسًا، وَقَدْ كَانَ الْإِعْرَاضُ عَنْ ذِكْرِ أَصْلِهِ وَصِفَتِهِ أَوْلَى فِي الْبَيَانِ - لَوْ كَانَ حَاصِلًا بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ - مِنْ ذِكْرِ لَفْظٍ يُفْهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ.
الثَّانِي: أَنَّ حَدِيثَ ابْنَ عُمَرَ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ مُطْلَقًا كَمَا نَهَى عَنْ لُبْسِ الْعِمَامَةِ وَالْقَمِيصِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِي لُبْسِهِ بِحَالٍ، وَنَهَى عَنْ لُبْسِ الْخُفِّ إِلَّا إِذَا عُدِمَ النَّعْلُ فَيُلْبَسُ مَقْطُوعًا. فَفَهِمَ ابْنُ عُمَرَ مِنْهُ الْأَمْرَ بِالْقَطْعِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِعُمُومِ الْخِطَابِ لَهُمَا كَمَا عَمَّهُمُ النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ ثَوْبٍ مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ، وَإِنْ لَمْ يَعُمُّهُمُ النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ ثَوْبِ الْقَمِيصِ وَالْبَرَانِسِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى سَتْرِ بَدَنِهَا وَرَأْسِهَا، فَكَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ تُعْلِمُهُ أَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِهَا حَاجَةٌ إِلَى الْخُفِّ الصَّحِيحِ، فَجَوَّزَ أَنْ تُنْهَى عَنْ لُبْسِ مَا يُصْنَعُ لِرِجْلِهَا كَمَا نُهِيَتْ عَنِ الْقُفَّازِ وَالنِّقَابِ، فَلَوْ تُرِكَ النَّاسُ وَهَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ إِلَّا أَنْ يَفْتِقَهُ، أَوْ يُفْتَدَى بِلُبْسِهِ صَحِيحًا. وَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ عَدَمَ الْإِزَارِ وَالنَّعْلِ لَا يُبِيحُ غَيْرَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُ، وَذَكَرَ هَذَا فِي ضِمْنِ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ سَائِرِ الْمَلَابِسِ؛ مِثْلِ الْعِمَامَةِ وَالْبُرْنُسِ وَالْقَمِيصِ وَالْمَصْبُوغِ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ.

فَمَضْمُونُ هَذَا الْحَدِيثِ: هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنَ اللِّبَاسِ لِيَجْتَنِبَهُ النَّاسُ فِي إِحْرَامِهِمْ، وَكَانَ قَطْعُ الْخُفِّ إِذْ ذَاكَ مَأْمُورًا بِهِ، وَإِنْ أَفْسَدَهُ إِتِّبَاعًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حَيْثُ لَا رُخْصَةَ فِي الْبَدَلِ، ثُمَّ جَاءَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - بَعْدَ هَذَا - بِعَرَفَةَ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ، إِنَّمَا فِيهِ: الْأَمْرُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ أَنْ يَلْبَسَ السَّرَاوِيلَ، وَلِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ، وَتَرَكَ ذِكْرَ بَقِيَّةِ الْمَلَابِسِ وَهَذَا يُبَيِّنُ لِذِي لُبٍّ أَنَّ هَذِهِ رُخْصَةٌ بَعْدَ نَهْيٍ حَيْثُ رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَيَّامِ الْإِحْرَامِ الْمَشَقَّةَ وَالضَّرُورَةَ بِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ إِلَى السَّرَاوِيلَاتِ وَالْخِفَافِ، فَرَخَّصَ فِيهِمَا بَدَلًا عَنِ الْإِزَارِ وَالنَّعْلِ، وَأَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ بَقِيَّةِ الْمَلَابِسِ إِذْ لَا بَدَلَ لَهَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى الْبَدَلِ مِنْهَا.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,437.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,435.39 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.12%)]