|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الجنائز (321) - باب كثرة ذكر الموت - باب تلقين الميت حث الشارع على الإكثار من ذكر ما يكون سبباً في الزهد عن الدنيا، والإقبال على الآخرة والجنة والأعمال الموصلة إليها، ومن ذلك ذكر الموت، فإنه يحرك القلب، ويجعل العبد مستعداً له بالأعمال الصالحة، كما يشرع لمن حضر مريضاً ألا يقول إلا ما هو خير قبل موت المريض وبعده، ويجب على من حضر مريضاً وهو في الاحتضار أن يلقنه لا إله إلا الله. كثرة ذكر الموت شرح حديث: (أكثروا ذكر هادم اللذات) قال المصنف رحمه الله تعالى: [كثرة ذكر الموت. أخبرنا الحسين بن حريث أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو ح وأخبرني محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا يزيد حدثنا محمد بن إبراهيم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا ذكر هادم اللذات) قال أبو عبد الرحمن: محمد بن إبراهيم والد أبي بكر بن أبي شيبة]. أما بعد: يقول النسائي رحمه الله: كثرة ذكر الموت. المقصود من هذه الترجمة: الاستدلال عليها بما جاء في الحديث الذي بعدها، وهو الأمر بإكثار ذكر الموت، وكثرة ذكر الموت يترتب عليها فوائد ومصالح عظيمة، وهي كون الإنسان يرجو الله ويخافه، وكثير ما تحصل الغفلة، ويحصل الوقوع في الأمور المحرمة بسبب الغفلة عن الموت، وعدم تذكر الموت، وإلا فإن الإنسان إذا تذكر الموت وما يجري بعده من القبر وعذابه، والحشر، والصراط، والميزان، والجنة، والنار، فإن من يرد الله به خيراً، فإنه يتحرك قلبه، ويتأثر من ذكر الموت، وإذا تذكر الإنسان الموت، فإنه يستعد له بالأعمال الصالحة، ويحذر من الوقوع في الأمور المحرمة وفي المعاصي؛ لأن الإنسان يجد جزاءه بعد الموت على ما قدم، إن قدم خيراً، وجد خيراً، وإن قدم شراً، وجد شراً، كما قال الله عز وجل: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه )[الزلزلة:7-8]، ويقول سبحانه في الحديث القدسي: (يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه). فكثرة ذكر الموت للعبد فيها مصالح عظيمة، مصالح كبيرة، من فوائدها كون الإنسان يقدم على الطاعات، ويرعوي عن المعاصي؛ لأنه يجد الثواب على الطاعات، إذا غادر هذه الحياة، وكذلك يحذر من الوقوع في المعاصي؛ لئلا يجد العقوبة عليها بعد الموت، بل قد يجد العقوبة عليها في الدنيا قبل الآخرة، كما أن من عمل صالحاً يجد ثوابه وأجره، أو شيئاً من أجره في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا فإن العاقل الناصح لنفسه يتذكر الموت، وإذا حدثته نفسه بسوء فإنه يذكر الموت وما وراءه، وإذا تذكر الموت؛ فإنه يقدم على ما يعود عليه بالخير، ويحذر من الوقوع بما يعود عليه بالضرر، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يرشد في مناسبات كثيرة إلى ذلك. فقد ثبت في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام جاءه رجل وقال: (يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وماذا أعددت لها؟) أي: أن الساعة آتية وكل آتٍ قريب، وليس المهم أن يعرف الإنسان متى تأتي الساعة، وإنما المهم أن يعرف الإنسان ماذا قدم لنفسه إذا قامت الساعة، (قال: وماذا أعددت لها؟)، وهنا لفت نظره إلى الأمر المهم، فالساعة آتية، وكل آتٍ قريب، وكل إنسان يموت قامت قيامته وانتقل من الدنيا إلى الآخرة، فيجد الثواب على الخير خيراً، وعلى ما يقدمه من السوء عذاباً والعياذ بالله. والحد الفاصل بين الدنيا والآخرة الموت، وقد جاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، كما ذكره البخاري في صحيحه عنه، أنه قال: (إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وأن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل)، والعاقل يعمل في حياته الدنيوية ما يجد نتائجه الطيبة في الحياة الأخروية. ثم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، لما ذكر هذا الحديث قال كلاماً يظهر فرحه بهذا الحديث، أما بقية الحديث نفسه قال للرجل: (وماذا أعددت لها؟) الرجل وفق للجواب، فقال: (أعددت لها حب الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب) صرف نظره عن موعد قيام الساعة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلمه، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، هذا من الخصائص التي اختص بها الله عز وجل من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، متى تقوم الساعة؟ علم ذلك عند الله عز وجل. ولهذا لما سئل جبريل الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل المشهور قال: (أخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل.، قال: أخبرني عن أمارتها) فبين له أمارتها، فالرسول صلى الله عليه وسلم، وجبريل لا يعلمون الوقت الذي تقوم فيه الساعة، والزمن الذي تقوم فيه الساعة، والله تعالى أخفى ذلك على الناس؛ حتى يتبين من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب، فكل إنسان أخفي عليه أجله فلا يعلم متى يموت، وفي ذلك حكمة، وهي: أن يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب؛ لأن الإنسان إذا عرف أنه يموت في اليوم الفلاني، وفي الوقت الفلاني يستعد، ويتهيأ لذلك، ولم يكن هناك شيء مغيب، لكن إذا أخفي على الإنسان، والإنسان يمكن أن يموت وهو طفل، يمكن أن يموت وهو غلام، ويمكن أن يموت وهو كهل، ويمكن أن يموت وهو كبير؛ فإن ذلك يجعله على تخوف دائماً وعلى استعداد دائماً للموت، والإتيان بالأعمال الصالحة التي يجد ثوابها بعد الموت. فضائل أبي بكر أنس بن مالك رضي الله عنه، لما ذكر الحديث قال: (فوالله ما فرحنا بشيء بعد الإسلام أشد منا فرحاً بهذا الحديث)؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (المرء مع من أحب)، ثم قال أنس رضي الله عنه: (فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحب أبا بكر، وعمر، وأرجو من الله أن يلحقني بهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل مثل أعمالهم). لما سمع هذا الحديث أخبر عن مدى فرحهم به، وهذا يدلنا على أن أحب هذه الأمة بعد رسولها وبعد نبيها الكريم عليه الصلاة والسلام وخيرهم، وأفضلهم أبو بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، هذان الرجلان العظيمان هما خير هذه الأمة بعد الأنبياء والمرسلين، ليس هناك أحد أفضل من هذين الرجلين، فهما رجلان عظيمان أكرمهم الله عز وجل إكراماً ما حصل لأحد سواهما. فـأبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، من حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن به، ولازمه بمكة، ولما أمر رسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة هاجر معه، وسار معه في الطريق، ورافقه بالطريق، وأنزل الله عز وجل فيه قرآناً يتلى، وسماه الله في كتابه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )[التوبة:40] (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ) يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبه، الله تعالى أخبر عن أبي بكر بأنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسماه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)[التوبة:40]. ولازمه في المدينة، ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بايعه المسلمون خليفة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وتحقق بذلك ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام من اجتماع الأمة عليه، حيث قال: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر )؛ لأنه أراد أن يكتب كتاباً في مرض موته، قال: (ادعي لي أباك وأخاك لأكتب كتاباً لـأبي بكر، فإني أخشى أن يتمن متمنٍ أو يقول قائل، ثم ترك الكتابة ثم قال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)، ما فيه حاجة للكتابة، المسلمون سيجتمعون على أبي بكر، والله تعالى يأبى إلا أبا بكر والمسلمون يأبون إلا أبا بكر.فإذاً الكتابة سيحصل مقتضاها ويحصل المراد منها، وأن المسلمين سيجتمعون بإرادتهم، ومشيئتهم، ورغبتهم على أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فبايعه المسلمون خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام في الأمر بعده خير قيام، وكان من أجل أعماله رضي الله تعالى عنه وأرضاه قتال المرتدين، فإنه أرسل الجيوش المظفرة لإرجاعهم إلى حضيرة الإسلام، وكان هذا من أجل أعماله، وخير أعماله رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وبقي في الخلافة سنتين وأشهراً، وتوفاه الله عز وجل، ولما توفاه الله عز وجل أكرمه بالدفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بعث يكون معه في الجنة، وهو أول العشرة المبشرين في الجنة، وخير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عن أبي بكر وعن الصحابة أجمعين. إذاً: فهذا الرجل حصل له هذا الإكرام العظيم، فهو أول من أسلم من الرجال، ولازم النبي عليه الصلاة والسلام في مكة ثلاث عشرة سنة من حين البعثة إلى أن هاجر، ولما هاجر رافقه في الطريق، وأنزل الله فيه قرآناً يتلى، وسماه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم لازمه في المدينة عشر سنوات حتى توفاه الله، ثم بايعه المسلمون خليفة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وقام بالأمر بعده خير قيام، ولما توفاه الله عز وجل أكرمه بالدفن بجواره، وإذا بعث يكون معه في الجنة، فهو ظفر بهذه الفضائل، وبهذه الخصائص، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله سبحانه وتعالى ذو الفضل العظيم. فضائل عمر بن الخطاب أما عمر رضي الله تعالى عنه، فهو الذي أسلم بعد أن أسلم قبله ما يقرب من أربعين رجلاً، ولكنه لما أسلم وكان شديد البأس، وكان قوياً فكانت شدته، وقوته مع المسلمين ضد أعدائهم، وكان رجلاً مهيباً رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ولازم النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، ولما هاجر إلى المدينة هاجر معه، ولازمه في المدينة، ولما توفى الله رسوله عليه الصلاة والسلام، وبايع المسلمون أبا بكر خليفة للرسول عليه الصلاة والسلام، كان عضده الأيمن رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ولما توفي أبو بكر رضي الله تعالى عنه، بويع خليفة لـأبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومكث في الخلافة عشر سنوات وأشهراً، قام فيها بجهود عظيمة، وحصل فيها خير كثير في خلافته، وكان مما حصل فيها القضاء على الدولتين العظميين في ذلك الزمان، دولة فارس والروم، وتحقق في زمانه ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أن كنوز كسرى وقيصر ستنفق في سبيل الله، وقد أخذت تلك الكنوز، وأوتي بها إلى عمر في المدينة وقسمها رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكانت خلافته طويلة، وحصل فيها انتشار الإسلام وكثرة الفتوحات، وفتحت في عهده العراق، وفارس، والروم، والشام وما حولها، وكذلك مصر. ولما مات شهيداً في هذه المدينة المباركة، وكان رضي الله عنه قد سأل الله عز وجل شهادة في سبيله، وأن تكون وفاته في بلد رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد استجاب الله دعاءه فحصلت له الشهادة على يد رجل مجوسي طعنه في بطنه، وهو يصلي بالناس الفجر، ومكث أياماً ومات على إثر ذلك، وقد أكرمه الله عز وجل بالدفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بعث يكون معه في الجنة. فهذان الرجلان أبو بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، هما اللذان قال فيهما أنس بن مالك عندما سمع قوله عليه الصلاة والسلام: (المرء مع من أحب) قال: (فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحب أبا بكر وعمر، وأرجو من الله أن يلحقني بهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل مثل أعمالهم)، فهذان الرجلان وغيرهما من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام حبهم دين وإيمان، وبغضهم كفر، ونفاق، وعصيان، فهم الذين حملوا هذا الدين، وهم الذين أوصلوا إلينا هذا الدين، وما عرف الناس الحق والهدى إلا عن طريق الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم خير هذه الأمة التي هي خير الأمم، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأول هذه الأمة وهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما صلحوا باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام والسير على منهاجه، والامتثال لأوامره، والانتهاء عن نواهيه، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. الاستعداد للموت ولقائه والإكثار من ذكره ومما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في التذكير بالموت، والاستعداد لما بعد الموت قوله عليه الصلاة والسلام: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة)، فزيارة القبور سنة سنها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي مشروعة لفوائد ترجع للحي وللميت، فالحي يستفيد أنه يتذكر الموت، ويستعد له بالأعمال الصالحة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) فالإنسان إذا زار القبور تذكر أنه سيصير إلى ما صاروا إليه، وأنه لا بد أن يأتي عليه يوم من الأيام يكون من أهل القبور، فإنه يستعد للموت وما بعد الموت.ويستفيد أيضاً أنه يدعو لإخوانه الموتى فيؤجر على هذا النفع الذي حصل منه لإخوانه، ويؤجر أيضاً على الزيارة الشرعية؛ لأن زيارة القبور سنة؛ فإذا فعلها الإنسان فإنه يكون حصل أجراً على فعل هذه السنة. فإذاً: زيارة القبور يكون فيها تذكر الموت، ويتبع تذكره الاستعداد لما بعده، ويكون فيها أيضاً الدعاء للأموات، والإنسان يؤجر على نفعه لإخوانه الأموات، وأيضاً يفعل سنة سنها رسول الله عليه الصلاة والسلام وهي الزيارة فيؤجر عليها، أما الميت فإنه يستفيد الدعاء له، فعندما يزور الزيارة الشرعية يدعو للأموات فقط، لا يدعوهم ولا يستغيث بهم، ولا يطلبهم قضاء الحاجات، ولا كشف الكربات، وإنما تلك من خصائص الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ )[النمل:62]، فيدعو لهم إذا زارهم، ولا يدعوهم، فالأموات يدعى لهم ولا يدعون. إذاً: الذي يزور زيارة شرعية الحي يستفيد، والميت يستفيد، أما إذا زار زيارة بدعية، وطلب الحاجات من الأموات واستغاث بالأموات فإنه يأثم؛ لأنه فعل أمراً منكراً، ويكون فعل أمراً هو شرك بالله عز وجل، هو أعظم الذنوب وأخطر الذنوب الذي هو الشرك، فالذي يفعل ذلك يتضرر ولا يستفيد، والميت ما استفاد شيئاً؛ لأنه طلب منه شيئاً لا يصلح أن تطلب منه، فالحي تضرر من الزيارة البدعية، والميت ما استفاد شيئاً؛ لأنه دعي وطلب منه وهو لا يطلب منه، بل يطلب له ويرجى له. فالنبي عليه الصلاة والسلام يرشد إلى ذكر الموت، وإلى تذكر الموت، وإلى الاستعداد للموت، وتذكر الموت يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: (أكثروا ذكر هادم اللذات) أي: الموت، فإنه قاطع اللذات، وبه تنقطع الملذات الدنيوية، ولكن المسلم إذا انتهى على خير، فإنه ينتقل من نعيم إلى نعيم أعظم، وأفضل، ينتقل من نعيم الدنيا إلى نعيم الآخرة؛ لأن الإنسان المؤمن يفتح له في قبره باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، ويبقى الأمر كذلك حتى البعث فهو على خير، ينتقل من خير إلى خير، وأما الكافر فإنه ينتهي علاقته باللذات بحصول الموت؛ لأن آخر عهده باللذات إنما هو في ما كان قبل الموت، وقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، وهو أول حديث في كتاب الزهد في صحيح مسلم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) (سجن المؤمن) بمعنى: أن الإنسان عندما ينتقل منها ينتقل إلى الثواب على الأعمال، وينتقل من دار المكاره ودار المشقة إلى دار النعيم، وأما الكافر فإن الدنيا جنته؛ لأنه لا يعرف نعيماً إلا في الدنيا، فقد عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ولا نصيب لهم في النعيم في الآخرة، بل ليس أمامهم إلا العذاب، وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة فيقال له: هل مر بك خير قط؟ فيقول: أبداً. ما مر بي خير) نسي كل ما مر به من نعيم، أي: نسي كل ما حصل من شدة تلك الغمسة التي حصلت في النار، وعكس ذلك أتعس أهل الدنيا، الذي كان في مشقة، وفي فقر، وفي ضيق، ولكنه مؤمن صابر محتسب إذا غمس في الجنة غمسة يقال: (هل مر بك شر قط؟ قال: أبداً قال: ما مر بي شر) نسي كل ما مر بهذه الغمسة التي حصلت في الجنة، أي: نسي كل ما مر به من البلاء في الدنيا، وكل ما حصل من المشقة في الدنيا نسيها. فالحاصل: أن الموت وذكر الموت والاستعداد للموت يجعل الإنسان على خير، والغفلة والبلاء لكل الناس إذا غفلوا عن الموت، ولم يستعدوا له بالأعمال الصالحة (أكثروا ذكر هادم اللذات)؛ لأن هادم اللذات هو الموت؛ لأنه يقطع اللذات الدنيوية، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى الإكثار من ذكره؛ لأن الإكثار من ذكره يكون فيه الخوف مما يكون وراءه، وما يكون بعده؛ لأن بعده الجزاء على الأعمال إن خيراً فخير وإن شراً فشر. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |