
16-01-2022, 07:57 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة :
|
|
رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله
الحلقة (216)
- تفسير البغوى
الجزء الرابع
سُورَةِ يُونُسَ
الاية152 إلى الاية 156
وقال وهب : غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا ، فهبط حتى تغشاهم في [ ص: 152 ] مدينتهم واسودت سطوحهم ، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك ، فطلبوا يونس نبيهم فلم يجدوه ، وقذف الله في قلوبهم التوبة ، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ، ولبسوا المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة ، وأخلصوا النية وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام فحن بعضها إلى بعض ، وعلت أصواتها ، واختلطت أصواتها بأصواتهم ، وعجوا وتضرعوا إلى الله عز وجل ، وقالوا آمنا بما جاء به يونس ، فرحمهم ربهم فاستجاب دعاءهم وكشف عنهم العذاب بعد ما أضلهم ، وذلك يوم عاشوراء ، وكان يونس قد خرج فأقام ينتظر العذاب وهلاك قومه فلم ير شيئا ، وكان من كذب ولم تكن له بينة قتل ، فقال يونس : كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم؟ فانطلق عاتبا على ربه مغاضبا لقومه ، فأتى البحر فإذا قوم يركبون سفينة ، فعرفوه فحملوه بغير أجر ، فلما دخلها وتوسطت بهم ولججت ، ووقفت السفينة لا ترجع ولا تتقدم ، قال أهل السفينة : إن لسفينتنا لشأنا ، قال يونس : قد عرفت شأنها ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة ، قالوا : ومن هو؟ قال : أنا ، اقذفوني في البحر ، قالوا : ما كنا لنطرحك من بيننا حتى نعذر في شأنك ، واستهموا فاقترعوا ثلاث مرات فأدحض سهمه ، والحوت عند رجل السفينة فاغرا فاه ينتظر أمر ربه فيه ، فقال يونس : إنكم والله لتهلكن جميعا أو لتطرحنني فيها ، فقذفوه فيه وانطلقوا وأخذه الحوت .
وروي : أن الله تعالى أوحى إلى حوت عظيم حتى قصد السفينة ، فلما رآه أهل السفينة مثل الجبل العظيم وقد فغر فاه ينظر إلى من في السفينة كأنه يطلب شيئا خافوا منه ، ولما رآه يونس زج نفسه في الماء .
وعن ابن عباس : أنه خرج مغاضبا لقومه فأتى بحر الروم فإذا سفينة مشحونة ، فركبها فلما لججت السفينة ، تكفأت حتى كادوا أن يغرقوا ، فقال الملاحون : هاهنا رجل عاص أو عبد آبق ، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري ، ومن رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر ، ولأن يغرق واحد خير من أن تغرق السفينة بما فيها ، فاقترعوا ثلاث مرات ، فوقعت القرعة في كلها على يونس ، فقال يونس : أنا الرجل العاصي والعبد الآبق ، فألقى نفسه في الماء فابتلعه حوت ، ثم جاء حوت آخر أكبر منه وابتلع هذا الحوت ، وأوحى الله إلى الحوت لا تؤذي منه شعرة ، فإني جعلت بطنك سجنه ولم أجعله طعاما لك .
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نودي الحوت : إنا لم نجعل يونس لك قوتا ، إنما جعلنا بطنك له حرزا ومسجدا .
وروي : أنه قام قبل القرعة فقال : أنا العبد العاصي والآبق ، قالوا : من أنت؟ قال : أنا يونس بن متى ، فعرفوه فقالوا : لا نلقيك يا رسول الله ، ولكن نساهم فخرجت القرعة عليه ، فألقى نفسه في الماء . [ ص: 153 ] قال ابن مسعود رضي الله عنه : ابتلعه الحوت فأهوى به إلى قرار الأرض السابعة ، وكان في بطنه أربعين ليلة فسمع تسبيح الحصى ، فنادى في الظلمات : أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فأجاب الله له فأمر الحوت ، فنبذه على ساحل البحر ، وهو كالفرخ الممعط ، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين ، وهو الدباء ، فجعل يستظل تحتها ووكل به وعلة يشرب من لبنها ، فيبست الشجرة ، فبكى عليها فأوحى الله إليه : تبكي على شجرة يبست ، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون وأردت أن أهلكهم ، فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى ، فقال : من أنت يا غلام؟ قال : من قوم يونس ، قال : إذا رجعت إليهم فأخبرهم أني لقيت يونس ، فقال الغلام : قد تعلم أنه إن لم تكن لي بينة قتلت ، قال يونس عليه السلام : تشهد لك هذه البقعة وهذه الشجرة ، فقال له الغلام : فمرها ، فقال يونس : إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له ، قالتا : نعم ، فرجع الغلام ، فقال للملك : إني لقيت يونس فأمر الملك بقتله ، فقال : إن لي بينة ، فأرسلوا معي ، فأتى البقعة والشجرة ، فقال : أنشدكما بالله هل أشهدكما يونس؟ قالتا : نعم ، فرجع القوم مذعورين ، وقالوا للملك : شهد له الشجرة والأرض ، فأخذ الملك بيد الغلام وأجلسه في مجلسه ، وقال : أنت أحق بهذا المكان مني ، فأقام لهم أمرهم ذلك الغلام أربعين سنة .
( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ( 99 ) وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ( 100 ) قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ( 101 ) .
قوله تعالى : ( ولو شاء ربك ) يا محمد ، ( لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه كان حريصا على أن يؤمن جميع الناس ، فأخبره الله جل ذكره : أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة ، ولا يضل إلا من سبق له الشقاوة .
( وما كان لنفس ) وما ينبغي لنفس . وقيل : ما كانت نفس ، ( أن تؤمن إلا بإذن الله ) قال ابن عباس : بأمر الله . وقال عطاء : بمشيئة الله . وقيل : بعلم الله . ( ويجعل الرجس ) قرأ أبو بكر : " ونجعل " بالنون ، والباقون بالياء ، أي : ويجعل الله الرجس أي : العذاب وهو الرجز ، ( على الذين لا يعقلون ) عن الله أمره ونهيه .
( قل انظروا ) أي : قل للمشركين الذين يسألونك الآيات انظروا ، ( ماذا في السماوات والأرض ) من الآيات والدلائل والعبر ، ففي السماوات الشمس والقمر والنجوم وغيرها ، وفي الأرض [ ص: 154 ] الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها ، ( وما تغني الآيات والنذر ) الرسل ، ( عن قوم لا يؤمنون ) وهذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون .
( فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ( 102 ) ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ( 103 ) قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين ( 104 ) وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين ( 105 ) .
( فهل ينتظرون ) يعني : مشركي مكة ، ( إلا مثل أيام الذين خلوا ) مضوا ، ( من قبلهم ) من مكذبي الأمم ، قال قتادة : يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود . والعرب تسمى العذاب أياما ، والنعيم أياما ، كقوله : " وذكرهم بأيام الله " ( إبراهيم - 5 ) ، وكل ما مضى عليك من خير وشر فهو أيام ، ( قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) .
( ثم ننجي رسلنا ) قرأ يعقوب " ننجي " خفيف مختلف عنه ، ( والذين آمنوا ) معهم عند نزول العذاب معناه : نجينا ، مستقبل بمعنى الماضي ، ( كذلك ) كما نجيناهم ، ( حقا ) واجبا ، ( علينا ننج المؤمنين ) قرأ الكسائي وحفص ويعقوب " ننجي " بالتخفيف والآخرون بالتشديد ، ونجى وأنجى بمعنى واحد .
قوله تعالى : ( قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ) الذي أدعوكم إليه .
فإن قيل : كيف قال : إن كنتم في شك ، وهم كانوا يعتقدون بطلان ما جاء به؟
قيل : كان فيهم شاكون ، فهم المراد بالآية ، أو أنهم لما رأوا الآيات اضطربوا وشكوا في أمرهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله عز وجل : ( فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ) من الأوثان ، ( ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ) يميتكم ويقبض أرواحكم ، ( وأمرت أن أكون من المؤمنين ) .
قوله : ( وأن أقم وجهك للدين حنيفا ) قال ابن عباس : عملك . وقيل : استقم على الدين حنيفا . ( ولا تكونن من المشركين )
[ ص: 155 ] ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ( 106 ) . ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ( 107 ) قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل ( 108 ) واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ( 109 ) .
( ولا تدع ) ولا تعبد ، ( من دون الله ما لا ينفعك ) إن أطعته ، ( ولا يضرك ) إن عصيته ، ( فإن فعلت ) فعبدت غير الله ، ( فإنك إذا من الظالمين ) الضارين لأنفسهم الواضعين للعبادة في غير موضعها .
( وإن يمسسك الله بضر ) أي : يصبك بشدة وبلاء ، ( فلا كاشف له ) فلا دافع له ، ( إلا هو وإن يردك بخير ) رخاء ونعمة وسعة ، ( فلا راد لفضله ) فلا مانع لرزقه ، ( يصيب به ) بكل واحد من الضر والخير ، ( من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ) .
( قل ياأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ) يعني : القرآن والإسلام ، ( فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ) أي : على نفسه ، ووباله عليه ، ( وما أنا عليكم بوكيل ) بكفيل ، أحفظ أعمالكم . قال ابن عباس : نسختها آية القتال .
( واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله ) بنصرك وقهر عدوك وإظهار دينه ، ( وهو خير الحاكمين ) فحكم بقتال المشركين وبالجزية على أهل
الكتاب يعطونها عن يد وهم صاغرون .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|